]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المسجد اهميته ورسالته في الاسلام/قصي طارق

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-03-28 ، الوقت: 17:49:40
  • تقييم المقالة:

 

RWD قصي طارق // QUSAY TARIQ212

 

مقدمة:

المَسْجِددار عبادة المسلمين، تقام فيه الصلواتالخمس المفروضة وغيرها، وسمي مسجدا لأنه مكان للسجود لله، ويطلق على المسجد أيضا اسم جامع، وخاصة إذا كان كبيرا. في الغالب يطلق على اسم " جامع " لمن يجمع الناس لأداء صلاة الجمعةفيه فكل جامع مسجد وليس كل مسجد بجامع، كذلك يطلق اسم مصلىبدل من اسم مسجد عند أداءه لبعض الصلوات الخمس المفروضة ولايتلزم بجميعها مثل مصليات المدارس والمؤسسات والشركات وطرق السفر وغيرها التي غالباً مايؤدى فيها صلاة محدودة بحسب الفترة الزمنية الحالية. ويدعى للصلاة في المسجد عن طريق الأذان، وذلك خمس مرات في اليوم....وصل رسول الله إلى مشارف المدينة المنوّرة، إلى قباء، فماذا فعل ؟ وأريد منك الانتباه جيدًا للترتيبات النبويّة؛ لأنها مقصودة كلها، وكل شيء بحساب{إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، فهذا لترتيب مقصود بالفعل، وكذلك كل الإشارات في حياة رسول الله وحركاته وسكناته بوحي من رب العالمين، والاختيارات البشرية منه التي كانت لا تتوافق مع ما يريده الله من الناس، كان جبريل ينزل مباشرة ليعدل المسار للمسلمين وليوضح مراد رب العالمين من هذه النقطة، وبذلك أصبحت السيرة النبويّة من أولها إلى آخرها بوحي وتأييد من رب العالمين. وما من شك أنه لا سعادة في الدنيا ولا الآخرة إلا باتباع خطوات النبي ، وبالترتيب الذي فعل .[1]

كانت أولى خطوات رسول الله في (قباء) هي بناء المسجد، وسوف نذهب مع رسول الله إلى المدينة المنوّرة ثم نعود لقصة المسجد.

بعد أسبوعين من وصول رسول الله (قباء) انتقل منها إلى المدينة المنوّرة، واستُقبلَ الحبيب مرةً أخرى استقبالًاً رائعًا من أهل المدينة، بعد أن كان قد استُقبل في (قباء) أوّل وصوله إليها. وفي المدينة تسابق الأنصار جميعًا بشتى قبائلهم لاستقبال رسول الله ، والجميع يرتقب اللحظة التي ينزل فيها النبي عنده، والكل يريد أن يأخذ بخطام ناقته ليحظى بشرف إقامة النبي عنده، لكن النبي قال لهم كلمة أصبحت بعد ذلك منهجًا لحياتهم وحياة المسلمين، قال : "دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ. نَعَمْ مأمورة من رب العالمين، وأنا أيضًا مأمور، والمؤمنون مأمورون{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36].[2]

 

الفصل الاول

دور المسجد في الحياة الاسلامية

 

الحمد لله رب العالمين أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و كفى بالله شهيدا و كفى بالله حسيبا ، و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له  الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو على كل شيء قدير و نشهد أن محمد  عبد الله و رسوله اللهم صلي و سلم وزد و بارك على سيدنا و مولانا محمد حق قدره و مقداره العظيم و أرضى اللهم عن الخلفاء الأربعة الأئمة الحنفاء أبي بكر و عمر و عثمان و علي وعن الصحابة أجمعين و عن التابعين و من تبعهم بإحسان و اقتفى أثرهم بإيمان و عنا معهم بفضلك و جودك و سعة رحمتك يا أرحم الراحمين، و بعد... فنحن على أعتاب سنة هجرية جديدة من هجرة كبير النبيين و خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، و الهجرة المصطفوية هي من أكبر حوادث الإسلام على الإطلاق و هي من أعظم أحداث سيرته العطرة عليه الصلاة و السلام و هي لازالت كالمنجم البكر الذي لم يكتشف بعد ، فيها الكثير من العبر  وفيها الكثير من الدروس و نستطيع أن نأخذ منها ما نستضيء به في حاضرنا و مستقبلنا ، واليوم سوف نتحدث عن قدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، إن النبي صلى الله عليه وسلم قدم إلى المدينة مهاجراً ما كان يحمل دراهم[3] ، ما كان يحمل دنانير إنما كان يحمل مشروعه الأول عليه الصلاة و السلام ،  فما هو المشروع الأول الذي نهض به عليه الصلاة و السلام و أقامه ؟ أول ما دخل المدينة المصطفوية على ساكنها أفضل الصلاة و أتم التحية بدأ ببناء المسجد مباشرة ، و هذا أول شيء فعله بعد أن استقر في المدينة ، و لماذا المسجد؟ لماذا يبدأ بالمسجد؟ لأن حضارته صلى الله عليه وسلم لا تنطلق إلا من المسجد ولأن علمه صلى الله عليه وسلم لا ينبعث إلا من المسجد , و لأن دولته صلى الله عليه وسلم لا يكون لها نور إلا إذا انطلقت من المسجد ، فأول ما بدأ صلى الله عليه وسلم في الهجرة بدأ بإنشاء المسجد ، و في المسجد ربى الرجال الكبار، الرجال الذين أدبوا القياصرة، وحطموا الأقاصرة و كانوا بحق ملوك لله عز وجل في الدار الآخرة رضي الله عنهم و رضوا عنه ، في المسجد ربى النبي صلى الله عليه وسلم الجيل الأول الذي نهض برسالته صلى الله عليه وسلم ، فتعالوا اليوم بعدما تعطروا أنفاسكم بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم , تعالوا اليوم لنتحدث عن المسجد في حضارة محمد عليه الصلاة و السلام ,  لنتحدث عن وظيفة المسجد من خلال المسجد في عهده صلى الله عليه وسلم حتى نقارن بين مسجد و مساجد و بين حال و أحوال، أيها المسلمون ما أهمية المسجد في دنيا الإسلام؟ ما علاقة المسلم بالمسجد؟ هل علاقة المسلم بالمسجد تنتهي بانتهاء صلاة الجمعة؟ هل مهمة المسجد في دنيا الإسلام أن تصلي فيه الصلوات الخمس ثم لا شيء بعدها؟ هل مهمة الإسلام للمساجد أن المساجد للأذكار و العبادات و الوعظ و انتهى الأمر بعد ذلك ؟ تعالوا اليوم لنعرف أن المسجد في الإسلام هو مربي الرجولات ، هو مفجر الطاقات ، و لذلك قال "  زويمر" هذا القس المسيحي : "لا يزال المسلمون بخير مادام عندهم القرآن و المسجد" ، المسجد له دور في حياة الأمة المسلمة ,  المسجد له أساس في بعث الحضارة الإسلامية ، لذلك أنا لاحظت بعدما تصلوا على سيدنا محمد أن الاستعمار العالمي يوم أن هجم على العالم الإسلامي بأنيابه و أظفاره كان مستميتاً في سحب المساجد من ميدان المقاومة كان مستميتاً في جعل العرب المكروبين المحرومين المنهزمين لا يلتقون في المساجد لقاءً نافعاً و لا يتجمعون فيها تجمعاً حراً كان مستميتاً في فصل المساجد عن قضايا الأمة ,[4] و جاء أ ُجَراء الاستعمار وعبيد الكفار في العالم الإسلامي فقاموا بهذا على أسوأ قيام و أصبحت المساجد لا دور لها في حياة الأمة , و أصبحت الخطب و المواعظ التي تلقى في المساجد مواعظ ميتة لا تحرك أمة و لا تسعد دولة ولا ترتقي بدين و هذا الذي كان و هذا الذي رأيناه . فتعالوا اليوم لنعرف دور المسجد في حياة الأمة كلها؟ ما وظيفة المسجد؟ ما مهمة المسجد في عالمنا حتى ينقل الآباء هذه المهمة إلى الأبناء و حتى يعرف كل مسلم لماذا هذه المساجد؟ و لماذا نقيم تلك المعابد؟ هذه المساجد لها وظائف ستة سوف أذكرها لكم بإيجاز بعدما توحدوا الواحد الأحد . فوظائف المسجد في الإسلام كالآتي :

أ ولاً: أنه جامعة تربوية إيمانية .

ثانياً: أنه مؤسسة دبلوماسية .

ثالثاً: أنه ثكنة عسكرية .

رابعاً: أنه عيادة طبية .

خامساً: أنه داعم للأخوة الإسلامية .

سادساً: أنه ندوة إعلامية و ترفيهية للأمة الإسلامية .[5]

هذا هو الموجز و إليكم الأنباء بالتفصيل.

 

أول وظيفه : أنه جامعة تربوية إيمانية:

النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب في المسجد و كان يدرس في المسجد لأن علم المسجد بركة ، علم المسجد أنور، علم المسجد أقوم، أي علم بدون المسجد لا قيمة له ، علم بلا مسجد كفر و ضلال ووبال و خبال على صاحبه .

       إذا لم يفدك العلم شيئاً        فخيرُ ُ منه أن لو جهلته

       فتقوى الله رأس الأمر حقا           و ليس بأن يقال لقد علمته

       وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ           فليتك ثم ليتك ما فهمته

النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعلم في المسجد عليه الصلاة و السلام و كان يُدرس في المسجد عليه الصلاة    و السلام , ولما جاء هذا الذئب الأغبر و العدو الأحمر للإسلام " مصطفى كامل أتاتورك " ماذا صنع؟ فصل المساجد عن قضايا الأمة و جاء الذين اتبعوه من بعده فساروا على نفس الطريق و قالوا المسجد للغسل، للوضوء، للحيض و النفاس، مال المسجد و الاقتصاد؟ مال المسجد بالسياسة؟[6] مال المسجد و التعليم؟ دعوا هذه الأمور , فالمسجد لا علاقة له بهذه الأمور، أما مسجد المعصوم عليه الصلاة و السلام فكان جامعة لكل شيء  ومدرسة لكل شيء يتقوى بها المسلم على دينه ودنياه و يعيش بها المسلم في حاضرة و مستقبلة , دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى المسجد فوجد حلقتين في المسجد ، حلقة تقرأ القرآن و تدعو الله سبحانه       وتعالى و تدعوا الله وتسأل الله من فضله ، و حلقة تتعلم العلم . فقال للحلقة الأولى التي تقرأ القرآن و تدعو الله: هؤلاء عباد يدعون الله سبحانه و تعالى إن شاء أعطاهم و إن شاء منعهم , ثم جلس مع الحلقة الثانية التي فيها إرشاد و فيها دعوة و فيها تعليم و قال : " إنما بعثت معلما " عليه الصلاة و السلام ، فكان يخطب في المسجد  و كان عليه الصلاة و السلام أخطب خطباء الدنيا على الإطلاق و أفصح فصحاء العالم ، و كان أحمد شوقي رحمة الله عليه يقول في مدحه عليه الصلاة و السلام:

           وإذا خطبت فللمنابر هزة    تعرو الندى وللقلوب بكــاء

           يا أيها الأمي حسبك رتبةفي العلم أن دانت لك العلماء   

عليه الصلاة و السلام يقول "شوقي" إذا خطبت يا رسول الله فإن الناس في المسجد بين باكٍ و متأوه لأنه كان مؤثر عليه الصلاة و السلام، كان كلامه يخرج من قلبه، كان كلامه الصدق عليه الصلاة و السلام ، لم يكن عنده ألغاز و لا أحاجي و لا ألغام و لا عقد عليه الصلاة و السلام فكان إذا خطب حرك القلوب و أنهض المشاعر عليه الصلاة و السلام و لهذا قال "جولدزيهر" المستشرق المجري اليهودي : و الله أنا لا أعجب أن محمداً رسول الله سبحانه و تعالى فقد بعث الله من قلبه رسلاً إلى قومهم و أنبياء إلى أهلهم,  إنما أعجب أشد العجب أن هذا الرجل كان أمي ما درس في مدرسة ولا تعلم في جامعة و لا كان في بلد فيها حضارة ! و قال له الله سبحانه و تعالى قم و أنذر الناس  و علم الناس فإذا به هو أخطب خطيب ، وأفصح فصيح، وأبلغ بليغ عليه الصلاة و السلام , كان يخطب عليه الصلاة والسلام في المسجد وكان يُعلم في المسجد , وفي المسجد تخرج الآئمه الكبار . هل تعرفون في العلم والمعرفه من هو أعلم من " بن عباس " ؟[7] هذا الرجل ليس حاصلاً على بكالوريوس ولا ليسانس ولا ماجستير !! هذه الشهادات تذهب وتفنى وانما كان معه الباقيه الكافيه الواقيه دعوة المعصوم محمد عليه الصلاة والسلام  "  اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل  " فكان ببركة هذه الدعوه وبتخرجه من مدرسة محمد كالبحر العرمرم رضي الله عنه وأرضاه . قال " مجاهد " رأيت بن عباس على عرفات يتكلم في تفسير سورة البقره , بدأ من بعد صلاة الظهر وانتهى مع غروب الشمس ! يقول " مجاهد " رأيت بن عباس على عرفات يتكلم في تفسير سورة البقره , بدأ من بعد صلاة الظهر وانتهى عند غروب الشمس , فسر شورة البقره آيه آيه ووالله ما تنحنح ولا تلعثم ولا سعل ولا أعاد كلمه والله لو رآه اليهود والنصارى وهو يخطب لشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله , من أين تخرج بن عباس هذا ؟؟ من مدرسة سيدنا محمد , كان معه شهادة من مدرسة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام , ومن المسجد تخرج مولانا " الإمام علي " أقضى القضاه على الإطلاق وكما قال عليه الصلاة والسلام "  أقضاكم علي  " وقال " أبو زهره " في كلامه عن سيدنا علي " لا نعلم أبلغ ولا أفصح بعد المعصوم محمد إلا الإمام علي " رضي الله عنه وأرضاه , كان من أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء , كان يُسأل كم بين السماء والأرض ؟ فيقول : دعوه صادقه تخرج من قلب صادق يستجيبها الواحد الأحد سبحانه وتعالى , هذا الذي بين السماء والأرض , قيل له ما الدنيا ؟ قال : جيفه !! من أرادها فليصبر على مخالطة الكلاب , وعقد له الإمام" بن كثير" باب في كتابه   " البدايه والنهايه "  باب " كلماته الحاصله التي هي إلى القلوب واصله " فكلمات الإمام تدخل إلى قلبك من دون استئذان , تشعر أنها تخترق نفسك من الداخل وقالوا له : صف لنا الدنيا يا إمام ؟ فيقول : ماذا أصف لكم من دار أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء ! هي بالغدر موصوفه وبالفناء محفوفه  , في حلالها الحساب وفي حرامها العذاب , من استغنى فيها أفتتن ومن افتقر فيها حزن , غنيها مفتون وفقيرها محزون !! [8]من أين تخرج هذا البليغ ؟! من مدرسة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام , من المسجد تخرج هؤلاء ولذلك جاء شوقي رحمة الله عليه وأراد أن يمدح النبي عليه الصلاة والسلام مدحاً جامعاً شاملاً فقال للنبي عليه الصلاة والسلام :

             أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له          وأنت أحييت أجيالاً من العدم

يقول يارسول الله ماذا صنع عيسى ؟! هو أحيا ميتاً أو ميتين أو ثلاثه !! أما أنت فأحييت الملايين بتوحيدك وتربيتك واحتسابك لوجه الواحد الأحد سبحانه وتعالى , صلى الله عليك وسلم يا رسول الله , المعجزه التي تلي معجزة القرآن مباشرةً للنبي عليه الصلاة والسلام أنه حول هؤلاء الناس الذين كانوا يتقاتلون على مورد الشاة والذين كانوا يتقاتلون على لاشىء إلى أمة تربي أمم , إلى أناساً يحملون رساله , أين رباهم صلى الله عليه وسلم ؟ في المسجد ف علم المسجد بركه وعلم المسجد نور , وعلم المسجد مفتوح من الله عزوجل , عليه مدد وعليه سند من الله تعالى .[9]

 

ثاني وظيفه : أنه مؤسسه دبلوماسيه :

المسجد كان في الإسلام مؤسسه وكان النبي عليه الصلاة والسلام يستقبل الوفود في المسجد وكان اذا استقبل وفداً لبس أحسن ثيابه وتعطر وتطيب وأمر أصحابه بذلك ولما جاء وفد " ربيعه" استقبله في المسجد , قال : ممن القوم ؟ قالوا : من " ربيعه " قال : مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى , ثم دعاهم إلى الإسلام فأسلموا عن بكرة أبيهم ! وكان ذلك في مسجده عليه الصلاة والسلام وكانت الشورى والبرلمان المحمدي في المسجد , كان اذا أراد النبي أن يستشير الصحابه يجمعهم في المسجد وأنتم تعرفون مالذي جرى عندما انفصلت البرلمانات عن المساجد ؟! أصبحت برلمانات غش وخداع وتزوير وتحريف لكتاب الله تعالى حتى قال الأستاذ الإمام " محمد رشيد رضا " رحمة الله عليه في تفسيره للمنار عندما جاء إلى قول الله تعالى ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ قال : ان تعطيل أحكام القرآن وتوقيف العمل بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام هي جريمه معلقه بأعناق أعضاء البرلمان المصري , سوف يلقون الله عليها يوم العرض عليه يوم القيامه , يوم العرض على الله تعالى , لماذا ؟ لأن البرلمان يجب أن يكون تابع للمسجد , لابد أن يستنير بأنوار الكتاب الذي يقرأفي المسجد .

 

 ثالث وظيفه : أنه ثكنه عسكريه :

المسجد في الإسلام كانت تنطلق منه الكتائب مجلجله بتكبير الله تعالى وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعقد الرايات في المسجد على المنبر , وكان يلبس خوذته للحرب من على المنبر , وأعلن الحرب على " أبي    سفيان " وهو على المنبر , وبين أن خطراً يهدد المدينه وهو على المنبر عليه الصلاة والسلام , فقد كان يعلن الحرب من على المنبر لأن هذا الإسلام كما قال  بعض الأدباء : اسلامنا لا يستقيم عموده  بدعاء شيخ في زوايا المسجد , اسلامنا لا يستقيم عموده بقصائد تتلى في مدح محمد , اسلامنا نور يضيء طريقنا , اسلامنا نار على من يعتدي , فكانت الكتائب تخرج لتؤدب الباطل المستكبر , كانت الكتائب تخرج لردع الظلم المتورم و كان ذلك يخرج من مسجده عليه الصلاة والسلام , قال بعض الصحابه : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعه فدعا بلال وأعطاه الرايه [راية النبي عليه الصلاة والسلام واسمها راية العقاب , هذه الرايه التي كنا في عزه وفي نصر وفي تمكين طالما نمشي وراء صاحبها] وقال لبلال : أعطها لعمرو بن العاصي فأعطاها لعمرو بن العاصي , [10]قال: توجه الى ذات السلاسل , فتوجه عمرو الى ذات السلاسل , فكانت الرايات تعقد في مسجد لنبي عليه الصلاة والسلام وكان الجندي يخرج من المسجد مفتدياً دينه بروحه بكل مايملك مفتدياً عقيدته , عقيدة النبي عليه الصلاة والسلام , وأنتم تعرفون مالذي حدث عندما انفصلت الجيوش عن المساجد ؟ أصبحت جيوشاً للميوعه والانحلال , أصبحت جيوشاً لإذلال الناس , جيوشاً ليس عندها ولاء لله ولا للرسول ولا لدين محمد عليه الصلاة والسلام , أصبحت جيوشاً لتمكين الظالمين , والتمكين للجبابره الحاكمين , هكذا كانت الجيوش في عهده عليه الصلاة والسلام وهكذا أصبحت الجيوش في أكثر أقطار الإسلام في عصرنا هذا .

 

رابع وظيفه : عياده طبيه :

كان عليه الصلاة والسلام لما جاءه ناس من قبيلة ( مُدَر ) مرضى , طببهم عليه الصلاة والسلام في مسجده وضرب لهم قباء في مسجده عليه الصلاة والسلام , لأن من دور المسجد أن يكون عياده طبيه ولما جرح " سعد بن معاذ " و هذا الرجل عاش في الإسلام سبع سنوات و هي أفضل من سبع قرون يعيشها أمثالنا و الله العظيم , أسلم على يدي الحبيب الهادي محمد عليه الصلاة و السلام و لا أستطيع أن أقول لكم عنه لأن بعض الناس إذا تكلمنا عنهم كما قيل " إذا عُرفوا نكروا" فهو علم على رأسه نار كما جاء في الأدب و هذا علم كما قال أخو بني ربيعة الشاعر:

       بينما يذكرنني أبصرنني        عند قيد الميل يسعى بي الأغر    

قلن تعرفن الفتى؟ قالوا:      قد عرفناه و هل يخفى القمر؟

هذا قمر من أقمار رسالة محمد، هذا بدر في سماء رسالة محمد عليه الصلاة و السلام، " سعد بن معاذ " لما جُرح حمل إلى المسجد , حُمل ليداوى في المسجد، و هو الذي حكم على قريظة بحكم الله تعالى لأنهم خانوا    ولأنهم ظلموا و لأنهم غدروا و لأنهم تمردوا و لأنهم أرجفوا مع أعداء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و لما حُمل إلى المسجد رفع يديه إلى الله تعالى و قال: " اللهم إن كنت أبقيت لنبيك حرباً مع اليهود فأبقني لها يا رب العالمين و إلا فاقبضني إليك يا رب العالمين، فما أتى عليه الليل إلا و انتقل إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر لأن الحرب كانت انتهت ، في هذا المسجد مات سعد بعد مداواته، مات سعد بن معاذ رضي الله عنه و أرضاه، لما مات قالت عائشة رضي الله عنها: و الله العظيم لما مات كنت أعرف بكاء النبي من بكاء أبي بكر من بكاء عمر على سعد , لأنه كان من أخلص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم و أوفاهم لمبادئ النبي صلى الله عليه وسلم و لذلك وقف أبي بكر يبكي عليه و يقول: "وا كسر ظهراه عليك يا سعد" و هو لم يعش في الإسلام إلا سبع سنوات فقط[11]

      

        لعمرك ما الرزية فقد مال     ولا شاة تموت و لا بعير

       و لكن الرزية فقد شهـم      يموت بموته بشر كثير

بعض الناس إذا مات نقص من العدد واحد , و لكن بعض الناس إذا مات , ماتت بموته همم و ماتت بموته طرق وارتجت بسببه مبادئ .

        و أسعد من ترى في الأرض طراً             فتى يغدو و ثروته القلوب

        ترفرف حوله ما دام حيـــــاً             وحين يفارق الدنيا تـذوب

اللهم اجعلنا منهم يا رب , كان سعد بن معاذ رضي الله عنه من خدمة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بصدق و قف و قارع الباطل , لذلك لما مات وقف يبكي عليه الصلاة و السلام و يقول: " و الذي بعثني بالحق نبيا لقد نزل من السماء سبعون ألف ملك يشهدون جنازة سعد بن معاذ " و لما دفنه عليه الصلاة و السلام و قف يبكي فقالوا ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: بكيت و الله والذي بعثني بالحق نبياً لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ، لذلك لما جاءت جماعة من الأوس و جماعة من الخزرج يتجادلون و يتفاخرون (انظر كيف كان التفاخر)، قال الخزرج :  منا أربعة يحفظون القرآن (أربعة ختموا القرآن من الخزرج) فقال الأوس :        [ وكان سعد بن معاذ منهم ] منا الذي اهتز له عرش الرحمن !! قال بن قيم الجوزيه : فأخرسوهم بكلمتهم !!

          كذاك الفخر يا همم الرجال              تعالوا فا نظروا كيف التعالي

كان المسجد عياده طبيه ولما انفصل الطب عن المسجد أصبح في الأعم وسيله للابتزاز ووسيله للمتاجره بأعضاء الناس ووسيله لأكل أموال الناس بالباطل !!

 

خامس وظيفه : داعم للأخوه الإسلاميه :

المسجد يثبتنا على الأخوه فنحن أمه لا يجمعنا الدم ولايجمعنا النسب , لا يجمعنا التراب , انما يجمعنا الولاء ل  ( لا إله إلا الله ) ! نحن ليس عندنا تمييز عنصري , لا نعترف بالألوان لا أبيض ولا أسود ولا أحمر , انما نحن أمه تدين بالولاء للواحد الأحد سبحانه وتعالى , والمسجد هو الذي يقوينا على هذا , بلال بن رباح العبد الأسود الحبشي هو أخونا وحبيبنا في الله عزوجل وأبو لهب السيد الشريف القرشي عدونا وبغيضنا في الله عزوجل !! نحن أمه تتعارف وتتآلف وتتماسك وتتعاون في المسجد , نعرف من مرض من المسجد وندعوا الله تعالى له , نعرف من جاءته بشاره في المسجد فنهنئه , نسأل عمن غاب في المسجد ونتصل به حتى يجيء   الينا , المسجد هو روح المجتمع الإسلامي , هو الأسمنت الذي يقوي الروابط بيننا ولذلك قال " الحسن " رضي الله عنه وأرضاه " من أدام الاختلاف الى المسجد أصاب ثمانية خصال ؟ أي لو جئت الى المسجد فلن تكتسب فائده واحده فقط بل اضافه لها سبعة فوائد أخرى .

أول فائده : أخاً مستفاداً :

أخ في الله , من منا يستغنى عن أخ في الله ؟! استكثروا من صحبة الصالحين فإن لكل مؤمن شفاعه , وكم من أسر تعارفت وتصاهرت وتناسبت بسبب بيت الله عزوجل.

ثاني فائده : علما ً مستطرفاً  :

أي علماً من فم صاحبه مباشرةً , علم فيه بركه وفيه اخلاص , فنأخذ هذا العلم الذي يدلك على الله تعالى

ثالث فائده : رحمه مستنزله  :         

ينزل الله تعالى علينا برحمته ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خطب واذا درس يجمع أصحابه حوله ويقول " اجتمعوا اجتمعوا فإن رحمة الله تنزل علينا الآن " اللهم ارحمنا يا أرحم الراحمين .

رابع فائده : كلمه تدله على هدىً أو تردعه عن رضى : 

يسمع كلمه تدله على الله تعالى أو تبعده عن طريق أعداء الله تعالى أو ترك الذنوب حياءً أو خشيه , فاذا خرج من المسجد ووجد أختاً له واقفه يستحي ويقول : لقد انتهينا تواً من صلاة الجمعه أو من الدرس الفلاني فلنتقي أبصارنا , نتقي الله في نظرنا, نتقي الله في كلامنا .[12]

خامس فائده : أنه داعم للأخوه بيننا :

أسأل الله تعالى أن يجعلنا اخواناً متحابين , أسأل الله تعالى أن يقوي محبتنا وأن يؤيد بمدد من عنده اخوتنا .

سادس فائده : أنه ندوه أدبيه ترفيهيه اعلاميه :

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحول مسجده الى ندوه للأدب , الى اعلام , ولما جاءه عليه الصلاة والسلام وفد " بنو تميم  " وهي قبيله عملاقه من أكبر قبائل العرب استقبلهم النبي في المسجد ولما استقبلهم في المسجد قالوا: يا محمد والله لا نسلم حتى تبارينا ( أي تحدث مباراة بيننا وبينك وكانت عباره عن مناثره في الأدب العربي ) فجاءوا بخطيب وشاعر وقالوا نحن جئناك بخطيب وشاعر فلتحضر لنا أنت أيضاً خطيباً وشاعراً ليخطب أما خطيبنا ويشعر أمام شاعرنا , ومن يغلب منا تسلم له القياده وتكون له الحكومه , والنبي عليه الصلاة والسلام كان له مداخل على الناس فلم يقل لابد أن تسلموا أولاً !! فقد كان فناناً عليه الصلاة والسلام في زرع كلمة " لا إله إلا الله " في القلوب , كان يخرج الناس عما يحبون بما يحبون عليه الصلاة والسلام , وكان النبي عليه الصلاة والسلام عنده امكانيات جاهزه دوماً ومواهب حاضره وعنده بطولات فارعه في كل شىء , التخصصات كلها كامله عنده عليه الصلاة والسلام فقال النبي : قم يا " عبد الله بن رواحه " وكان هذا الشاعر فقال الرجل : أنا شاعر المهله يارسول الله ولا أصلح لهذا فأنا أحتاج الى شهر لكتابة قصيده فقال قم يا " حسان بن ثابت " فقام حسان وقام شاعرهم وكان " الزبرقاني بن بدر " وألقى قصيده من خمسون بيتاً يقول في مطلعها :[13]

     نحن الكرام فلا حي يعادلنا                   منا الملوك ومنا تنصب التبع

     انا أبينا وما يأبى لنا أحدُ ُ                         انا كذلك عند الفخر نرتفع

وكان الصحابه كلهم شوقاً لأن يقوم حسان بن ثابت فقام حسان وقال له صلى الله عليه وسلم قم وروح القدس يؤيدك , قم ومعك مدد من جبريل عليه السلام , فقام حسان وألقى قصيده أحرقت قصيدة " الزبرقاني " وأتت عليها من القواعد وجاء بها على نفس قافية " الزبرقاني بن بدر "  قال فيها :

      ان الزوائب من فهر واخوتهم                     قد بينوا سنن للناس تتبع

      يرضى بها كل من كانت سريرته                   تقوي الإله وبالأمر الذي شرع

      أكرم بقوم رسول الله شيعتهم                  اذا تفاوتت الأهواء والشيع

فقالوا غلب شاعرك شاعرنا يا محمد , وقالوا هاتوا خطيبكم , وقام خطيبهم وألقى خطبه عصماء ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا " ثابت بن قيس " فقام ثابت والقى خطبه دمرت خطبة خطيب " بنو تميم " تماماً وآتت عليها فقالوا سبحانك انك لرجل مُؤتَى من الله تعالى بمعنى ( انك عندك مدد من الله ) , لا خطيبك أفضل من خطيبنا ولا شاعرك أفضل من شاعرنا ولا صوتك أعلى من أصواتنا , نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول   الله , هكذا كان المسجد في عهده صلى الله عليه وسلم كان ندوه للأدب وندوه للترفيه , كان سبباً من أسباب الإعلام الإسلامي التي كان يتبعها عليه الصلاة والسلام , ولما جاءه " ركا له " وكان بطل الجزيره العربيه في المصارعه , وسمع بخبر النبي عليه الصلاة والسلام فقال للصحابه : أنتم تسلمون لأجل أنكم تريدون   الحمايه !! أما أنا فآخذ حقي بيدي ولا أحتاج لاسلامكم هذا , فمر على النبي عليه الصلاة والسلام فقال عليه الصلاة والسلام  أتصارعني يا ركاله ؟! فقال له : يا محمد لا تحرج نفسك أمام أصحابك فأنا بطل الجزيره العربيه في المصارعه فرددها عليه الصلاة والسلام,  فقال ركاله : يا محمد كيف ذلك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام أو لو صرعتك تسلم ؟ قال : أسلم , فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام ورفعه الى الأعلى ونزل به الى الأرض وكانت هذه الجوله الأولى . فقال ركاله : لن يتكرر هذا يا محمد , فأخذه عليه الصلاة والسلام في الثانيه ورفعه ورماه على الأرض , فقال ركاله بقيت الثالثه , فأخذه صلى الله عليه وسلم في الثالثه وحمله ورمى به على الأرض فنظر اليه وهو يبكي ويقول : يا محمد والله ما غلبتني بقوة بشر ! انما غلبتني بقوة خالق القوى والقدَر , أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله , [14]أيها المسلمون هذه أدوار المساجد وهذه وظيفة   المساجد , يا ترى هل هذه المساجد التي نحن فيها تقوم بهذه الأدوار؟ هل تؤدي أدوارها ؟! انني أخاطب كل مسلم وكل مسلمه في قلبه مثقال ذره من الإيمان أو شعور من ضمير أو حاسه من وجدان أن ينعطف على بيت الله تعالى , أن يحاول أن يخدم بيت الله عزوجل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أحب الله فليحبني ومن أحبني فليحب أصحابي ومن أحب أصحابي فليحب القرآن ومن أحب القرآن فليحب المساجد " علامة محبتك لله أن تحب رسول الله وعلامة ايمانك أن تحب المساجد , أن ترتاح في المسجد , أن تكون في أرق وفي شده فاذا جئت الى المسجد ترحلت عنك هذه الشدائد , لذلك قال السلف " علامة المؤمن من المنافق أن المؤمن في المسجد مثل السمك في الماء وعلامة المنافق أنه في المسجد مثل العصفور في القفص " ينتظر متى يفتح القفص حتى يطير , يقول متى ينتهي الخطيب حتى نجري في الشارع ! متى تنتهي الصلاة حتى نغادر المكان ؟ يا اخوة , المساجد لها ستة وظائف وهي التي سردناها , أيها المسلمون هذا دور مسجد النبي عليه الصلاة والسلام وهذا الدور المنوط بمساجد هذا المغترب , أيها المسلمون هذه أدوار المساجد فما واجباتنا نحو المساجد؟ هذا سوف نتحدث عنه في الدرس القادم انشاء الله , البر لايبلى والذنب لاينسى والديان لايموت , اعمل ماشئت كما تدين تدان أو كما قال عليه الصلاة والسلام : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.[15]

الفصل الثاني الدلالة التربوية

قال تعالى :

)يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ([الأعراف : 31]

)قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ([الأعراف : 29]

)وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ([البقرة : 114]

)وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ %لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ([التوبة : 107-108]

)مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ %إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ([التوبة : 17-18][16]

)فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ %رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ %لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ([النور : 36-38]

وهنالك إلى جانب كلّ هذه الآيات الكثير الكثير من الأحاديث حول المسجد وفضله وفضل المشي إليه وواجبات المسلم تجاهه ، وصلاة الجماعة بشكل خاص .. ومن هذه الآيات والأحاديث نصل إلى ما يلي :

المسجد هو المؤسّسة التربوية الثانية في الإسلام بعد الأسرة ، ولعله يكون في أيامنا هذه المؤسسة الأولى قبل الأسرة لما عليه حال أكثر الأسر من بعد عن الإسلام .. فالطفل ينشأ مسلماً في بيت أهله يرضع لبان الإسلام ، ويتربّى على حبّ الله ورسوله ، إلى أن يبلغ سنّاً يصبح فيها التلقي من خارج المنـزل أكثر ضرورة له ، وعندها لا يكون أمامه سوى المسجد .. خاصّة وأنّ مدارسنا ومجتمعاتنا أصبحت بعيدة كلّ البعد عن الإسلام بل هي تحاربه وتحاول بشتّى الوسائل انتزاعه من أفكار الناس وعقولهم واستبداله بأفكار أخرى تخدم أهدافها وأغراضها

إذن يتجه الطفل إلى المسجد ، ويتجه إليه أيضاً الشاب حديث العهد بالإسلام ، والرجل الذي عاد إلى الإسلام ، والمرأة التي هجرت مجتمع الجاهلية وقرّرت أن تلتزم بالإسلام من جديد .. يعود كلّ هؤلاء ليبحثوا عن أناس يقدّمون لهم ما يبتغون من أمور دينهم ، ويرشدونهم ويوجّهونهم ليكونوا لبنات في بناء الإسلام العظيم .. فمن سيقدّم لهؤلاء ما يحتاجون ؟[17]

يجيبنا الله تعالى بقوله : )إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ([التوبة : 18]

هؤلاء إذن هم عمّار المساجد وهؤلاء هم الذين يجب أن يتلقّوا أولئك القادمين ويتعهدونهم بالعناية والتربية ليجعلوا منهم مسلمين مجاهدين عاملين ، يطبّقون إسلامهم في حياتهم ثمّ في أسرهم ثمّ يعملون على تغيير مجتمعاتهم .. ونحن في هذه العجالة لن نتعرّض لمناقشة الأسلوب التربوي أو المنهاج الذي سيربّى عليه هؤلاء ، وإنّما نريد فقط أن نوضّح كيف يمكن أن نوجد في المسجد هذه النخبة من القائمين والعامرين ، ثمّ كيف يتحوّل المسجد إلى مدرسة تخرّج لبنات جاهزة للبناء الإسلاميّ العتيد

ولمعرفة واجبنا نراجع بسرعة موقفنا الحاليّّ من المسجد والموقف المثاليّ الإسلاميّ الذي كان على عهد رسول الله وخلفائه الراشدين ، وطريقة الانتقال من وضعنا إلى الوضع المثالي

نحن في أيامنا الحالية -سواء هنا في أوروبا أو في البلاد الإسلاميّة المختلفة- نكتفي من علاقاتنا بالمسجد بصلاة الجمعة ودرس أو لقاء أسبوعي ، وخيرنا من يصلّي بعض الأوقات مع الجماعة ، ثمّ ننصرف كلّ إلى مشاغله وأعماله .. وبعملية حسابية بسيطة نجد أنّنا نقدّم للإسلام عن طريق المسجد خمس ساعات أو ستّ ساعات في الأسبوع .. وبتعبير آخر : فضلات أوقاتنا . ونحن -بعلمنا هذا- نظنّ أنّنا نقدّم الكثير الكثير ، ونمنّ على الله بما نقدّم . والسؤال المطروح هنا هو : هل يكفي هذا ؟ ..

إذا نظرنا فوجدنا أنّنا مقصّرون بحقّ أنفسنا ثقافة وأخلاقاً وعملاً وتطبيقاً ، ومقصرون بحقّ أبنائنا تعليماً وتربية وفهماً للإسلام ، وبحقّ أسرنا تثقيفاً وتوعية وإرشاداً ، وبحقّ مجتمعنا الصغير من حولنا وبحقّ مجتمعاتنا في بلادنا .. حيث يحكم بغير الإسلام ويحارب الإسلام ، ويقتل ويلاحق من يظهر مجرّد ولائه للإسلام .. عندما ننظر فنجد كلّ هذا ، فلا بدّ أن نجيب بأنّ ما نقدّمه للإسلام لا يكفي ، ولا بدّ من تقديم المزيد من الجهد والوقت والمال ، وإلاّ فإنّ لنا يوماً نقف فيه بين يدي الله ليحاسبنا على كلّ دقيقة من عمرنا أين أضعناها ، وعن كلّ قرش من مالنا من أين جئنا به وأين أنفقناه

لا أريد أن يبقى الموضوع مجرّد نقد لا يوجد حلاً .. فكثيراً ما نقوم في نهاية كلّ جلسة إسلامية ونحن نشعر بالتقصير ، ونتساءل ماذا نفعل ، ويظلّ صدى السؤال يتردّد في أعماقنا بضع ساعات أو بضعة أيام .. ثمّ يخفت ويموت

سأحاول عرض أسلوب عملي .. ولكن قبل هذا أكرّر التساؤل : هل شعرنا بضرورة الجدّ في حياتنا وضرورة تقديم المزيد من التضحيات لإسلامنا ، أم أنّنا ما زلنا نعتقد أنه من خلال سهرات السمر ، والاكتفاء بصلاة الجمعة ولقائنا الأسبوعي سنحقق النصر للإسلام وسننجو من عذاب الله يوم القيامة ونكون من الذين جاهدوا في الله حقّ جهاده ؟ ..

إنّنا أيها الإخوة والأخوات ، ما لم نبدأ ببناء أنفسنا بناء سليماً صحيحاً ، ثمّ بناء أسرنا فلن نستطيع الصمود أمام تحدّيات العصر .. لن نستطيع الصمود أمام بريق المال وجاه المناصب ، ولا أمام الدرجات العلمية العالية التي جئنا نطلبها هنا .. لن نستطيع الصمود أمام تحدّيات الأعداء خارج بلادنا ، وتحدّيات الحكام داخل بلادنا .. وسننهار ، وبسرعة ، ليستبدل الله بنا قوماً آخرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ، يقيمون حكم الله في هذه الأرض ، فقد آذن حكم الله أن يعمّ الأرض ، وبدأت صحوة الإسلام تسري في العالم ، وبدأت نهاية عصر الجبرية الذي أشار إليه رسول الله في الحديث الصحيح ، وجاءت بداية عصر الخلافة الراشدة .. فطوبى لمن يعمل ويقدّم للإسلام ، طوبى له نعيم الدنيا والآخرة [18]

كيف سيكون العمل ؟ .. لقد هيّأ الله لنا الجوّ من نواح مختلفة ، ليقيم الحجّة لنا أو علينا ، فأمامنا أولاً شباب مخلص متعطّش للإسلام ، يجتمع من مختلف البلدان تحت راية لا إله إلاّ الله ، وأمامنا ثانياً بيوت وأمكنة نستطيع الاجتماع فيها –وأخصّ بالذكر هنا ميزة لنا ونحن خارج بلادنا فكثير في بلادنا الإسلامية يفتقدون نعمة الاجتماع الحرّ- ولنلاحظ أيضاً كلمة (بيوت) في الآية الكريمة )فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... ([النور : 36] فالله Iلم يقل هنا : (في مساجد) ، كأنّما ليلفت نظرنا إلى أنّ الشكل الخارجي ليس هو المهمّ في الموضوع .. المهم هو استعمال هذا المكان ، فإن كان في سبيل الله ولذكر الله وتسبيحه والسجود له وتعليم دينه ، كان بيتاً من بيوت الله ولو كان غرفة صغيرة في مكان بعيد ، أو داراً نائية .. كدار الأرقم بن أبي الأرقم ، أو كان مسجداً له شكل المسجد واسمه ، كمسجد رسول الله الذي كان نقطة انطلاق الإسلام في ربوع الجزيرة العربية ومنها إلى الدنيا بأسرها

نحن متفقون إذن أننا نملك –أينما كنّا- مسجداً (أو بيتاً) في كلّ مدينة أو قرية ، اجتمع فيها مخلصون يريدون العمل في سبيل الله ، فماذا يفعل هؤلاء ؟ ..

نعود لنلقي نظرة سريعة على مسجد رسول الله ، ونسمع ابن مسعود يقول : « مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى ، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِلَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ ، ... وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ (أي يتمايل) حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ » (رواه مسلم) .. فماذا نفهم من هذا القول ؟

المسلمون الأوائل يلتقون خمس مرات في اليوم ، أي أنهم في حالة استنفار كامل دائم ، يسمعون صفارة الإنذار فيهرعون إلى المسجد تاركين أعمالهم ومزارعهم لا يتغيّب واحد منهم سمع النداء ، كأنّهم يتمثّلون قول رسول الله في السبعة الذين يظلّهم الله تحت ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه ، ويسعى الواحد منهم جهده ليكون واحداً من الرجال الذين قلوبهم معلّقة في المساجد إذا خرجوا منها حتى يعودوا إليها[19]

واقعنا قد لا يسمح لنا بهذا .. وكلّكم تحدّثه نفسه الآن : هل نستطيع أن نجتمع خمس مرات كلّ يوم من أجل الصلاة ؟ .. أين العمل وأين الدراسة ؟ وأين المهمّات الأخرى التي يتطلّبها المنـزل والزوجة والأطفال ؟ .. وهل تركنا بلادنا وجئنا إلى هنا لمثل هذا ؟ .. نحن نعمل وندرس وعندما ننتهي سنعود إلى بلادنا لنعمل للإسلام إن شاء الله ..

أقول لكم : نحن لم نطلب شيئاً بعد ، وإنما ما زلنا في طور الاستعراض ..

المسلمون الأوائل بذلوا كلّ وقتهم للإسلام ، وما تبقّى من وقت ، كانوا يبذلونه لحياتهم الدنيوية فوصلوا إلى النصر في أقلّ من عشرين عاما ..

إذا كان غير ممكن -في ظروفنا الخاص- أن نقوم في الجماعة خمس مرات في اليوم ، فلنقل إذن إنّه يجب على كلّ منا أن يبذل غاية جهده ، بكلّ ما في الكلمة من معنى ، أي على الأقلّ أن يبذل جهده كما يبذله لكيلا يفوته طعام الغداء أو العشاء .. يبذل قصارى جهده في أن يصلّي كلّ ما يستطيع من أوقات في جماعة ، ثمّ أن يخصّص ساعة أو ساعتين يومياً ليأتي إلى المسجد ويحضر درساً واحداً يتنوّع مع الأيام ، فيوم في التربية الإسلامية ويوم في الفقه وثالث في التفسير ورابع في الحديث وخامس في اللغة العربية وهكذا .. وإنّ قضية اللغة العربية بالذات لقضية مبكية ، فهي لغة القرآن ، وإذا تمّ الفصل بينها وبين المسلمين فقد هؤلاء الأنابيب التي تمدّ بيوتهم بالماء النقيّ الصافي رغم وجود النبع وبقائه

وإذا كنّا نستكثر هذا القليل في سبيل ديننا ، فلنعد إلى الآية الكريمة : )... وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ ... ([التوبة : 18] فهل نخشى أحداً إلاّ الله ؟ .. لماذا نخشى أن تضيع منّا ساعات في سبيل الله ؟ .. لماذا نخشى أن نخسر في أعمالنا وتجارتنا ودراستنا إذا بذلنا الأوقات لدين الله ؟ .. لماذا نخشى الفقر إن كنا نؤمن بالله الذي تكفّل لنا بالرزق ؟ .. لماذا نخشى الإنفاق .. ليس إنفاق المال فحسب بل إنفاق الجهد والوقت أيضا ؟ .. أليس هذا كله خشية لغير الله ؟ .. أليس الله بأحقّ أن نخشاه إن كنا مؤمنين ؟ ..

لقد أقام الله علينا الحجّة بإخوة لنا ، يدرسون في الجامعات والمدارس ويجتمعون كلّ يوم بعد صلاة الفجر لحضور درس حتى تطلع الشمس .. ثمّ يتوجّه كلّ منهم إلى مدرسته أو جامعته

وأقام الله علنيا الحجّة بإخوة لنا يعملون طوال النهار ويجتمعون على درس لهم كلّ يوم قبل الفجر بساعة لأنهم لا يملكون من الوقت لذلك إلاّ في مثل هذا الوقت المبكر ..

أما إذا نبذنا الإسلام فإنّ الإسلام ينبذنا ، وإن الرسول يقول شرف المؤمن قيام الليل ، وكثير منّا من جعل الليل للسمر واللهو ، وإنّه ليكره لنا مجرّد الكلام بعد العشاء إلاّ بذكر الله وما ينفع الإسلام ، وكثير منّا يمضي السهرات فيما قد لا يرضي الله ، وإنه كان يقول مخاطباً فاطمة : « قومي فاشهدي رزق ربّك » ، وكثير منّا قلب ليله نهاراً ونهاره ليلاً ليسهر أمام شاشة الرائي ، ولربّما تفوته صلاة الفجر ، ورسول الله يقول : « من صلّى الفجر في جماعة ، وجلس يذكر الله حتى تطلع الشمس كان له أجر حجة وعمرة تامتين تامتين تامتين » .. ويقول : « من صلى الفجر في جماعة كان كمن قام الليل كلّه » .. فهل نزهد في هذا ؟ .. كأنّما أصبحت حسناتنا كافية ولسنا في حاجة إلى مزيد .. فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم [20]

ونفى سبحانه وتعالى أن يكون أحد أحسن قولاً من الدعاة إليه، من أنبيائه ورسله، وأتباعهم الذين تطابق أقوالهم أعمالهم، وحبب الله إليهم دينه الذي يوالون من والاه، ويعادون من عاداه، كما قال تعالى: ((وَمَنْ أحْسَنُ قولاً مِمَّنْ دَعَا إلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) [فصلت: 33].

وختم سبحانه رسالة رُسُله ببعث عبده وحبيبه، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ((مَا كَانَ مُحمد أبِا أحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخاتمَ النَّبِيّينَ)) [الأحزاب: 40].

وجعل الدعوة إلى الله سبيلَه وسبيلَ من آمن به وعلم دينه، فقال تعالى: ((قُلْ هَذِ5ِ سَبيلى أدْعُوا إلى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أنا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [يوسف: 108].

وقضى سبحانه بوعيده الشديد في الدنيا والآخرة، على من كتم ما علمه الله من دينه عن الناس، فلم يبين لهم ما بينه الله، فقال تعالى: ((إنَّ الَّذيِنَ يَكْتُمُونَ مَا أنزَلْنَا مِنَ الْبَيناتِ وَالهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بينَاهُ لِلنَّاس في الْكِتَابِ أولئِك يَلْعَنُهُمُ الّله وَيَلعنهُمُ الّلاعِنُونَ، إلا الَّذِينَ تابُوا وَأصْلَحُوا وَبَينوا فَأولَئِك أتوبُ عَلَيْهِمْ وَأنا التَّوابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة: 159ـ160].

وقال تعالى: ((إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنزَل الله مِنَ الْكِتَاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمنَاً قَلِيلاً أولَئِك مَا يَأكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ ولا يُكَلِمَهُمْ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولا يزكيهم ولَهم عَذَاب أليم أولَئك الذيِنَ اشتَروُا الضلالةَ بِالهُدى وَالعَذَابَ بِالمَغفرَةِ فَمَا أصبرهم عَلَى النارِ)) [البقرة: 174ـ175].

 

وبين سبحانه وتعالى أن عباده العقلاء المهتدين، هم الذين يُنسبون إليه باتباع دعوته التي يستمعون إلى أهلها من الأنبياء والرُسُل وأتباعهم، فيعملون بما دعوهم إليه من الحق، فقال تعالى: ((وَالَّذِينَ اجْتَنبُوا الطَّاغُوت أنْ يَعْبُدوهَا وَأنابُوا إلَى الله لَهُمُ البشرَى فَبَشر عِبَادِ، الًّذينَ يستَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَه أولَئك الذِينَ هَداهُمُ الله وَأولئك هُمْ أولُو الألبْابِ)) [الزمر: 17ـ18].

وأمر سبحانه وتعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأولى الأمر من المسلمين، وهم الذين يأمرون باتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحملون الناس على ذلك، فقال تعالى: ((يَا أّيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا الله وَأطِيعُوا الرسُولَ وأولِي الأمْرِ مِنْكُمْ، فَإنْ تنَازعْتُم فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى الله وَالرَسُولِ إنْ كُنْتُمْ تؤمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، ذَلك خيْرٌ وَأحْسَنُ تأوِيلا)) [النساء: 59].

ووعد سبحانه من أطاع الله ورسوله الثواب الجزيل في جناته، وتوعد من عصاه بالعذاب الأليم، فقال سبحانه وتعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يدخله جَنَّاتٍ تجْرِي مِنْ تحْتِهَا الأنهَارُ، وَمَنْ يَتَوّلَّ يُعَذّبْهُ عَذَاباً ألِيماً)) [الفتح: 17].

وبين سبحانه وتعالى وظيفة ذوى السلطان الذين ولاَّهم الله أمور الناس ومكنهم في الأرض، وهى أداؤهم لحقوق الله، وحقوق عباده، وحَمْل الناس على فعل المعروف وترك المنكر، كما قال تعالى: ((الَّذِينَ إنْ مًكِّنَّاهُمْ فِي الأرض أقَامُوا الصَّلاةَ وآتوُا الزَّكَاةَ وَأمَرُوا بِالْمعَرُوفِ وَنهوْا عَنِ المُنْكَرِ وَلّله عَاقبةُ الأمُورِ)) [الحج: 41].

وأمر سبحانه وتعالى كل ذي ولاية على أسرة، أن يقيم فيها أمر الله الذي يقيها من عذاب الله تعالى، فقال عز وجل: ((يَا أيها الَّذِينَ آمَنُوا قوا أنفُسَكم وَأهليكم ناراً وَقودُهَا الناسُ وَالحِجَارَةُ عليها ملائَكَة غِلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)) [التحريم: 6].

وخلاصة القول أن الله سبحانه وتعالى أنزل كتبه وبعث رُسُله، لهداية البشر إلى صراطه المستقيم، وأمر رُسُله وأتباعهم بالبلاغ والدعوة، كما أمر الناس بالطاعة والإتباع، وكلف كل قادر أن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب قدرته، فصاحب القوة بقوته، وذو العجز عن القوة بلسانه، ومن لم يستطع بلسانه أنكر المنكر بقلبه، وبذلك يستقيم أمر الله، ويسعد الناس بهداية الله في الدنيا والآخرة، وتقوم الحجة على من لم يستجب لنداء الله، فيستحق الخسران والشقاء في الدارين.

 

هذا وإن من أوجب الواجبات وأفرض الفرائض تعليم الصغار وتربيتهم وتزكيتهم على ضوء هدى الله سبحانه وتعالى، لينشأوا نشأة إسلامية، تجعلهم من أهل طاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليقوم كل جيل بدين الله ورفع رايته في الأرض.

ولهذا دعا خليل الله إبراهيم عليه السلام ربه، أن يبعث في هذه الأمة رسولا منهم، يقوم بتعليمها وتزكيتها، كما قال سبحانه وتعالى: ((ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم)) [البقرة(129)][21]

واستجاب الله تعالى لتلك الدعوة وسجل استجابته في كتابه، فقال سبحانه: ((لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)) [آل عمران (164)]

وبذلك يسلم صف المسلمين من الشاذين المنحرفين عن دين الله، ويرفعون راية الإسلام بالجهاد في سبيله، تجمعهم كلمة الله، ويوحدهم الاعتصام بحبل الله، وتربطهم الأخوة في الله، وتلك هي المرتبة التي يحبها الله، كما قال تعالى: ((إنّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلونَ فِي سَبيِلهِ صفا كَأنهم بُنْيَان مَرصُوصٌ)) [الصف: 4].[22]

90


 

المصادر:

واه البخاري في صحيحهعن أبو سعيد الخدري، رقم: 1995.

[1]    كشف الستور عما أشكل من أحكام القبور، تأليف: محمود سعيد ممدوح، ص96.  صحيح البخاري رقم (1196-1888-6588) ومسلم رقم (1391 [1] ابن كثير: السيرة النبوية 2/ 273. ابن القيم: زاد المعاد 3/ 50. رواه أبو داود (449)، والنسائي (689)، وابن ماجه (739)، وأحمد (12402). قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (7421) في صحيح الجامع.

 

[1] أخرجه الشيخان: البخاري في كتاب المناقب برقم 3511، ومسلم في كتاب الجهاد والسير برقم 3368.. الإدارة المدرسية في ضوء الفكر الإداري: د. صلاح عبد الحميد مصطفى، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1422هـ، 2000م.ص12-43 [1] رواه ابن خزيمة (1321). وقال الشيخ الألباني: ضعيف.رواه أبو داود (448). قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (5550) في صحيح الجامع.

 

[1] أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، برقم 4214، 5/178. محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، مرجع سابق، ص 219. [1] الرحيق المختوم: صفي الرحمن المباركفوري، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، 1422هـ، 2001م.ص12-18. [1] محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، مرجع سابق، ص 220.فتح الباري شرح صحيح البخاري، 7/191.أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب أحبب حبيبك هوناً ما، ص 191. [1] صفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، 1422هـ، 2001م، ص 192. [1] موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق رسول الله e، مرجع سابق، ص 250. [1] عبد الحميد الهاشمي: الرسول العربي المربي، دار الثقافة العربية، دمشق، سوريا، ط/1، 1401هـ، 1981م، ص 98. [1] موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق رسول الله e، مرجع سابق، ص 259. [1] الإدارة التعليمية أصولها وتطبيقاتها: د. محمد منير مرسي، عالم الكتب، القاهرة، مصر، 1996م.ص33-89 [1] منهج النبي eفي الدعوة من خلال السيرة الصحيحة (المعرفة، التربية، التخطيط، التنظيم): أ.د. محمد أمحزون، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، مصر، 1423هـ، 2003م.ص25-85 [1] انظر الجرح والتعديل،ابن أبي حاتم 1/62،والضعفاء ،العقيلي 1/5،وتهذيب الكمال1/4،والتهذيب 1/44(88)،وميزان الاعتدال ،الذهبي 1/112،والتقريب ،ابن حجر 1/67(64). [1] انظر تهذيب الكمال هامش 1/54،والتقريب 1/67(64).  [1] نظر ترجمته في تهذيب الكمال 6/226(5646)،وسير أعلام النبلاء 7/38،والتقريب 3/211(5721(. [1] السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (دراسة تحليلية): د. مهدي رزق الله أحمد، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، المملكة العربية السعودية، ط/1، 1412هـ، 1992م.ص78-90

 

 

 

[1]واه البخاري في صحيحهعن أبو سعيد الخدري، رقم: 1995.

[2]   كشف الستور عما أشكل من أحكام القبور، تأليف: محمود سعيد ممدوح، ص96.  صحيح البخاري رقم (1196-1888-6588) ومسلم رقم (1391

[3]ابن كثير: السيرة النبوية 2/ 273. ابن القيم: زاد المعاد 3/ 50.

رواه أبو داود (449)، والنسائي (689)، وابن ماجه (739)، وأحمد (12402). قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (7421) في صحيح الجامع.

 

[4]أخرجه الشيخان: البخاري في كتاب المناقب برقم 3511، ومسلم في كتاب الجهاد والسير برقم 3368.. الإدارة المدرسية في ضوء الفكر الإداري: د. صلاح عبد الحميد مصطفى، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1422هـ، 2000م.ص12-43

[5]رواه ابن خزيمة (1321). وقال الشيخ الألباني: ضعيف.رواه أبو داود (448). قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (5550) في صحيح الجامع.

 

[6]محمد سعيد رمضان البوطى: فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1422هـ، 2001م، ص 217.

[7]أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، برقم 4214، 5/178. محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، مرجع سابق، ص 219.

[8]الرحيق المختوم: صفي الرحمن المباركفوري، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، 1422هـ، 2001م.ص12-18.

 

[9]محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، مرجع سابق، ص 220.فتح الباري شرح صحيح البخاري، 7/191.أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب أحبب حبيبك هوناً ما، ص 191.

 

[10]محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، مرجع سابق، ص 222.

[11]محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، مرجع سابق، ص 225.

[12]صفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، 1422هـ، 2001م، ص 192.

[13]موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق رسول الله e، مرجع سابق، ص 250.

[14]عبد الحميد الهاشمي: الرسول العربي المربي، دار الثقافة العربية، دمشق، سوريا، ط/1، 1401هـ، 1981م، ص 98.

[15]موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق رسول الله e، مرجع سابق، ص 259.

[16]الإدارة التعليمية أصولها وتطبيقاتها: د. محمد منير مرسي، عالم الكتب، القاهرة، مصر، 1996م.ص33-89

[17]موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق رسول الله e: مجموعة من المختصين بإشراف صالح سيد عبد الله بن حميد وعبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحيم بلوح.ص55-78

[18]منهج النبي eفي الدعوة من خلال السيرة الصحيحة (المعرفة، التربية، التخطيط، التنظيم): أ.د. محمد أمحزون، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، مصر، 1423هـ، 2003م.ص25-85

[19]انظر الجرح والتعديل،ابن أبي حاتم 1/62،والضعفاء ،العقيلي 1/5،وتهذيب الكمال1/4،والتهذيب 1/44(88)،وميزان الاعتدال ،الذهبي 1/112،والتقريب ،ابن حجر 1/67(64).

[20]انظر تهذيب الكمال هامش 1/54،والتقريب 1/67(64). 

[21]نظر ترجمته في تهذيب الكمال 6/226(5646)،وسير أعلام النبلاء 7/38،والتقريب 3/211(5721(.

[22]السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (دراسة تحليلية): د. مهدي رزق الله أحمد، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، المملكة العربية السعودية، ط/1، 1412هـ، 1992م.ص78-


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق