]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ثقافة الموت

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2013-04-04 ، الوقت: 23:23:28
  • تقييم المقالة:

ان أصبح الموت ثقافة شعب فلن يتقدم قيد أُنملة للأمام ..
الموت نقيض للحياة..الموت فناء وعدم بينما الحياة فوجود وعمارة للكون ..
أيهما اذاً يُستحق أن يكون ثقافة وأيهما يُستحق أن يكون معتنق ومعتقد ومرجعية دعوة ..
لاشك هى الحياة تلك التى تستأهل أن نتلمس ملامحها ومعايشتها وندرس فلسفتها وغايتها لأن الكون لم ينشأ بالفناء بل بقتل العدم وخلق الوجود ومن ثم فالحياة ..
الفناء لحظة ينتهى فيها كل شئ ... أيُستحق اذاً أن يكون له ثقافة ..
وان كان للموت ثقافة أفلا يجب أن تكون ايجابية وليست سلبية كما ببلادنا ..
الموت بالأديان السماوية لا تنتهى به الحياة بل تبدأ بكل مولود يُولدُ من جديد.. كى تستمر الحياة فلاتنعدم بالموت..
الموت قضية ايمانية تُريح النفس بأن هناك عالم أخر وحياة أخرى سرمدية لكنها لاتحض المرء على انهاء حياته الدنيا نهاية مُبتسرة بارادته بقتل نفسه والدعوة بالقائها الى التهلكة ..
لكن أن يُتخذ الموت ثقافة سلبية كالانتحار تحت مسمى الجهاد وقتل الذات تحت مسمى الخلاص .. واعتباره قنطرة تعقبها حتما الجنة فهذا محض هراء .. فما يُدريك لعلك من بعد موتك يكون مألك ناراً حامية ..
ان أيقن قاتل نفسه وقاتل غيره الأمن بعملية تفجيرية أن مايقوم به ليس جهاداً انما قتل ماحرم الله الا بالحق ألا وهى نفسه ونفس غيره فلن ينهى حياته هكذا ولأيقن أن فى حياته وعمل صالح يقوم به وكلمة طيبة يقولها ودعوة خير الى الأخر وتلبية الجهاد بدعوة ولى الأمر لا من ذاته هو كل الخير له وللاسلام والاسلام والمسلمين .. هنا وهنا فقط يعلم أن الموت لا يستحق أن يكون ثقافة سلبية بل يستحق أن يكون ثقافة ايجابية كدفاع شرعى عن المال والنفس والعرض والوطن بما مأله الجنة وليس كقرار فردى من بعض الأفراد والجماعات فى غيبة من ولى الأمر ..
الموت ياسادة أصبح بفضل جهد خطباء المنابر الحنجوريين ودعاة الموت ثقافة مرعبة لأطفالنا منذ نعومة أظفارهم .. فبدلاً من أن يتناولوا حض الاسلام على اعمار الكون وبنايته والاستمتاع بالحياة وجمالها .. كما وحضه على أخلاق الاسلام من حقوق الجوار وافشاء السلام ورد الأمانات الى أهلها ... وكذا النجدة والنخوة والشجاعة والاقدام ... وحسن التعامل بين حسن طلب والأداء والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وعدم أكل أموال الناس بالباطل والقسطاس العظيم .. وتحريم الربا واستغلال الأخر .. وعدم الظلم الذى عدّه الاسلام ظلمات وبر الوالدين .. واكرام الصغير للكبير .. وحنو الأخير على الأول .. ولين القلب ونهر قسوته وغلظته .. وقواعد الرفق حتى بالحيوان فما بالك بالانسان .. وكظم الغيظ والعفو عن الناس بل وذد عليهما الاحسان اليهم .. وغيرها وغيرها من مبادىء الاسلام السمحة الرافضة للتجهم بالوجه والداعية للبشر والابتسام .. وحسن التعامل حتى مع مخالفى العقيدة أنفسهم بالاحسان اليهم بل وحمايتهم وعدم تكفيرهم وغيرهم من الناس ..
بدلاً من كل هذا راحوا جميعهم يتناولون الموت كثقافة سلبية تهدم ولاتبنى وأول هدمها بناية الله ذاته ألا وهى النفس الانسانية .. حتى علم الغلام منذ نشأته أن الجنة أقرب اليه من عمره المديد .. فقط كل ما يفصله عنها هو موته .. فصار طامحاً للموت ومنتظراً له بل ويعًد العدة اليه نفسيا وثقافيا ليكون سهل المنال بالتالى للداعى بالجهاد الفردى فيذهب ليموت لتوه ومعه الأمنين .. وحتى قيامه هو بهذا تجده باسم تلك الثقافة متجهماً غير مستبشراً.. يعتليه مرض نفسى بالانطواء والعزلة بل وربما الاكتئاب .. حتى أصبحنا نرى الشاب اجتماعيا صحيحاً سويّاً نفسياً وعندما يزيد التزامه وحسب قواعد الخطباء الحاكمة والدعاة الظالمة نجده قد انطوى شيئاً فشيئاً وقد تغيّر مذاق كلامه ونغمة صوته .. وصار يُرتل حديثه ترتيلاً بالتأسى بالوهابية تارة وبالشيعية تارة أخرى وصار مُغلق الأنف - وبتعبير العامة أخنفاً - حتى فى تلاوته للقرأن وحديثه مع الناس .. وكأن الاسلام لايؤخذ الّا من أسيا وبلاد الحجاز وقد نسى أن القرأن نزل لديهم وعلى أيدينا قد قُُرىء وقد أحسنّا قراءته بأصواتنا الشجية كرفعت وعبد الصمد والمنشاوى وغيرهما الكثير .. انما هم اليوم لايعترفون الا بقرّاء أسيا والحجاز تحديدا وكأنهم قُرّاء الجنة العظام ..
صار الشاب ياسادة لايأبه لمظهره الجمالى رغم أن الاسلام قد حض على جمال المظهر دون ترك زينة الدنيا بالتفرغ للنفق المؤدى للأخرة بحجة الزهد والتقشف وقد سانده فى هذا خطاب دينى مترهل داع للموت أكثر منه داع للحياة ..
الفناء ياسادة بُرهة ينتهى فيها كل شىء .. بينما الحياة فيأخذ البناء فيها أمداً بعيدا ..
والهدم ياسادة لحظة بينما البناء فزمنه مديد .. ولايُمكن أن تُقارن اللحظة بالأمد البعيد .. ومن ثم يجب ان يكون للحياة ثقافة وفلسفة وأصول ممارسة وتعاطى وليس للموت أولوية بهذا..
الموت فقدان الاحساس بكل شىء فى لحظة .. بينما الحياة فمُفعمة بالاحساس بكافة مكوناتها من الجمال والقيم والطموح والتشييد والبناء والتنسيق والخلق والابتكار .. والا ماكان خلق الله للانسان حسه المُبدع ولا خياله الخصب ولا حاسته بالجمال ولاعاطفته الجيّاشة ولكان أولى به خلقه للموت فى ذاته بما يكون أقرب معه الى الكائنات الأخرى منه الى الانسان ..
لقد خُلق الانسان لاعمار الكون لا للتفكير بالموت والا ماانتظمت للحياة مسيرة .. فالموت بثقافته السلبية انما يعنى أن تظل قابعاً بمكانك تنتظر مألك وتتمنى الخلاص من واقعك لا بفك طلاسمه والانتصار على عُقدها ومصائبها ولكن بتزايد الرغبة فيه بذاته بل وانتظاره .. بينما فثقافة الحياة انما تعنى الارتقاء والتطور ومن ثم بحث العلوم من فلك وطب ورياضيات وفيزياء وهندسة وفنون جمالية من تشكيلية من رسم ونحت وزخارف وصعود للقمر وباقى الكواكب والذرّة وكل مكونات الكون لتصير محل دراسة ليتطور العالم بتقنياته اذ أن ما أوصل عالمنا لما نلمسه من تطور وتقنية الا ثقافة الحياة لاثقافة الموت ..
ان الكنيسة بالقرون الوسطى حرّمت العلم وحاربته بالدعوة للموت والردة للخلف من وراء نواميس الكون الطبيعية حتى تم اعدام العلماء نهاراً بينما نحن فقد كُنّا أقرب لأخلاقيات الاسلام الأصيلة فاتسعت رقعة بلادنا الاسلامية من الصين وروسيا شرقا وحتى أسبانيا وفرنسا بقلب أوروبا غرباً ..
ليتطور لدينا علم الطب والفلسفة والمنطق والرياضيات والفيزياء والفلك وعلم الجمال والأدب والفنون والشعر بل وكل المعارف الانسانية قد باتت محل دراسة وبحث وتناول .. لنجد ابن الهيثم وابن خلدون والخوارزمى وابن سينا والفارابى غيرهم الكثير والكثير .. لتعاود الحياة دورتها من جديد لنقتفى مافعلته الكنيسة بأوروبا فيصير دعاة الموت هم اليوم قادة الفكر والتنوير بينما لديهم فقد أخذوا علماءنا قدوة ومثل يُحتزى بها .. بل ويخلقون وسائل جذب لعلمائنا وقد طردناهم باقنفائنا تقافة خطباء الموت ودعاته .. فارتقوا هم بما انتهى اليه علماؤنا .. حتى وصلوا بأبحاثهم العلمية الى منتهاها ولازالوا يطمحون المزيد بينما نحن فرحنا ننشغل بتقصير الجلباب والبنطال وطول اللحى وكثافتها ولزومية الحجاب من النقاب ..وشكل القبر والحادث فيه من بعد الموت ... لتصير جل الخطب والفتاوى منصبة على مابعد الموت وكأن الخطيب والداعى قد خاض غمارها من قبل لترتفع من وراءه الأصوات بالنواح والبكاء والعويل .. ولم نفرح لاكتشاف علمى من أحد علمائنا بقدر سعادتنا بأى من الخطباء هم أقدر فى استجلاب العبرات من مأقينا بينما الدعاة فراحوا يتنافسون فى استجلاب الدراهم وملايين الجنيهات من وراء دعواتهم المُرتدة بالطموح الى عالم القبر والموت والدم والعدم ..
ليستفيض أحدهم فى بيان كيف كان قتال المسلمين وكيف كانت صور اجتثاث الرؤوس من الأعناق وكيف .. وكيف .. وكيف .. وكأن الاسلام لا صورة له غير ما يقولون .. ولا حياة هو راغب فيها غير صورة الدم والبكاء والعويل .. لترتقى أوروبا من جديد بينما نحن فقد جعلنا للموت ثقافة وفلسفة تحكم مساعينا وتقيد طموحنا من جديد .. لتتقزم من جديد رقعة الدولة الاسلامية ويحتلنا التخلف والتراجع الثقافى ويتقهقر التعليم والبحث العلمى ليصير الطبيب بدلا من أن يبرع فيما نبغ فيه فتستفيد منه البشرية نجده يلجأ لأن يكون أحد دعاة الموت ومثله كذلك المهندس والكيميائى والفيزيائى وعالم الذرّة ..
ليصير الثعبان الأقرع وضمة القبر واجتثاث الروح من بين ذرّات البدن وتصويرها بما يُقارب المعايشة الفعلية أولى لدى خطباء الموت لدينا من الدعوة الى أخلاق الاسلام ومبادئه الحاضّة على اعمار الحياة وبنايتها ..
صار خطباء الموت يؤرقون مضاجع النائمين من أبناء العقيدة ومخالفيها فى كل لحظة بأصواتهم العالية النشاز وبمكبرات الصوت الصاخبة وكأنهم لايكفيهم سماعات دور العبادة الداخلية ... فصارت المساجد مثار تلوث سمعى وضجيج فى جل الأوقات ما خلا أصوات الأذان.. حتى تلك الأخيرة فقد تلونت أصوات مؤذنيها من بعد جماليات الماضى القريب الى أصوات نشاز وقد استبدلت بالنقشبندى مؤذنى غزة والحجاز وأسيا ..
لم يعد يستطيع مخالفوا العقيدة ولا مؤيديها ولا معتنقيها القبول بالدعاء على الأخر حتى من شُركاء الوطن بالفناء وفى كل لحظة وبمكبرات صوت هنا وهناك حتى فى وسط الليل البهيم حيث ينام الناس أمنين ..
ماذا سيُفاد الاسلام ياسادة من اطلاق اذاعة القرأن الكريم قبل صوت الأذان عامة والفجر خاصة بساعة تقريباً .. ولم لاتقتصر الاذاعة على الأذان ذاته فنرحم مريضاً وصاحب جوار للمسجد ومخالف للعقيدة غير مُعتنق .. فيكون الاسلام قدوة له وحسن دعوة واقتداء ..
ان تعاليم الدين ياخطباء المنابر بخصوص الحياة ومضامينها .. أولى من اشاعة ثقافة الموت وما يستلزمها من وسائل دعوية خاطئة وخطاب دينى مترهل هو طارد وليس جاذب بالأساس ..
لقد صار وصف الموت وسيناريوهاته من خروج الروح وحتى القبر وتعايشه يؤلفُ فيه من المجلدات الكثير.. وصار الغُسلُ والتكفين علماً يستحق من الاهتمام مالا تستحقه بنايات السفن والطائرات والأبراج العالية ..
لتعاود الحياة ممارسة دورها الداعى لثقافة الموت والرجوع للعدم لا للتقدم والبناء والتشييد ..
من قال ياسادة أن ديننا الاسلامى يُحرضنا على هجر الحياة وجمالها الى الموت والعدم .. من قال ياسادة ان رسول الله لم يقل انه اذا قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها ..
من قال ياسادة ان الاسلام لايدعو لاحترام الحياة والسكينة والطمأنينة والجمال والابداع وتنمية المواهب والقدرات ..
من قال ياسادة ان الاسلام قد انصب جهده على الدعوة لثقافة الموت وتشييد المقابر ومن ثم لغة الموت والدم والعدم ؟!
من قال ياسادة ان الاسلام لم يحض بالأولوية على حق الجوار والتأسى بالأخلاق الحسنة ..
من أمر ياسادة خطباء المساجد أن يهجروا الدعوة لافشاء جميل الاخلاق بالمجتمع والحض على حسن المعاملات الى التباكى على الموت والتنافس بالصراخ والضجيج لأجل الموت والتكفين ..
ان الاسلام ياسادة وان اهتم بحفرة السوءة وهو القبر تكريماً للانسان الا أنه قد اهتم بالحياة وعظّم من البناء والتشييد والجمال بما هو أعظم وأولى ..
ان اشاعة ثقافة الموت ياسادة ببلادنا قد أعطت قلوبنا غلظة مابعدها غلظة .. وأكسب وجوهنا تجهماً ما بعده تجهم .. وأكسب أبناءنا امراضاً نفسية لاحصر لها أعظمها الاكتئاب .. فصاروا لدعاة الارهاب أسهل منالاً ..
لقد أصبحت الجنة بموجب خطباء الموت ياسادة ثمناً فوريّاً وناجزاً لالقاء النفس للتهلكة بتفجير المرء لذاته وسط جماعات أمنة تحت مسمى الشهادة فصرنا نُضربُ مثلاً للقسوة والارهاب لدى الأخر ..
لقد أصبحت الدنيا بموجب خطباء الموت ياسادة تستأهل هجرها فى طريق الرحيل للأخرة بكم من المؤلفات والألاف من الرسائل العلمية والتى لو صار اعتناقنا لها بالاطلاق لما تقدمنا نحو حياتنا لحظة واحدة .. ولما نافسنا الأمم الأخرى تقدماً وازدهاراً .. ولصارت منازلنا أشواكا وووبراً ... ووسائل تنقلنا جمالاً ونوقا .. ولصار طعامنا هو الأملحين .. وكان كل هذا حادثاً لامحالة باسم الزهد والورع والتأسى بالسلف الصالح .. والذين هم من ذلك بُرءاء .. وقد نسينا قوله صلى الله عليه وسلم ان الله جميل يحب الجمال ..
الورع والزهد ياسادة انما يعنيان الترفع عما بأيدى الأخر .. والرضا بما بأيدى المرء .. لكنهما لايعنيان عدم التطلع والطموح بالتقدم بالحياة الى الأمام .. والا لما كان لنا تاريخاً علمياً وأدبيا وفلكياً وطبيا وفلسفيا ًنفخر به .. هو حتماً لايُضارى ولايُنافس ..
لم تستعجلون الموت ياسادة بدعوة خطباء الموت من قبل أن تروا بكفاحكم فتح بيت المقدس من جديد ..
لم تستعجلون الموت ياسادة بدعوة خطباء الموت من قبل أن تروا بكفاحكم نُصرة الاسلام وسيادته على كل الأمم..
لم تستعجلون الموت ياسادة بدعوة خطباء الموت من قبل أن تروا بكفاحكم عدلاً اسلاميّا وارفاً يحكم العالم كله ويرفرف على بلادكم فتنعمون به..
لم تستعجلون الموت ياسادة بدعوة خطباء الموت من قبل أن تروا بكفاحكم دحر الصهيونية العالمية فى يوم الخلاص المُرتقب..
لم تستعجلون الموت ياسادة بدعوة خطباء الموت من قبل أن تروا ظهور اسلامنا بلباسه الجديد .. أم هل عساكم قد اعتنقتم ............... ثقافة الموت ..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق