]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الخامة في الفن/قصي طارق

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-04-01 ، الوقت: 05:53:56
  • تقييم المقالة:

الخامة في الفن

 

 

 

 

يقصد الباحث بمصطلح ( الخامة ) وهي المادة الطبيعية الخام التي لم يتم تشكيلها في تكوين فني ، ويقصد الباحث بمصطلح ( المادة ) وهي مادة العمل الفني التي اتخذت شكلها وتشكيلها النهائي في التكوين .

 

      إن الخامة في الطبيعة هي " مادة لم تشكل ، وفي نفس الوقت تقع في إطار الوجود المستمر والوحدة والتحديد . وما دامت لها هذه الصفة فإنه يصبح لها جمال خاص بها يساعد إلى مدى كبير على إيجاد جمال العمل الفني "، فالفنان التشكيلي ينتقي مادة تكوينه الفني وهو على علم بصفات ومميزات كل خامة ومعطياتها المادية ، فضلاً عن ما تحمله من معطيات جمالية في اللون والملمس والشفافية ، ولكل خامة لها ما يميزها عن الخامات الأخرى في الوقت نفسه تفرض على الفنان شروطاً لتشكيلها . فلا يخفى ذلك على كل متذوق لجمال الخامات في الفنون التشكيلية ، إذ إنه سرعان ما يدرك شروطها في خواصها الفيزيائية والتقنية وإمكانيتها في التشكيل ، والتي تجعل الفنان منقادا لاختيار خامة من دون سواها للتعبير عن موضوع معين ، فالفنان يكون حريصاً على أن تتوافق الخامة مع الموضوع ، ويتم اختيار الخامة بصورة قصدية لتلاءم ذلك الموضوع من خلال معرفة مدى مطاوعتها لتتخذ شكل الموضوع المخطط له .

      وقد أثبتت الأعمال الإبداعية وفي مختلف العصور إن لكل مادة قيمتها وصلاحيتها عند الفنان التشكيلي ، فالرسام مثلا يستخدم تقنية الفريسك ، في إنجاز عمله الفني على جدران وسقوف البنايات ، لما تمنحه هذه التقنية لألوان ( التمبرا ) في الثبات والبقاء ببقاء البناء نفسه ـ، في حين تُلزم الفنان بخاصيتها على سرعة الجفاف بان لا يتردد في عمله وأن يكون في طريقة تصويره تعميماً ، ومن المستحيل على الفنان أن يصلح أياً من الأخطاء أو يغير رأيه من دون هدم الجزء المعيب ، في حين تعطي ألوان الزيت للرسام تنوعاً هائلاً في التعبير وسرعة الانجاز والتلقائية وتعدد الدرجات اللونية من الفاتح إلى الداكن في كل لون ، فضلاً عن الكثافات اللونية التي يحتاجها الفنان في بعض الأعمال ) ، وليست الألوان المائية اقل شأنا من الخامات الأخرى في معطياتها في التعبير عن الشفافية والتلقائية، ولكنها أكثر تأثراً بطابع الورق أو السطح الذي تنتشر فيه الألوان ، فهي من جهة تعطي الشكل رقة وليونة واتقانا للتفاصيل إذا ما نشرت ألوانها على سطح ناعم ، في حين  تكسب الشكل الخشونة والنسيج الخشن إذا ما نشرت ألوانها على سطح خشن ، فضلاً عن إن الألوان المائية تتطلب من الفنان الجدية ولا تدع نفسها طوعاً للتردد في تشكيل الموضوع  ـ ، وينطبق هذا تماماً على الألوان المائية السميكة (الجواش ) ، ولكنها تتميز بعدم شفافيتها وتعطي سطحاً وملمساً ، وعدم انعكاس للضوء عن الأرضية ـ  ، أما ألوان الباستيل فتعطي للرسام نتائج من درجات لونية أعلى من نتائج أية وسيلة أو خامة أخرى  . ولكنها في الوقت نفسه لها إمكانيات محدودة ناتجة عن عدم دوامها مما يجعلها قابلة للتلف السريع .

       أما في النحت فللخامة الدور الكبير في إخراج الشكل ، والنحات يجب أن يكون له من الدراية الواسعة بمعطيات كل خامة . وقد أثبتت الأعمال النحتية وعلى مر العصور وعي الفنان في انتقاءه الخامة النحتية لما يلائم تكوينه الفني ، إذ نجد إن مادة الرخام أو المرمر قد جذبت النحات باستعراض وإظهار طراوة بشرة الطفل الملساء والمرأة الناعمة ـ ، في حين دفعت الصخور الضخمة والخشنة الحبيبات في أماكنها الطبيعية إلى استخدامها في تمثيل الأشكال ذات الأهمية الخاصة والمقدسة في المجتمع ، ولعل تلك الصخرة المنحوتة لأبي الهول في الجيزة بمصر  ، خير مثال على الاختيار الأمثل للنحات الذي أراد لها إبهار المتلقي بعظم الموضوع المجسد ، من خلال حجمها الهائل ، وكذلك إظهار براعته في قهر الخامة الصلبة والتحكم بحجمها وإخضاعها بشكل تام . أما خامة الخشب فقد استجابت للنحات بإمكاناتها المحدودة لتكون تماثيل لا تزيد عن الحجم الطبيعي للإنسان ، كما ودفعت الفنان إلى عمل فراغات بين الإطراف المختلفة والجذع ـ  ، ذلك لان طبيعة تكوينها ذو الأفرع المتشعبة كأشجار ، قد منحت الفنان إيحاءً لصياغة تماثيله الخشبية بتلك الهيئة ذات الأفرع ، في حين نجد الأحجار الكريمة والملونة ببريقها الساحر وألوانها الزاهية ، قد دفعت النحات باستخدامها في تطعيم التماثيل ، وكذلك استخدامها في الأشغال الدقيقة ـ  ، وإذا ما تأملنا التماثيل المنحوتة من حجر الديواريت الشديد الصلابة نجد إن منتجها قد اتجه فيها إلى تجسيد المواضيع ذات الصفات المقدسة والجبروت والافتخار ـ ، في حين دفعت خامة البرونز النحات إلى استخدامها في تجسيد المواضيع المختلفة ، نظرا لما تمتلكه من قابلية فائقة في ضروب التشكيل شتى ـ  .

      وكذلك الحال في القطعة الفخارية ، فلخامة الطين المستخدمة فيه طبيعتها الخاصة في التشكيل ، إذ تقتضي القطعة الفخارية المجسمة مثلا بضرورة معالجتها على وفق تكوين مجوف متقيد بأشكال يغلب عليها الطابع الهندسي ـ ، في حين نجد الفنان متحرراً من هذه القيود في الألواح الخزفية المنحوتة بالنحت البارز ـ  ، إذ يمنح الخزاف إمكانيات عالية في تشكيل المواضيع المختلفة وبأشكال متنوعة . وإذا ما توجهنا بالنظر إلى خامات العمارة فهي متنوعة أيضاً ، ولكنها تتأثر بعاملي البيئة والوظيفة في تشكيلها الخارجي ، فالمعماري يختار من الخامات ما يوائم مقتضيات الحاجة الوظيفية للبناء ، ويختار للخامة ما هو أكثر مقاومة للبيئة التي سينشأ فيها البناء ـ

       وخلاصة القول إن الخامة والشكل لا تقبلان التعارض ولا تقبلان الانفصال بينهما ، فهما تكملان أحداهما الأخرى ، ولا يمكن عيش أحداهما في عزلة عن الأخرى ، ومن الضروري أن تعد الخامة ذات شكل خاص تفرض نفسها على صورة العمل الفني ، والصفات التي يتصف بها العمل الفني ، وبالذات شكله الخارجي ، يعتمد بدرجة كبيرة على الخامة المستخدمة . والشكل المعين لا يمكن أن يتفق إلا مع خامة معينة من دون غيرها ، كما انه لا يمكن فصل الشكل عن الخامة ، كذلك لا يمكن فصل الشكل أيضاً عن طريقة التنفيذ الفني ، أي عن طرائق ووسائل التشكيل للتكوين الفني التشكيلي .

 

لعل اهم مايميز التشكيل الفني ، هو جدل الخامة وتكييفها ، وفقاً لهذا فانها   ( أي المادة )  سوف تلازم الشكل ، بل سيفقد احدهما وجوده بفقدان الآخر ، والمادة في العمل لها وجود فيزياوي يفرض نفسه حتى قبل مرحلة انشاء المنجز الفني ، أي انها تتحرك اولاً في ذهنية الفنان فيصوغ على ارضيتها قراراته بشأن التفاصيل الاخرى التي تقود للتعبير عن مكنونات فكره من صراعات واستنتاجات ، حيث يكون من المستحيل تخيل شكل دون مادته ، هكذا فوجودها يسبق العمل الفني   نفسه .

 

        اذ تعد " المواد الاولية التي يستخدمها الفنان في عمله جميلة ، لانها اصلاً ذات صورة معينة ولايمكن لنفس هذا السبب ان تكون هذه المواد قابلة للتشكيل باي شكل كان خلال العملية الفنية ، فهي ترفض هذا الشكل وتقبل ذاك . وبتعبير آخر تتمتع بميول شكلية خاصة " . (1)

وعليه فان للمادة جمال خاص ربما تحدد جنس الاشياء وتفردها ، مثل صلابة الماس وشفافية وتناغم عروق المرمر ونعومته ، وتناغم لدونة الطينة وتشكيلاتها ، وهكذا فانها ( المادة ) تمتلك جماليات في ذاتها وعلى الفنان ان يبحث عن مكامن تلك الجماليات وكشفها ليعي قدرة المادة على احتواء شكل معين في هذا المكان او ذاك وبحسب اختياراته التعبيرية فيضيف للمادة جمالاً آخر يعد جمالاً فنياً يستقرأ من خلاله التناغم والتوافق في الخامات والاشكال المنجزة منها " ومن هنا ياتي الترابط الوثيق بين المادة غير البشرية والجهد الانساني حيث يحمل الشيء دلالة البشرية حملاً اميناً ، وحيث تنطلق المادة " برتليمي ، جان .  المصدر السابق ، ص177 .

 

  للمزيد عن خامات فن الرسم يراجع برنارد ، مايرز .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق