]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سوء "الحاشية"

بواسطة: محمد سالم هاشم  |  بتاريخ: 2011-09-19 ، الوقت: 10:46:16
  • تقييم المقالة:

 

 يقصد بالحاشية أو البطانة مجموعة الأشخاص المقربين من ولي الأمر (الزعيم, الحاكم, الرئيس او المسئول...), خلية عمل يفترض أن تكون عبارة عن عناصر ذوي خبرة و تجربة, يشهد لهم بالحكمة, فصاحة اللسان, حصافة الرأي, سداد القول..., يتحلون بالنزاهة و الصدق, يعرفون بصدق ولائهم و إخلاصهم, يعود إليهم الحاكم أو المسئول في كل كبيرة أو صغيرة, فلا يتخذ قرارا إلا بعد مشورتهم, يستمع إلى آرائهم, يعمل بنصحهم, يأتمر بأمرهم و ينتهي بنهيهم, أما هم فيصدقونه القول و لا يجارون او يداهنون, و لا يخافون في الله لومة لائم.

هذا ما ينبغي أن تكون عليه الحاشية, أما ما هو كائن عندنا, فعكس ذلك تماما, فقد ظهرت داخل الأوساط الرسمية الصحراوية في الآونة الأخيرة عادة سيئة تزداد انتشارا يوما بعد يوم, بدأت بوادرها داخل "القصر الرئاسي" عفوا داخل الكتابة العامة, ثم ما لبثت ان عممت على كل الوزارات و كتابات الدولة و المديريات الوطنية, إلى أن وصلت إلى اصغر إدارات الرابوني, إنها ظاهرة النفاق - أعاذنا الله و إياكم -, التملق, التزلف, أو "التصفاق"..., سمها ما شئت.

مجموعات من ضعفاء النفوس يحترفون التسول المهذب, يمتهنون تقبيل الأيدي و لعق الأحذية, مهنة كانت إلى عهد قريب منعدمة في المجتمع الصحراوي, يعتاشون على "البقشيش" و الفتات في ظل أسيادهم, يرافقونهم, بل يلاصقونهم, و لا يكادون يفترقون معهم, يسجلون حضورهم عند الحاكم او المسئول في كل و وقت و حين, في إدارته و في بيته, في مكتبه و في سرير نومه, أثناء الدوام و في الاستراحة, في جولات العمل و في الإجازات و الرحلات, يتحرون كل ما يثير رضاه و استحسانه, يخضعون لكل نزواته, شعارهم: "و في ذلك فليتنافس المتنافسون", يضحكون لتفاهاته و سخافاته, و يبدون علامات الرضا و الموافقة على كل ما يتلفظ به, حتى قبل أن ينطق به, يفصلون آراءهم على مقاسه, فلا يسمعونه إلا ما يوافق هواه و مزاجه, يستقبلونه بالوقوف و الانتصاب إجلالا و كأن على رؤوسهم الطير, و لا يذكرون اسمه إلا مصحوبا بالأوصاف اللائقة بمقامه, بعد أن يقرؤوا على مسامعه آيات الولاء, الإخلاص, التبجيل, التعظيم, المدح, و الإطراء... 

متعددو الاختصاصات, يجيدون أكثر من مهنة و حرفة, و يتقربون لأسيادهم بكل الوسائل, المهم عندهم أن يحظوا بتلك الهدايا, العطايا, المنح, و الإكراميات...بين الفينة و الأخرى, و التي يعلمون هم قبل غيرهم أنهم آخر من يستحقها, فيمسحون حذاء الحاكم أو المسئول, و يغسلون ثيابه – بما فيها الداخلية -, يقودون سيارته, و يعدون له ما لذ و طاب من الأطعمة و الأشربة, و يحضرون له الشاي بالنكهة التي يفضلها, فهم على استعداد لأن يفعلوا أي شيء ينالون به رضاه, و يشرفون على برمجة عطله و رحلاته, و لا يتوانون عن التكفل بكل ما من شانه أن يسعده و يرفه عنه, بما في ذلك التحضير لتلك الأماسي الملتهبة, الليالي الحمراء و السهرات الباذخة التي تحاكي عالم "الألف ليلة و ليلة" - و التي يداوم عليها المسئولون -, و لا يجدون في أنفسهم أدنى خجل من التفاخر بتلك الأدوار القذرة التي توكل إليهم...

و بالإضافة إلى خدماتهم الأمنية, كونهم الحراس الشخصيين للحاكم أو المسئول – رغم أنهم أول الفارين في حال حدوث مكروه لا قدر الله -, فهم يضطلعون أيضا بمهام مخابراتية, إذ يرفعون إليه تقارير بصفة دورية حول كل ما يحدث في "البلاط" أو المؤسسة, فلا يغادرون كبيرة و لا صغيرة إلا و يحصونها, حركات و سكنات زملائهم من المسئولين, الموظفين و العمال..., يسجلون كلامهم و يحصون أنفاسهم, و ينقلوها إليه على أكمل وجه, و قد يبالغون قليلا في بعض الأحيان أو يضيفون زيادات من عندهم, الغرض منها تصفية حساباتهم الخاصة مع خصومهم و منافسيهم, الأمر الذي قد يؤدي إلى وشاية بعضهم البعض, فتحدث صراعات و مشاحنات بينهم.

كما انهم ممثلون بارعون, يتقمصون أدوارهم لدرجة يصعب عليهم التخلص منها, فتظهر عليهم أعراض مرض "ازدواجية الشخصية", فلا يستطيعون التفريق بين قناعتهم و آرائهم الشخصية, و بين ما تمليه عليهم تلك الأدوار من مداهنة و مسايرة.

 فيصبح الحاكم أو المسئول بالنسبة لهم "نبراسا" يهتدون به, "نموذجا" يقلدونه, "قدوة حسنة" يحتذون بها, بل ربما "ربا" يعبدونه من دون الله عز و جل, يميلون حيث مال و يتجهون حيث اتجه, يدينون بعقيدته و يعتنقون مذهبه, يسبحون بحمده و "يتعبدون" بذكر خصاله و شمائله, و "يصلون" شطره, أما كلامه فيعتبرونه "قرآنا" منزلا, لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه, يحفظونه عن ظهر قلب, يرتلونه, يستدلون و يستشهدون به, و يتلونه آناء الليل و أطراف النهار, و لا يتحدثون إلا بعباراته, و لا يدلون إلا بآرائه, و لا يفضلون إلا أذواقه سواء في المأكل, المشرب, او الملبس...

يؤلفون قصصا بطولات و أمجاد... حول الحاكم أو المسئول ما انزل الله بها من سلطان – سرعان ما يصدقونها هم أنفسهم -, ينشرونها بين الناس, كما يتغنون بشمائل ينسبونها إليه زورا و بهتانا تجعله في مقام الأولياء, بل الأنبياء, من قبيل الورع, الزهد, التقوى..., و مكارم أخلاق و محاسن صفات هو بريء منها براءة الذئب من دم يوسف, كالجود, الكرم, الصدق, الإخلاص, و الشجاعة..., و يلصقون به أجمل الأوصاف, و يضفون عليه هالة من التميز و التمتع بالقدرات الخارقة تجعله من طينة أخرى غير البشر, كالذكاء الخارق, سرعة البديهة, و العمل الدءوب المتواصل..., فهو – حسب هذه الأساطير- ورغم البشاعة و النكور الباديين على محياه, جميل, وسيم, و "مشعور"..., ورغم فظاظته, و عنجهيته و ثقل ظله, فصحبته لا تمل, و بالرغم من تمسكه و تشبثه ب"عرشه", عفوا مرة اخرى اقصد ب"الكرسي" الذي يتربع على منذ مدة ليست بالقصيرة, فهو زاهد في السلطة و المناصب, و بالرغم من قلة إنتاجية مؤسسته, فهو لا يخلد إلى النوم إطلاقا, يعمل على مدار الساعة (24س/24س), و 7 أيام في الأسبوع, كما انه وبالرغم من الحالة المزرية التي يعيشها شعبه و بلده, فانه مفكر و عبقري لا يتخذ سوى القرارات الصائبة, و بالرغم من وزنه الزائد و بطنه المتدلي فهو دائم الصيام, لا يأكل سوى وجبة خفيفة واحدة في اليوم, و بالرغم من البذخ و المجون الذي تعيشه أسرته فهو بالكاد يملك قوت يومه, فلطالما لجأ إلى احدهم لكي يستدين من عنده, أما البيروقراطية و تلك الإجراءات التي تحول دون لقائه بالمواطنين, فكلها اتخذت دون علمه, و بخصوص العطل و الإجازات التي يقضيها بالخارج, فكلها مهمات و لقاءات عمل..., فيلتمسون له الأعذار و ينسجون المبررات الملائمة لكل الهفوات و الأخطاء التي يرتكبها.

أما الحاكم "المسكين" فيتعرض لضغوطات نفسية هائلة - بسبب هذا الكم الهائل من المجاملات و المعاملات التمييزية - قد تنجم عنها اضطرابات عقلية, كما ينظر إلى من حوله بنوع من الاحتقار, الاستعلاء, و الأستذة... و الى نفسه بهظرة ملؤها النرجسية و تقدير الذات التي قد تتحول في بعض الاحيان الى  مرض "جنون العظمة" و هو مرض نفسي ينتشر بين اوساط الحكام المستبدين.

ففي بداية أمره كان الحاكم يمتعض من تلك السلوكيات, ثم ما لبث بسبب ضعف شخصيته أن  استعذب على مضض ذلك المدح و استملح تلك الإطراءات و استحسن تلك الخدمات التي تتكفل بها حاشيته, فلا يبدي أي اعتراض عليها, بعد ذلك داوم عليها إلى أن أدمنها, فأصبح لا يستطيع الاستغناء عنها, فأدنى و قرب أصحابها و ابعد و أقصى من لا يجيدها أو يأبى و يترفع عنها, فأحاط نفسه بأولئك المتملقين, المتزلفين, "الصفاقين"..., إلى أن اختلط عليه الحابل بالنابل, و لم يعد يفرق بين الوطنيين و المتمصلحين, و لا بين الناصحين و المداهنين, و مع مرور الزمن فقد الحاكم بوصلته في التمييز بين آراءه و أفكاره و قناعاته و بين ترهاته و تفاهاته, فردود فعل من حوله تتطابق في الحالتين, كما فقدوا – اي "بطانة السوء" - بدورهم بوصلة الاختيار و الرأي الشخصي فلا يكادون يميزون بين موافقاتهم و تأييدهم عن قناعة, و بين مسايراتهم و مداهناتهم, فردودهم كذلك في كلتا الحالتين هي نفسها.

لقد جنى هؤلاء على أنفسهم و على الحكام و المسؤولين, و بقي الشعب بسببهم تحت رحمة قادة متخاذلين لا يحملون همًّا سوى إشباع غرائز التحكم, التسلط, البقاء، و تحقيق النزوات الشخصية..., حتى و إن كانت على حساب مصلحة شعبهم و قضيته. فخطورة "حاشية السوء" تتمثل في كونها تقف حجر عثرة في وجه كل محاولات الإصلاح و التغيير, فتعطي تشخيصا مغلوطا للمشاكل و التي يتخبط فيها نظامنا, ما يؤدي إلى إصدار وصفات طبية خاطئة, و معالجات منقوصة, فينجم عن ذلك تكريس لحالة "الموت السريري" و "الاحتضار" التي يعاني منها نظامنا و قيادتنا, لذا فانه من الواجب علينا جميعا أن نساهم في محاربة هذه الظاهرة, و في تطهير مجتمعنا من هذه السلوكات الدخيلة علينا قولا فعلا, أن نضرب بشدة على كل المنافقين, المتملقين, المتزلفين, المطبلين, المصفقين, المداهنين..., أن ندين فعلهم الشنيع أمام صغارنا حتى يتربوا على استنكاره, أن نصدح و نجاهر بقول الحق و لا شيء غير الحق, حتى نكون عبرة لغيرنا, أن نصف الأمور كما هي دون زيادة أو نقصان, أن نسمي الأشياء بمسمياتها, حتى نتوصل إلى تشخيص سليم و دقيق لحالة نظامنا المرضية, ما سيؤدي بالضرورة إلى إصدار الوصفات الطبية الكفيلة بالعلاج, فلا يبقى سوى التزام المعنيين بالأمر ب"حميات" محاربة الفساد بكل أنواعه, و "جرعات" الإصلاح و التغيير...

فلطالما كانت مشورة الحاشية هي السبب الرئيس في نجاة أو هلاك الكثير من الحكام, و في صلاح أو خراب العديد من الدول و التنظيمات, فكم من قائد ناجح أفسده المدح و الإطراء, و كم من طاغية ظالم أرجعه النصح و المشورة إلى جادة الصواب.

و في الختام نسأل الله يصلح ولاة أمورنا, و أن يرزقهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير و تدعوهم إليه, و أن يجنبهم البطانة الطالحة التي تجرهم إلى الشر و تزينه لهم, و أن يطهر قلوبنا من الشرك, النفاق و الرياء.


http://www.fpjatchahid.org/index.php?act=press&id=314


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق