]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

إسفنجة العزل السياسي

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2013-04-03 ، الوقت: 11:17:49
  • تقييم المقالة:

بقلم:صابر النفزاوي
إنّنا قطعا لن نجانب الصواب إذا قلنا إنّ “تجمعيين” سابقين هم الآن بصدد لملمة الشتات و إعادة التموقع في الساحة السياسية التونسية ،متخفّين خلف الإرث البورقيبي والدستوري ،ذلك ما يجعل شبح إعادة إنتاج النظام السابق يلقي بظلاله على البلاد دافعا بها إلى أتون العنف السياسي الذي يأتي انعكاسا للتقاطب الثنائي الحاد بين الثورة والثورة المضادة ..وأمام عجز الوعي الشعبي عن الانتقال السلس من الفعل الثوري المباشر إلى الفعل الثوري المؤسسي تبدو الحاجة ملحّة إلى قانون عزل سياسي نافذ ومفعّل ليلعب دور الإسفنجة التي تمتصّ الاحتقان وتلطّف الأجواء..
فمنذ أفريل 2012 اقترح نواب من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية إضافة فقرة للفصل السابع من المرسوم المؤرخ في سبتمبر 2011 المتعلق بتنظيم الأحزاب على أن يكون نص الفقرة المدرجة كما يلي :كل أعضاء الحكومات في الفترة الممتدة بين 7 نوفمبر 1987 و 14 جانفي 2011 وكذلك كل من تحمل المسؤوليات التالية في التجمع الديمقراطي ؛أمين عام أو أمين عام مساعد أو عضو ديوان سياسي أو عضو لجنة مركزية أو كاتب عام لجنة تنسيق أو كاتب عام جامعة أو رئيس شعبة وذلك لمدة 5 سنوات من صدور هذا القانون “ويُذكر أن هذا المقترح يتعلق بالترشح للانتخابات لا بالتصويت..وقد صادقت لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية بالمجلس الوطني التأسيسي لكن تمريره يتطلب موافقة لجنة التشريع العام وحصوله على الأغلبية المطلقة من الأصوات بعد عرضه على الجلسة العامة وهو ما لم يحدث بعد..
ورغم ما جوبه به قانون العزل السياسي من انتقادات لاذعة من قطاع واسع من المعارضة وحتى من بعض أحزاب الترويكا الحاكمة ،ورغم أن مشروع القانون هذا لم يلق هوى عند المنظمات الحقوقية الدولية مثل “هيومان رايتس ووتش” التي قدحت فيه وعدّته متنافيا مع ما تعهّدت به الدولة التونسية في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسيةالذي ينص على:”السماح لجميع المواطنين بأن يشاركوا في إدارة الشؤون العامة إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية دون تمييز ودون فرض قيود غير منطقية…”؛ورغم كل هذا وذاك أجد نفسي أسبّح بحمد فكرة العزل السياسي مقتنعا تماما أنها أنجع الحلول للتقليص من حدة العنف السياسي.
فبقراءة سريعة للأحداث الأخيرة التي جدّت في البلاد،نستشف أن الفاعل الأساسي في الشارع السياسي المشحون هو “لجان حماية الثورة”الذين يعملون على منع عودة الاستبداد ،وبالتالي من شأن إقصاء رموز النظام البائد تجاوز حالة الغليان القائمة بما أن هاجس إعادة إنتاج القديم سيتبدّد ..
والحقيقة أن مشروع قانون العزل السياسي قد تعددت فتنوعت لكنها تدور في مجملها حول مصادرات “دوغمائية”متفشية في الأوساط السياسية والحقوقية تعبّر عنها دعوات مثل “لا للإقصاء”..تونس للجميع”…وغيرها من الشعارات النمطية الممجوجة..
وقد غاب عن هؤلاء المنتقدين أن الثورات بطبيعتها تقوم على النفي والإقصاء ،فلا بد من “المقاصل”لقطع رأس الدكتاتورية ،فالوئام الاجتماعي بُعيد التحولات الثورية هو “ظاهرة متعفنة”-على حد تعبير موسيليني-ومؤشر على إخفاق العمل الثوري ؛أوليست الثورة حركة اجتماعية بها تحل أسطورة جديدة محل أخرى قديمة على حد عبارة “ميرل”؟؟..
يبقى إذن بعض من العنف السياسي ظاهرة صحية حين يصحب العملية الثورية ،على أن تفعّل الدولة بمكوّناتها آليات التهدئة حرصا على سلامة النسيج الاجتماعي..
من ناحية أخرى يستعيد المعترضون على تفعيل مشروع قانون العزل السياسي تجارب تاريخية لدعم موقفهم من ذلك التجربة البولونية حيث تمّ طرد أكثر من أربعين إطارا في الحزب الشيوعي وأُشير عليهم بتكوين أحزاب جديدة ومن ثم العودة لاستئناف نشاطهم السياسي ،غير أني لا أخال هذا النموذج الذي يستنجد به كثيرون جديرا بالاحتذاء والاعتبار لأن بولونيا كانت في مأمن من عودة النظام الشيوعي الشمولي بحكم عدم توفر الشروط الموضوعية لهذه العودة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بخيوط اللعبة ؛وبطبيعة الحال الأمر مختلف بالنسبة إلى “التجمّع” المنحل ؛أما القول إن عملية الانتقال الديمقراطي تقتضي تشريك أكثر ما يمكن من المواطنين في عملية البناء فنردّ عليه بالقول إن ضمان عدم إنتاج الاستبداد أهم وأولى ؛علاوة على ذلك لا يمكننا القول إن العزل السياسي هو عقوبة إضافية تلحق بالضرورة الإدانة القضائية لأننا بصدد جرائم سياسية تاريخية أخلاقية بالأساس لا مجرد جرائم قانونية ؛ثم إن المرجعية القانونية الغربية نفسها فيها ما يؤيد فكرة الإقصاء إذ إن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لاحظت في قضية “مالنيتشنكو”ضد أوكرانيا أن العزل يمكن ان يكون مقبولا في شكل فرض قيود اكثر صرامة على الحق في الترشح للانتخابات منه غلى الحق في التصويت…
ولما كانت الثورة هي حرب الحرية ضد أعدائها كما يقول “روبسبيير”تأكدت من ثمة أهمية العزل السياسي ؛ففي انتظار استكمال مرحلة المحاسبة علينا تفعيل آليات تحصين الثورة من مزالق الردة،ومن المفارقات العجيبة أن نرى أطرافا شُبّه لها أنها ثورية تلح على تجسيد أهداف الثورة من تشغيل و تنمية جهوية وإعلام مستقل..و..و..وتتغافل عن مطلب ثوري جوهري وهو “إسقاط النظام” وما يعنيه هذا المطلب من استهداف لرموز الدكتاتورية والفساد السابقين واستبعادهم من العملية السياسية ولو إلى حين،لذا من الخُلف تبرير الدعوة إلى عدم الإقصاء بفسح المجال للشعب ليُصدر قراره من خلال صناديق الاقتراع لأن القرار قد صدر بعد بواسطة الثورة نفسها..
فالعدالة الانتقالية التي تلحق الثورات ليست مجرد ملاحقات قضائية وجبر ضرر وإصلاح سياسي ولجان حقيقة ،فلا حديث عن ثورة حقيقية دون ما أسمّيه مكارثية ثورية تستهدف أزلام النظام السابق ،لذلك يبقى العزل السياسي “القانوني” “للفلول”ضروريا ؛فالتعويل على العزل الشعبي فقط هو مجازفة محفوفة بالمخاطر وقد أكدت ذلك التجربة المصرية عندما تحصّل أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد مبارك على نسبة تتجاوز 48 بالمئة من الأصوات خلال الانتخابات الرئاسية؛ولا نعتقد أن الإقصاء سيشعل نار الفتنة بين التونسيين و يدفع المستهدفين إلى التآمر على أمن البلاد وإلى غير ذلك من هذا الكلام الكبير ..لأن أعداء الثورة قلة قليلة في مقابل أنصارها الكثر ،وسعي البعض إلى توتير الأجواء سيكون بمنزلة “رقصة الديك المذبوح”ما يعني سهولة احتوائه..
قصارى القول ..حتى لا تفضي الثورة إلى نقيضها إلى مستقبل يتجاوزها وينفيها عليها أن تصنع قانونها بنفسها بعيدا عن استبداد المفاهيم والشعارات التقليدية..

« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق