]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحجرة ذات الجدران الخشبية- الجزء الرابع ( الست فاتن صاحبة المفاتن )

بواسطة: ميشيل بولس يعقوب  |  بتاريخ: 2011-09-21 ، الوقت: 15:44:47
  • تقييم المقالة:

مرعشرون يوما منذ غادر ( أشرف ) الحجرة الى غير رجعه حتى للسؤال على ‘ بدأت اشعر بالوحدة فبمجرد عودتى للغرفة لا توجد لدى اى وسيلة للتسليه ، فقررت ان اقتصد فى المصروفات واشتريت راديوجيب صغير وبدأت فى استخدامه كأداة تسلية ، وفى امسية احد ايام نهايات فصل الخريف وبدايات دخول الشتاء والهواء قد بدأت تظهر به لسعة برد خفيفة ‘ احسست بحركة على سطح الفندق خارج الغرفة فى ( الروف ) فخرجت لإستطلاع الامر فلم اجد شىء فحدثة نفسى : ربما قطة ، ووجدت نفسى امام دورة المياه الرومانتيكية التى تتوسط سطح الفندق ورغم اننى اخشى دخولها بالنهار فما بالك بالليل إلا ان الاحتياج قاتل ، اخيرا وبعد تفكير ومعاناه قررت الدخول الى دورة المياه ‘ هممت بإنزال سروالى فسمعت حركة عند الشباك فرفعت رأسى ببط وحذر فنظرت ما تجمد له الدم فى عروقى .

فمن النظرة الاولى شاهدت رأس ادمى ينظر الى من الشباك ‘ لم اتبين ملامحه من الوهلة الاولى من حيث كونه رأس لرجل ام سيدة ام مسخ ، ولكن ما اشتعل برأسى من افكار وقتها يتوافق تماما مع ما قرأته من قصص أجاثا كريستى والفريد هتشكوك وفى خمسة ثوانى وضع عقلى إسم لهذه التراجيديا المرعبة ( الموت خلف الحمام ) وبعد نصف دقيقة كاملة تمكنت من التنفس ‘ وبعد ثلاثة ارباع الدقيقة تمكنت من إطلاق صرخة مكتومه ، وهنا تكلم الرأس :

--- إيه مالك ؟! شوفت عفريت ؟

وهنا تذكرت ذلك الوجه ‘ فهو وجه الست ( فاتن ) والتى تعمل (هاوس كيبنك ) بفندقى الفخم وهى إمرأة اقل ما يقال عنها انها غير جميلة وفى العقد الخامس من عمرها ، ولكننى كثيرا ما رأيتها تمسح اروقة الفندق ، واتذكر اننى حين رأيتها أول مرة لفت نظرى فيها شىء غريب جدا وهو انها تمتلك ساقين رائعتين الجمال  لا يتناسبان مع باقى جسدها من حيث الحجم او العمر ‘ فلونهما ابيض مشوب بالحمرة مشدوداتان،  بإختصار تشعر انهما ساقان لشابة فى العشرينات ركبتا بقدرة قادرعلى على جسد إمرأة فى الخمسين .

ابتلعت ريقى بصوت مسموع وبصعوبة تنحنحت وقلت :

---- ايه يا حاجة فى إيه ؟ فى حد يطل على الناس كده فى الحمام ؟!

---- انا افتكرت ان فيه حرامى .

---- حرامى؟!..حرامى إيه ده اللى اول ما ينط على البيت يخش على الحمام على طول ؟! حرامى عنده إسهال؟

---- خلاص انت حتعملى حكاية ؟ قولتلك افتكرتك حرامى .

ثم استدركت فى لهجة حنونة لا تتناسب مع الموقف :

--- انت جاى تدرس هنا .

--- ايوه .

--- ما لكشى حد فى البلد هنا .

--- لا .

--- طيب لو احتجت حاجة .. اى حاجة متتكسفشى .

رددت عليها بتوجس : متشكر يا حاجة .

 ونظرة فى عينى مباشرة وارتجفت شفتاها ومرت بيديها على جسدها وكأنها مانيكان فى احد عروض الازياء الباريسية وقالت :

---- مبلاش حاجة دى بتحسسنى كأن عندى مئة سنة وانا زى ما انت شايف .

إرتبكت جدا وتعلثمت فى الرد واخيرا استطعت إيجاد الكلمات وقلت بإقتضاب :

--- متشكر جدا يا ست فاتن .

ومضت الى اول سلم السطوح تهم بالنزول وعيناى مثبتتان عليها لا تفارقها وكأننى اخشى ان حولت نظرى عنها تعود الى مرة اخرى ، وتعجبت جدا من طريقة مشيها وهى تمشى الهوينه على رأى الشاعر( لا ريث ولا عجل ) وقبل هبوطها إلتفتت ونظرة الى نظرة مثيرة وخرج صوتها عذب غاية فى الرقة وهى تلوح لى بيدها وتقول :

--- باى .

وكأنها بنت من مصر الجديدة ذات سبعة عشر ربيعا على اكثر تقدير ، وهبطت السلم .

وجدت نفسى اغمغم بإرتباك وعيناى تبحلقان فى الفراغ : ماذا تريد هذه العجوز الشمطاء ؟!

                                            ***********

الساعة الثانية عشر ليلا وانا مستلقى على فراشى والراديو يفيض بصوت فيروز الجميل المحبب الى قلبى بأغنية ( اعطنى الناى وغنى ) ، واليوم قد مر ممل واشعر بالكسل وانا تحت الغطاء و... وفجأة سقطت فى النوم والراديو يذيع والنور مضاء .

نقرات خفيفة على باب الغرفة الخشبية اسمعها تأتى من بعيد كما لو كان حلم وكالعادة - اطنش – ورغم ان الباب بدون رتاج ( ترباس ) إلا اننى لم اكن اخشى من حرامى او غيره ايمانا منى بمبدأ ( ايش يأخذ الريح من البلاط ) وعلى هذا لم اكلف نفسى حتى فتح عينى بل سقطت فى نوم اعمق .

 شىء ساخن يداعب قدمى من اسفل ، بدأت اتنبه ، خطرت على بالى فكرة مرعبة ان يكون هذا احد الفئران – جيرانى بالسطوح – وبقفزة واحدة اصبحت واقف على قدمى ثم .. وجدت امامى الست فاتن وهى ترتدى ملابس نوم حمراء زاهية وقد اكتحلت عينيها واتسعت ، وحبات عرق صغيرة عالقة بجبينها ، وشفتها المرتعشة مصطبغه بلون احمر قانى ، وبدون وعى صرخت :

--- ايه يا حاجة في ايه تانى ؟ يادى الليلة السوده

لم اتلقى منها جوابا !! فقط نظرة ثابته ، فخفضت صوتى وقد بدأت اشعر بالخوف وكأننى فتاة على وشك الاغتصاب وقلت بلطف :

--- انتى عايزة ايه يا ست فاتن ؟

--- وبمنتهى الجرأة وببجاحة متناهية وضحكة ماجنة اجابت :

--- عايزة لا مؤاخذة ... عايزة استغفر الله العظيم .

ثارت ثائرتى وثارت الحمية بداخلى وهدر بعروقى الدم الصعيدى و.. و.. ولكننى مازلت خائف ووجدت من الحكمة ان اجاريها حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه فقلت :

--- ماشى بس.. خليها بكره .

همت بالاعتراض ولكننى اسرعت اقول لها وقد ارتسمت على وجهى نظرة مسكنة وقد شارفت على البكاء :

--- اصل انا طول اليوم فى المعهد و.. ومش نايم كويس و.. ومش حينفع النهارده .

وفوجئت بها تقترب منى وتمر بيدها على شعرى فى حنان وتقول فى صوت هادىء لا يخلو من الضيق :

--- خلاص يا حبيبى ..  بكره .

وغادرت الغرفة بنفس المشية ، ولم تنسى عند الباب ان تلتفت لى وتقول نفس الكلمة بالطريقة المعهوده : باى .

لم يغمض لى جفن حتى اشرق الصباح، وكنت طوال الليل الملم اشيائى القليلة المبعثرة فى ارجاء الغرفة ، واستنجد بأولياء الله الصالحين خوفا من عودتها ثانيا، ومع اول خيوط الصباح حملت شنطتى الصغيرة على كتفى ، ودرت بعينى بسرعة مرتيتن فى المكان حتى أتأكد اننى لم انسى شىء ، وكمن يشرع فى الهروب من سجن رهيب كسجن ( الباستيل )  أخذت اهبط السلالم فى خفة وحذر خوفا من اصادف الست فاتن فى احد الاروقة او على السلم ، ووصلت الى نهاية السلم ‘ واخذت امشى مستترا بالحائط الايمن للممر وكأننى اتخفى من وحش غامض يتربص بى ، وخرجت الى الشارع بسرعة ومشيت حوالى خمسون مترا ثم توقفت وتنفست فى عمق وارتياح .

ابتسمت بسخرية وانا ابتعد عن الفندق عندما تذكرت اننى لم انسى ان اكتب على جزء واضح من جدران الغرفة الخشبية ‘ وبخط كبير: " رسالة من احد الضحايا : الى كل من تلقيه اقداره السيئة على النزول بهذه الغرفة ..لا تخشى العفاريت .. ولا تخشى الجن ..ولكن احترس كل الحرص من الست فاتن صاحبة المفاتن . ملحوظة / متنساش تركب ترباس "

          

                       تمت ، ‘

 

 بقلم / ميشيل بولس

 21/9/2011 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق