]]>
خواطر :
مولاي ، لا مولى سواك في الأعلى ... إني ببابك منتظر نسمات رحمة...تُنجيني من أوحال الدنيا وحسن الرحيل ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحَجّاجُ وابْنَةُ النُّعْمانِ, (قِصَّةٌ مِنَ التُّراثِ)

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2013-04-04 ، الوقت: 18:15:08
  • تقييم المقالة:

الحَجَّاجُ وَابْنَةُ النُّعْمَانِ

بقلم: أحمد عكاش

            حُكِيَ أَنَّ (هِنْدَ بْنَةَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشيرٍ) كَانَتْ أَحْسَنَ أَهْلِ زَمَانِهَا جَمالاً وَأَدَباً وَفَصَاحَةً، فَوُصِفَ (لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ)، حُسْنُهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهَا مَنْ يَخْطِبُهَا لَهُ، وَبَذَلَ لَها مَالاً جَزيلاً وَتَزَوَّجَ بِهَا، وَشَرَطَ لَهَا عَلَيْهِ بَعْدَ الصَّدَاقِ المُعَجَّلِ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَدَخَلَ بِهَا، ثُمَّ إِنَّها انْحَدَرَتْ مَعَهُ إِلَى بَلَدِ أَبِيْها المَعَرَّةِ، فَأَقَامَ (الحَجَّاجُ) بِالمَعَرَّةِ مُدَّةً طَويلَةً.

 ثُمَّ إِنَّها ارْتَحَلَتْ مَعَهُ إِلَى العِرَاقِ، فَأَقَامَتْ مَعَهُ فِيها مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الأَيَّامِ وَهِيَ تَنْظُرُ فِي المِرْآةِ وَتَقُولُ:

وَمَا هِنْدٌ إِلاَّ مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ

 

سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تَحَلَّلَها بَغْلُ

 

فَإِنْ وَلَدَتْ فَحْلاً فَلِلَّهِ دَرُّهَا

 

وَإِنْ وَلَدَتْ بَغْلاً فَجَاءَ بِهِ البَغْلُ

 

فَانْصَرَفَ (الحَجَّاجُ) رَاجِعاً وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، وَلَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ بِهِ، فَأَرَادَ (الحَجَّاجُ) طَلاقَها، فَبَعَثَ إِلَيْهَا (عَبْدَ اللهِ بْنَ طَاهِرٍ) وَبَعَثَ مَعَهُ مِائَتَيْ أَلْفِ الدِّرْهَمِ الَّتِي كَانتْ لَهَا عَلَيْهِ، وَقَالَ:

- يَا بْنَ طَاهِرٍ! طَلِّقْهَا بِكَلِمَتَيْنِ وَلا تَزِدْ عَلَيْهِمَا.

            فَدَخَلَ (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاهِرٍ) عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا:

- يَقُولُ لَكِ (أَبُو مُحَمَّدٍ الحَجَّاجُ): (كُنْتِ فَبِنْتِ (أي: كُنْتِ زَوْجَهُ، فطلّقَكِ طلاقاً بائناً)، وَهَذِهِ ماِئَتا أَلْفِ الدِّرْهَمِ الَّتِي كَانَتْ لَكِ قِبَلَهُ).

فَقَالَتِ: اعْلَمْ يَا بْنَ طَاهِرٍ! أَنَّا – وَاللهِ - كُنَّا فَما حَمِدْنَا، وَبِنَّا فَما نَدِمْنَا؛ وَهَذِهِ مِائَتَا أَلْفِ الدِّرْهَمِ الَّتِي جِئْتَ بِهَا، بِشَارَةٌ مِنِّي لَكَ بِخَلاصِي مِنْ كَلْبِ بَنِي ثَقِيفٍ.

وَطَارَ خَبَرُ هِنْدٍ فِي الآفَاقِ، وَسَارَتْ بِهِ الرُّكْبَانُ حَثِيثاً، إِلَى أَنْ بَلَغَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ)، وَوُصِفَ لَهُ جَمَالُهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا يَخْطِبُهَا لِنَفْسِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ كِتَاباً تَقُولُ فِيهِ بَعْدَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ:

-         اِعْلَمْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَنَّ الكَلْبَ وَلَغَ فِي الإِنَاءِ.

فَلَمّا قَرَأَ (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ) الكِتَابَ ضَحِكَ مِنْ قَوْلِهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهَا يَقُولُ:

- إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا، إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، فَغَسْلُ الإِنَاءِ يُحِلُّ الاسْتِعْمَالَ.

فَلَمَّا قَرَأَتْ كِتَابَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، لَمْ يُمْكِنْهَا المُخَالَفَةُ؛ فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ تَقُولُ بَعْدَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ:

- اِعْلَمْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنِّي لا أُجْرِي العَقْدَ إِلاَّ بِشَرْطٍ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا الشَّرْطُ؟. أَقُولُ: الشَّرْطُ أَنْ يَقُودَ (الحَجَّاجُ) مَحْمِلِي (المَحْمِلُ: هَوْدَجُ المرأَةِ) مِنَ (المَعَرَّةِ) إِلَى بَلْدَتِكَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا، وَيَكُونَ مَاشِياً حَافِياً بِحِلْيَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَوَّلَ.

فَلَمَّا قَرَأَ (عَبْدُ المَلِكِ) كِتَابَها هَذَا ضَحِكَ ضَحِكاً شَدِيداً، وَأَرْسَلَ إِلَى (الحَجَّاجِ) يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ.

قَرَأَ (الحَجَّاجُ) رِسَالَةَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَامْتَثَلَ لِلأَمْرِ، وَلَمْ يُخالِفْ فِي شَيْءٍ فِيهِ، وَلَمْ يَجِدْ بُدّاً مِنْ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى (هِنْدٍ) يَأْمُرُهَا بِالتَّجَهُّزِ، فَتَجَهَّزَتْ، وَسَارَ (الحَجَّاجُ) فِي مَوْكِبِهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى (المَعَرَّةِ) بَلَدِ (هِنْدٍ)؛ فَرَكِبَتْ فِي مَحْمِلٍ، وَرَكِبَ حَوْلَهَا جَوَارِيهَا وَخَدَمُهَا، فَتَرَجَّلَ (الحَجَّاجُ) وَهُوَ حَافٍ، وَأَخَذَ بِزِمَامِ البَعِيرِ يَقُودُهُ وَيَسِيرُ بِهَا، فَأَخَذَتْ تَهْزَأُ مِنْهُ وَتَضْحَكُ مَعَ (الهَيْفَاءِ) دايَتِها (الدّايَةُ: المُربّيةُ والخادِمَةُ)، ثُمَّ إِنَّها قَالَتْ لِدَايَتِها:

- يَا دَايَتِي ! اِكْشِفِي لِي ِسِتَارَةَ المَحْمِلِ لِنَشَمَّ رَائِحَةَ النَّسِيمِ.

وَهِيَ رَاغِبَةٌ فِي رُؤْيَةِ (الحَجَّاجِ) فِي حَالِهِ السَّيِّئَةِ الَّتي صَيَّرَتْهُ إِلَيْها، وَلِتَشْمَتَ بِهِ؛ فَكَشَفَتْهُ؛ فَوَقَعَ وَجْهُهَا فِي وَجْهِهِ؛ فَضَحِكَتْ عَلَيْهِ، فَأَنْشَدَ يَقُولُ:

فَإِنْ تَضْحَكِي يَا هِنْدُ يَا رُبَّ لَيْلَةٍ

 

                        تَرَكْتُكِ فِيهَا كَالقَبَاءِ المُفَرَّجِ

 

(القَبَاءُ المُفَرَّجُ: نوْعٌ مِنَ العباءاتِ مَشْقُوقةٌ منْ خَلْفُ).

فَأَجَابَتْهُ تَقُولُ:

وَمَا نُبَالِي إِذَا أَرْوَاحُنا سَلِمَتْ

بِمَا فَقَدْنَاهُ مِنْ مَالٍ وَمِنْ نَشَبِ

(النَّشَبُ: المَالُ وَالعَقَارُ).

فَالمَالُ مُكْتَسَبٌ، وَالعِزُّ مُرْتَجَعُ

إِذَا النُّفُوسُ وَقَاهَا اللهُ مِنْ عَطَبِ

وَلَمْ تَزَلْ تَلْعَبُ وَتَضْحَكُ إِلَى أَنْ قَرُبَتْ مِنْ بَلَدِ الخَلِيفَةِ، فرَمَتْ مِنْ يَدِهَا دِينَاراً عَلَى الأَرْضِ وَقَالَتْ:

-يَا جَمَّالُ! إِنَّهُ سَقَطَ مِنَّا دِرْهَمٌ، فَادْفَعْهُ إِلَيْنَا.

فَنَظَرَ (الحَجَّاجُ) إِلَى الأَرْضِ فَلَمْ يَرَ إِلاَّ دِيناراً؛ فَقَالَ:

- إِنَّمَا هُوَ دِينَارٌ.

فَقَالَتْ: بَلْ دِرْهَمٌ.

قَالَ: بَلْ دِينَارٌ.

فَقَالَتْ: الحَمْدُ للهِ .. سَقَطَ مِنَّا دِرْهَمٌ فَعَوَّضَنَا اللهُ عَنْهُ دِينَاراً.

فَخَجِلَ (الحَجَّاجُ)، وَسَكَتَ وَلَمْ يَرُدَّ جَوَاباً، ثُمَّ دَخَلَ بِها عَلَى (عَبْدِ المَلْكِ بْنِ مَرْوانَ)، وَهُوَ عَلَى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَرَطَتْ (هِنْدُ)، فَتَزَوَّجَ بِهَا.

انتهى

 


من كتاب

قصص من تاريخنا

تأليف: أحمد عكاش

دار الإرشاد للنشر - حمص - سورية.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • نور الدين | 2013-04-06
    جميلة تلك القصة في سردها وحبكتها ، لكن مايضعف البنيان أحيانا ، هو عندما يبسط الأعلام التاريخية إلى مجردأشخاص يبلغون من البساطة حد الانصياع لفاتنة مالكة للقرة على نسج الكلام .
    أساطير بنيت على الأموين وعلى الحجاج خصوصا في العهد العباسي .
    تحية للأستاذ الفاضل أحمد عكاش .
  • خالد اسماعيل احمدالسيكاني | 2013-04-06

    استاذنا الكبير  احمد  انها لقصة رائعة  سلمت تلك الانامل الذهبية  التي قد كتبتها  ونسجتها بحروف من شعاع الشمس  . قمة البلاغة  والبيان والتصوير والايجاز  حماك المولى من كل سوء .

    ودي لك حيث انت

  • طيف امرأه | 2013-04-06
    لساحر الحرف وبيان الكلمة , ولمصور الصفحات لوحات فتنة

    أستاذنا القدير والفاضل أحمد عكاش

    قد أعجبتنا تلك الحكاية , فقد كانت لها صدى يخص الذكاء العربي وفصاحة وحصافتهم
    لكنني ,,خجلت لما بدر من تلك المرأة ..لا أدري هل هذه وسيلة تربية ؟؟ ام انها مكابرة ؟؟ ام انها تبرءة لنفسها ؟؟
    قد اعجز عن المامها بتعليق بسيط ..لكنني سأقوم بإطلالة أخرى ,فللتو علمت بها ,هذه مجرد تحية وامتنان
    لحضوركم استاذنا فقد طال على الحضور الامد ونحن للحكايا منعطشين ..ارجو ان نرى ما يفرحنا ثانية
    طيف بتقدير تام

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق