]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مسرحية "العائدون الى ارض الوطن" وغياب الرد المناسب:

بواسطة: محمد سالم هاشم  |  بتاريخ: 2011-09-19 ، الوقت: 10:49:32
  • تقييم المقالة:

 

مسرحية "العائدون الى ارض الوطن" وغياب الرد المناسب:

محمد سالم هاشم

 

لا يخفى على أي متتبع للقضية الوطنية, أن الساحة الإعلامية تشهد ومنذ الاجتياح المغربي للصحراء الغربية حربا إعلامية شرسة لا تقل حدتها عن الحرب العسكرية التي رافقتها قبل توقيع الهدنة, حاولت خلالها الترسانة الدعائية المغربية الترويج لكثير من الادعاءات و الأكاذيب المدروسة بدقة وعناية فائقين من طرف المخزن, فلم تكن المسيرة الخضراء أول هذه الأكاذيب ولا آخرها, إذ سبقها الترويج للبيعة التاريخية المزورة, و تبعها الكثير من التضليل كالتستر على الخسائر الفادحة التي تكبدها الجيش المغربي خلال الحرب, ثم أسطورة المحتجزين داخل المخيمات... و القائمة تطول.

و في هذا السياق يبرز التضخيم الإعلامي الكبير الذي تحظى به مسرحية "العائدين إلى ارض الوطن", و تعود فصولها التي لم تكتمل بعد إلى سنوات الحرب الأخيرة, فما إن أطلق الملك الراحل الحسن الثاني نداءه الشهير "إن الوطن غفور رحيم", حتى بدأت كافة أجهزة الدولة المغربية بالتحضير لتلك المسرحية القذرة, فجندت عناصر المخابرات العديد من العملاء للاتصال بكل من يتكلم الحسانية, فلم يكن يهم النظام المغربي سوى الاستغلال الإعلامي لصور أشخاص يلبسون الدراعة و الملحفة, و رصدت ميزانيات هائلة لاستقبال و توفير الوظيفة و السكن اللائقين لكل من له استعداد للعب دور "العائد", وهو ما شكل فرصة العمر بالنسبة للكثير من المرتزقة الموريتانيين الذين شكلوا غالبية العائدين, أما الصحراويون منهم فبعضهم خونة أرادوا تحقيق مصالحهم الشخصية على حساب معانات شعبهم, وبعضهم أرغموا على مغادرة المخيمات بسبب سوء التسيير داخل الجبهة _من محاصصة قبلية, فساد مالي, شطط في استعمال السلطة... إلى جانب ما عانوه من الإقصاء و التهميش إضافة إلى قلة ذات اليد_, فلم يجدوا من الأبواب المشرعة أمامهم غير "العودة إلى المغرب", ومنهم من ترك قبل انطلاقته أهلا يحتاجون إلى إعالته أو أملاكا ضائعة أراد استردادها, أما القسم الأخير وهم الأقل عددا ففي معظمهم قيادات أو موظفون سامون أرادوا تصفية حساباتهم الخاصة مع القيادة ولو بالارتماء في أحضان العدو.

استغل المخزن ظروف و نفسية هؤلاء جميعا و جشع البعض منهم, فعرضهم في مجموعات على شاشة التلفزة المغربية, بعد أن أرغمهم على الإدلاء بتصريحات يعلنون فيها توبتهم من مطلب الاستقلال و يعربون فيها عن تمسكهم "بمغربيتهم", كما أكرهوا على سرد قصص خيالية حول معاناتهم في مخيمات اللاجئين, كالتطويق بالأسلاك الشائكة, التجويع, اغتصاب النساء..., فنجح إعلامه إلى حد كبير بادئ الأمر أن يوهم جزءا مهما من المجتمع الدولي بأن مشروع الدولة الصحراوية بات يقترب من انهيار محتم بسبب فقد البوليساريو لقواعدها الشعبية, من خلال التركيز على موضوع "العائدين" في معالجته لقضية الصحراء الغربية, لكن الزمن كان كفيلا بتكذيب هذه الادعاءات, و بدا أن مدة صلاحيتها قد انتهت, فلم يعد المخزن مستعدا لإنفاق تلك التكاليف الباهظة التي يتطلبها استقطاب هؤلاء, و لم يعد يوفر ل"العائدين" سوى "بطاقات الإنعاش الوطني" (راتب شهري يقارب 150 أورو, يعادل الحد الأدنى للاجور), وهو ما تسبب في تراجع كبير في أعدادهم, لكن تطورات الملف ولجوء الصحراويين إلى أوراق ضغط جديدة من قبيل النشاط الحقوقي و المطالبة بإيقاف النهب الممنهج لثروات الإقليم... أربك حسابات المخزن, فاضطره الإفلاس السياسي إلى إعادة عرض مسرحية "العائدين"  بإخراج جديد, فأضفى بعض الرتوش و التغييرات عليها, و استطاع أن يستقطب أعدادا هائلة من الشباب في السنوات الأخيرة عبر الوعود  بتوفير السكن و الراتب الشهري, ساعده في ذلك بقاء دار لقمان على حالها _إن لم تزدد سوءا_ في مخيمات اللاجئين, إضافة إلى الاحتقان الاجتماعي و موجة السخط والتذمر المنتشرين في الأوساط الشعبية بسبب حالة اللاحرب و اللاسلم (غياب الحركية, دخول متاهة المخطط ألأممي للسلام و المفاوضات العقيمة, غياب رؤية واضحة لإيجاد حل في المدى المنظور, انسداد الأفق...), و لكن سرعان ما رجع معظمهم إلى المخيمات بمبالغ مالية بعد أن باعوا منازلهم, _وبعد أن عرضوا فرادا وجماعات وهم ينتقدون الوضع في البوليساريو_ ما جعل المغاربة يشترطون على العائد اصطحاب العائلة للاستفادة من توفير السكن, في محاولة منهم للحيلولة دون رجوعهم, الأمر الذي تسبب في انخفاض أعداد الفارين إلى المغرب مرة أخرى رغم استمرار الظاهرة.

أسس بعض ضعاف النفوس من "العائدين" بإيعاز من المخزن جمعيات و منظمات ولجان ورقية مأجورة تعنى بالدفاع عن "مغربية الصحراء" و بفضح ما أسموه "انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في مخيمات تندوف", تصدر البيانات من حين لآخر و تشارك في الملتقيات و المنتديات الحقوقية الدولية, و تستقبل  و تلتقي الوفود الأجنبية التي تزور المنطقة, وهو ما أمكن المغرب من تسويق صورة مأساوية عن الوضع في مخيمات اللاجئين, كما نجح في التستر على الأوضاع الكارثية التي تعيشها المدن المحتلة من خلال التشويش على الرأي العام الصحراوي, المغربي و الدولي. و استطاع المخزن أن يستقطب العديد من الكوادر الصحية و التربوية الصحراوية التي وعدها بتوفير وظائف تتناسب و تخصصاتها, وهو ما سيساهم في سد النقص الكبير الذي تعاني منه الدولة المغربية في هذه التخصصات, كما سيهدد باستنزاف المنظومتين التعليمية و الصحية الصحراويتين الضعيفتين أصلا, الأمر الذي سيعمق _في حال استمراره_ من مشكل ضعف الخدمات العامة في المخيمات, علما بان العديد من هؤلاء الفارين يجتازون الجدار العازل و هم يمتطون سيارات دفع رباعي أو شاحنات تعود ملكيتها للجبهة, وهو ما سيؤثر على إمكانيات الدولة الشحيحة.

و استمرت الخيانات في صفوف قيادتنا "المخلصة و الثورية", فمن حين لآخر يطلع علينا التلفزيون الرسمي المغربي بصور احد القيادات السابقة وهو يقبل "اليد المولوية الشريفة", فتظل صوره و تصريحاته تملأ وسائل الإعلام المغربية و العالمية لمدد تتراوح من عدة اشهر إلى السنة, قبل أن ينسى أمره أو يحتل "قيادي خائن" آخر مكانه, و يقدم على انه احد أهم وابرز قيادات البوليساريو, وتعدد المناصب القيادية التي شغلها في الدولة الصحراوية, و لا يعلن عن "عودتهم" إلا في ظروف مناسبة بالنسبة لتطورات القضية, كموعد دراسة تجديد مهام بعثة المينورسو على طاولات مجلس الأمن, أو بالتزامن مع إحدى جولات المفاوضات, أو كرد على تصعيد الأعمال النضالية في المدن المحتلة..., و تخصص مبالغ مالية كبيرة لشراء ذمم هؤلاء, كما تقتنى لهم مساكن فخمة في أرقى أحياء العاصمة المغربية, فقد تحدثت صحف مغربية عن توصل المصالح المغربية المختصة إلى اتفاق مع احد القياديين في صفوف الجبهة قبل ثلاث سنوات من "عودته", أما "رشيد نيني" مدير جريدة "المساء" المغربية فنشر معلومات حول تفاهم المخابرات المغربية مع احد القيادات الهاربة مؤخرا على إعطائه مبلغ مالي (يعادل ستمائة ألف أورو) كعربون, إضافة إلى وعود بإعطائه مبالغ مالية أخرى حال دخوله المغرب, و بوظيفة سامية تتناسب مع المنصب الذي كان يشغله في الجبهة.

بقاء قيادتنا "الرشيدة" عاجزة متفرجة على تسرب الشباب و القيادة, دون أي تحرك ملموس متجاهلة خطورة الظاهرة لا ينبئ بحل قريب يعيد الأمور إلى نصابها, فالبطالة و الفراغ هما عنوان الحياة بالنسبة لغالبية الشباب, فلا برامج توعوية, و لا أنشطة حقيقية لاحتواء هذه الطاقات الشابة التي تزخر بها مخيمات اللاجئين, فاتحاد الشبيبة الصحراوية أصابته أعراض الشيخوخة و تأثرت مؤتمراته بأختها الكبرى المؤتمرات الشعبية العامة, فأصبحت القبلية هي السائدة و تهميش النخب هو الغالب, و لم يعد أعضاءه يزيدون على أعضاء المكتب التنفيذي (و هم في الغالب أعضاء ورقيون), و كتابة الدولة للشباب و الرياضة التي ولدت قبل أوانها بعملية قيصرية انتقاما لسقوط مرشح القيادة في انتخابات الاتحاد, ليس لديها من الأنشطة غير الإشراف على برنامج العطل الصيفية, أما نواحي الجيش الشعبي المتنفس الوحيد للشباب في المخيمات, فيسودها الركود و الخمول, فلا برامج تدريبية أو ترفيهية ولا أنشطة ثقافية, فيما اختلاس المال العام و نهب المواد الغذائية أصبحا هما القاعدة عند المسئولين.

أما الإعلام الرسمي الصحراوي فساعات البث القليلة بالنسبة للتلفزة و الإذاعة, و أعداد جريدة "الصحراء الحرة" القليلة الغير منتظمة, و موقع الوكالة اليتيم _الناجي الوحيد بعد هجمات الهاكرز المغاربة_ بالكاد تكفي لتغطية الأنشطة الرئاسية و الوزارية و بيانات الشجب و الاستنكار و التنديد الرسمية و رسائل التهنئة و المعايدة, أما الواقع المعاش في مخيمات اللاجئين و مشاكل و هموم و طموحات و أحلام رجل الشارع الصحراوي البسيط فعليه أن يبحث عنها في وسائل إعلام الغير, بما في ذلك تلفزة العدو (قناة الرحيبة), و على هذا الأساس سيبقى البحث في موضوع تسرب الشباب و معالجته, على آخر سلم أولويات القائمين على الشأن الإعلامي. 

معالجة ظاهرة هروب الشباب التي عادت إلى الواجهة مؤخرا, تحتاج منا وقفة مع الذات, لدراسة مكامن الخلل و سبل الإصلاح, كما تتطلب النظر إلى الموضوع بجدية بدل التجاهل الذي لطالما أبدته القيادة "اللي بغا يمشي يمشي ما رادو حد", و تستدعي إشراك الجميع ضمن مقاربة شاملة تروم الخروج من حالة الاحتقان, السخط, التذمر, اليأس و العزوف عن الاهتمام بالشأن العام المنتشرة في الأوساط الشعبية في المخيمات, كما تتطلب إعادة النظر في أساليب عمل الجهات الوصية على الأنشطة الشبابية, فعلى "الإخوة" في القيادة أن يرفعوا أيديهم عن مؤتمرات اتحاد الشبيبة, و بإمكان كتابة الدولة للشباب أن تعمل على خلق خلية تعنى بالتوجيه و الإرشاد, تضم خبراء اجتماعيين و موجهين و مرشدين دينيين, تنظم محاضرات و ندوات لدراسة سبل علاج الظاهرة, و تحاول الاحتكاك بالشباب سواء بالمخيمات أو بالمؤسسات التعليمية بالداخل و الخارج لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء تلك القناعات, و على الجهات الأمنية أن تقوم بتسيير دوريات من مختلف التشكيلات حول المنافذ المفتوحة في الجدار العازل, دون السماح لها بتجاوز صلاحياتها, أما إعلاميا فبالإمكان توظيف ظاهرة "الملتحقون الجدد بصفوف الجبهة" كرد على التضخيم الكبير الذي تحظى به حالات ما يسمى ب"العائدين إلى ارض الوطن" في الإعلام الرسمي المغربي. و على الجميع أن يساهم بإدلاء الآراء حول هذه الظاهرة, عسى أن تتبلور رؤى من مختلف التوجهات, حتى يتسنى للقائمين على الأمر _في حال توفر الإرادة السياسية_ أن يتخذوا القرارات الكفيلة بإيجاد الحلول المناسبة.


http://www.fpjatchahid.org/index.php?act=press&id=295


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق