]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

( قصة ) الرقــم الفــــردي الذي لا يقبـل القسمة على اثنيـــن !..!!!!!

بواسطة: الكاتب السوداني / عمر عيسى محمد أحمد  |  بتاريخ: 2013-04-09 ، الوقت: 06:37:09
  • تقييم المقالة:



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(  قصـــــــة  )

العدد الفردي الذي لا يقبل القسمة على اثنين  ؟.؟؟؟

           قالت يا ولدي أنت واحتي وراحتي في صحراء الدنيا وليس لي سواك .. وإن افتقدتك لحظة من ساحة العين فتلك لحظة كالحة سوداء .. وأعلم يقيناً بأن لك خيارك في الحياة ولك مدارك .. غير أني بحر من سطوة أمومة طاغية بالعواطف عن حدها .. وأعلم حدودي في مدارك .. ومع ذلك عجزت أن أقف عند حدي في شأنك  .. والليلة هي ليلة العمر تراها كل أم وتتمناها أن تكون أسعد ليلة وهناء لابنها .. غير أني وجدتها أكثر ليلة غمرتني حزناَ وشقاءَ ..  ففي كل لحظة أجد نفسي غارقة في رمضاء الهموم وهجير الذكريات ..  أحتضن علامات الموت بطيئاَ وأفقد الراحة في الروح   .. حيث تهبط فوق قلبي جبال الحزن فكدت أفقد عقلي .. ناضلت فيها نفسي بالصبر والسلوان  .. ثم جادلتها بالعقل والمنطق .. ثم حاورتها بكل زوايا الأمومة .. فغلبتني نفسي بالأنانية ونازعتني بشدة حتى خرجت إلى الشارع أركض كالمجنونة .. هرولت إليك أناديك وأجاهر باسمك ..  وأنا أجرى غير آبهة بعيون الناس  .. حتى وقفت عند باب غرفتك وأنت في أولى  لحظات ليلة عمرك مع عروستك رفيقة دربك  .

            تلك هي كلمات أم لأبنها الذي كان في بداية ليلة العمر مع عروسته  .. وقد تم زفافهما في زفة رائعة قبل نصف ساعة فقط بعد انتهاء مراسم الزواج   .. حيث حفلة شارك فيها كل الأهل والأحباب والأصدقاء ..  مشفوعة بالرقص والغناء والزغاريد .. وفي نهاية الطقوس قاد موكب الزفة العروسين إلى شقة خصصت لأيام شهر العسل .. ثم تفرق الجميع بعد ذلك وأنفرد العريس بعروسته ..  وكانت اللحظات في بداية ليلة لم تبدأ الخطوة بعد .. بل فقط تلك النظرات العميقة التي ترسلها العيون في صمت يعلن السعادة الدفينة في قلبين يأملان السعادة في مشوار الحياة ..  نظرة من عين في عمق عين .. ثم التحلق بعيداً في عوالم أحلام تحملها أجنحة ملائكة طاهرة كرام ..  لحظات عظيمة كم تتمناها قلوب صغيرة  تعلن عن بداية مرحلة جديدة في عمرها .. وحيث تلك الأمنيات التي تكمن في قلب كل شاب وشابة ..  وحيث فطرة أنفس تترتب أخيراً لتنال حقاَ مستحقاَ بكتاب وسنة  ..   والسكوت العميق هو ذاك البدايات ..  بغير حروف تفترض في تلك اللحظات العالية  .. بل فقط سكوت ووجوم وتحلق في طقوس اللحظات العالية العزة  .. إلا أن طرقات الأم الشديدة لباب الغرفة أزعجت قدسية تلك الطقوس .. وأربكت عوالم الخيال والجمال .. فأسرع العريس يلبي نداءات الأم المضطربة ليفتح باب شقته  .. ولكنه قبل أن يفتح لأمـه الباب طمئن قلب عروسته بأن لا تنزعج كثيراً .. فتلك هي أمه التي يعرفها جيداَ .. فهي كعادتها إذا حكمت في رأسها أمراًَ فلا تعرف معاني الأصول .. ولا تهمها قدسية الطقوس والعادات .. ولا يمنعها الحياء أن تلتزم  بحدود العيوب عند لحظات جنونها .. وهذه لحظة من لحظات جنونها .. وعلى العروسة أن تعرف شيئاَ عن صفات أمـه .. وقد تأخذ درساَ يفيدها في مستقبل أيامها .

            وقصة الأم تبدأ هنا ..  بدأت حياتها مثل غيرها .. تتمنى عشاً سعيداً .. وتتأمل أن تكون سيدة عرشها .. لها زوجها ولها أطفالها .. وكانت خطواتها تتوالى بقدر مرن وميسر .. والحظ جانبها كثيراً فلم تنتظر طويلاً في مشوار عمرها ..  فقد كانت موفقة حيث تقدم إليها من كان في نيتها .. ونالت توفيقاً عجيباً في اختيارها .. فعاشت معه اسعد لحظات عمرها .. ولم تجد منه يوماً شائبة تخدش مرآة العلاقة الجميلة حتى رزقت منه بولد .. هو ذاك الولد ثمرة أفئدة أحبت بعضها بشدة .. وعقدة رباط لقلبين تتوشح بجينات محبة بمحبة  .. حيث توحدت أنصاف خلايا لأب وأم في بوتقة إنسان جديد ..  فهو ذلك الإنسان الذي يمثل الواحد لاثنين .. أحبت زوجها كثيراً وأحبت ولدها .. ولكن تلك سنة أن لا تدوم السعادة في مشاويرها .. فقد مات الزوج في حادثة سير مؤلمة ومؤسفة .. والصغير ما زال في أعوامه الثلاثة .. فخرجت من نكستها بعد صبر وحزن .. ثم رضيت بحكم القدر الذي هو مكتوب في الأزل .. وقد آمن به قلبها صادقاً .. ولكن قلبها أيضاًَ تعلق بالماضي وبالذكريات ..  وكانت اشد تعلقاُ بابنها .. ذلك الابن الذي أصبح يمثل المشوارين .. يمثـل فلذة كبدها وخزانة ذكرياتها  .. كما يمثل صورة الماضي العزيز في أبيه رفيق عمرها .. وهو يحمل من أبيه الشبه كثيراًَ ويحمل منه الصفات  .

               أبت نفسها أن تخوض تجربة أخرى في مشوار الحياة .. وحيدة دون زوجها الحبيب وأخيراَ وحيدة دون ابنها الفريد .. نكسة أخرى في دروب الحياة الشاقة  .. فكم صبرت عن مرارة الماضي واكتفت بالذكريات .. ونذرت أن تهدي حياتها لولدها الوحيد ..  فعاشت أيامها سعيدة مع رفقة ابنها الحبيب  .. حتى اجتاز ذاك المشوار بعوالم الطفولة ، ثم أيام الصبا والشباب .. ثم بدأت تبحث عن نقلة جديدة لولدها .. تريد له السعادة في كل المراحل .. شأنها شأن كل أم تريد لولدها رحلة عش جديدة .. وحياة مستقلة خاصة .. غير أنها في تلك النقلة كانت مترددة .. وغير ميالة .. فكيف لها أن تقبل بأخرى تشاركها وتنازعها في حبها وحيازتها لوحيدها .. العقل فيها يريد المنطق والسنة .. والعاطفة الجياشة فيها ترفض مجرد الفكرة .. وأخيراً تحت إلحاح السنة والعادة والتقاليد وافقت في قرارة نفسها بأن تتبع القرار الحكيم ..  فحكمت عليه بأن يتقدم للزواج .. أما هو فكان يقدسها ويحبها حيث هي الأم وليس سواها .. فأطاعها في كل خطواتها .. وكان براً بها وقد عرفها جيداً .. وعرف عنها أنها في حبها له قد خرجت كثيراًَ عن معقولية الأمهات .. وأنها لا تطيق فراقه لحظة .

                 وقفت هناك أمام غرفة العروسين وقد تجمع نفر من المعارف حيث جلبت الانتباه بنداءاتها وصيحاتها  ..   ثم تطرفت حدةًَ وأخذت شرطاً بأن يعود ابنها معها إلى دارها .. فوراَ ودون نقاش أو إبداء رأي .. كانت تتكلم وهي تفقد المنطق وتعاني نوعاً من الهستيريا .. فأجتهد البعض في إقناعها بالعدول عن شرطها .. ولكنها كانت بكماء صماء عمياء بهماء لا تعقل ولا تفكر .. وفقط تجتهد في إحقاق قرار اتخذته دون عقل أو صواب  .. وفوراَ علمت بها ولدها .. وهو يعرف طبعها جيداً .. فقال لأمه .. لك السمع والطاعة يا أمي الحبيبة  .. وأنا من هنا معك خطوة بخطوة إلى دارك .. وأمسك بيدها وأمسكت بـه  .. وذهب معها إلى دارها .. والحضور في دهشة وذهول .. ثم في الدار هناك جهزت سريراً له بجانب سريرها .. وطلبت منه أن ينام بجوارها .. فأطاعها في كل أوامرها حتى أنه رقد في سريره وهو ما زال يلبس ملابس العرس .. وما زالت الأحذية في أقدامه  .. فرقدت إلام في سريرها .. ثم بدت وكأنها نالت مرامها .. وغمرها نوع من السعادة والفرحـة الطاقية .. ثم بعد لحظات انتفضت فجأةَ من سريرها  كالمجنونة ..  وهي تصيح وتوبخ نفسها وتقول بالصوت العالي  : ماذا فعلت أنا ؟؟ !! .. وأي أم أنا ؟؟ !! .. وكيف يكون ذلك ؟؟ .. وكيف يحدث مني ذلك  .. ويحـي فقد أفسدت لابني ليلة عمره ؟؟ !! .. ثم أخذت تبكي بحرقة شديدة .. ثم قامت من سريرها  لتشد بيد ابنها وتأمره بأن يعود فوراً لعروسته .. وحاول هو أن يهد من روعها ويقول لها : يا أمي العزيزة توقفي قليلاً .. وخذي أنفاسك ولا تكوني قاسية على نفسك .. فأنا أريد أن أكون معك للحظات لأطمئن عليك ..  وبعد ذلك  سوف أعود لزوجتي .. ولكنها كعادتها أصرت وأقسمت بالله بأنها لن تسمح له بالبقاء لحظة في منزلها ..  فأخذت بيده تشده بقوة ثم قادته مرة أخرى حتى وصلت به إلى باب غرفة عروسته ..  وهناك فاضت عيونها بدمعة حارة .. ثم ودعته بعد أن طبعت فوق جبينه قبلة صادقة .. وقالت له  : يا بني كم كنت لي ابناًَ باراَ وطائعاً .. وكم كنت لك أماَ قاسية وجافية  !!  .. والآن أنا أطلب منك العفو والسماح .. فقال لها : أمي العزيزة أنا أعرف قلبك الطيب جيداً ..  وأنا كلي لك ومنك فكيف تطلبين السماح من نفسك ؟؟ .. ثم طبع قبلة بدوره على جبين أمه . فودعته وانصرفت ..  ووقف هو هناك للحظات حتى اختفت ملامح تلك الأم العظيمة من شاشة بصره .. ثم دخل على عروسته وهي ما زالت في انتظاره  .. وقد سمعت كل حرف دار بين الأم وابنه ..  وهي تلك الحسناء الجميلة التي بدت كالبدر في ليلة القدر ..  ترسل ضوء السحر والجمال لكل أرجاء الدنيا . وتلك الليلة هي ليلة كل قلبين في رحاب الوفاق .

ــــــــــــــــــ

الكاتب السوداني / عمر عيسى محمد أحمد

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2013-04-09
    لا ادري ما اقول الا أنني ..
    بكيت وكأن لكل حرف صدى يمزق جيوب االفكر والصبر
    لله درك أحسست ان القصة معي , ليست حوارية ولا قصة من عالم الخيال
    دمتم ودام قلمكم الناطق بالروعة وتحويل الحرف لحياة
    سلمتم

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق