]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أخطَأَ العِلمُ... لمْ يُخطئ العلم

بواسطة: د. نضال البغدادي  |  بتاريخ: 2013-03-26 ، الوقت: 14:32:41
  • تقييم المقالة:

 

حتَّى أيَّام قلائل مَضَت كانَ العلمُ يُخبرنا أنَّ عُمر الكون (13.7 مليار سنة).

 

أتى يومٌ جديدٌ بخبرٍ جديدٍ أعلن فيه العلم أنَّ عُمر الكون (13.8 مليار سنة).

 

الفرقُ 100 مليون سنة فقط لا غير.

 

تَرتَّب على هذه النِّسبة الضَّئيلة؛ إعادة النَّظر في نِسب مكوِّنات الكَون.

 

كمِّية المادَّة المرئيَّة كانت نسبتها 4،6% فأصبحت 4،9%.

 

كمِّية المادَّة الَّلامرئيَّة كانت نسبتها 24% فأصبحت 26،8%.

 

كميَّة الطَّاقة المظلمة كانت نسبتها 71،4% فأصبحت68،3%.

 

وهذا يحيلُ إلى ضرورةِ إعادة النَّظر في جميعِ الحسابَات النَّظريَّة ذات الصِّلة، ومنها أنَّ سرعة التَّوسع الكوني أبطأ مما كانَ متوقَّعًا.

 

لقد أخطأ العلمُ مرّة أخرى، لماذا؟ لأنَّ حساباته النَّظريَّة قامت على مشاهداتٍ مُعيَّنة، وتلك المشاهدات استَخدَمت تقنيَّاتٍ تكنولوجيَّة غير مُتطورة، فلمَّا تطَّورت تغيَّرت الُمشاهدَة فتغيَّر الحساب النَّظري. ما الفرق إذن بين مشاهدَاتنا وبين مشاهداتِ الأوائل الَّذين كانوا يستخدِمُون حواسهم فرأوا أنَّ الشَّمس والقَمر يتحرَّكان حول الأرض، ثمَّ لمَّا انتقل الإنسَان من بصره إلى عدَسة التلسكوب تغيَّرت المشَاهدة فتغيَّرت النَّظرة؟ ما الذي يضمنُ أنَّ تلكَ الملحوظات لن تتغيَّر مُستقبلًا مع تطوّر التكنلوجيا، فتتغيَّر حسابَاتنا من جديد، وتتغيَّر نظرتنا كلّها؟

 

لا ضمان، إذن فالعلم –على الأقل في المجالِ الكوني- مجرَّد نظريَّات ظنيَّة.. ربمَّا يصحُّ وصفهُ بأنَّه صورةٌ مُحسَّنة او نُسخة مُطوَّرة عن الميتافيزيقيا. وإذا كانَ الأمر كذلك، فلماذا علينا أن نُفضّله عليها؟!

 

نعم، هذهِ وجهة نظر تُطرح وستبقى تُطرح، بهذا الشَّكل أو بأشكالٍ أُخرى، وهي في جميع صورها تُريد أن تقول: إنَّ العلمَ الوضعيّ ليسَ بمقدَّس، وبالتَّالي فهو لا يصلح أن يكون مرجعًا وحيدًا أو أصيلاً للمعرفةِ الإنسانيَّة.

 

فهل أخطأ العلم فعلًا؟ وهل وجهة النَّظر هذه صحيحة؟

 

سأحاولُ ألَّا أنزلق لأقعَ في فخِّ الِحِجاج الأطرش، فَمحلّ ذلك ستوديو الاتجاه المعاكس. لن أقول: إن من يَرى بأنَّ العلمَ الوضعي مقدَّس عند أهله، هو يعكس نَظرته في التَّقديس على سواه، ولأنَّه يُنكر أيّ مقدَّس سوى ما يُقدِّس فهو يُنكر ما تَوَّهم أن الآخر يُقدِّسه.

 

ولن أقول: إنَّ العلماء لم يدَّعو أن حساباتهم المتعلّقة بالكونِ يقينيَّة بل لازالوا يؤكِّدون أنَّها نظريَّات، وأنَّها قيد الاختبار والمُراجعة المتكرِّرة، وأنهَّم لِصِدْقهم في دعواهم هذه، ما أنْ يكتشفوا شيئًا يخالفهم لا يتردَّدون في الإعلانِ عنه، لأنَّهم لم يُلزموا أنفسهم ولا غيرهم بشيءٍ محُدَّد لا شيء وراءه.

 

لن أقول ذلك، ليس لشَيء إلا لأنَّني لا أُريد أنْ أقعَ في ذلك الفَخ كما قلت، وأيضًا لأنَّ الحديث في هذا الشَّأن يفتحُ بابًا لمناقشة مقاربة أُخرى لا يكون فيها وضع العُلماء بأنزه من وضع من يُشكِّك في نظريَّاتهم ومناهجهم.

 

وإذن.. ماذا غير ذلك؟

 

غير ذلك هو مقاربة تتجاوز لحظة الجدال الزَّمانيَّة التَّهادميَّة (التَّهديم والتَّهديم والمضاد) إلى لحظةٍ أخرى، الَّلحظة الَّلازمانيَّة، الَّلحظة التي نتركُ فيها القيل والقال جانبًا، وننظرُ في الموضوع نفسه كما هو، ومن منطلق هذه الَّلحظة، نستطيع القول:

 

نعم، الأرض مركز الكَون، والشَّمس تدورُ حولها. لم يُخطئ أرسطو، لم تُخطئ الكنيسة، ولم يخطئ ابن عثيمين!

 

 لكن- من جهةٍ أخرى- لم يُخطئ كوبرنيكوس، لم يُخطئ غاليلو، لم يُخطئ من قال إن الشَّمس مركز الكَون، وأنَّ الأرض هي الَّتي تدورُ حول الشَّمس وليس العكس!

 

ليس خطأ أنَّ الأرضَ مركزٌ للكون، بل الخطأ الظَّنُّ أنَّها المركز الوحيد للكَون.

 

الآن نعرفُ ذلك، نعرفُ الآن ذلك، لأنَّ الأرصاد والهندَّساتِ الحديثة أخبرتنا بأنَّ أي نقطة في الكون تصلح أن تكون مركزًا له، إذ المركزيَّة في الفراغِ أو الفضاء هي مُجرَّد نُقطة إسناد أو نقطة مرجعيَّة يُنظر منها إلى ما يحيط بها، ونسبة لتلك النّقطة تتغيَّر النَّظرة.

 

إذا اعتبرنا أن الأرض هي النَّقطة المرجعيَّة فسوف نرى الأمور بمنظارٍ مُعيَّن.

 

وإذا اعتبرنا أنَّ الشَّمس هي النّقطة المرجعيَّة فسوف نرى الأمور بمنظارٍ آخر.

 

وإذا اعتبرنا القمر أو زحل أو الثّقب الأسود هو المركزُ فسوف نرى الأمور بمناظِر أخرى.

 

والرَّائع، أنَّ جميع تلك النَّظرات غير متناقضة إطلاقًا، إنَّها مُتناظرة فقط.

 

ما الفرق إنْ قلت: أنا أطولُ من ابني، أو إنْ قلت: ابني أقصر مني؟

 

كلاهما يُعطيان النَّتيجة ذاتها من منظارين مُختلفين.

 

الَّلحظة الَّلازمانية تعْفينا من ثُنائيَّة استحواذ الجاذبيَّة واستبعادها.

 

الجاذبيَّة الأرضيَّة تستحوذُ علينا، تجعلنا نظنُّ أنَّ لا جاذبيَّة القمر ولا المشتري ولا الثريا.. ولا أيّ شيءٍ في الكونِ له تأثير فينا أو وجود في حياتِنا سواها، إنَّها في تأثيرها تستحوذُ لنفسها وتستبعدُ ما سواها، ونحنُ نُستلب لذلكَ الاستحوَاذ والاستبعَاد.

 

الفكرةُ كالأرض، فيها جاذبيَّة تستحوذ وتستبعد، وما ينتجُ عن ذلك أنَّ أحدنا يعم فكرته ويُطلق نسبيّتها وهو إنْ فعلَ ذلك كأنَّه يقول: الجاذبيَّة الأرضيَّة هي مصدر جاذبيَّة الكون كلّه.

 

قد تكون الأرض مركز الجاذبيَّة في الكونِ حين نعدّ أنَّ الأرض هي النّقطة المرجعيَّة، ولكن -كما نعلم- هذا الافتراض لا يعني أكثر من أنَّ الجاذبيَّة الأرضيَّة مطلقة بالنِّسبة لمركزيَّة الأرض وليس لمركزيَّة الكون.

 

الفكرةُ، قد تكون مطلقة لمن يُفكّر فيها، فتستحوذ عليه وتستبعدُ غيره، لكن مهما كانت فهي نسبيَّة في إطلاقِها، هي مطلقة له وليس لغيره.

 

من هذه المنطلقات يمكننا القول: إنَّ العلمَ لا يزال يخطئ ويُصحّح خطأه، ثم يكتشف أنَّ ذلك التَّصحيح خاطئ، والصَّحيح هو الأحدث، ثم يتبيّن أنَّ الأحدث خاطئ والصّحيح ما يليه.. وهكذا دواليك. أيّ أنَّ العلمَ يتحرَّك على سلالم: صح/ خطأ/ صح... أو ثُنائيَّة (صح/ خطأ).

 

كما يُمكننا القول: إنَّ العلمَ يُصيب نسبة لمعطياتٍ مُعيَّنة، ثم تتكشف له معطيات أخرى، فيتحوّل الى الأصوب، ثمّ يكتشف ما هو أصوَب من الأصوَب فيتحوّل إليه... فهو يتحرَّك في ثُنائيَّة (صح/ وأصح). 

 

والفرقُ بين الرُّؤيتين، أنَّ الأولى تنطلقُ من لحظة زمانيَّة، تتضمَّن التَّشكيك غير المبرَّر في أدنى صورها وتتطوَّر لتصل إلى الإنكار فالتكفير في أقصى درجات تطرفها. ومن هنا ظهرت محاكم التفتيش وحُوكم غاليلو واستُلب التَّفكير في عالمنا العربي.

 

وأمَّا الرُّؤية الثَّانية، فتنطلق من الَّلحظة الَّلازمانية، الَّلحظة التي تفتحُ العقلَ على آفاقِ التَّفكير الحر، وتقبل المتغيرات، وتبحث عن الأصلح، واستدبار الادلجات، ووأد الدوغمائيات، أنَّى كان منشؤها وموردها.

 

لكلِّ ذلك أُكرِّر السُّؤال: هل يخطئُ العلم؟ الجواب: (يُخطئ لا يُخطئ).

 

يُخطئ لأنَّه يقومُ على معطيات تراكميَّة قاصَرة بذاتها.

 

ولا يُخطئ لكونه يتحرَّك على سلّم نسبيَّة صح والأصح .

 

هذا ما تخبرنا به الَّلحظة الَّلازمانيَّة، وهي تنكسرُ بمجرَّد أن يقال: يُخطئ فقط، أو لا يُخطئ فحسب. نعم، يُخطئ العلم عند من يظنُّون أنَّه لا يخطئ، ولا يخطئ عند من يظنُّون أنَّه يخطئ.

 

للمزيد الموضوع: اضغط هنا

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق