]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العلاقات الإيرانية- الروسية حتى شباط 1917/قصي طارق

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-04-05 ، الوقت: 13:56:53
  • تقييم المقالة:

 

العلاقات الإيرانية- السوفيتية حتى شباط 1917

 

 

يمكن تتبع العلاقات السياسية بين الروس وإيران(1) في التاريخ الحديث منذ القرن السادس عشر الميلادي الذي شهد قيام الدولة الصفوية ودخولها في صراع مع الدولة العثمانية(2) ففي سنة 1556 تمكن القيصرايفان الرابعIvan.VII  (1533- 1584)الملقب بالرهيب من الاستيلاء على استراخان ونهر الفولغا من منابعه إلى مصبه في بحر قزوين مما ِِِأدى إلى ازدياد أهميته التجارية بين الروس والإيرانيين.(3)

حاول ايفان الرابع استمالة شاه إيران طهماسب (1524- 1576) للمشاركة في حربه ضد الدولة العثمانية التي كانت علاقاتها عدائية مع الدولتين، ففي سنة 1569 أرسل ايفان مندوبه دولمت كاربيوفيتش الى الشاه وحمل معه هدية مكونة من 30 مدفعاً مختلفاً و400 بندقية، مع عدد كبير من الرماة المهرة لتدريب القوات الإيرانية، ووعد القيصر الشاه بتجهيز الجيش الإيراني بمزيد من السلاح إذا ما قبل الأخير بدعوته للتحالف معه ضد الدولة العثمانية، وقد فرح الشاه بهذا العرض وعبر عن استعداده لمساعدة القيصر قدر المستطاع(4).

استمرت العلاقات بين الطرفين في زمن شاه محمد خدابنده (1577- 1587)، فقد أرسل الأخير ممثلاً عنه إلى القيصر الروسي طالباً منه العون ضد الأتراك العثمانيين مقابل التخلي عن مقاطعتي باكو و دربند لروسيا، وفي السنة الأخيرة من عهد الشاه نفسه بدأت العلاقات الدبلوماسية المنظمة بين الطرفين.(5)

وخلال القرن السابع عشر جرى تبادل السفارات بين الدولتين  الصفوية وروسيا، فقد استقبل الشاه عباس الأول (1588- 1629) ثلاث سفارات روسية في 1618، 1623، 1626.(1)        

لم تشهد العقود اللاحقة حدثاً سياسياً بارزاً في علاقات الدولتين بسبب ضعف القياصرة الذين خلفوا ايفان الرابع ونتيجة الاضطرابات التي شهدتها روسيا في مطلع القرن السابع عشر، إلا أن حكم اسرة رومانوف (Romaanov)(2)دشن بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين الدولتين، ففي سنة 1664 وصلت بعثة روسية إلى إيران أرسلها القيصر الكسيس ميخالوفيتش –Alexis Mikhalovich1645- 1676 وكانت هذه البعثة تتكون من مسؤولين سياسيين وثمانمائة شخص مرافقين لها أغلبهم من التجار، فرحب الشاه عباس الثاني (1642- 1666) بهم، لكنه ما لبث ان اكتشف ان هؤلاء كانوا من التجار جاءوا بصفة سفراء ليتخلصوا من دفع الضرائب، فغضب الشاه وأهان الروس وأمر بطردهم.(3)

وفي سنة 1668 قام قوزاق جنوب روسيا بأمر من القيصر الكسيس بأول عمل عدائي بارز من قبل الروس، حيث استهدفوا مهاجمة مازندران والاستيلاء على شبه جزيرة ميان كالة ولكن الإيرانيين تمكنوا من صد القوة المهاجمة وطردها(4).

شهدت روسيا القيصرية في عهد بطرس الكبيرPeter the Great(5)1682- 1725 تطورات مهمة على صعيد السياستين الداخلية والخارجية، فقد كان بطرس الكبير يطمح في الوصول الى المياه الدافئة، اذ فكر بربط بحر قزوين بأواسط روسيا وتحويله إلى منفذ تجاري نشط مع إيران و الخليج العربي.وبعث مبعوثا عنه الى العاصمة الصفوية اصفهان سنة 1697بهدف تحريض حكام ايران على إعلان الحرب ضد العثمانيين(1) وفي سنة 1708 أرسل بعثة دبلوماسية الى إيران برئاسة رجل يدعى اسرائيل اوري- Israel Oriiوبعد سبع سنوات من هذه البعثة ارسل بطرس الكبير سفيراً يدعى فولينسكي- Volynskyليقدم للشاه حسين صفوي 1694- 1722 شكوى عن الاعتداءات التي تعرضت لها المراكز التجارية الروسية في إيران، ويطلب من إيران دفع غرامة كبيرة مقابل ذلك.(2)

كانت الدولة الصفوية تمر بأصعب مراحلها خلال حكم الشاه حسين الصفوى(3). وكان بطرس الكبير واقفاً على مجريات الأحداث في الدولة الصفوية وذلك عن طريق سفيره فولينسكي الذي كان يشجع القيصر من خلال تقاريره على التوجه نحو إيران في إطار خطته التوسعية،وقد توقع فولينسكي في إحدى تقاريره بان السلطة الصفوية ستنقرض إذا لم يحل شخص قوي وكفوء محل الشاه حسين، وقد حدث ما توقعه بعد مرور بضع سنين.(4)وعندما احتل الأفغان مدينة أصفهان سنة 1722 طلب الشاه طهماسب الثاني(5) 1722- 1733 المساعدة من الروس وأعطى ذلك فرصة سانحة لبطرس الكبير لكي يسيطر على مدن دربند وباكو وقسم من مازندران ورشت حول بحر قزوين.(6) كما أسس بطرس الكبير شركة تجارية روسية للمتاجرة مع إيران في1723 عندما غزا ذلك البلد(7). الا ان وفاة بطرس الكبيرفي  1725 وبروز نادرخان(1) في إيران عرقل مساعي الروس لتحقيق أهدافهم في إيران، ولكن دون وضع حد نهائي لها.(2)

وفي شباط 1732 توصل نادر خان الى عقد معاهدة "رشت" مع روسيا وبموجبها اعيدت لايران سيادتها على مناطق كيلان ومازندان واسترآباد، مقابل منح الروس بعض الامتيازات الاقتصادية أبرزها إعفاء صادرات روسيا إلى إيران ووارداتها منها من كل أنواع الضرائب(3). ومارس نادرخان ضغطاً على الروس من أجل استرداد باكو ودربند، بالتحالف مع الدولة العثمانية ضدهم، فاضطر الروس الى التخلي عن المدينتين لصالح إيران.(4)

انقطعت العلاقات بين إيران وروسيا بعد هذا الانسحاب ويعود ذلك إلى الضعف الداخلي عقب وفاة بطرس- الكبير، ثم استأنف الروس سياسة التوسع على حساب إيران في عهد القيصرة كاترين الثانية Cathrerin.II1762- 1796، فبينما كان الحاكم الإيراني كريم خان زند(5) 1750- 1779 منهمكاً بمحاصرة البصرة في 1775- 1776(6) أرسلت كاترين الثانية جيشاً كبيراً للتوجه إلى دربند إلا أن حاكم دربند الموالي لكريم خان المدعو فتح علي خان تمكن من دحر القوات الروسية(7).

كان الروس في هذه المدة يحاولون ان يتفقوا مع الايرانيين  وذلك لكي يتفرغوا للحرب مع الدولة العثمانية وان يستفيدوا من العداء المستمر بين إيران والدولة العثمانية، وعلى هذا الأساس ارسلوا في عام 1778 سفيراً الى كريم خان زند الذي كانت قواته تحتل ميناء البصرة العثماني منذ 1776، ووافق كريم خان على طلب الروس في إقامة تحالف بينهما ضد العثمانيين، الا ان وفاة كريم خان في علم 1779 أفشل هذا التحالف(1).

دخلت إيران حالة من التدهور والفوضى عقب وفاة كريم خان واستغلت كاترين الثانية هذا الوضع للتوسع على حساب إيران وأصبحت مملكة جورجيا التي كانت تتنقل بين أيدي العثمانيين والصفويين سبباً في تأزم العلاقات بين الطرفين. فقد عقد القيصر هيراكليس الثاني Heraclius.II  حاكم جورجيا معاهدة مع روسيا سنة 1783 ألغى بموجبها جميع التزاماته تجاه إيران(2). وفي 1789 بنى الروس مركزاً في مدينة أشرف على بحر قزوين. إلا أن أغا محمد خان القاجاري(3) 1795- 1797 مؤسس الدولة القاجارية أزال هذا المركز بعد ما تبين له أنه يهدف إلى تحقيق مقاصد سياسية(4). ثم أرسل تهديداً الى القيصر الجورجي يطالبه فيه بالاعتراف بسيادة إيران، ولما كان الرد الجورجي سلبياً، جهز آغا محمد خان جيشاً وزحف في 2 أيلول  1795 وسيطر على مدينة تفليس عاصمة جورجيا واستباح المدينة(5)، وفي تلك المدة أرسلت قيصرة روسيا كاترين الثانية جيشاً كبيراً وأخضعت الحاميات الإيرانية في دربند وباكو وكنجةللسيطرة الروسية، فاتجه آغامحمدخان لمواجهة ذلك الجيش ولكن توفيت كاترين وأمر خلفها بول الأول Poul.I  1796- 1801 القوات الروسية بالانسحاب(6).

تجددت المصادمات مرة اخرى بسبب جورجيا أيضاً، فعندما قتل آغا محمد شاه القاجاري 1797، استغل القيصر الجورجي الفرصة فسيطر على تفليس بمساعدة القوات الروسية وأعلن ضم جورجيا الى روسيا، وعندما توفي هيراكليس عين القيصر الروسي الكسندر الأول Alexandar.I1801- 1825 ولده جورج الثالث عشر مكانه، أما الابن الآخر لهيراكلس، وهو الكسندر، فأنه التجأ إلى إيران، واتخذ القيصر هذه الخطوة ذريعة لإرسال جيش عام 1804 للسيطرة على القفقاس. وارتكب القائد الروسي سيسيانوفSissianov  مذابح في بعض المدن ولاسيما في كنجة (1). وهكذا بدا سلسلة من الحروب الدامية استمرت من 1804 الى 1813 جلبت نتائجها هزائم سياسية وعسكرية جديدة وكبيرة لإيران التي لم تكن مهيأة عسكريًا لخوض غمار الحرب مع دولة كبرى مثل روسيا، إذ كان الجيش الإيراني يعاني من نقص خطير في التدريب والتجهيز، وأخذت القوات الإيرانية تحت قيادة ولي العهد عباس ميرزا تتلقى ضربات متتالية وخرجت مدن كثيرةعن السيادة الإيرانية(2) أمام هذه الهزائم حاول فتح علي شاه القاجاري1797-1834 الحصول على حلفاء له من الدول الأوروبية، وكانت فرنسا النابليونية في مقدمة الدول الأوربية التي حاولت إيران الاتصال بها،فقد أرسل فتح علي شاه رسالة إلى نابليون في كانون الأول 1804 نقلها السفير الفرنسي في استانبول، وأسفرت هذه الاتصالات وغيرها عن التوقيع على معاهدة بين البلدين في 4 أيار 1807 عرفت بمعاهدة فنكنشتاين(3) Finkensteinاعترفت فيها فرنسا بسيادة إيران على جورجيا وعبرت عن استعدادها لمساعدة إيران عسكرياً مقابل إخراج جميع الرعايا البريطانيين عن أراضيها والسماح للقوات الفرنسية بالعبور عبر أراضيها لتوجيه ضربة الى الوجود الاستعماري البريطاني في الهند إذا تطلب الأمر ذلك(4). إلا أن تطورات الأوضاع الدولية على الساحة الأوربية والتي انتهت بصلح تلستTilist  في تموز 1807 بين فرنسا وروسيا دفعت نابليون إلى التنصل من معاهدة فنكنشتاين(5).

استثمر البريطانيون الموقف فتحركوا باتجاه إيران وعقدوا معاهدة تحالف مع إيران في آذار 1809 وتعهدوا بمساعدتها مالياً وعسكرياَ. وفعلاً أرسلت بريطانيا إلى إيران 600 ألف قطعة ذهبية مع 1000 بندقية و20 مدفعاً(6).

وفي شباط 1812 تمكنت القوات الإيرانية من إلحاق هزائم بالقوات الروسية بالقرب من نهر آراس، وبهذا الصدد كتب عباس ميرزا إلى السفير البريطاني في إيران هارفرد

 

جونزHarfard Jonesقائلاً: "ان مدفعيتكم كانت العامل الرئيسي في الانتصار". (1)

ولكن تسوية روسيا وبريطانيا لخلافاتها من جديد والتحالف في اوربا ضد نابليون جعل من غير الممكن اشتراك بريطانيا في الحرب الروسية -الايرانية، وأمر السفير البريطاني الجديد السركوراوسلي Sir Gore Osely  الضباط البريطانيين بالعودة، فاغتنم القائد الروسي كتلروفسكي Kotlerovskyالفرصة وهزم الجيش الإيراني الذي تراجع إلى تبريز وسيطر الروس على مدينة اريفان(2)، فقام السفير البريطاني بالوساطة بين البلدين، وفي 12 تشرين الأول 1813 عقدت معاهدة كلستانبين روسيا وإيران(3).

 

أعطت المعاهدة التي تألفت من أحد عشر بندا(4) السيادة على جميع السفوح الجنوبية لمنطقة القفقاس لروسيا القيصرية وجعلت آسيا الصغرى والهند مفتوحتين أمامها ويمكن تلمس ذلك من البنود الإقليمية والسياسية التي تضمنتها، فقد تعهدت إيران بالتنازل عن اقليم جورجيا وداغستان وجميع المناطق التي سيطر عليها الروس تنازلاً تاماً وعدم المطالبة بها في المستقبل.

وعلى الرغم من أن المعاهدة جعلت الملاحة حرة في بحر قزوين أمام السفن التجارية، الا انها حولت هذا البحر إلى بحيرة روسية وذلك من خلال تأكيدها على أن للسفن الحربية الروسية وحدها حق الإبحار فيه.(5)

لم تكن معاهدة كلستانسوى هدنة بين الطرفين، فقد كان الشاه يشعر بان بنودها كانت مذلة، أما روسيا فان المعاهدة بالنسبة لها لم تكن نهاية مطاف لأطماعها التوسعية في إيران، فضلاً عن نشاط علماء الدين المسلمين الذين كانوا يحرضون الشاه على محاربة الروس بعّدهم "كفاراً"(6).

في 1816 اتجه السفير الروسي ايرمولوف Irmolovإلى إيران واقترح على فتح علي شاه تجديد التحالف ايران مع روسيا ضد الدولة العثمانية، وان تهاجم القوات الإيرانية اقليم خوارزم أو تسمح بمرور الجيوش الروسية عبر أسترآباد وخراسان الى خوارزم، لأن التجار الروس يعانون من سوء معاملة أهلها، كما طلب إقامة ممثلية تجارية روسية في رشت. ولم يوافق الشاه على هذه المطاليب التي صيغت على شكل تهديد، وقال بأنه يفضل الحرب على هذا الصلح فاضطر الروس الى التنازل عن مطالبهم(1).

استمر التوتر في العلاقات الإيرانية- الروسية،وبدأت مناوشات بين الطرفين في المناطق الحدودية. وبالرغم من قيام الطرفين خلال أعوام 1824- 1826 بتبادل عدة سفارات لحل المشاكل الحدودية بينهما، إلا أن نصيب هذه السفارات كلها كان الفشل(2).

و في أواسط عام 1826 شن الجيش الإيراني حرباً على روسيا وحقق تقدماً في بعض المقاطعات القزوينية، ولكن الموقف لم يستمر لصالح إيران، فسرعان ما بدأت التراجعات والإخفاقات العسكرية تتوالى أمام تقدم الجيش الروسي بقيادة باسكوفيتش Paskewitch  الذي وصل أخيراً إلى مدينة تبريز عاصمة إقليم أذربيجان الإيرانية، ثم واصل الزحف والاستيلاء على مدن جديدة بحيث أصبحت أذربيجان كلها تحت سيطرته(3)

وفي النهاية وبعد وساطة بريطانية، عقدت معاهدة تركمانجايبين إيران وروسيا القيصرية في 27 شباط 1828(4). وكان ثمن الصلح باهضاً هذه المرة فقد تحملت إيران بموجب هذه المعاهدة خسائر إقليمية فادحة، اذ تضمنت المواد(3-4-5) تنازل إيران عن خانيات اريفان ونخجوان إلى روسيا، ونصت المعاهدة على أن يكون نهر آراس خط الحدود بين الدولتين. كما فرضت على إيران غرامة حربية قدرها 20 مليون روبل، والأسوأ من كل ذلك كان الملحق الاقتصادي لمعاهدة تركمانجايالذي حصلت روسيا بموجبه على امتيازات واسعة في مجال التجارة والجمارك وخضوع الرعايا الروس لاختصاص قناصلهم، وحقهم في شراءوبيع وتأجير البيوت والمحلات، و كذلك حق روسيا في تعيين القناصل والوكلاء التجاريين في المدن الإيرانية التي تقررها(1)

تعد معاهدة تركمانجايمن أخطر المعاهدات التي ابرمت بين إيران وروسيا، فقد جسدت معالم التوسع الروسي جنوباً ودشنت  بداية خطيرة للاختراق الاقتصادي والسياسي في إيران، انعكست آثارها سريعاً على الأوضاع الداخلية الإيرانية، وان حادثة مقتل القنصل الروسي في طهران المدعو كريبايدوف Gribaidov  في شباط 1829(2) والتي كادت أن تؤدي إلى الحرب بين الدولتين مجدداً، تعطي لنا مثالاً جلياً على التدخلات السافرة التي أدت إلى إثارة الجماهير الشعبية ضد السلطات الروسية(3).

وقدم فتح علي شاه اعتذاراً رسمياً إلى القيصر الروسي الذي قبل الاعتذار وقرر تخفيض مبلغ التعويضات الإيرانية بمقدار مليوني روبل لتخفيف حدة الغضب في الشارع الإيراني (4).

على الرغم من ان التوتر كان السمة الغالبة في العلاقات بين إيران وروسيا في بداية العهد القاجاري، إلا إن العامل الاقتصادي قد تحول مع ذلك إلى عنصر واضح في تلك العلاقات منذ ذلك العهد، فقد ازداد حجم التجارة الإيرانية مع روسيا بعد معاهدة تركمانجايوقدر حجم الصادرات الروسية الى إيران من موانئ بحر قزوين بما قيمته 126.000 باون إسترليني، وحجم الصادرات الايرانية الى روسيا بما قيمته 23.575 باون استرليني.(5)

ويكفي ان نذكر بهذا الصدد ان صادرات إيران إلى روسيا من الحديد قد ارتفعت خـلال الفترة 1836- 1851 بمقدار تسع وسبعين مرة ومن القطن بمقدار سبعين ومن الغزول بمقدار عشر مرات(6). وفي سنة 1849 عندما اتلف الجراد محاصيل جورجيا حمل القمح والشعير إليها من أذربيجان الإيرانية، وفي سنة 1849 وصل السكر الخام إلى روسيا من مازندران(1)

شهد عهد ناصرالدين شاه القاجاري 1848- 1896 تطورات مهمة في العلاقات بين روسيا وإيران وذلك بحكم طول ذلك العهد أولاً ولتزامنه مع أحداث وتحولات خطيرة محلياً وعالمياً ثانياً. فقد تحولت روسيا مع بريطانيا إلى أهم دولتين من حيث تأثيرهما المباشر على علاقات إيران الدولية وعلى حياتها السياسية الداخلية والاقتصادية. وفي هذه المرحلة ازدادت أهمية إيران بالنسبة للسوق الروسية إلى حد كبير وذلك أثر عملية التوسع الجديد التي أقدم عليها قياصرة روسيا باتجاه آسيا الوسطى في أواسط القرن التاسع عشر(2).

وحاول الروس في الوقت نفسه تشجيع شاه إيران للتوسع نحو أفغانستان وكانت روسيا تتوخى من وراء ذلك الحصول على مكاسب عدة منها إيقاف الزحف البريطاني صوب آسيا الوسطى(3).وتأكيد سيطرتها على أفغانستان والوصول إلى الهند من خلال سيطرة إيران "الضعيفة" على هذا البلد.(4) أي أنها أرادت السيطرة على أفغانستان من خلال إيران، وفعلاً زحفت القوات الإيرانية في سنة 1856 على مدينة هرات الأفغانية.(5) ولكن القوة العسكرية البريطانية والعجز الروسي عن تقديم المساعدة لإيران أفشل العملية، فاعترفت إيران باستقلال أفغانستان بموجب معاهدة باريس 1857(6).

اغتنمت روسيا ضعف إيران ولاسيما بعد عقد معاهدة باريس لتحقيق مكاسب إقليمية جديدة على حساب الأراضي الإيرانية. وفي سنة 1863 سيطر الروس بالتدريج على مناطق اورال وسمرقند وطشقند ثم سيطروا على مدينة مرو، وفي سنة 1873 زحفت القوات الروسية الى مناطق شمال شرق إيران بحجة "القضاء على القبائل التركمانية المتمردة"(1). وبحلول عام 1881 سيطروا على جميع تركمانستان وخوارزم وأضطر ناصرالدين شاه الى الاعتراف بتبعية هذه المناطق لروسيا بموجب معاهدة آخال(2) السرية التي عقدت في 9 كانون الأول 1881 وبموجب هذه المعاهدة تم رسم الحدود الشمالية الشرقية لإيران بشكلها الحالي(3).

وفي العام 1893 أجبرت روسيا إيران على توقيع معاهدة تخلت بموجبها عن القرية الحدودية "فيروزة" مقابل قطعة أرض صغيرة على الجانب الغربي من بحر قزوين.(4)

وفي 15 كانون الأول 1894 وافق الشاه تحت ضغط الروس على مجموعة أنظمة

تمنح حراس الحدود الروس حق عبور الحدود إلى داخل الأراضي الإيرانية بحجة مطاردة اللصوص وقطاع الطرق(5).

بدأت المصالح الاقتصادية تلعب دوراً أكبربوصفها عاملاً محركاً للصراع الدولي الدائر حول إيران منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقد أخذت الدول الكبرى، و في مقدمتها روسيا وبريطانيا، تتسابق من أجل الحصول على الامتيازات الاقتصادية هناك، ومع ان بريطانيا كان لها نصيب أكبر من هذه الامتيازات ألاان روسيا لم تقف مكتوفة الأيدي وكانت تسعى للحصول على حصة لها أيضاً.

في العام 1869 حصل المواطن الروسي ليانازوف Lianazov  على امتياز لصيد الأسماك  في نهري آستارا واترك لمدة خمس سنوات ويعد هذا من أولى الامتيازات المهمة التي يحصل عليها رعايا الروس(6). وفي سنة 1870 حصلت روسيا على امتياز إقامة خطوط اتصالات برقية (تلغراف) بين روسيا وطهران عبر تفليس وتبريز(7)

وفي العام 1872 حصل المواطن البريطاني البارون دي رويتر J.De rueters  على امتياز متعدد الأغراض من الشاه، فأثار ذلك الامتياز ردود افعال عنيفة من قبل روسيا وأضطر الشاه الى الغائه في العام التالي(1).

حفز امتياز رويتر الروس على تكثيف جهودهم للحصول على مزيد من الامتيازات، ففي العام 1890 أسس الروسي بولياكوف Poliakovمصرفاً في إيران وهو بنك الخصم والقرض الروسي ومقره في طهران وافتتح له ( 14) فرعاً في مدن شمال ايران، و دخل في تنافس حاد مع المصرف البريطاني(المصرف الشاهنشاهي الفارسي)، وفي السنة التالية حصل بولياكوف من الحكومة الايرانية على امتيازفي مجال النقل ولمدة تسع وتسعين سنة، وعلى هذا الأساس تم تأسيس" مكتب النقل الفارسي" الذي اسس بدوره عدداً من شركات النقل البحري في قزوين(2). وسرعان ما حصر الروس اهتماماتهم بموضوع النفط الإيراني، وفي العام 1893 حصلوا على امتياز للكشف عن المعادن والنفط في الأقاليم الخمس الشمالية (مازندران و كيلان و استرباد و خراسان و اذربيجان)(3)وحتى الجيش الإيراني الضعيف تحول الى احدى أدوات التغلغل الأجنبي، فبناءً على طلب الشاه وصلت الى طهران عام 1879 بعثة روسية لتدريب الجيش الإيراني على غرار القوزاق الروسي، وهكذا تأسس لواء القوزاق الإيراني الذي أدى دوراً مهماً في حياة إيران السياسية وامتدت آثاره إلى ما بعد الحرب العالمية الاولى(4).

تسابقت بريطانيا وروسيا القيصرية منذ نهاية القرن التاسع عشر على منح القروض الحكومية للشاهات الإيرانيين الذين استخدموا تلك الأموال لتمويل رحلاتهم الترفيهية المسرفة إلى الدول الأوربية وفي المقابل منحوا الامتيازات للدول العظمى(5).

ففي 30 كانون الثاني 1900 وقعت إيران على اتفاقية، تعهدت روسيا بموجبها بتقديم قرض مالي لإيران عن طريق البنك الروسي في إيران قدره 22.5 مليون روبل بفائدة قدرها 5%، يتم تسديده خلال خمسة وسبعين عاماً من عائدات الجمارك الإيرانية باستثناء عائدات إقليم فارس الواقع في جنوب إيران وموانيه على الخليج العربي(1).

وفي العام 1902 منحت روسيا إيران قرضاً جديداً مقداره 10 ملايين روبل بفائدة 10% من الارباح وعدم السماح لايران باخذ القروض من اية دولة اخرى من دون موافقة الروس.(2) وفي العام 1903 أبرمت إيران وروسيا اتفاقية جمركية نصت على فرض رسوم جمركية بسيطة على البضائع الواردة من روسيا وعلى فرض رسوم عالية على البضائع الواردة من الدول الاخرى. وقد عارضت بريطانيا الاتفاقية واضطرت الحكومة الإيرانية إلى عقد اتفاقية ثنائية معها أيضاً(3). وفي العام التالي اقترضت إيران من بريطانيا 314.881 باون استرليني بموافقة روسيا وفي العام 1911 حصلت إيران على قرض من الدولتين روسيا وبريطانيا مقداره 1.150.000باون(4).

ومن جهة آخرى جدد الروس مساعيهم للوصول الى منطقة الخليج العربي عبر إيران، وعليه استغلوا حالتي الفوضى والانحلال اللتين دبتا في جسم الدولة القاجارية واستطاعوا أن يحتلوا مكانة مرموقة فيها ومن ثم صاروا يخططون لتنفيذ هدفهم للوصول إلى سواحل الخليج العربي. وكانت الخطوة الأولى استطلاع الأوضاع واختيار القاعدة البحرية، فقد أرسلت روسيا جملة من البعثات تحت مسسميات مختلفة، تفتيشية وتجارية وسياحية وغيرها، على ان أهمها كانت جولة الكابتن (النقيب) فون بلومر Captain Von blumerعام 1887 في كل من أصفهان وشيراز وبوشهر والتي أعقبتها جولة أخرى لضابط روسي آخر في العام التالي طالب بوضع حد للمصالح البريطانية في إيران واقترح عقد اتفاقية روسية- إيرانية، الأمر الذي أثار غضب بريطانيا وجعلها تتطرف في مراقبتها للأحداث(5).

ان التطورات على الساحة الدولية من جهة، والساحة الإيرانية من جهة اخرى في بداية القرن العشرين دفعت كلاً من روسيا وبريطانيا الى التوصل إلى اتفاق بشأن خلافاتهما في إيران وأفغانستان. ومن تلك التطورات بروز ألمانيا قوة عظمى وتغلغل النفوذ الألماني في الدولة العثمانية وإيران، وهزيمة روسيا في حربها أمام اليابان عام 1904- 1905.(1)

و من الوقائع الاخرى التي أثرت في سياسة روسيا وبريطانيا الثورة الدستورية 1906- 1911(2) والتي كانت ثورة على سياسة النهب والاستبداد التي اتبعها شاهات إيران، وطالب قادتها بوضع دستور للبلاد ومشاركة الشعب في الحكم عن طريق مجلس النواب، واضطر مظفر الدين شاه 1896-1907 الى وضع أول دستور للبلاد في نهاية عام 1906.(3)

و أدت هذه المستجدات الداخلية والخارجية بالدولتين روسيا وبريطانيا إلى الإسراع في عقد معاهدة لتقسيم إيران إلى مناطق نفوذ بينهما. هذه المعاهدة التي وقع عليها السفير البريطاني في بطرسبورغ و وزير خارجية روسيا ايزولسكي في 31 آب 1907(4)، أقامت منطقة نفوذ روسي في شمال إيران تقع شمال خط يمتد من يزد من جهة نحو الشمال الشرقي إلى بوابة خراسان حيث تلتقي الحدود الايرانية مع الحدود الأفغانية والحدود الروسية. ويمتد منها من جهة اخرى نحو الشمال الغربي إلى منطقة قصر شرين عند التقاء الحدود الإيرانية – التركية في العراق. ومنطقة النفوذ البريطاني في القســم الجنوبي الشرقي من البلاد(5).

        تم التوقيع على المعاهدة من دون علم الحكومة الإيرانية، ولكن جريدة (حبل المتين)(6) نشرت خبراً عن تلك المعاهدة(7). وفي 19 أيلول 1907 سلم السفير الروسي في إيران مذكرة إلى وزارة الخارجية الإيرانية أعلم فيها الحكومة الإيرانية ببنود المعاهدة وجاء في المذكرة ان "بريطانيا العظمى وروسيا القيصرية ترغبان في حل عوامل الصراع والمنازعة فيما بينهما في بعض نواحي إيران "وأنهما" تعترفان باستقلال ووحدة الأراضي الإيرانية" وأن المعاهدة لا تهدف سوى"رفع سوء التفاهم بين الدولتين المتعاهدتين"(1).                                                                                                                                                                                                                                                                                                                

ازداد التدخل الروسي في شئوون إيران الداخلية بعد معاهدة 1907، فقد وافقت على طلب محمد علي شاه 1907- 1911 بإعادة الملكية المستبدة والقضاء على الحكومة الدستورية "باراقة أقل ما يكون من الدماء"(2) ، وقام لواء القوزاق بقصف مبنى مجلس النواب الإيراني في حزيران 1908 ثم أعلن الشاه حل المجلس وقامت القوات الروسية بقمع الثوار في مدينة طهران وتبريز وأدى ذلك الى تصعيد الثورة، فتقدم الدستوريون من الشمال والجنوب باتجاه طهران والحقوا الهزيمة بالقوزاق، مما اجبر محمد علي شاه على اللجوء إلى السفارة الروسية، وبعد مفاوضات طويلة كان للبريطانيين دور مهمً فيها، اضطر محمد علي شاه إلى التنازل عن العرش لابنه أحمد شاه 1911- 1925 ثم غادر البلاد متوجهاً إلى روسيا(3).

بلغ التدخل الروسي في شئون إيران أوجه خلال الدورة الثانية للمجلس الإيراني(4)، عندما وافق المجلس على استخدام الخبير المالي الأمريكي موركان شوستر Morgan Shusterالذي وصل إلى طهران في 12 أيار 1911 وعين مديراً لخزانة الدولة وبصلاحيات واسعة لاصلاح المؤسسات المالية للدولة.(5)

اتخذ شوستر سلسلة من الإجراءات العاجلة لتحسين وضع البلاد، منها إخضاع واردات الجمارك لسلطة الحكومة ووضع حد لتدخل السفارتين الروسية والبريطانية في شئون إيران الاقتصادية.(6) وقد أثارت إجراءات شوستر حفيظة روسيا، ولاسيما بعد قيامه باستخدام عدد من الخبراء العسكريين الأمريكان لتدريب قوة الجندرمة الإيرانية، فوجهت تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإيرانية في 11 تشرين الثاني وطلبت الرد مباشرة على تحذيرها خلال 48 ساعة، وقد قبلت الحكومة الإيرانية الإنذار ثم قدمت اعتذاراً رسمياً الى الحكومة الروسية في 24 تشرين الثاني1911.(1)

تذرعت روسيا بكون تأخر الرد الإيراني بمثابة رفض له، لذلك تقدمت قواتها باتجاه شمال إيران وفي 30 تشرين الثاني 1911 احتلت قواتها ميناء انزلي على بحر قزوين ومدينة رشت. وقامت القوات الروسية بأعمال شنيعة في مدينتي  تبريز ومشهد وفي المدينة الأخيرة قصفت القوات الروسية مرقد الإمام علي الرضا بالقنابل.(2)

وفي اليوم نفسه وجهت الحكومة الروسية إنذارا ثانياً للحكومةالايرانية  بضرورة طرد شوستر ومرافقيه، والتعهد بعدم استخدام مستشارين أجانب في المستقبل الا بعد موافقة روسيا وبريطانيا، وان تتحمل الحكومة الإيرانية نفقات القوات الروسية الموجودة على أراضيها(3)وقد انتشرت في إيران موجة من الغضب عقب انتشار الخبر ،وعقد مجلس النواب الايراني جلسة رفض فيها الإنذار الروسي.(4)

و نتيجة الضغوطات الروسية وإصرار مجلس النواب على موقفه برفض الإنذار الروسي احتلت قوة من الجندرمة الإيرانية مبنى المجلس في 24 كانون الأول 1911 وأمر رئيس الحكومة صمصام الدولة باعتقال عدد من النواب ونفى الآخرين الى مدينة قم.وفي 26 كانون الأول 1911 أبلغت الحكومة الإيرانية شوستر بقبولها الإنذار الروسي وإخراجه من إيران.(5)وبذلك فشلت تجربة جديدة ومهمة في الاعتماد على قوة دولية ثالثة من أجل إيجاد قدر من الموازنة مع الوجود الروسي- البريطاني في إيران وتخفيف ضغط ذلك الوجود قدر الإمكان، واستغلت روسيا هذه الأزمة لتوجيه ضربة ثانية إلى الحياة الدستورية في إيران وأزالت العقبة الاخيرة أمامها لتنفيذ سياساتها في إيران.(6) وهكذا تحولت المقاطعات الشمالية من إيران إلى شبه مستعمرة تابعة لروسيا التي حققت مكاسب كبيرة في ميادين شتى اقتصادية وسياسية، ففي مطلع العام 1912 اعترفت الحكومة الإيرانية بمعاهدة 1907 وبذلك اكتسب النفوذ الروسي في شمال إيران قالباً شرعياً.(1) أما من الناحية الاقتصادية فقد ارتفعت قيمة تجارة روسيا مع إيران إلى ما يعادل 658 مليون فرنك في حين كانت حصة بريطانيا 235 مليون فرنك في تجارة إيران الخارجية خلال العام 1913- 1914.(2)

وبعد نشوب الحرب العالمية الاولى تحولت إيران إلى ساحة صراع بين الأطراف المتنافسة وظهرمنافسان آخران لروسيا وبريطانيا هما ألمانيا والدولة العثمانية، وفي مثل هذه الظروف أعلنت الحكومة الإيرانية حياد إيران في 2 تشرين الثاني 1914.(3)

و رفضت الدولة العثمانية الحياد الإيراني بحجة وجود قوات لروسيا في أذربيجان، أما روسيا فعلى الرغم من اعترافها بالحياد الإيراني إلا أنها أكدت ان جلاء القوات الروسية من إيران "مستحيل في الوقت الحاضر" لأن هذه القوات ضمانة أكيدة لحماية الروس والرعايا الأجانب(4).

وفي الحقيقة لم يكن الحياد الإيراني سوى حبر على ورق، فلم يحترم أحد، حتى الإيرانيون أنفسهم، هذا الحياد، فقد كان هناك ميل عام في الأوساط الإيرانية الرسمية وغير الرسمية نحو ألمانيا، ويعود ذلك إلى كره الإيرانيين للسياسات الاستعمارية لبريطانيا وروسيا في إيران من جهة والنشاط الدعائي الواسع لدول الوسط بين السكان من جهة اخرى.(5)

و في كانون الأول 1914 اخترقت القوات العثمانية حدود إيران واحتلت مدينة اورمية أولاً ثم احتلت مدينة تبريز العاصمة الثانية للقاجاريين(6)، ونتيجة لذلك ضغطت روسيا على إيران من أجل دفعها إلى الانضمام الى  دول الوفاق. وقد عبرت حكومة مستوفي الممالك عن استعدادها للانضمام إلى دول الوفاق ولكن بشروط لخصها السفير الروسي في طهران إلى وزير خارجيته سازانوف D. Sazanovفي مذكرة مؤرخة في 11 شباط 1915 وهي: انسحاب القطعات الروسية من أذربيجان وتقديم قرض كبير للجانب الإيراني وتزويد إيران بالأسلحة والذخائر الكافية، وتخفيض سعر الفائدة على الديون البريطانية والروسية لإيران، وأخيراً ضم مدينتي كربلاء والنجف إلى إيران.(1)

ويبدو أن الروس تعاملوا مع المقترحات الإيرانية بجدية، ففي 25 تشرين الثاني1915 أرسل سازانوف مذكرة سرية إلى السفير البريطاني لدى روسيا اقترح فيها قبول الشروط الإيرانية لضمان بقاء إيران بعيدة عن دول الوسط. إلا أن بريطانيا رفضت المقترح الروسي لأنه سيسبب في إيجاد مشاكل لبريطانيا على رأسها إثارة علماء الدين في المدينتين العراقيتين الأمر الذي سيؤثر سلباً على الموقف البريطاني في العراق(2).

حاول مستوفي الممالك موازنة النفوذ الواسع للدولتين روسيا وبريطانيا وذلك عن طريق الاعتماد على قوة ثالثة. ففي 10 تشرين الثاني 1915، أي في نفس الوقت الذي كانت إيران تتفاوض فيه مع روسيا بشأن انضمامها إلى دول الوفاق، وقع مستوفي الممالك و الوزير الألماني المفوض في طهران الأمير رويس prince Henri Reussعلى معاهدة عسكرية سرية بينهما، وبموجبها تعهدت ألمانيا بمساعدة إيران في حال تعرضها للهجوم من قبل أية دولة، وان تساعد إيران بالأسلحة والذخائر وان ترسل بعثة عسكرية لتدريب الجيش الإيراني، وبالمقابل تتعهد إيران بعدم الانضمام إلى أي حلف مضاد لألمانيا، فضلاً عن امتيازات اخرى حصلت عليه ألمانيا بموجب هذه المعاهدة(3).

و يبدو ان الروس كانوا على علم بالمفاوضات التي سبقت التوقيع على المعاهدة(4)، لذلك بدأت قواتهم منذ 8 تشرين الثاني 1915 بالتدفق الى  شمال إيران بقيادة الجنرال باراتوف Baratovووصلت الى مقربة من العاصمة الإيرانية، ومن خلال مذكرة قدمها المسئولون الروس إلى وزير الخارجية الإيراني هددت روسيا الحكومة الإيرانية من مغبة التعاون مع ألمانيا والدولة العثمانية، فقد جاء فيها ".. إذا ثبتت الشائعة التي تقول أن إيران قد عقدت اتفاقية خاصة مع ألمانيا وتركيا، فان الضمان الروسي- البريطاني الوارد في الاتفاقية الانكليزية الروسية للعام 1907 على وحدة واستقلال فارس يعتبر ملغياً".(5)

و في 3 كانون الأول 1915 وجهت القوات الروسية ضربة قوية إلى القوات العثمانية قرب مدينة همدان وخلال العامين اللاحقين تحولت إيران إلى ساحة حروب بين الروس والبريطانيين من جهة والعثمانيين المؤيدين لألمانيا من جهة اخرى. ولم تكتف القوات الروسية الموجودة داخل أراضي إيران بطرد القوات العثمانية من إيران بل واصلت زحفها ومطاردتها لها حتى مدينة رواندوز العراقية.(1)

و من المظاهر الاخرى للتدخل الروسي في الشؤون الداخلية لإيران خلال الحرب مسألة تنصيب وعزل رؤساء الوزراء، فقد كان الروس وراء استقالة صمصام الدولة في كانون الأول سنة 1915 وتعيين عبد الحسين ميرزا الملقب بـ (فرمان فرما) المعروف بموالاته للروس رئيساً للوزراء، وكان تغيير الروس لموقفهم من (فرمان فرما) كافياً لإجباره على تقديم استقالة وزارته بعد أشهر قليلة من تأليفها ليخلفه في الحكم (سبهدار الأعظم) الذي تعاون مع الروس والبريطانيين أكثر من غيره(2). وخلال فترة وزارته حصل الروس على بعض الامتيازات، منها موافقة إيران على تشكيل لجنة تضم ممثلين عن الحكومات الإيرانية والروسية والبريطانية مهمتها الإشراف على مالية الدولة ووضع الميزانية.(3)

 وفي 9 آذار 1916 حصل أحد المواطنين الروس من أصل جورجي وهو خوشتاريا- Khoshtariaعلى امتياز في شمال البلاد لمدة سبعين عاماً، يخوله حق استغلال النفط والغاز الطبيعي في مناطق كيلانومازندران واستراباد.(4) غير أن تغيير الأوضاع في روسيا بعد ثورة شباط 1917 حال دون الاعتراف بالامتياز المذكور من قبل مجلس النواب الإيراني.(5)

تكبدت إيران خلال الحرب العالمية الاولى خسائر مادية وبشرية جسيمة، فمع القتل والدمار نتيجة الحروب التي دارت بين القوات الروسية والبريطانية من جهة والقوات العثمانية والإيرانيين الموالين لألمان من جهة اخرى، أصابت إيران موجات من المجاعات والأمراض، ولاسيما في المناطق الشمالية والغربية من البلاد حيث النفوذ الروسي، وعبثاً حاولت الحكومة الإيرانية في شباط 1917 إرسال وفد برئاسة ضياء الدين طباطبائي(1). الى مجلس الدوما (البرلمان) الروسي وقدم عريضة إلى مجلس الدوما ذكر فيها الخسائر التي تكبدتها ايران بسبب الاحتلال الروسي والتي قدرت بمئات الملايين من التومانات الإيرانية.(2)

وهكذا حين أطل العام 1917 كان الروس وحلفاؤهم البريطانيون لا يزالون يحتفظون بمواقع أقدام قوية في عموم الأراضي الإيرانية وكانت الكلمة الأخيرة في طهران للسفيرين الروسي والبريطاني قبل أن تكون لأحمد شاه القاجاري الذي لم يكن يمتلك بحكم ذلك تأثيراُ فعالاً في صنع القرار الإيراني.(3)

 


 

العلاقات  الإيرانية - السوفيتية1939-1947.- دراســـة تاريخية تحليلية- رسـالة  تقدم بها نـزار أيـوب حسـن الطولي.مجلس كلية الآداب فـي جامعـة الموصل.وهي جـزء من متطلبـات نيـل شـهادة الماجستيـر

فـي.التاريخ الحديث.بإشــراف: الأستاذ الدكتور خليل علي مراد. 2005  م


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق