]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مَنْ يُطفيْ أسئلة الثورة ؟

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2013-03-30 ، الوقت: 21:36:53
  • تقييم المقالة:

 

مَنْ يُطفيء أسئلة الثورة ؟

 

محمد الحداد / العراق

كنتُ دائماً على يقينٍ جازمٍ بأنَّ أصعبَ ما في الثوراتِ يكمنُ فيما يليها.. وأنَّ أسئلة ما بعد الثورات أعسر مما قبلها وأكثر منها تعقيداً أيضاً..أسئلة وأسئلة بدأتْ تتناسلُ وتنمو حتى بِتنا نُرددها مع أنفسنا طويلاً ويبدو أننا سنظلُّ هكذا نُرددها بلا نهاية..دون أنْ نحظى بأجوبةٍ حاسمةٍ تُطفئُ عطشَ تلكَ الأسئلةِ التي تغلي في الصدور..

هي الثورة إذنوما بعدها..بأسئلتها الشائكة التي يبدو لنا أنَّ طرحها الآن باتَ حتمياً جداً بكلِّ الذي يُمكنُ أنْ تجرفهُ معها من إشكالياتٍ و مُفارقاتٍ غريبة..أسئلةٌ جديدة لكنها تلخّصُ أرشيفاً قديماً يختزنُ على صفحاتهِ السوداء كلَّ خسائرنا القديمة وتعيدُ إنتاجها من جديد..تلكَ التي لم ينضب مَعينُ كلماتها يوماً ولن ينضبَ أبداً..

أسئلة الثورةِ وما بعدها..نجدُ أنفسنا اليوم بعد أنْ اكتوينا بنيرانِ خيباتنا مدفوعينَلأنْ نطلقَهنا بعضاً منها:

تُرى..أين ضاعَ وجهُ الثورةِ الجديد؟ولماذا اندرستْ ملامحهُ خلفَ ضبابٍ كثيف من أسرارٍ لا حصرَ لها؟

ما الذي نريدهُ اليومَ من تلكَ الثوراتِ على وجهِ التحديد بعد أنْ تمكنّا من إزاحةِ أكبر صخورِ الطغيان من طريقِ حريتنا؟

لماذا تبدو لنا أجواءَ ما بعد الثوراتِ أشدَّ قتامة من أجواءِ الثورةِ نفسها بل وما قبلها أيضاً؟

لماذا تتوعدنا سمائها المُلبدة بغيومها السوداء بمزيدٍ من العواصفِ والرعودِ حسب..دونَ أنْ تجودَ علينا ولو بقطرةِ مطرٍ واحدة؟

هل تستحقُ حقاً تلكم الثورات ثمنَ أهدافها المدفوعة..بعد أنْ سَفَحنا على دروبها اليابسة دماءَ أبنائنا بسخاء؟

لماذا نجدُ أنفسنا اليوم محشورين في زاويةٍ خانقةٍ يتوجبُ علينا فيها أنْ نختارَ مُرغمين بين موتِ الثورةِ أو موتنا؟

وهل ثمة طريقٌ آخر بينهما نستطيعُ أنْ نسلكهُ لنتجنبَ مِحنة ذلك الخيار الأصعب ونخرج من تلك المعادلةِ المُستحيلة بسلام..أعني معادلة الموتِ المُلتبسِ بالحياة؟

هل يبدو منطقِياً أنَّ شعوباً مثلنا عاشتْ مُكبّلة بقيودِ إحباطاتها المتوارثة تنجحُ في كسرِ قيودها وتطوي صفحة طغاتها إلى الأبد ثمَّ تقفُ أياديها بعد ذلك عاجزة على أنْ تفتحَ صفحاتٍ جديدةٍ لتكتبَ فوقَ سطورها نهاية تليقُ بما ابتدأته؟

لِمَ تبدو لنا الآن ثيابُ الثورةِ ملوثةً بدماءِ أهلها أكثر من أيِّ وقتٍ آخر وتحومُ حولَ طهارةِ نواياها شبهاتٌ لا حصرَ لها؟

لماذا يتعمقُ شعورنا باليأسِ يوماً بعد يومٍ..خاصة ونحن نُبصِرُالأيادي التي راهنّا عليها لكي تنتشلنا من مستنقعِ أزماتنا وعوَّلنا كثيراً على امتلاكها لمفاتيح الحلولِ..نبصرها اليوم وهي تقِفُ أمامَ كلِّ ذلك مُكتوفة بسلاسلِ اليأسِ والذهول؟

بعد ذلك كله..كيفَ يُمكنُ لنا اليوم أنْ نلتمسَ طريقَ الخروجِ من مأزقنا هذا الذي حُشرنا فيهِ..والذي أصبحَ يُشبهُ ضياعاً مُزمناً في حلقةٍ مُفرغةٍ ترسمُ أقدامنا فيهِ مساربَ تيهٍ لا تنتهي بها إلا حيث ابتدأتْ أولَ مرة؟

صنابيرُ مفتوحة من أسئلةِ ثوراتنا لم يَعِنْ لأياديناأنْ تُمسِكَ هنا إلا بعضاً من قطراتها..لكنها لفرطِ يأسنا وخيبتنا تبدو لنا رغم ذلك وكأنها حاسرة من كلِّ طعمٍ أو لونٍ أو معنى..ربما لأنهاتعاودُ تذكيرنا بأسوأ فصولِ قدَرِنا الأزلي.. وتلحُّ على رسم ذات صورهِ البائسة القديمة التي ألفناها..صورُ فشلنا المُتراكم الذي أورثتهُ لنا ماكنة قهرِ طغاتنا المتناسلون..لأنها ببساطةٍ أسئلة ثوراتٍ وُلدتْ أكثرَ بؤساً من الأحلامِ التي أنجبتها وسط الظلام..لذا لا غرابة أبداً أنْ جاءَفجرها أسطعَ كثيراً مما تحتملهُ أعيننا..فأحرقَ أحلامنا وأحرقنا معاً..

كم كنّا بحاجةٍ ماسةٍ إلى بعضٍ من الحكمةِ التي يتركها المزارعونَ خلفَ ظهورهم وهم يودعونها الأرضَ والضمائرَ معاً بإشعالهم الحرائقَ في يَباسِ حقولهم استعداداً لموسمِ خصبٍ قادم..حكمة يكمنُ سرُّ بلاغتها أنها بلا كلمات..تفعلُ فِعلها دونَ أنْ تنبسَ بكلمةٍ واحدة..لكن ربما لو كنا أخذنا بها على بساطتها لأجابتنا على أخطرِ أسئلةِ الثورةِ وما بعدها أيضاً وَلَجنّبتنا حرقَ ما تبقى من حقولنا الخضراء :

أيها الناس.. قبلَ أنْ تفكروا في إشعالِ الحرائق...تعلّموا كيفَ تُطفئوها!

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق