]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قانون للعزل السياسي حماية للثورة ومأسسة للديمقراطية

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2013-04-01 ، الوقت: 14:45:41
  • تقييم المقالة:

بقلم: صابر النفزاوي -محلل سياسي-

تعرف لجنة التشريع العام في المجلس الوطني التأسيسي جدلا كبيرا حول مشروع قانون التحصين السياسي للثورة ؛وهو مشروع قانون أساسي تقدمت به حركة النهضة رفقة أربع كتل نيابية أخرى لعرضه فيما بعد على أنظار الجلسة العامة للمصادقة عليه،وفيما يلي قراءة في أهم نقاطه وتفصيل للقول فيه؛لكن قبل ذلك لا يفوتني تسجيل ملاحظة سريعة حول اسم هذا القانون “التحصين السياسي للثورة”فتحصين الثورة في رأينا لا يكون إلا سياسيا ومن هذا المنطلق لا حاجة إلى توصيفه بالسياسي.

قراءة عامة في مشروع قانون التحصين السياسي للثورة:

يحتلّ الفصلان 2و 3 من بين بقية فصول مشروع القانون مكانة مركزية ؛فقد حدّد الثاني قائمة المشمولين بالعزل السياسي وعدّد الثالث نوعية المناصب التي يُمنع عليهم تقلّدها.نلحظ في الفصل الثاني أنه من بين المشمولين بالعزل السياسي كلّ من شغل منصب عضوية ديوان رئيس الجمهورية وبمنطق التوازي يفترض هذا الإقصاء عدم توليتهم هذا المنصب مستقبلا لكنّ الفصل الثالث لم يُشر إلا إلى مهمة إدارة ديوان الرئيس ؛بالمقابل فإن الحديث عن منع شغل منصب سفير أو قنصل أو وال أو معتمد يستدعي بالضرورة المنطقية إضافة من شغلوا هذه المناصب إلى قائمة المعزولين وهذا ما لم يحدث ،والأمر نفسه ينطبق على من شغلوا مهام:المحافظ والمحافظ المساعد للبنك المركزي وعضو مجلس الشعب وعضو أورئيس لمجلس له صفة جماعة محلية .؛فكل هذه المهام وجدناها في الفصل الثالث وافتقدناها في الفصل الثاني،ما صنع في النهاية غياب ما أسميه”التناظرية المنطقية”والتوازن والانسجام بين الفصلين.

كما لا يسع أي قارئ للفقرة الاخيرة من الفصل الثالث إلا أن يعجب لوجودها فأية جدوى وأية غاية تُرجى من القول إنه لايجوز لأي شخص ممّن وردت أسماؤهم بالقائمة النهائية لمتولي المهام المذكورة بالفصل الثاني من هذا القانون في أجل 10 سنوات من تاريخ دخول هذا القانون حيّز التنفيذ أن”يكون رئيسا أو عضوا في أي من الهياكل القيادية المركزية أو الجهوية في الأحزاب السياسية أو عضوا في هيئتها المؤسّسة “..لاشكّ أنّ هذا المنع يُعدّ مسا فاضحا من حرية العمل الحزبي ؛فلا شيء يسوّغ منع المشمولين بالعزل من تولّي مناصب حزبية متقدمة مادام قانون التحصين قطع الطريق عليهم منذ البداية بإقصائهم من مناصب الدولة الرسمية ،ثمّ إنّ هذه الفقرة المذكورة آنفا فيه انتهاك صارخ لحقوق المواطنة يغدو معه التجمعي القيادي في حكم سليب الجنسية وليس مجرد مقصيّ من العملية السياسية إلى حين ؛والاحتجاج بأنّ الفاعلين في النظام السابق قد يمتطون صهوة الحزبية لإفساد الحياة السياسية ومعاداة الثورة وتعطيل المسار الانتقالي وهو كلام على خطابيّته المتدفقة تعوزه الحكمة إذ إنّ كل هذه الأمور التي نخشاها لن نمنع حدوثها بمجرّد منع التحزب فقد يمارسون “شذوذهم السياسي” خارج الهيكلية الحزبية من خلف ستار وبذلك يتعاظم خطرهم بتحولهم إلى كائنات هلاميّة تصعب مراقبتها ومقاومتها فتضحي خارج السيطرة تماما.

أما فيما يتعلق بالتحديد الزمني لحصر قائمة المشمولين بالعزل السياسي فإن الحديث عن سرّ تحديد 02 أفريل 1989 وليس 7 نوفمبر 1987 كنقطة بداية وتعليل ذلك بأن حركة النهضة تحاول تبرئة نفسها بما أن حركة الاتجاه الإسلامي-النهضة حاليا- كانت من بين الموقّعين على ما سُمي ”الميثاق الوطني”عام 1988 ما منح الرئيس المخلوع ما اعتبره البعض “صكّا على بياض”؛فإنّ تأويلا كهذا يتجاهل أصحابه حقيقة الأوضاع بُعيد السابع من نوفمبر 1987 فقد كان “البيان رقم واحد”-وهذا المصطلح يُطلق عادة على البيان الذي يتوجّه به الانقلابيون إلى الشعب- يُبشّر بدولة القانون والمؤسسات ؛وقد أبدت السلطة آنذاك حسن نواياها بجملة من الإجراءات التحررية فقد تم إطلاق سراح عدة معتقلين سياسيين كان من بينهم الشيخ راشد الغنوشي في ماي 1988 كما وقع الترخيص لمنظمة العفو الدولية بفتح فرع لها في تونس وضُمنت حرية الصحافة بنصوص قانونية…فقد كانت جميع المؤشّرات تنبئ فعلا بتغيير حقيقي في الأفق وتحول فعلي نحو الديمقراطية؛ولم يُطلّ الاستبداد بوجهه القبيح إلاّ مع الانتخابات التشريعية المزورة يوم 02 أفريل 1989 حيث تحصّل التجمع المنحل على 80 في المئة من الأصوات ليفوز بكامل مقاعد البرلمان ال141 ؛فالفترة الفاصلة بين 7 نوفمبر 87 و2 أفريل 1989 اتّسمت بكمون للاستبداد وبوادر انفتاح سياسي تبيّن لاحقا أنه انفراج زائف انطلى على أغلب أطراف المعارضة من اليمين واليسار لكنّ ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال تواطؤ هؤلاء مع الدكتاتورية البائدة.

مشروع قانون التحصين السياسي للثورة …لماذا الآن؟؟؟

كثيرا ما يلعب رافضو مشروع قانون ما بورقة التوقيت ويسألون سؤالا مُغرضا:لماذا الآن بالذات؟؟؟ززويسعون جاهدين إلى افتراض جميع النوايا الخبيثة في نفوس متبني ذلك المشروع ويتعسّفون على الواقع ويُسقطون عليه ما ليس فيه ،فكلنا يعلم أن لجنة التشريع العام في المجلس التأسيسي كانت تتهيّأ للنظر في مشروع قانون التحصين يوم 06 فيفري 2013 لكنّ حادثة خطيرة وقعت يومها تمثّلت في اغتيال ناشط سياسي ما كان له تبعاته المزلزلة ..احتقان سياسي فتحول حكومي بعد مخاض عسير مرّت البلاد أثناءه على شفير الهاوية؛فكان أن استُجمعت مبرّرات تأجيل النظر في مشروع القانون إلى حين الوصول إلى حالة من الاستقرار لم تأت إلا بعد منح الثقة لحكومة علي العريّض ، فمامن مسوّغ للحديث عن استهداف حركة نداء تونس فهذا الحزب رغم ما حقّقه من بعض الانتشار قد شهدت شعبيّته انحدارا وقفنا عليه من خلال نتائج عمليات سبر الآراء الاخيرة .

دحض شبهة استهداف الخصوم السياسيّين عن “النهضة” و”المؤتمر” و”وفاء”:

إذا أردنا تفسير تبنّي كتل معيّنة داخل التأسيسي لمشروع قانون التحصين – الترويكا،وفاء،المستقلون الأحرار،حرية وكرامة،وربما لحاق “العريضة الشعبية”-فإنّ أيسر التفسيرات وأكثرها إغراء للكثيرين تتمثّل في توجيه تهمة محاولة إقصاء الخصوم السياسيين من حلبة الصراع الانتخابي ؛ وهذا الاتهام ربما يحوز بعض المعقولية إذا وُجّهت أصابعه إلى حزب التكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحريّات إلا أنه لا يبدو في طريقه فيما يتعلق بأحزاب النهضة والمؤتمر والوفاء للثورة ..

لعله من نافلة القول إنّ حزب التكتل يشكو وهنا وضعفا متزايدا وهو على حالته تلك في أمسّ الحاجة إلى إقصاء منافسيه ،كما أنه عُرف بغرقه في وحل “البراغماتويّة”والتذيّل السياسي لحركة النهضة ومواقف رئيسه مصطفى بن جعفر داخل التأسيسي تقيم الدليل على ذلك ،كما أننا نتذكر تأييد “التكتل”لمبادرة حمادي الجبالي ثمّ مناصرته لحركة النهضة في خيار حكومة توفيقية بين تكنوقراط وسياسيين رغم ما أبداه من “صرامة”مزيّفة أثناء المفاوضات حول تشكيل الحكومة الجديدة..

في المقابل لا نستطيع أن ننسب إلى المؤتمر من أجل الجمهورية التحرك وفق غايات حزبوية ،فهذا الحزب هو أوّل من اقترح مشروع قانون للعزل السياسي منذ شهور تمتدّ إلى ما قبل ولادة حزب “نداء تونس”الخصم السياسي المحتمل ، ثمّ إنّ المؤتمر عُرف منذ تأسيسه عام 2001 بمواقفه الصُلبة وكان من الأحزاب المعارضة القليلة التي رأت أنّ نظام المخلوع “لايصلح ولا يُصلح”كما كان يردّد دائما مؤسسه المنصف المرزوقي ،وذلك على عكس أطراف أخرى كانت تؤمن إلى حدّ ما بإمكان تحقيق الإصلاح من داخل النظام نفسه –مثل الحزب الديمقراطي التقدمي- أما فيما يتعلّق بحزب وفاء فإنّ ثوريّته ومبدئيّته غنية عن البيان إلى درجة لا نستطيع معها الحديث عن نوايا خبيثة وحسابات ضيّقة،فقد اتّسمت مواقف هذا الحزب بقدر كبير من الموضوعية والثبات على النهج إلى الحد الذي عسّر علينا تصنيفه فلا هو ضمن الموالاة بإطلاق ولا ضمن المعارضة قطعا ،فهو نهضوي برفضه تحييد وزارات السيادة و”جبهوي”باعتباره أنّ منظومة الفساد لم تُفكّك بعد..

فيما يخصّ حركة النهضة..؛صحيح أنّها لم تتحمس لمبادرة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية المتمثلة في اقتراح مشروع قانون للعزل السياسي منذ أشهر إلا أنّ تحفّظها آنذاك تعلّق أساسا بالتوقيت ولم يكن اعتراضا على مبدإ الإقصاء نفسه ،ثمّ إن ما عاناه النهضويون من مظالم زمن الدكتاتورية يجعل سعيهم إلى تمرير قانون كالذي نحن بصدده مفهوما ومقبولا تماما ؛ ولا مبرّر معه إلى طرح سؤال “اللماذا”وحبك سيناريوهات وهمية وشيطنة البواعث والنوايا،بل إنّني أذهب إلى أبعد من كلّ هذا لأزعم أنّ وجود حركة نداء تونس مفيد للنهضة ويخدم مصلحتها فهي لن تفعل شيئا يوم الانتخابات غير مزيد تشتيت الأصوات الانتخابية التي ستذهب إلى شراذم ممّن يُسمّون أنفسهم تقدّميين وحداثيين،وبالنسبة إلى تصريحات الشيخ راشد الغنوشي السابقة التي تصبّ في خانة قبول الحوار مع الجميع دون استثناء وإمكانية التراجع عن مشروع قانون التحصين فلا تعدو أن تكون سوى تكيّف مع واقع محتقن إلى أبعد الحدود بُعيد اغتيال “بلعيد”،وفي تلك الظروف لا يسع أيّ سياسي وطني إلا البحث عن التهدئة وامتصاص الاحتقان بكل الوسائل المتاحة، وليس أدلّ على هذه “الرؤية التكيّفية” من استعمال زعيم حركة النهضة لعبارات إيحائية تشي بالمعنى ولا تُفصح عنه،عبارات حمالة أوجه تُخفي بقدر ما تُظهر؛ولا نعثر فيها على حديث صريح يفيد تراجعا نهائيا عن مشروع قانون التحصين السياسي للثورة.

العدالة الانتقالية صغيرة على الثورة:

سأنطلق من مصادرة مفادها أنّ مشروعا للعدالة الانتقالية أصغر من أن يعقب ثورة قلبت رأس النظام،ورغم ما يمكن أن نقع فيه من خلل منطقي فإنّنا نحاجج لنعضد هذه المسلّمة رغبة منّا في توضيح الرؤية فقط..

إنّ العدالة الانتقالية في أعمّ مفاهيمها هي شكل من أشكال تحقيق العدل وفق آليات خاصة تختلف عن تلك التي تتبناها قنوات العدالة العادية –القضاء العادي- تناغما مع لحظة تاريخية فارقة تتمثل في انتقال سياسي من ماض استبدادي ثقيل إلى مستقبل ديمقراطي مأمول،وتهدف العدالة الانتقالية إلى المكاشفة فالمساءلة فالمحاسبة فجبر أضرار الضحايا فالمصالحة،فهي تستهدف فتح ملف القمع ما بين 1955 و14 جانفي 2011 وترتكز أساسا على الآلية القضائية للفصل في القضايا ،وهي بهذا المعنى تتّخذ الجرائم الجزائية موضوعا لها ، وتُشيح بوجهها عن السياسي والأخلاقي والتاريخي التي هي مواطن خلل أيّ نظام استبدادي ؛ فما قام به الفاعلون في النظام السابق ليست مجرد جرائم إنها “أخطاء”والخطأ بالمعنى الفلسفي أخطر من الجريمة ،فعندما نما إلى علم أحد الكتاب الفرنسيين أن نابوليون قد أعدم أحد النبلاء هتف قائلا”إنها أكبر من ان تكون جريمة إنها خطأ”،فما فعله “الأزلام” ليس إجراما عاديا يستحقّ مجرد الإدانة القضائية فهو يعبّر عن سياسة متكاملة سياسة الخطإ الممتدّ في الزمن ، فالعدالة الانتقالية دون عزل سياسي ليست إلا مجرّد “نقش على وجه ماء”وذرا للرماد على العيون ،ولكي تعيش ثورتنا يجب أن تتعلق همتنا بما هو أعظم  من مشروع يلخّص بامتياز ما أسميه “الميوعة الثورية”المتهم فيه بريء حتى تثبت الإدانة ، فالتجمعي القيادي متى كان متّهما فهو مدان حتّى تثبت براءته..وليس أدلّ على “قزميّة”مشروع العدالة الانتقالية من أنّ أغلب البلدان التي عرفته يتيما دون إقصاء سياسي لم تشهد ثورات حقيقية تغيّرت معها الأنظمة وهذه حال المغرب مثلا،فليس هناك بلد واحد لم يشهد سقوطا للنظام قد تبنى قانونا للعزل السياسي ،فالإقصاء السياسي هو نتاج ثوري بامتياز.

قصارى القول ،إن مشروع العدالة الانتقالية يُعدّ مطلبا ملحا غير أنّ تفعيله وحيدا دون قرنه بقانون للعزل السياسي لن يكون سوى محاولة سيزيفية لتجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل..

الرد على مبررات رافضي مشروع قانون التحصين:

مشروع القانون ينتهك مبادئ حقوق الإنسان:

أولا.؛هناك اتفاقيات حقوقية تسمح بإصدار مثل هذه القوانين ضدّ من يمثلون خطرا على المجتمع وإن كانت تضع ضوابط معيّنة لذلك..،ثانيا.؛كان للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان رأي في التسعينيات مفاده إمكان منع رموز نظام استبدادي سابق من الترشح للانتخابات مع حفظ حقهم في الانتخاب..،ثالثا،يحفظ لنا التاريخ تجارب عديدة في العزل السياسي فبُعيد الحرب العالمية الثانية عمدت فرنسا إلى إقصاء كل من تولى مسؤوليات قيادية في حكومة “فيشي”العميلة للألمان ،كما أن دولا اشتراكية سابقة مثل المجر وبلغاريا سارعت إلى إصدار قوانين مشابهة،من ناحية أخرى يبقى التعامل القانوني مع رجالات النظام البائد أرقى أنواع التعامل الثوري والأكثر إنسانية،فالعزل السياسي يستهدف حقا “بورجوازياّ”وهو الحق في تولّي مناصب في الدولة لزمن معلوم وهذا أضعف الإيمان في بلد من المفترض أنه شهد ثورة عارمة.

في السياق نفسه يبدو أنّ الباجي قائد السبسي وهو يرفض مشروع القانون بدعوى تنافيه مع حقوق الإنسان قد نسي أو تناسى أن حكومته تبنّت المرسوم عدد 15 المنظم لانتخابات 23 أكتوبر 2011 والذي أُقصيت بموجبه القيادات التجمعية ومناشدي الرئيس المخلوع لرئاسيات 2014 من الترشح لعضوية المجلس التأسيسي.

نعم للعزل “الشعبي”..لا للعزل السياسي:

إن التعويل على الشعب لإقصاء التجمعيين السابقين لهو مجازفة غير مضمونة العواقب ، فكلنا يعلم أنّ المال السياسي مؤهّل لتعكير صفو العملية الانتخابية حيث تزدهر الزبائنية السياسية وتجارة الأصوات والذمم التي رأينا عيّنة منها داخل المجلس التأسيسي نفسه من خلال ما عُرف بالسياحة الحزبية ، ومادام ذلك كذلك فإنّ اعتماد طريقة الاقتراع على الأفراد في دوائر انتخابية ضيّقة كما اقترح ذلك خبير القانون الدستوري “قيس سعيّد” لن يكون حلاّ،أما اقتراحه بإجراء استفتاء شعبي حول مشروع قانون التحصين لا يستقيم لا شكلا ولا أصلا ، فالظرف الأمني والاقتصادي فضلا عن أزمة الوقت لا يسمحان بذلك ،كما أنه من الخُلف العودة إلى شعب سبق أن قال كلمته مدوّية منذ 17 ديسمبر 2010 عندما هتف بإسقاط النظام قبل أن ينادي بأي شيء آخر ،فقد كان التونسيون على يقين أنّ شيئا لن يتحقّق دون التخلص من رموز الفساد والاستبداد الذين فسدوا وأفسدوا ولم يعتذروا كما فعل نظراؤهم في جنوب إفريقيا ،فالشعب قال كلمته بعد ولن نعيد صناعة العجلة يا قيسنا..

هناك أحزاب وجمعيات أخرى مارست الفساد:

إن ترديد مثل هذا الكلام هو من قبيل التبسيط والتسطيح السياسي ؛فكلنا يعلم أنّ حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل هو رأس الفساد وهو وإن كفّ عن الوجود الفعلي فإنه مازال موجودا بالقوة فلا أهمية تُذكر لقرار حلّه إذا لم يلحقه عزل سياسي فالعبرة بإقصاء الأشخاص لا الأحزاب،فالأحزاب والجمعيات الفاسدة الأخرى هي مجرد جراثيم تتكاثر إذا وجدت بيئة ملائمة وهذه البيئة وفّرها الحزب الحاكم السابق فهو قاطرة الفساد والإفساد.

فليمرّ مشروع القانون..لكن عبر التوافق داخل المجلس التأسيسي:

هذا رفض مقنّع لمبدإ العزل السياسي ،لأنّ تحصيل التوافق داخل المجلس حول مشروع قانون كهذا يبدو ضربا من ضروب المستحيل ،ثم إني أودّ تذكير الناسين والمتناسين أنّ الديمقراطية هي بالضرورة حكم الأغلبية وليست حكم الجميع بالتوافق،ونحن وإن كنّا نعيش مرحلة انتقال ديمقراطي فإنه انتقال ما بعد الانتخابات ما يجعلنا خاضعين بالضرورة للشرعية الانتخابية ،فمن باب المغالطة والتلبيس على الناس الحديث عن مرحلة انتقالية ضمن فضاء مضموني واحد يجمع فترة ما قبل الانتخابات وما بعدها رغم جوهرية الفرق بينهما ،فلا تجوز بداهة الدعوة إلى التوافق في فترة ما بعد العملية الانتخابية إلا فيما يتعلّق بالدستور نظرا لطابعه المطلق وضرورة عدم خضوعه للتوازنات الحزبية داخل التأسيسي ،فرغم أنّ حركة النهضة انتُخبت لترجمة رؤيتها في النص الدستوري بما أنها حازت أغلب الأصوات غير انّ أغلب الناخبين لم يختاروا حركة النهضة وهذه أيضا نقطة أساسية يجب عدم التغافل عنها ؛ فمشاريع القوانين في رأينا تخضع لقانون الأغلبية والدستور لابد أن يكون توافقيا رغم ما يمكن أن يحمله ذلك من غموض الفصول وضبابية الرؤية لكنّ التوافق يبقى شرّا لابدّ منه.

صفوة القول ..،إن رافضي مشروع قانون التحصين السياسي للثورة هم إما تجمّعيون سابقون أو أحزابهم تعيد “رسكلة”التجمعيين أو من أسميهم “ديمقراطيو الوضع الدائم أو الديمقراطويّون”الذين يتعاملون مع البلاد وكأنها تعيش ديمقراطية مكتملة وليس مجرد دمقرطة متدرّجة أو ما أسميه مرحلة "برزخية" دقيقة نتوق من خلالها إلى فردوس الديمقراطية فيشرّعون بذلك للتحايل القانوني على قانون الثورة الاستثنائي بامتياز.

وأن يصبّ تمرير قانون التحصين السياسي للثورة في مصلحة أحزاب بعينها فذلك لا يبرّر رفضنا له ؛ لأنّنا بصدد تقاطع للمصالح بين الوطن وبين تلك الأحزاب ؛والإقصاء لا يحمل بالضرورة دلالة سلبية خاصة لو كان إقصاء سياسيا يستهدف من عاثوا في البلاد فسادا وهو إقصاء حاز الشرعية بعد ولا تعوزه الآن إلا المشروعية حماية للثورة ومأسسة للديمقراطية..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق