]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ظاهرة "البدون" ما بين دول الخليج و مخيمات اللاجئين الصحراويين

بواسطة: محمد سالم هاشم  |  بتاريخ: 2011-09-20 ، الوقت: 11:01:11
  • تقييم المقالة:

 

تعتبر ظاهرة "البدون" وصمة عار على جبين الدول و المجتمعات الخليجية, حيث يطلق هذا الاسم على فئة واسعة داخل هذه المجتمعات حرمت و لا تزال محرومة من حقها الطبيعي في نيل جنسية هذه الدول, فيحرمون بذلك من استصدار وثائقهم الثبوتية, فلا يحق لهم العمل في الوظيفة العمومية كما لا يستطيعون الحصول على عقود عمل في القطاع الخاص, وتتضاعف معاناتهم في بعض هذه الدول, فلا يمكنهم الاستفادة من التغطية الصحية ولا من إلحاق أبنائهم بالتعليم العمومي, في حين يتوفر بعضهم على خدمات عامة لا ترقى إلى مستوى تلك التي يتوفر عليها المواطنون, و الغريب في الأمر أن هؤلاء "البدون" في معظمهم سكان أصليون ينتمون إلى قبائل تستوطن الجزيرة العربية منذ قرون خلت, معروفة أنسابهم و مناطق ترحالهم, ذنب هذه العشائر الوحيد هو أن لها عداوات تاريخية مع بعض العائلات الأميرية التي نصبها الاحتلال البريطاني قبل جلائه, أو أنها سكنت مناطق حدودية تقع بين إمارتين, فرفضتا منحها الحق في المواطنة خوفا من الإخلال بالتوازن الديمغرافي القبلي داخل تلك الدول كما يدعون. أصبح "البدون" يعيشون بضواحي المدن _ بعد ان أكرهوا على مغادرة مراعيهم _ الى جانب المهاجرين الأسيويين من اليد العاملة الرخيصة داخل تجمعات سكنية معزولة خارج المجال الحضري تنعدم فيها ابسط شروط الحياة, يغلب عليها طابع البناء العشوائي وغياب البنية التحتية و الخدمات.

أسالت وضعية "البدون" مداد الكثير من المنظمات الحقوقية الدولية, فأصدرت عديد البيانات المنددة و الشاجبة, ولكن دون أن ينجم عن ذلك ضغط حقيقي من المجتمع الدولي لإنهاء هذه المأساة, إما خوفا من إغضاب أرباب النفط, أو حرصا من الدول الغربية _حارسة حقوق الانسان في العالم_ على سلامة و استقرار حلفائها من الأنظمة الخليجية, كما استعملت كورقة ضغط من طرف المعارضات الخليجية في الخارج, في حين بقيت مغيبة في الإعلام العربي عامة و الإعلام الخليجي بصفة خاصة, فالإعلام الحكومي موجه, و رؤوس الأموال الخليجية حاضرة بقوة في المؤسسات الإعلامية الخاصة.

ما لا يعلمه الكثير و حتى من الصحراويين, وهو بيت القصيد هنا انه لدينا في مخيمات اللاجئين الصحراويين أيضا ظاهرة "البدون", فقيادتنا الرشيدة قررت _ وحرصا منها على التفوق الديمغرافي الصحراوي في المدن المحتلة _ حرمان كل الملتحقين الجدد من المناطق المحتلة (الشباب المهجر) من حقهم الطبيعي كمواطنين صحراويين في استصدار "بطاقة التعريف الوطنية", ويبدوا أن قيادتنا تعلم جيدا ما سيترتب عن ذلك من تبعات: كاستحالة حصولهم على الوثائق الأخرى كشهادة السياقة, شواهد الميلاد, جواز السفر..., أو حتى إمضاء العقود, فيحرمون من التسجيل في الوظيف العمومي بحجة عدم توفرهم على الوثائق الضرورية, كما يترتب عنه انعدام حرية التنقل فلا يمكنهم السفر إلى الجارة موريتانيا, خاصة بعد الأجراآت المشددة التي بدأت تفرض على الصحراويين في المعابر الحدودية, ولا دخول مدينة تندوف الجزائرية (الدشرة) أو السفر إلى داخل الجزائر آو إلى أي دولة أخرى, وما ينجر عن ذلك من حرمانهم من ممارسة التجارة أو الاستطباب في المستشفيات الجزائرية, ومن فرص استكمال تعليمهم (كالتسجيل في مؤسسات التعليم العالي, آو الاستفادة من فرص التكوين المهني, آو الالتحاق بدورات تكوينية حول تخصصاتهم...), وهو ما توفره الدولة الجزائرية إلى جانب دول أخرى للاجئين الصحراويين. كل هذا ينضاف إلى المعانات الناجمة عن غياب الدفء العائلي لدى كثير من هؤلاء, بسبب عدم وجود أقارب مباشرين لديهم في المخيمات, و البعد عن الوطن الذي ولدوا و ترعرعوا فيه, زد على ذلك الصدمة النفسية التي تحدث لكثير منهم بسبب خيبة أملهم في ما كانوا يعتبرونه نبراسهم و من كانوا يعتبرونهم قدوتهم النضالية.

القرار الجديد الذي لا نعلم إن كانت إحدى المؤسسات الدستورية صادقت عليه (مجلس الحكومة, البرلمان, الأمانة الوطنية...), أم أصدر بمرسوم رئاسي, ام تكفل مدير الأمن كما عودنا بارتجاله, و الذي بدأ العمل به منذ حوالي السنة, وتضطلع مديرية حماية المؤسسات الوطنية بتطبيقه, يتضمن ما فحواه ضرورة إقامة الملتحقين الجدد من المناطق المحتلة بالمخيمات لأكثر من سنتين قابلة للتجديد قبل الحصول على بطاقة التعريف, كما يلزمهم دون غيرهم من المواطنين الصحراويين و خلال هذه المدة باجتياز فترة التدريب العسكري, و هو إجراء تمييزي _ أي إلزامية التجنيد _ يعمل به منذ أكثر من عشر سنوات, في حين يعفى منه المزدادون في المخيمات كما الكثير من الأجانب (الأزواديين, الموريتانيين, الجزائريين ...) الراغبين في الحصول على الجنسية الصحراوية. و ما ساعد على هذا التجاوز هو رغبة غالبية الملتحقين الجدد من المناطق المحتلة في اجتياز فترة التدريب العسكري, فبعضهم انطلق خصيصا لهذا الغرض, لكن سرعان ما يصطدمون بالواقع المأساوي الذي تعيشه المؤسسات العسكرية.  

و ما يزيد الطين بلة هو البيروقراطية, المحسوبية, قلة الإنتاجية, و الفساد الذي ينتشر في إدارات الرابوني, فما إن يحصل "البدون" على تلك الرسالة الذهبية الموقعة من طرف مدير الأمن شخصيا, والموجهة إلى مديرية الإحصاء, حتى تبدأ فصول معركة أخرى, فكل وثيقة مهما بلغت تفاهتها تتطلب جهدا جهيدا, فقد يحتاج المرء إلى واسطة أو رشوة لانجاز معاملة إدارية بسيطة, و هو ما لا يتوفر عليه معظمهم, هذا عدى عن الإخلال بمواعيد تسلم الوثائق و المماطلة, فتتحطم المعنويات و تلغى المبادئ و تتغير القناعة, فيموت الحس الوطني لدى البعض, الأمر الذي قد يدفع بهم إلى ركوب المغامرة من جديد و القفز مرة أخرى من جدار الذل والعار المغربي, و لكن باتجاه العدو, ومن ثمة العمل لصالحه, ولكم أن تتصوروا ما يمكن أن ينجر عن ذلك, من خسارة شباب في مقتبل العمر, كان من الممكن أن يعطوا الكثير لقضيتهم, لبوا النداء فوجدوا أمامهم قيادة تنكرت لهم و جازتهم جزاء "سنمار", بدل أن تحتضنهم و توجههم للعمل لما فيه صالح الشعب و الأمة.

إن وجود هذا النوع من التمييز السلبي داخل دولة لا زالت في طور التحرير و البناء ليعتبر مؤشرا على انحراف المشروع برمته, ويستدعي مراجعة شاملة لأساليب اتخاذ القرارات و صلاحيات أجهزة الدولة و بالخصوص الأمنية منها, كما يستدعي الضرب بشدة على كل من تسول له نفسه تجاوز صلاحياته من المسئولين, و يتطلب إعادة النظر في آلية تطبيق القوانين, وخاصة قانون التجنيد الإجباري, فإما إن يطبق على الجميع و هو الأصح, أو يعفى الجميع.

يبقى أن نشير إلى رواج إشاعات خطيرة غير عفوية, معروفة المصدر, في المدة الأخيرة مفادها وجود مجموعة تخريبية مندسة قوامها "الشباب المهجر" وهدفها نشر أمراض خطيرة داخل المخيمات عن طريق تسميم الصهاريج المائية (الكوبات), وهو ما تم تحذير المواطنين منه أثناء أشغال إحدى الندوات المنظمة في مدرسة 27 فبراير من طرف اتحاد النساء الصحراويات. لجوء الجهات الأمنية لمثل هذا النوع الفاضح  من الممارسات الجبانة, و إطلاق الاتهامات جزافا دون حساب العواقب, وتوريط منظمة جماهيرية صحراوية بحجم الاتحاد النسوي في مهزلة كهذه, تصرفات مرفوضة و متجاوزة لم تعد تنطلي على احد, تعود بنا لحقبة القبضة الحديدية الأمنية,  فصب زيوت الإشاعات الكاذبة على نيران الاحتقان الاجتماعي المتأججة في المخيمات لن يزيد الأوضاع إلا سوءا و تعقيدا, إن من أصدروا هذه الشائعات و روجوها بإمكانهم أن يكذبوها بنفس الطرق وعبر القنوات ذاتها, ولكن يبدوا أن ثمة من يحن إلى سنوات التجاوزات الأمنية, فلا يجيدون السباحة إلا في مثل تلك المستنقعات النتنة حتى ولو كانت الطريق إلى هلاكهم.


http://s316599071.onlinehome.fr/fsahara/f241.htm


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق