]]>
خواطر :
خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . 

التعريف بسورة الواقعة/قصي طارق

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-04-02 ، الوقت: 22:48:17
  • تقييم المقالة:
الفصل الاول التعريف بسورة الواقعة

الواقعة ...اسم للسورة وبيان لموضوعها معاً . فالقضية الأولى التي تعالجها هذه السورة المكية هي قضية النشأة الآخرة ، رداًعلى قول الشاكين فيها ، المشركين بالله ، المكذبين بالقرآن : (أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعثون ؟ أو آباؤنا الأولون ؟)

ومن ثم تبدأ السورة بوصف القيامة .وصفها بصفتها التي تنهى كل قول ، وتقطع كل شك ، وتشعر بالجزم في هذا الأمر .. الواقعة .. ( إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة ) وتذكر من أحداث هذا اليوم ما يميزة عن كل يوم ، حيث تتبدل أقدار الناس ، وأوضاع الناس ، في ظل الهول الذي يبدل الأرض غير الأرض كما يبدل القيم غير القيم سواء : ( خافضة رافعة ...إذا رجت الأرض رجا ، وبست الجبال بسا ، فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجاً ثلاثة ...)

ثم تفصل السورة مصائر هذه الأزواج الثلاثة : السابقين وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة . وتصف ما يلقون من نعيم وعذاب وصفاً مفصلاً ، يوقع في الحس أن هذا أمر كائن واقع ، لامجال للشك فيه ، وهذه أدق تفصيلاته معروضة للعيان ، حتى يرى المكذبين رأى العين مصيرهم ومصير المؤمنين وحتى يقال عنهم هنالك بعد وصف العذاب الأليم الذى هم فيه : ( إنهم كانوا قبل ذلك مترفين . وكانوا يصرون على الحنث العظيم . وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعثون ؟ أو آباؤنا الأولون ) .

وبهذا ينتهى الشوط الأول من السورة ويبدأ شوط جديد يعالج العقيدة كلها ، متوخياً قضية البعث التي هي موضوع السورة الأول ، بلمسات مؤثرة ، يأخد مادتها وموضوعها مما يقع تحت حس البشر ، في حدود المشاهدات التي لا تخلو منها تجربة إنسان ، أياً كانت بيئته ، ودرجة معرفته وتجربته .[1]

يعرض نشأتهم الأولى من مني يمني . ويعرض موتهم ونشأة آخرين مثلهم من بعدهم في مجال التدليل على النشأة الأخرى ، التي لا تخرج في طبيعتها ويسرها عن النشأة الأولى ، التي يعرفونها جميعاً .

ويعرض صورة الحرث والزرع ، وهو إنشاء للحياة في صورة من صورها . إنشاؤها بيد الله وقدرته . ولو شاء الله لم تنشأ ، ولو شاء لم تؤت ثمارها .

ويعرض صورة الماء العذب الذي تنشأ به الحياة كلها . وهو معلق بقدرة الله ينزله من السحائب . ولو شاء جعله ملحاً أجاجاً ، لاينبت حياة ، ولا يصلح لحياة .

وصورة النار التي يوقدون ، وأصلها الذي تنشأ منه ..الشجر .. وعند ذكر النار يلمس وجدانهم منذراً ويذكرهم بنار الآخرة الي يشكون فيها .

وكلها من صور حياتهم الواقعة ، يلمس بها قلوبهم ، ولا يكلفهم فيها إلا اليقظة ليد الله وهي تنشئها وتعمل فيها .

كذلك يتناول هذا الشوط قضية القرآن الذي يحدثهم عن ( الواقعة ) فيشكون في وعيده ، فيلوح بالقسم بمواقع النجوم ، ويعظم من أمر هذا القسم لتوكيد أن هذا الكتاب هو قرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ، وأنه تنزيل من رب العالمين .

ثم يواجههم في النهاية بمشهد الاحتضار . في لمسة عميقة مؤثرة . حين تبلغ الحلقوم ، ويقف صاحبها على حافة العالم الآخر ، ويقف الجميع مكتوفي الأيدي عاجزين ، لا يملكون له شيئاً ، ولا يدرون ما يجري حوله ، ولا ما يجري في كيانه . ويخلص أمره كله لله ، قبل أن يفارق هذه الحياة . ويرى هو طريقه المقبل ، حين لا يملك أن يقول شيئاً عما يرى ولا أن يشير !

ثم تختم السورة بتوكيد الخبر الصادق ، وتسبيح الله الخالق : ( إن هذا لهو الحق اليقين . فسبح باسم ربك العظيم ) فيلتئم المطلع والختام أكمل التئام ..

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد فهذا ما وقفت عليه من الأحاديث والآثار في فضل سورة الواقعة، وقد أوردتُ هنا التخريجَ المختصر لها.

أولاً/ حديثُ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ كل ليلة (إذا وقعت الواقعة) لم يصبه فقرٌ أبداً، ومن قرأ كل ليلة (لا أقسم بيوم القيامة) لقي الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر". [2]

ثانيـاً/ حديثُ عثمان بن عفان لابن مسعود رضي الله عنهما: ألا آمر لك بعطائك ؟ قال : لا حاجة لي به . قال: يكون لبناتك. قال: إني قد أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة ؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأ كل ليلة أو قال في كل ليلة سورة الواقعة لم تصبه فاقةٌ أبداً" قال السَّرِيّ بن يحيى -أحد رواة الحديث-: وكان أبو فاطمة -مولىً لعلي؛ ويُروى أبو طيبة وأبو ظَبْيـَة- لا يدعها كل ليلة. هذا الحديث مداره على (السري بن يحيى) وقد اختُلف عليه في إسناده على خمسة أوجه؛ فهو حديثٌ مضطرب لايصح، وقد ضعفه الإمام أحمد وأبوحاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي والألباني وغيرهم [3].

ثالثـاً/ حديثُ أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"علِّموا نساءكم سورة الواقعة؛ فإنها سورة الغنى". سورة الغنى؛[4] فاقرؤوها وعلموها أولادكم". [5]عن أنس بن مالك مرفوعاً بلفظ: " من قرأ سورة الواقعة وتعلَّمَها لم يُكتب من الغافلين، ولم يفتقر هو وأهل بيته " وعبدالقدوس متروك؛ [6]

رابعـاً/ حديثُ أبي بكر الصديق صلى الله عليه وسلم قال:يا رسول الله؛ قد شِبْتَ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت". [7]وغيرهما. قال الدارقطني: (شيبتني هود وأخواتها معتلةٌ كلها) كما في سؤالات السهمي (9). وقد جاءت شواهـد متعددة لهذا الحديث، من حديث ابن مسعود وعمران بن حصين وأبي جحيفة وغيرهم، إلا أنها ضعيفةٌ جداً، ولا يمكن تقويةُ الحديث بها.

خامسـاً/ حديثُ جابر بن سمرة صلى الله عليه وسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور. من طرق عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة. وفيه: (ق، والقرآن المجيد) بدل (الواقعة) وأخشى أن يكون هذا الاختلافُ من سماك نفسه، فإن في حفظه شيئاً. عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنساء: "لا تعجز إحداكن أن تقرأ سورة الواقعة". [8].

سادسـاً/ أثرُ مسروق بن الأجدع رحمه الله: من سره أن يَعْلَمَ علم الأولين والآخرين وعلم الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة. [9]من طريق منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن مسروق. ولا أدري ؛ هل سمع هلال من مسروق بن الأجدع شيئاً أم لا؟[10]

وعلى كلٍ فهذا الأثر مقطوع من قول التابعي الجليل مسروق. قال الإمام الذهبي رحمه الله: (قلت: هذا قاله مسروق على المبالغة؛ لعظم ما في السورة من جمل أمور الدارين، ومعنى قوله: "فليقرا سورة الواقعة" أي يقرأها بتدبر وتفكير وحضور ولا يكن كمثل الحمار يحمل أسفاراً). [11].

وأخــيراً: يتبين مما سبق أنه لا يثبت حديثٌ مرفوع في فضل سورة الواقعة وقراءتها كل ليلة، أوأنها أمانٌ من الفقر ومجلبةٌ للرزق، وإنما ورد أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها في صلاة الفجر أحياناً، على اختلافٍ في هذا الحديث، سبقت الإشارةُ إليه.[12]

 

                  الفصل الثاني سورة الواقعة دراسة موضوعيه

 

 

إِذَاوَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌرَّافِعَةٌ(3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً(5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً (6)[13]

سورةالواقعة

تعريفبسورة الواقعة

الواقعة. . اسم للسورة وبيان لموضوعها معا . فالقضية الأولى التي تعالجها هذهالسورةالمكية هي قضية النشأة الآخرة , ردا على قولة الشاكين فيها , المشركين بالله, المكذبين بالقرآن: أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ? أو آباؤناالأولون? . .

ومنثم تبدأ السورة بوصف القيامة . وصفها بصفتها التي تنهي كل قول , وتقطع كل شك, وتشعر بالجزم في هذا الأمر . . الواقعة . .(إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة).. وتذكر من أحداث هذا اليوم ما يميزه عن كل يوم , حيث تتبدل أقدار الناس , وأوضاعالأرض, في ظل الهول الذي يبدل الأرض غير الأرض , كما يبدل القيم غير القيم سواء:خافضةرافعة . . إذا رجت الأرض رجا , وبست الجبال بسا , فكانت هباء منبثا . وكنتمأزواجاثلاثة . . . الخ.

ثمتفصل السورة مصائر هذه الأزواج الثلاثة:السابقين وأصحاب الميمنة وأصحابالمشأمة. وتصف ما يلقون من نعيم وعذاب وصفا مفصلا أوفى تفصيل , يوقع في الحس أنهذاأمر كائن واقع , لا مجال للشك فيه , وهذه أدق تفصيلاته معروضة للعيان . حتى يرىالمكذبونرأي العين مصيرهم ومصير المؤمنين . وحتى يقال عنهم هنالك بعد وصف العذابالأليمالذي هم فيه: إنهم كانوا قبل ذلك مترفين . وكانوا يصرون على الحنث العظيم .وكانوايقولون:أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ? أو آباؤنا الأولون . .وكأنالعذاب هو الحاضر والدنيا هي الماضي الذي يذكر للترذيل والتقبيح . ترذيل حالهمفيالدنيا وتقبيح ما كانوا عليه من تكذيب !

وبهذاينتهي الشوط الأول من السورة . ويبدأ شوط جديد يعالج قضية العقيدة كلها ,متوخياتوكيد قضية البعث التي هي موضوع السورة الأول ; بلمسات مؤثرة , يأخذ مادتهاوموضوعهامما يقع تحت حس البشر , في حدود المشاهدات التي لا تخلو منها تجربة إنسان, أيا كانت بيئته , ودرجة معرفته وتجربته .

يعرضنشأتهم الأولى من مني يمنى . ويعرض موتهم ونشأة آخرين مثلهم من بعدهم فيمجالالتدليل على النشأة الأخرى , التي لا تخرج في طبيعتها ويسرها عن النشأة الأولى, التي يعرفونها جميعا .

ويعرضصورة الحرث والزرع , وهو إنشاء للحياة في صورة من صورها . إنشاؤها بيداللهوقدرته . ولو شاء الله لم تنشأ , ولو شاء لم تؤت ثمارها .

ويعرضصورة الماء العذب الذي تنشأ به الحياة كلها . وهو معلق بقدرة الله ينزلهمنالسحائب . ولو شاء جعله ملحا أجاجا , لا ينبت حياة , ولا يصلح لحياة .

وصورةالنار التي يوقدون , وأصلها الذي تنشأ منه . . الشجر . . وعند ذكر الناريلمسوجدانهم منذرا . ويذكرهم بنار الآخرة التي يشكون فيها .

وكلهاصور من مألوفات حياتهم الواقعة , يلمسبهاقلوبهم , ولا يكلفهم فيها إلا اليقظة ليد الله وهي تنشئها وتعمل فيها .

كذلكيتناول هذا الشوط قضية القرآن الذي يحدثهم عن "الواقعة " فيشكون في وعيده .فيلوحبالقسم بمواقع النجوم , ويعظم من أمر هذا القسم لتوكيد أن هذا الكتاب هو قرآنكريمفي كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون , وأنه تنزيل من رب العالمين .

ثميواجههم في النهاية بمشهد الاحتضار . في لمسة عميقة مؤثرة . حين تبلغ الروحالحلقوم, ويقف صاحبها على حافة العالم الآخر ; ويقف الجميع مكتوفي الأيدي عاجزين ,لايملكون له شيئا , ولا يدرون ما يجري حوله , ولا ما يجري في كيانه . ويخلص أمرهكلهلله , قبل أن يفارق هذه الحياة . ويرى هو طريقه المقبل , حين لا يملك أن يقولشيئاعما يرى ولا أن يشير !

ثمتختم السورة بتوكيد الخبر الصادق , وتسبيح الله الخالق:(إن هذا لهو حق اليقين. فسبح باسم ربك العظيم). . فيلتئم المطلع والختام أكمل التئام . .

الدرسالأول:1 - 6 الناس أزواج ثلاثة عند الواقعة وبعص ما لهم السابقون أصحاباليمينوأصحاب الشمال

(إذا وقعت الواقعة . ليس لوقعتها كاذبة . خافضة رافعة . إذا رجت الأرض رجا .وبستالجبال بسا . فكانت هباء منبثا . . .).

هذاالمطلع واضح فيه التهويل في عرض هذا الحدث الهائل . وهو يتبع أسلوبا خاصايلحظفيه هذا المعنى , ويتناسق مع مدلولات العبارة . فمرتين يبدأ بإذا الشرطية يذكرشرطهاولا يذكر جوابها .(إذا وقعت الواقعة . ليس لوقعتها كاذبة . خافضة رافعة). .ولايقول:ماذا يكون إذا وقعت الواقعة وقعة صادقة ليس لها كاذبة , وهي خافضة رافعة .ولكنيبدأ حديثا جديدا:(إذا رجت الأرض رجا . وبست الجبال بسا . فكانت هباء منبثا.). . ومرة أخرى لا يقول:ماذا يكون إذا كان هذا الهول العظيم . . فكأنما هذا الهولكلهمقدمة , لا يذكر نتائجها , لأن نتائجها أهول من أن يحيط بها اللفظ , أو تعبرعنهاالعبارة !

هذاالأسلوب الخاص يتناسب مع الصورة المروعة المفزعة التي يرسمها هذا المطلعبذاته. فالواقعة بمعناها وبجرس اللفظ ذاته - بما فيه من مد ثم سكون - تلقى في الحسكأنماهي ثقل ضخم ينقض من عل ثم يستقر , لغير ما زحزحة بعد ذلك ولا زوال !(ليسلوقعتهاكاذبة). .

ثمإن سقوط هذا الثقل ووقوعه , كأنما يتوقع له الحس أرجحة ورجرجة يحدثها حين يقع. ويلبي السياق هذا التوقع فإذا هي:(خافضة رافعة). . وإنها لتخفض أقدارا كانت رفيعةفيالأرض , وترفع أقدارا كانت خفيضة في دار الفناء , حيث تختل الاعتبارات والقيم ;ثمتستقيم في ميزان الله .

ثميتبدىء الهول في كيان هذه الأرض . الأرض الثابتة المستقرة فيما يحس الناس .فإذاهي ترج رجا - وهي حقيقة تذكر في التعبير الذي يتسق في الحس مع وقع الواقعة -ثمإذا الجبال الصلبة الراسية تتحول - تحت وقع الواقعة - إلى فتات يتطاير كالهباء ..(وبست الجبال بسا . فكانت هباء منبثا). . فما أهول هذا الهول الذي يرج الأرض رجا ,ويبسالجبال بسا , ويتركها هباء منبثا . وما أجهل الذين يتعرضون له وهم مكذبونبالآخرة, مشركون بالله , وهذا أثره في الأرض والجبال !

وهكذاتبدأ السورة بما يزلزل الكيان البشري , ويهول الحس الإنساني , تجاه القضيةالتيينكرها المنكرون ,

 

وَكُنتُمْأَزْوَاجاً ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُالْمَيْمَنَةِ(8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9)وَالسَّابِقُونَالسَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِالنَّعِيمِ(12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ(14) عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16)[14]

ويكذببها المشركون . وينتهي هذا المشهد الأول للواقعة لنشهد آثارها فيالخفضوالرفع , وفي أقدار البشر ومصائرهم الأخيرة:

(وكنتم أزواجا ثلاثة . فأصحاب الميمنة . ما أصحاب الميمنة ? وأصحاب المشأمة . ماأصحابالمشأمة ? والسابقون السابقون . . .)

ونجدالناس هنا أصنافا ثلاثة - لا صنفين اثنين كما هو السائد في مشاهد الاستعراضالقرآنية- ويبدأ بالحديث عن أصحاب الميمنة - أو أصحاب اليمين - ولكنه لا يفصل عنهمالحديثإنما يصفهم باستفهام عنهم للتهويل والتضخيم:(فأصحاب الميمنة . ما أصحابالميمنة?). وكذلك يذكر أصحاب المشأمة بنفس الأسلوب . ثم يذكر الفريق الثالث , فريقالسابقين, يذكرهم فيصفهم بوصفهم:(والسابقون السابقون). . كأنما ليقول إنهم هم هم .وكفى. فهو مقام لا يزيده الوصف شيئا !

ومنثم يأخذ في بيان قدرهم عند ربهم , وتفصيل ما أعده من النعيم لهم , وتعديدأنواعهالتي يمكن أن يدركها حس المخاطبين , وتتناوله معارفهم وتجاربهم:

(أولئك المقربون . في جنات النعيم . ثلة من الأولين . وقليل من الآخرين . علىسررموضونة . متكئين عليها متقابلين . يطوف عليهم ولدان مخلدون . بأكواب وأباريقوكأسمن معين . لا يصدعون عنها ولا ينزفون . وفاكهة مما يتخيرون . ولحم طير ممايشتهون. وحور عين . كأمثال اللؤلؤ المكنون . جزاء بما كانوا يعملون . لا يسمعونفيهالغوا ولا تأثيما . إلا قيلا:سلاما سلاما). .

إنهيبدأ في بيان هذا النعيم , بالنعيم الأكبر . النعيم الأسنى . نعيم القرب منربهم:(أولئك المقربون في جنات النعيم). . وجنات النعيم كلها لا تساوي ذلك التقريب ,ولاتعدل ذلك النصيب .

ومنثم يقف عند هذه الدرجة ليقول من هم أصحابها . . إنهم:(ثلة من الأولين وقليلمنالآخرين). . فهم عدد محدود . وفريق منتقى . كثرتهم في الأولين وقلتهم في الآخرين. واختلفت الروايات في من هم الأولون ومن هم الآخرون . فالقول الأول:إن الأولين همالسابقونإلى الإيمان ذوو الدرجة العالية فيه من الأمم السابقة قبل الإسلام . وإنالآخرينهم السابقون إلى الإسلام ذوو البلاء فيه . . والقول الثاني:إن الأولينوالآخرينهم من أمة محمد [ ص ] فالأولون من صدرها , والآخرون من متأخريها . وهذاالقولالثاني رجحه ابن كثير . وروى في ترجيحه للحسن وابن سيرين:قال ابن أبيحاتم:حدثنا الحسن بن محمد ابن الصباح , حدثنا عفان , حدثنا عبدالله بن أبي بكرالمزني, سمعت الحسن أتى على هذه الآية:(والسابقون السابقون أولئكالمقربون)فقال:"أما السابقون فقد مضوا ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين" . . ثمقال:حدثنا أبي , حدثنا أبو الوليد , حدثنا السري بن يحيى . قال:قرأالحسن:(والسابقون السابقون . أولئك المقربون في جنات النعيم . ثلة من الأولين). .قال:" ثلة ممن مضى من هذه الأمة " . . وحدثنا أبي , حدثنا عبدالعزيز بن المغيرةالمنقري, حدثنا أبو هلال , عن محمد بن سيرين , أنه قال في هذه الآية:(ثلة منالأولين, وقليل من الآخرين). . قال:كانوا يقولون , أو يرجون , أن يكونوا كلهم منهذهالأمة .

وبعدبيان من هم يأخذ في تفصيل مناعم الجنة التي أعدت لهم . وهي بطبيعة الحالالمناعمالتي في طوقهم أن يتصوروها ويدركوها ; ووراءها مناعم أخرى يعرفونها هنالكيوميتهيأون لإدراكها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر !

(على سرر موضونة). . مشبكة بالمعادن الثمينة .(متكئين عليها متقابلين). في راحةوخلوبال من الهموم

 

 

يَطُوفُعَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَوَكَأْسٍمِّن مَّعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19)وَفَاكِهَةٍمِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21)وَحُورٌعِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاء بِمَاكَانُوايَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً (25)إِلَّاقِيلاً سَلَاماً سَلَاماً (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُالْيَمِينِ(27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّمَّمْدُودٍ(30) وَمَاء مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّامَقْطُوعَةٍوَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (34) إِنَّاأَنشَأْنَاهُنَّإِنشَاء (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (36) عُرُباً أَتْرَاباً(37) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌمِّنَالْآخِرِينَ (40)[15]

والمشاغل, وفي طمأنينة على ما هم فيه من نعيم , لا خوف من فوته ولانفادهوفي إقبال بعضهم على بعض يتسامرون . .(يطوف عليهم ولدان مخلدون). . لا يفعلفيهمالزمن , ولا تؤثر في شبابهم وصباحتهم السن كأشباههم في الأرض . يطوفونعليهم(بأكواب وأباريق وكأس من معين). . من خمر صافية سائغة(لا يصدعون عنها ولاينزفون). . فلا هم يفرقون عنها ولا هي تنفد من بين أيديهم . فكل شيء هنا للدواموالأمان.(وفاكهة مما يتخيرون . ولحم طير مما يشتهون). . فهنا لا شيء ممنوع , ولاشيءعلى غير ما يشتهي السعداء الخالدون .(وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون). .واللؤلؤالمكنون هو اللؤلؤ المصون , الذي لم يتعرض للمس والنظر , فلم تثقبه يد ولمتخدشهعين ! وفي هذا كناية عن معان حسية ونفسية لطيفة في هؤلاء الحور الواسعاتالعيون. وذلك كله: (جزاء بما كانوا يعملون). . فهو مكافأة على عمل كان في دارالعمل. مكافأة يتحقق فيها الكمال الذي كان ينقص كل المناعم في دار الفناء . ثم همبعدذلك كله يحيون في هدوء وسكون , وفي ترفع وتنزيه عن كل لغو في الحديث , وكل جدلوكلمؤاخذة:(لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما . إلا قيلا:سلاما سلاما). . حياتهمكلهاسلام . يرف عليها السلام . ويشيع فيها السلام . تسلم عليهم الملائكة في ذلكالجوالناعم الآمن ; ويسلم بعضهم على بعض . ويبلغهم السلام من الرحمن . فالجو كلهسلامسلام . .

فإذاانتهى الحديث عن ذلك الفريق السابق المختار , بدأ الحديث عن الفريق الذييليه:فريق أصحاب اليمين:

(وأصحاب اليمين . ما أصحاب اليمين ? في سدر مخضود , وطلح منضود . وظل ممدود .وماءمسكوب . وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة . وفرش مرفوعة . إنا أنشأناهنإنشاء. فجعلناهن أبكارا . عربا أترابا . لأصحاب اليمين . ثلة من الأولين . وثلة منالآخرين). .

وأصحاباليمين هم أصحاب الميمنة الذين أشار إليهم تلك الإشارة المجملة في أولالسورة. ثم أخر تفصيل نعيمهم , إلى موعده هنا بعد السابقين المقربين . وهو يعيدالسؤالعنهم بتلك الصيغة التي تفيد التفخيم والتهويل: (ما أصحاب اليمين ?). .

ولأصحابناهؤلاء نعيم مادي محسوس , يبدو في أوصافه شيء من خشونة البداوة , ويلبيهواتفأهل البداوة حسبما تبلغ مداركهم وتجاربهم من تصور ألوان النعيم !

إنهم(في سدر مخضود). . والسدر شجر النبق الشائك . ولكنه هنا مخضود شوكه ومنزوع.(وطلح منضود). . والطلح شجر من شجر الحجاز من نوع العضاة فيه شوك . ولكنه هنامنضودمعد للتناول بلا كد ولا مشقة .(وظل ممدود , وماء مسكوب). . وتلك جميعا منمراتعالبدوي ومناعمه , كما يطمح إليها خياله وتهتف بها أشواقه !(وفاكهة كثيرة . لامقطوعةولا ممنوعة). . تركها مجملة شاملة بغير تفصيل بعد ما ذكر الأنواع المعروفةلسكانالبادية بالتعيين .(وفرش مرفوعة). . وهي هنا لا موضونة ولا ناعمة . وبحسبهاأنهامرفوعة . وللرفع في الحس معنيان . مادي ومعنوي يستدعي أحدهما الآخر , ويلتقيانعندالارتفاع في المكان والطهارة من الدنس . فالمرفوع عن الأرض أبعد عن نجسها .والمرفوعفي المعنى أبعد عن دنسها . ولهذا ينتقل السياق من الفرش المرفوعة إلى ذكرمنفيها من الأزواج:(إنا أنشأناهن إنشاء)إما ابتداء وهن الحور . وإما استئنافا وهنالزوجاتالمبعوثات شواب:(فجعلناهن أبكارا)لم يمسسن(عربا). . متحببات إلىأزواجهن(أترابا)متوافيات السن والشباب .(لأصحاب اليمين). . مخصصات لهم . ليتسق ذلكمع(الفرش المرفوعة). .

فأماأصحاب اليمين هؤلاء فهم(ثلة من الأولين وثلة من الآخرين). . فهم أكثر عددامنالسابقين المقربين .

 

 

وَأَصْحَابُالشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42)وَظِلٍّمِّن يَحْمُومٍ (43) لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُواقَبْلَذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ(46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّالَمَبْعُوثُونَ(47) أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَوَالْآخِرِينَ(49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (50) ثُمَّإِنَّكُمْأَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّنزَقُّومٍ(52) فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَالْحَمِيمِ(54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَالدِّينِ(56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُممَّاتُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59)[16]

علىالاعتبارين الذين ذكرناهما في معنى الأولين والآخرين .

وهنايصل بنا السياق إلى أصحاب الشمال - وهم أصحاب المشأمة الذين سبقت الإشارةإليهمفي مطلع السورة:

وأصحابالشمال ما أصحاب الشمال ? في سموم وحميم . وظل من يحموم . لا بارد ولاكريم. إنهم كانوا قبل ذلك مترفين . وكانوا يصرون على الحنث العظيم . وكانوايقولون:أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ? أو آباؤنا الأولون ? قل:إنالأولينوالآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم . ثم إنكم أيها الضالون المكذبون .لآكلونمن شجر من زقوم . فمالئون منها البطون . فشاربون عليه من الحميم . فشاربونشربالهيم . هذا نزلهم يوم الدين . .

فلئنكان أصحاب اليمين في ظل ممدود وماء مسكوب . . فأصحاب الشمال(في سموم وحميم. وظل من يحموم , لا بارد ولا كريم). . فالهواء شواظ ساخن ينفذ إلى المسام ويشويالأجسام. والماء متناه في الحرارة لا يبرد ولا يروي . وهناك ظل ! ولكنه (ظل منيحموم). . ظل الدخان اللافح الخانق . . إنه ظل للسخرية والتهكم . ظل(لا بارد ولاكريم). . فهو ظل ساخن لا روح فيه ولا برد ; وهو كذلك كز لا يمنح وراده راحة ولاإنعاشا! . . هذا الشظف كله جزاء وفاق:(إنهم كانوا قبل ذلك مترفين). . وما آلمالشظفللمترفين !(وكانوا يصرون على الحنث العظيم). . والحنث الذنب . وهو هنا الشركبالله. وفيه إلماع إلى الحنث بالعهد الذي أخذه الله على فطرة العباد أن يؤمنوا بهويوحدوه. (وكانوا يقولون:أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ? أو آباؤناالأولون?)كانوا . . . هكذا يعبر القرآن , كأنما الدنيا التي فيها المخاطبون قدطويتوانتهت فإذا هي ماض . والحاضر هو هذا المشهد وهذا العذاب ! ذلك أن الدنيا كلهاومضة. وهذا الحاضر هو العقبى والمآب .

وهنايلتفت السياق إلى الدنيا في أنسب الأوقات لهذه اللفتة ليرد على سؤالهمذاك:(قل:إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم). . هو هذا اليوم الحاضرالمعروضالمشهود !

ثميعود إلى ما ينتظر المكذبين . فيتم صورة العذاب الذي يلقاه المترفون:

(ثم إنكم أيها الضالون المكذبون . لآكلون من شجر من زقوم). . ولا يدري أحد ماشجرةالزقوم إلا ما وصفها الله به في سورة أخرى من أن طلعها كرؤوس الشياطين . ورؤوسالشياطينلم يرها أحد ولكنها تلقي في الحس ما تلقيه ! على أن لفظ (الزقوم) نفسه يصوربجرسهملمسا خشنا شائكا مدببا يشوك الأكف - بله الحلوق - وذلك في مقابل السدرالمخضودوالطلح المنضود - ومع أن الزقوم كرؤوس الشياطين ! فإنهم لآكلون منها(فمالئون منها البطون). . فالجوع طاغ والمحنة غالبة . . وإن الشوك الخشن ليدفع إلىالماءلتسليك الحلوق وري البطون ! وإنهم لشاربون(فشاربون عليه من الحميم). . الساخنالذيلا يبرد غله ولا يروي ظمأ .(فشاربون شرب الهيم). . وهي الإبل المصابة بداءالاستسقاءلا تكاد ترتوي من الماء !(هذا نزلهم يوم الدين). . والنزل للراحةوالاستقرار. ولكن أصحاب الشمال هذا نزلهم الذي لا راحة فيه ولا قرار ! هذا نزلهمفياليوم الذي كانوا يشكون فيه , ويتساءلون عنه , ولا يصدقون خبر القرآن به . كماكانوايشركون بالله ولا يخافون وعيده بذلك اليوم المشهود . .

بهذاينتهي استعراض المصائر والأقدار , يوم تقع الواقعة . الخافضة الرافعة .وينتهيكذلك الشوط الأول من السورة .

فأماالشوط الثاني في السورة فيستهدف بناءالعقيدةبكليتها , وإن كان التوكيد البارز فيه على قضية البعث والنشأة الأخرى .وفيهتتجلى طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية , وفي تناول الدلائل الإيمانية ,وفيالتلطف إلى النفوس في بساطة ويسر , وهو يتناول أكبر الحقائق في صورها القريبةالميسورة. .

إنهذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة , قضايا كونية كبرى ;يكشففيها عن النواميس الإلهية في الوجود ; وينشيء بها عقيدة ضخمة شاملة وتصوراكاملالهذا الوجود . كما يجعل منها منهجا للنظر والتفكير ; وحياة للأرواح والقلوب ,ويقظةفي المشاعر والحواس . يقظة لظواهر هذا الوجود التي تطالع الناس صباح مساء وهمغافلونعنها ; ويقظة لأنفسهم وما يجري من العجائب والخوارق فيها !

إنهلا يكل الناس إلى الحوادث الفذة الخارقة والمعجزات الخاصة المعدودة . كذلكلايكلفهم أن يبحثوا عن الخوارق والمعجزات والآيات والدلائل بعيدا عن أنفسهم , ولاعنمألوف حياتهم , ولا عن الظواهر الكونية القريبة منهم المعروفة لهم . . إنه لايبعدلهم في فلسفات معقدة , أو مشكلات عقلية عويصة , أو تجارب علمية لا يملكها كلأحد. . لكي ينشئ في نفوسهم عقيدة , وتصورا للكون والحياة قائما على هذه العقيدة .

إنأنفسهم من صنع الله ; وظواهر الكون حولهم من إبداع قدرته . والمعجزة كامنة فيكلما تبدعه يده . وهذا القرآن قرآنه . ومن يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهموالمبثوثةفي الكون من حولهم . يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لهم , التي يرونهاولايحسون حقيقة الإعجاز فيها . لأنهم لطول ألفتهم لها غفلوا عن مواضع الإعجاز فيها. يأخذهم إليها ليفتح عيونهم عليها ; فتطلع على السر الهائل المكنون فيها . سرالقدرةالمبدعة , وسر الوحدانية المفردة , وسر الناموس الأزلي الذي يعمل في كيانهمهمأنفسهم كما يعمل في الكون من حولهم ; والذي يحمل دلائل الإيمان , وبراهينالعقيدة, فيبثها في كيانهم , أو يوقظها في فطرتهم بتعبير أدق .

وعلىهذا المنهج يسير في هذا الشوط من السورة ; وهو يعرض عليهم آيات القدرةالمبدعةفي خلقهم هم أنفسهم . وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم . وفي الماء الذييشربون. وفي النار التي يوقدون - وهي أبسط ما يقع تحت أبصارهم من مألوفات حياتهم -كذلكيصور لهم لحظة النهاية . نهاية الحياة على هذه الأرض وبدء الحياة في العالمالآخر. اللحظة التي يواجهها كل أحد , والتي تنتهي عندها كل حيلة , والتي تقفالأحياءوجها لوجه أمام القدرة المطلقة المتصرفة وقفة فاصلة , لا محاولة فيها ولامجال! حيث تسقط جميع الأقنعة , وتبطل جميع التعلات .

إنطريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره . . إنه المصدرالذيصدر منه الكون . فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون . فمن أبسط المواد الكونيةتنشأأعقد الأشكال , وأضخم الخلائق . . الذرة يظن أنها مادة بناء الكون , والخليةيظنأنها مادة بناء الحياة . . والذرة على صغرها معجزة في ذاتها . والخلية علىضآلتهاآية في ذاتها . . وهنا في القرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشرمادةلبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني . . المشاهدات التي تدخل في تجارب كلإنسان:النسل . والزرع . والماء . والنار . والموت . . أي إنسان على ظهر هذه الأرضلمتدخل هذه المشاهدات في تجاربه ? أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة جنينية , ونشأةنبتة. ومسقط ماء . وموقدنار . ولحظة وفاة ? . . من هذه المشاهدات التي رآها كلإنسانينشئ القرآن العقيدة , لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة . . وهذه المشاهداتالبسيطةالساذجة هي بذاتها أضخم الحقائق الكونية , وأعظم الأسرار الربانية -بالإضافةإلى الإشارة إلى مواقع النجوم - فهي في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان . وهيفيحقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى آخر الزمان:

مواقعالنجوم تعني هندسة الكون .

نشأةالحياة الإنسانية . . وهي سر الأسرار .

نشأةالحياة النباتية . . وهي كالحياة الحيوانية معجزة المعجزات .

والماء. . أصل الحياة .

والنار. . المعجزة التي صنعت الحضارة الإنسانية .

هذهالطريقة في تناول الأشياء , وبناء العقيدة والتفكير , ليست طريقة البشر .فالبشرحين يخوضون في هذه المجالات لا يلتفتون إلى هذه المواد الأولية التي هيبذاتهاالمواد الكونية . وإذا التفتوا إليها لم يتناولوها بهذا اليسر وبهذه البساطة. بل يحاولون وضع المسألة في قالب فلسفي تجريدي معقد , لا يصلح إلا لخطاب طبقة خاصةمنالناس !

أماالله فطريقته هي هذه . . تناول المواد الأولية التي هي بذاتها الموادالكونية. وبناء العقيدة بها في يسر وسهولة . تماما كما يصنع - سبحانه - في تناولالموادالأولية التي هي مواد كونية ويصنع منها الكون . .

هذامن ذاك . وعلامة الصنعة واحدة , واضحة هنا وهناك !

الدرسالثاني:57 - 62 خلق الناس دليل على البعث والله الخالق

نحنخلقناكم فلولا تصدقون ! أفرأيتم ما تمنون ? أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ?نحنقدرنا بينكم الموت , وما نحن بمسبوقين . على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لاتعلمون. ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ! . .

إنهذا الأمر أمر النشأة الأولى ونهايتها . أمر الخلق وأمر الموت . إنه أمرمنظورومألوف وواقع في حياة الناس . فكيف لا يصدقون أن الله خلقهم ? إن ضغط هذهالحقيقةعلى الفطرة أضخم وأثقل من أن يقف له الكيان البشري أو يجادل فيه:(نحنخلقناكمفلولا تصدقون !). .

(أفرأيتم ما تمنون ? أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ?). .

إندور البشر في أمر هذا الخلق لا يزيد على أن يودع الرجل ما يمني رحم امرأة .ثمينقطع عمله وعملها . وتأخذ يد القدرة في العمل وحدها في هذا الماء المهين . تعملوحدهافي خلقه وتنميته , وبناء هيكله , ونفخ الروح فيه . ومنذ اللحظة الأولى وفي كللحظةتالية تتم المعجزة , وتقع الخارقة التي لا يصنعها إلا الله . والتي لا يدريالبشركنهها وطبيعتها ; كما لا يعرفون كيف تقع . بله أن يشاركوا فيها !

وهذاالقدر من التأمل يدركه كل إنسان . وهذا يكفي لتقدير هذه المعجزة والتأثربها. ولكن قصة هذه الخلية الواحدة منذ أن تمنى , إلى أن تصير خلقا , قصة أغرب منالخيال. قصة لا يصدقها العقل لولا أنها تقع فعلا , ويشهد وقوعها كل إنسان !

هذهالخلية الواحدة تبدأ في الانقسام والتكاثر , فإذا هي بعد فترة ملايينالملايينمن الخلايا . كل مجموعة من هذه الخلايا الجديدة ذات خصائص تختلف عن خصائصالمجموعاتالأخرى ; لأنها مكلفة أن تنشيء جانبا خاصا من المخلوق البشري ! فهذهخلاياعظام . وهذه خلايا عضلات . وهذه خلايا جلد . وهذه خلايا أعصاب . . ثم . . هذهخلايالعمل عين . وهذه خلايا لعمل لسان . وهذه خلايا لعمل إذن . وهذه خلايا لعملغدد. . وهي أكثر تخصصا من المجموعات السابقة . . وكل منها تعرف مكان عملها , فلاتخطئخلايا العين

نَحْنُقَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَىأَننُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْعَلِمْتُمُالنَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُم مَّاتَحْرُثُونَ(63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْنَشَاءلَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)[17]

مثلا, فتطلع في البطن أو في القدم . مع أنها لو أخذت أخذا صناعيا فزرعتفيالبطن مثلا صنعت هنالك عينا ! ولكنها هي بإلهامها لا تخطئ فتذهب إلى البطن لصنععينهناك ! ولا تذهب خلايا الأذن إلى القدم لتصنع أذنا هناك ! . . إنها كلها تعملوتنشيءهذا الكيان البشري في أحسن تقويم تحت عين الخالق , حيث لا عمل للإنسان فيهذاالمجال .

هذههي البداية . أما النهاية فلا تقل عنها إعجازا ولا غرابة . وإن كانت مثلهامنمشاهدات البشر المألوفة:

(نحن قدرنا بينكم الموت , وما نحن بمسبوقين). .

هذاالموت الذي ينتهي إليه كل حي . . ما هو ? وكيف يقع ? وأي سلطان له لا يقاوم?

إنهقدر الله . . ومن ثم لا يفلت منه أحد , ولا يسبقه فيفوته أحد . . وهو حلقةفيسلسلة النشأة التي لا بد أن تتكامل . .

(على أن نبدل أمثالكم). .

لعمارةالأرض والخلافة فيها بعدكم . والله الذي قدر الموت هو الذي قدر الحياة .قدرالموت على أن ينشئ أمثال من يموتون , حتى يأتي الأجل المضروب لهذه الحياةالدنيا. . فإذا انتهت عند الأجل الذي سماه كانت النشأة الأخرى:

وننشئكمفيما لا تعلمون . .

فيذلك العالم المغيب المجهول , الذي لا يدري عنه البشر إلا ما يخبرهم به الله .وعندئذتبلغ النشأة تمامها , وتصل القافلة إلى مقرها .

هذههي النشأة الآخرة . .(ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون !). . فهي قريبمنقريب . وليس فيها من غريب .

بهذهالبساطة وبهذه السهولة يعرض القرآن قصة النشأة الأولى والنشأة الآخرة .وبهذهالبساطة وهذه السهولة يقف الفطرة أمام المنطق الذي تعرفه , ولا تملك أن تجادلفيه. لأنه مأخوذ من بديهياتها هي , ومن مشاهدات البشر في حياتهم القريبة . بلاتعقيد. ولا تجريد . ولا فلسفة تكد الأذهان , ولا تبلغ إلى الوجدان . .

إنهاطريقة الله . مبدع الكون , وخالق الإنسان , ومنزل القرآن . . .

الدرسالثالث:63 - 67 ما يزرعونه ويأكلونه فهو من الله لا منهم

ومرةأخرى في بساطة ويسر يأخذ بقلوبهم إلى أمر مألوف لهم , مكرر في مشاهداتهم ,ليريهميد الله فيه ; ويطلعهم على المعجزة التي تقع بين أيديهم , وعلى مرأى منعيونهم, وهم عنها غافلون:

(أفرأيتم ما تحرثون ? أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ? لو نشاء لجعلناه حطاما ,فظلتمتفكهون:إنا لمغرمون . بل نحن محرومون). .

هذاالزرع الذي ينبت بين أيديهم وينمو ويؤتي ثماره . ما دورهم فيه ? إنهم يحرثونويلقونالحب والبذور التي صنعها الله . ثم ينتهي دورهم وتأخذ يد القدرة في عملهاالمعجزالخارق العجيب .

تأخذالحبة أو البذرة طريقها لإعادة نوعها . تبدؤه وتسير فيه سيرة العاقل العارفالخبيربمراحل الطريق !

 

 

إِنَّالَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءالَّذِيتَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُالْمُنزِلُونَ(69) لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)أَفَرَأَيْتُمُالنَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَاأَمْنَحْنُ الْمُنشِؤُونَ (72)[18]

الذيلا يخطيء مرة كما يخطيء الإنسان في عمله , ولا ينحرف عن طريقه , ولايضلالهدف المرسوم ! إن يد القدرة هي التي تتولى خطاها على طول الطريق . . فيالرحلةالعجيبة . الرحلة التي ما كان العقل ليصدقها , وما كان الخيال ليتصورها ,لولاأنها حدثت وتحدث ويراها كل إنسان في صورة من الصور , ونوع من الأنواع . . وإلافأيعقل كان يصدق , وأي خيال كان يتصور أن حبة القمح مثلا يكمن فيها هذا العود وهذاالورق, وهذه السنبلة , وهذا الحب الكثير ?! أو أن النواة تكمن فيها نخلة كاملةسامقةبكل ما تحتويه ?!

أيعقل كان يمكن أن يتطاول به الخيال إلى تصور هذه العجيبة . لولا أنه يراها تقعبينيديه صباح مساء ? ولولا أن هذه القصة تتكرر على مرأى ومسمع من جميع الناس ? وأيإنسانيمكنه أن يدعي أنه صنع شيئا في هذه العجيبة سوى الحرث وإلقاء البذور التيصنعهاالله ?

ثميقول الناس:زرعنا !! وهم لم يتجاوزوا الحرث وإلقاء البذور . أما القصةالعجيبةالتي تمثلها كل حبة وكل بذرة . وأما الخارقة التي تنبت من قلبها وتنمووترتفعفكلها من صنع الخالق الزارع . ولو شاء لم تبدأ رحلتها . ولو شاء لم تتمقصتها. ولو شاء لجعلها حطاما قبل أن تؤتي ثمارها . وهي بمشيئته تقطع رحلتها منالبدءإلى الختام !

ولووقع هذا لظل الناس يلونون الحديث وينوعونه يقولون:(إنا لمغرمون):غارمون(بلنحنمحرومون). . ولكن فضل الله يمنحهم الثمر , ويسمح للنبتة أن تتم دورتها , وتكملرحلتها, وهي ذاتها الرحلة التي تقوم بها الخلية التي تمنى . . وهي صورة من صورالحياةالتي تنشئها القدرة وترعاها .

فماذافي النشأة الأخرى من غرابة . وهذه هي النشأة الأولى ? . .

الدرسالرابع:68 - 70 الماء بيد الله لا بيد الناس

(أفرأيتم الماء الذي تشربون ? أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ? لونشاءجعلناه أجاجا . فلولا تشكرون)!

وهذاالماء أصل الحياة , وعنصرها الذي لا تنشأ إلا به كما قدر الله . ما دورالإنسانفيه ? دوره أنه يشربه . أما الذي أنشأه من عناصره , وأما الذي أنزله منسحائبه, فهو الله سبحانه . وهو الذي قدر أن يكون عذبا فكان (لو نشاء جعلناهأجاجا). مالحا لا يستساغ , ولا ينشئ حياة . فهلا يشكرون فضل الله الذي أجرى مشيئتهبماكان ?

والمخاطبونابتداء بهذا القرآن كان الماء النازل من السحائب , في صورته المباشرة, مادة حياتهم , وموضع احتفالهم , والحديث الذي يهز نفوسهم , وقد خلدته قصائدهموأشعارهم. . ولم تنقص قيمة الماء بتقدم الإنسان الحضاري , بل لعلها تضاعفت .والذينيشتغلون بالعلم ويحاولون تفسير نشأة الماء الأولى أشد شعورا بقيمة هذا الحدثمنسواهم . فهو مادة اهتمام للبدائي في الصحراء , وللعالم المشتغل بالأبحاث سواء .

الدرسالخامس:71 - 73 الله ينشيء الأشجار والثمار

(أفرأيتم النار التي تورون ? أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ? نحن جعلناهاتذكرةومتاعا للمقوين). .

ولقدكان كشف الإنسان للنار حادثا عظيما في حياته . ربما كان أعظم حادث بدأت منهحضارته. ولكنها أصبحت أمرا مألوفا لا يثير الاهتمام . . والإنسان يوري النار:أييوقدها. ولكن من الذي أنشأ وقودها ? من الذي أنشأ الشجر الذي توقد به النار ? لقدمرحديث الزرع . والشجر من هذا الزرع . . على أن هناك لفتة أخرى في ذكر(شجرتها).فمناحتكاك فرع من شجرة بفرع آخر من شجرة أخرى كان العرب يوقدون

 

 

نَحْنُجَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِرَبِّكَالْعَظِيمِ (74) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)

نارهم. على الطريقة البدائية التي لا تزال مستعملة في البيئات البدائيةحتىالآن . فالأمر أظهر وأقرب إلى تجاربهم المعروفة . أما معجزة النار وسرها عندالعلماءالباحثين فهو مجال للبحث والنظر والاهتمام . وبمناسبة ذكر النار يلمعالسياقإلى نار الآخرة: (نحن جعلناها تذكرة)تذكر بالنار الأخرى . . كما جعلناها(متاعا للمقوين). . أي للمسافرين . وكان لهذه الإشارة وقعها العميق في نفوسالمخاطبين, لما تمثله في واقع حياتهم من مدلول حي حاضر في تجاربهم وواقعهم .

الدرسالسادس:74 تسبيح الله العظيم المنعم

وحينيبلغ السياق إلى هذا الحد من عرض هذه الحقائق والأسرار , الناطقة بدلائلالإيمان. الميسرة للقلوب والأذهان . يلتفت إلى الحقيقة التي تنتهي إليها هذهالحقائق. حقيقة وجود الله وعظمته وربوبيته . وهي حقيقة تواجه الفطرة مواجهة ذاتقوةوسلطان . فيهيب بالرسول [ ص ] أن يحيي هذه الحقيقة ويؤدي حقها ; ويلمس القلوببهافي حينها:

(فسبح باسم ربك العظيم). .

الدرسالسابع:75 - 80 القسم بمواقع النجوم على مصدر القرآن العظيم

ثميلتفت التفاتة أخرى إلى المكذبين بهذا القرآن ; فيربط بينه وبين هذا الكون فيقسمعظيم من رب العالمين:

(فلا أقسم بمواقع النجوم - وإنه لقسم لو تعلمون عظيم - إنه لقرآن كريم في كتابمكنونلا يمسه إلا المطهرون . تنزيل من رب العالمين). .

ولميكن المخاطبون يومذاك يعرفون عن مواقع النجوم إلا القليل , الذي يدركونهبعيونهمالمجردة . ومن ثم قال لهم:(وإنه لقسم - لو تعلمون - عظيم). . فأما نحناليومفندرك من عظمة هذا القسم المتعلقة بالمقسم به , نصيبا أكبر بكثير مما كانوايعلمون. وإن كنا نحن أيضا لا نعلم إلا القليل عن عظمة مواقع النجوم . . .

وهذاالقليل الذي وصلنا إليه بمراصدنا الصغيرة , المحدودة المناظير , يقوللنا:إن مجموعة واحدة من مجموعات النجوم التي لا تحصى في الفضاء الهائل الذي لا نعرفلهحدودا . مجموعة واحدة - هي المجرة التي تنتسب إليها أسرتنا الشمسية - تبلغ ألفمليوننجم !

[ ويقول الفلكيون إن من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم , مايمكنرؤيته بالعين المجردة , وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة , وما يمكن أن تحسبهالأجهزة دون أن تراه . هذه كلها تسبح في الفلك الغامض ; ولا يوجد أي احتمال أنيقتربمجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر , أو يصطدم بكوكب آخر , إلا كما يحتملتصادممركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي , يسيران في اتجاه واحدوبسرعةواحدة . وهو احتمال بعيد , وبعيد جدا . إن لم يكن مستحيلا ] .

وكلنجم في موقعه المتباعد عن موقع إخوته , قد وضع هناك بحكمة وتقدير . وهو منسقفيآثاره وتأثراته مع سائر النجوم والكواكب , لتتوازن هذه الخلائق كلها في هذاالفضاءالهائل .

فهذاطرف من عظمة مواقع النجوم , وهو أكبر كثيرا جدا مما كان يعلمه المخاطبونبالقرآنأول مرة , وهو في الوقت ذاته أصغر بما لا يقاس من الحقيقة الكلية لعظمةواقعالنجوم !

 

 

وَإِنَّهُلَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)فِيكِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌمِّنرَّبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81)وَتَجْعَلُونَرِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِالْحُلْقُومَ(83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84)[19]

(فلا أقسم بمواقع النجوم). . فالأمر أوضح وأجلى من أن يحتاج إلى قسم ..(وإنه لقسم لو تعلمون عظيم). . وهذا التلويح بالقسم والعدول عنه أسلوب ذو تأثير فيتقريرالحقيقة التي لا تحتاج إلى القسم لأنها ثابتة واضحة . .(إنه لقرآن كريم فيكتابمكنون لا يمسه إلا المطهرون . تنزيل من رب العالمين). .

إنهلقرآن كريم . وليس كما تدعون قول كاهن , ولا قول مجنون , ولا مفترى على الله. من أساطير الأولين . ولا تنزلت به الشياطين ! . . . إلى آخر هذه الأقاويل . إنماهوقرآن كريم . كريم بمصدره , وكريم بذاته , وكريم باتجاهاته .

(في كتاب مكنون). . مصون . . وتفسير ذلك في قوله تعالى بعدها:(لا يمسه إلاالمطهرون). . فقد زعم المشركون أن الشياطين تنزلت به . فهذا نفي لهذا الزعم .فالشيطانلا يمس هذا الكتاب المكنون في علم الله وحفظه . إنما تنزل به الملائكةالمطهرون. . وهذا الوجه هو أظهر الوجوه في معنى(لا يمسه إلا المطهرون). ف(لا)هنانافيةلوقوع الفعل . وليست ناهية . وفي الأرض يمس هذا القرآن الطاهر والنجس .والمؤمنوالكافر , فلا يتحقق النفي على هذا الوجه . إنما يتحقق بصرف المعنى إلى تلكالملابسة. ملابسة قولهم:تنزلت به الشياطين . ونفي هذا الزعم إذ لا يمسه في كتابهالسماويالمكنون إلا المطهرون . .

وممايؤيد هذا الاتجاه قوله تعالى بعد هذا:(تنزيل من رب العالمين). . لا تنزيلمنالشياطين !

وقدروي حديثان يقرران معنى آخر وهو أن لا يمس القرآن إلا طاهر . . ولكن ابنكثيرقال عنهما:"وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره . ومثل هذا لا ينبغي الأخذبه. وقد أسنده الدارقطني عن عمرو ابن حزم وعبدالله بن عمر وعثمان بن أبي العاص .وفيإسناد كل منهما نظر والله أعلم" .

الدرسالثامن:81 - 87 مشهد الإحتضار والعجز عن إعادة الدم للجسم

ثميأتي الإيقاع الأخير في السورة . . لحظة الموت . . اللمسة التي ترجف لهاالأوصال. واللحظة التي تنهي كل جدال . واللحظة التي يقف فيها الحي بين نهاية طريقوبدايةطريق . حيث لا يملك الرجوع ولا يملك النكوص:

(أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ? وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون . فلولا إذا بلغتالحلقوموأنتم حينئذ تنظرون . ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون . فلولا إن كنتمغيرمدينين . ترجعونها إن كنتم صادقين). .

أفأنتمشاكون في هذا الحديث الذي يقال لكم عن النشأة الآخرة ; مكذبون بالقرآنومايقصه عليكم من شأن الآخرة , وما يقرره لكم من أمور العقيدة ?(وتجعلون رزقكمأنكمتكذبون). . فإذا التكذيب هو رزقكم الذي تحصلون عليه في حياتكم وتدخرونهلآخرتكم? وما أسوأه من رزق !

فماذاأنتم فاعلون إذ تبلغ الحلقوم , وتقفون في مفرق الطريق المجهول ?

ثميصور الموقف التصوير القرآني الموحي , الذي يرسم ظلال الموقف كلها في لمساتسريعةناطقة بكل ما فيه , وبكل ما وراءه , وبكل ما يوحيه .

(فلولا إذا بلغت الحلقوم . وأنتم حينئذ تنظرون . ونحن أقرب إليه منكم ولكن لاتبصرون). .

لنكادنسمع صوت الحشرجة , ونبصر تقبض الملامح , ونحس الكرب والضيق من خلالقوله:(فلولا إذا بلغت الحلقوم). . كما نكاد نبصر نظرة العجز وذهول اليأس في ملامحالحاضرينمن خلال قوله:(وأنتم حينئذ تنظرون). .

هنا. في هذه اللحظة . وقد فرغت الروح من أمر الدنيا . وخلفت وراءها الأرض ومافيها. وهي تستقبل

 

 

وَنَحْنُأَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنكُنتُمْغَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (87)فَأَمَّاإِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُنَعِيمٍ(89) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَّكَمِنْأَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَالضَّالِّينَ(92) فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)[20]

عالمالا عهد لها به , ولا تملك من أمره شيئا إلا ما أدخرت من عمل , وماكسبتمن خير أو شر .

هنا. وهي ترى ولا تملك الحديث عما ترى . وقد انفصلت عمن حولها وما حولها .الجسدهو الذي يراه الناظرون . ولكنهم ينظرون ولا يرون ما يجري ولا يملكون من الأمرشيئا.

هناتقف قدرة البشر , ويقف علم البشر , وينتهي مجال البشر .

هنايعرفون - ولا يجادلون - أنهم عجزة عجزة . قاصرون قاصرون .

هنايسدل الستار دون الرؤية . ودون المعرفة . ودون الحركة .

هناتتفرد القدرة الإلهية , والعلم الإلهي . ويخلص الأمر كله لله بلا شائبة ولاشبهةولا جدال ولا محال:

(ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون)!

وهنايجلل الموقف جلال الله , ورهبة حضوره - سبحانه وتعالى - وهو حاضر في كل وقت. ولكن التعبير يوقظ الشعور بهذه الحقيقة التي يغفل عنها البشر . فإذا مجلس الموتتجللهرهبة الحضور وجلاله . فوق ما فيه من عجز ورهبة وانقطاع ووداع .

وفيظل هذه المشاعر الراجفة الواجفة الآسية الآسفة يجيء التحدي الذي يقطع كل قولوينهيكل جدال:

(فلولا إن كنتم غير مدينين:ترجعونها إن كنتم صادقين !)

فلوكان الأمر كما تقولون:إنه لا حساب ولا جزاء . فأنتم إذن طلقاء غير مدينينولامحاسبين . فدونكم إذن فلترجعوها - وقد بلغت الحلقوم - لتردوها عما هي ذاهبةإليهمن حساب وجزاء . وأنتم حولها تنظرون . وهي ماضية إلى الدينونة الكبرى وأنتمساكنونعاجزون !

هناتسقط كل تعلة . وتنقطع كل حجة . ويبطل كل محال . وينتهي كل جدال . ويثقل ضغطهذهالحقيقة على الكيان البشري , فلا يصمد له , إلا وهو يكابر بلا حجة ولا دليل !

الدرسالتاسع:88 - 94 مصائر الأصناف الثلاثة في الآخرة

ثميمضي السياق في بيان مصير هذه الروح الذي يتراءى لها من بعيد حين تبلغالحلقوم, وتستدبر الحياة الفانية , وتستقبل الحياة الباقية . وتمضي إلى الدينونةالتييكذب بها المكذبون:

(فأما إن كان من المقربين , فروح وريحان وجنة نعيم . وأما إن كان من أصحاباليمين, فسلام لك من أصحاب اليمين . وأما إن كان من المكذبين الضالين . فنزل منحميم. وتصلية جحيم).

وقدمرت بنا في أول السورة صور من نعيم المقربين . فالروح هنا ترى علائم هذاالنعيمالذي ينتظرها:روح وريحان وجنة نعيم . والألفاظ ذاتها تقطر رقة ونداوة .وتلقيظلال الراحة الحلوة , والنعيم اللين والأنس الكريم .

(وأما إن كان من أصحاب اليمين). . فيلتفت بالخطاب إليه . . يبلغه سلام إخوانه منأصحاباليمين . وما أندى السلام ساعتئذ وما أحبه . حين يتلقاه وقد بلغت الحلقوم !فيطمئنباله ويشعر بالأنس في الصحبة المقبلة مع أصحاب اليمين .

(وأما إن كان من المكذبين الضالين . فنزل من حميم . وتصلية جحيم). . وما أسوأهنزلاومثوى ذلك الحميم

 

إِنَّهَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ(96)

الساخن. وما أشده عذابا ذلك الجحيم , يتراءى له ويعلم أنه ملاقيه عنيقين!

الدرسالعاشر:95 - 96 الواقعة حق اليقين وتسبيح الله

والآنوقد بلغ الموقف ذروته تجيء الخاتمة في إيقاع عميق رزين:

(إن هذا لهو حق اليقين . فسبح باسم ربك العظيم). .

فتلتقيرجاحة اليقين وثقله في ميزان الحق , بالواقعة التي بدأت بها السورة .وتختمبما يوحيه هذا اليقين الثابت الجازم من اتجاه إلى الله بالتسبيح والتعظيم . .

 

[1]كريم جرير , سورة الواقعة, مجلة الازهر , ع: 595, ط1, القاهرة , ص12-14.

 

من طريق أحمد بن محمد بن عمر بن يونس عن عمرو بن يزيد عن محمد بن الحسن عن منذر الأفطس عن وهب بن منبه عن ابن عباس . وهذا حديثٌ موضوع ، فأحمد بن محمد بن عمر اليمامي كذاب ،كما قال أبوحاتم وغيره (ميزان الاعتدال 1/ 287) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (سنده ضعيفٌ جداً) كما في نتائج الأفكار ( 3 / 264 ).

ويُنظر: السلسلة الضعيفة للشيخ الألباني (1/ 458 رقم 290)[2]أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (36/ 444)

[3]يُنظر في تخريجه: المطالب العالية للحافظ ابن حجر ( 15 /307- 312) والسلسلة الضعيفة للشيخ الألباني (1/ 457 رقم 289).

[4]ذكره الديلمي في مسند الفردوس (3/ 10) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 153) إلى ابن مردويه في تفسيره بلفظ:"سورة الواقعة

[5]وذكر الشيخ الألباني في الضعيفة (1/ 459 رقم 291) أن السيوطي أورده في ذيل الأحاديث الموضوعة (277) من طريق عبد القدوس بن حبيب عن الحسن البصري

[6]بل رماه ابن المبارك بالكذب (لسان الميزان 4/ 55). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (سنده ضعيفٌ جداً) كما في النتائج (3/ 264).

[7]أخرجه الترمذي في سننه (3297) وفي الشمائل (41) وأبو يعلى في مسنده (1/102-) والحـاكم في المستدرك (2/467) وغيرهم. وهو حديثٌ مضطربٌ سنداً ومتناً؛ كما بين الحافظ الدارقطني في العلل (1/193-) والحـافظ ابن حجر في النكت (2/774-)

[8]أخرجه ابن خزيمة (531) وابن حبان (1813) والحاكم في المستدرك (1/240) والبيهقي في الكبير (3/119). وكذا عبد الرزاق في المصنف (2720) ومن طريقه أحمد في مسنده (34/504) والطبراني في الكبير (1914) من طرق عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة. وإسناده لابأس به، على اختلافٍ يسيرٍ وقعَ في متنه، فقد روى الحديثَ مسلم في صحيحه (458) وأبو عوانة (2/160) والإمام أحمد في مسنده (34/430 ،432 ، 492 ،501 ،511) والطبراني في الكبير (1937 ،1938 ،2000 ،2052) وغيرهم

[9]أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (7/148) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (2/95) وأبو عبيد في فضائل القـرآن (257)

[10]سير أعلام النبلاء (4/ 68) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (258) بإسناد منقطع

[11]كريم جرير , سورة الواقعة, مجلة الازهر , ع: 595, ط1, القاهرة , ص12-14.

[12]سير أعلام النبلاء (4/ 68)المصدر : في ظلال القرآن - سيد قطب .ص22

 

[13] سورة الواقعة(1-2-3-4-5)

[14] سورة الواقعة(7-8-9-10-10-11-12-13-14-15-16)

[15] سورة الواقعة(17-18-91-20-21-22-22-23-24-25-_26- 27-28-29-30-31-32-33-34-35-36-37-38-39-40)

[16] سورة الواقعة(41-42-43-44-45-46-47-48-49-50-51-52-53-54-55-56-57-58-59)

[17] 60-61-

[18] (66) (67) (68) 69) (70)(71) (72)

[19] (76) (77)(78) (79) (80) (81)(82) فَ(83) (84)

 

[20] (85) (86) (87)(88) (89) (90) (91) الضَّالِّينَ(92) (93) (94


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق