]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بنية التجريب قي القصيدة العراقية المعاصرة ((انموذجا الستينات )) الشاعر سعدي يوسف/ قصي طارق

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-03-26 ، الوقت: 00:40:50
  • تقييم المقالة:

 

 

 

االمقدمة:

 

 

بنية التجريب قي القصيدة العراقية المعاصرة ((انموذجا الستينات )) الشاعر سعدي يوسف))

 

قلم /قصي طارق

 

قصي طارق /qusay tariq-888888888888888888 

 

درجنا في التداول النقدي والإبداعي على استعمال مصطلح التجريب بوصفه مشروع رؤية فنية تحث على الاجتهاد والفضول والمغامرة وعدم التسليم أو القناعة بما هو جاهز وقبلي ومتحصل من الأشكال والرؤى وأنماط التعبير. لكن قلما انتبهنا إلى الاستشرافات المتنوعة التي يحيل عليها، وكذا إلى الاشتراطات التي تعين علائقه بالأجناس. مما جعل المصطلح، في أحيان كثيرة، يغرق في لجى الالتباس والتغريب والتمييع.التجريب سمة جوهرية تلتصق بالفن العظيم، وعلامة فاصلة تحدد البون بين من يستجيب للانتظارات المكرسة ومن يسعى إلى تعديلها. إنه، بعبارة أخرى، برزخ فاصل بين من يبدع من داخل المعيار ومن يشيد عوالمه الممكنة من خارجه، بين من يجد لذته في فن الاستعادة والمحاكاة، ومن يلفي استهوائه الفني في العدول والتحليق خارج الأسراب. هكذا، ينتمي عظماء التجريب، عبر العصور المختلفة والجغرافيات المتباعدة إلى شجرة نسب واحدة، هي شجرة اختراق البداهة وتنسيب الثوابت وكبح المتعالبات. وهم من جراء ذلك، يبدون متطلبين، وحيارى «وعلى قلق كأن الريح تحتهم» إزاء كيفيات التعبير وسؤال الوجود، لكنهم متيقنون من مبدأ واحد هو: «الجمال» كما «الحق» واحد، بيد أن الوسائط المؤدية إليهما لا حصر لها تتعدد بتعدد الذوات والأزمان والفضاءات.
ووفقا لهذا التصور، لا يستطيع التجريبي، مهما بلغت حذاقته ونرجسيته الادعاء أن اجتهاده التجريبي هو السبيل الأقوم والنموذج المثالي المفضيان إلى «الحق» و»الجمال»، لأن معنى التجريب ببساطة هو تقويض للنمذجة وتمرد على الانتماطية. بمعنى آخر، إنه تأكيد على فضيلة البحث عن «الحقيقة» وليس الزعم بتملكها، لأن من يملكها هو الله دون غيره كما يقول  Lessing.من هنا تحديدا، كان ينطلق سؤال البحث عن موقع خصوصي في سلسلة الفن، أي من الشغف بالتمايز ومن النفور من التطابق. سؤال طموح يجعل التجريب تجربة غير قابلة للتكرار، كأنه البصمة الخاصة التي تحيل على هذا المبدع وليس ذاك

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التجربة

 

تعريف التجربة

 

1. التقاء ذات عارفة مع  الواقع الداخلي أو الخارجي وما  يثيره  هدا اللقاء في  العقل الإنساني

 

2.     في نظرية المعرفة . تطلق على المعارف الصحيحة التي يكتسبها العقل بتمرين ملكاته المختلفة لا باعتبار هذه المعارف داخلة في طبيعة العقل، و التجربة بمعنى خاص. هي أن يلاحظ العالم ظواهر الطبيعة في شروط معينة يهيئها بنفسه و يتصرف فيها بإرادته

 

تعريف التجريب

 

1. تجربة مستثارة و ليست تلقائية  وفقا لتساؤلات نظرية، أنها سلسلة من التجارب (معالجة و ملاحظة  موجهة للظواهر )  هدفها فحص صلاحية النظريات أو الفرضيات التفسيرية .

 

2. مجموعة من التجارب منظمة تسمح بملاحظة مجموعة من الظواهر من اجل اختيار فرضيات

 

 أطروحة كلود برنار(1813-1878 ):

 

 يعرض كلود برنار المنهج التجريبي في صورته الكلاسيكية ، و الذي يقوم على أربع لحظات أساسية .

 

1.     الملاحظة: أي معاينة الواقعة

 

2.     الفرضية: أي ميلاد فكرة في الدهن تبعا للمعاينة

 

3.     التجربة: التي يتصورها في دهنه أولا

 

4.     النتائج:  أي أن التجربة تسفر عن ظواهر جديدة عليه ملاحظتها من جديد وهكذا دوليك

 

      يبين كلود برنار الدور المحوري الذي تلعبه الفرضية بالنسبة للتجربة العلمية " الفكرة التي يضعها العقل النظري تقود  التجربة انه مفتاح الذي أمدتنا به  الثورة الكوبيرنيكية  لولوج العلم المعاصر ، العقل كما يقول كانط ينبغي أن يسبق  و يفرض على الطبيعة أن تجيب على أسئلته" .

 

أطروحة الكسندر كويري( 1892 - 1964 ):  

 

يميز هذا الرياضي و الفيلسوف الفرنسي بين التجربة بمعناها الخام والتي لو تلعب أي دور في نشأة العلم الكلاسيكي بل شكلت   عائقا لتطوره في الحقيقة و بين التجريب و الذي يتميز بكونه" مسالة منهجية للطبيعة" تصاغ بلغة رياضية دقيقة.

 

أطروحة رونيه توم( 1923-...) :

 

ينفي  رونيه توم وجود منهج تجريبي بالمعنى الديكارتي  أي" مجموعة ضرورية من الإجراءات المحددة بشكل منظم "لكن في مقابل ذلك يقر بوجود ما اسماه ب" ممارسة تجريبية" تتبع إجراءات محددة  تتمثل فيما يلي :

 

1.     عزل مجال مكاني (المختبر)

 

2.     تحضير عينات للدراسة ( كائنات حية-مواد كيميائية...)

 

3.     تسليط تأثيرات محددة مادية أو طاقية عليها

 

4.     تسجيل استجابة النسق المدروس بواسطة أجهزة

 

في حالة استكمال الدارس هذه الإجراءات الأربع نتتحدث آنئذ عن" تجريب" .

 

خلاصة المحور  : يتضح من خلال الأطروحات السابقة  أولا التمييز بين التجربة التي تتخذ طابعا خاما والتي لوحدها لا تمدنا بالمعرفة ،إنما يتطلب الأمر التوفر على نظرية تفسيرية، فمثلا الفلاح يعرف بالتجربة أنها ستمطر غدا انطلاقا من علامات يعرفها ( سحب مثلا )لكنه لم يدرس علم الأرصاد  لدا فتوقعته تكون معرضة للخطأ  ، وبين التجريب و الذي هو فعل دقيق و محدد  و جزء من منظومة  علمية

 

كما نتبين التطور الذي حصل على مستوى تحديد مفهوم "المنهج التجريبي" و محطاته  فلم يعد الأمر يتعلق بمنهج محدد و ثابت كما تصوره ديكارت و كما تصوره العلم الكلاسيكي بل تطور ليصبح مجرد فعالية و ممارسة قابلة لانفتاح و مباشرة المستجدات في الحقل العلمي خصوصا بعد التطور الذي شهده العلم ،و تغير الظواهر التي ينبغي اكتشافها و مساءلتها و التي انعكست على العقلية العلمية.[1]

 

ولد الشعر  مجربا واستمر كذلك إلى يومنا هذا واستطاع بفضل ذلك أن يحافظ على استمراريته وتواصله رغم منافسة الفنون الكل له التي عرف كيف يغرف منها ويستفيد من وسائلها ويصوغ هذا الكل في وحدة متناغمة تعطي للشعر خصوصيته وتمايزه.

 

إن مصطلح التجريب مصطلح معقد سال حوله حبر كثير ولا زال إلى اليوم مجال بحث ودراسته الدليل على ذلك مهرجان القاهرة حول الشعر  التجريبي الذي نخلص من محاضرات المتدخلين إلى نتيجة واحدة عدم توحيد مفهوم المصطلح في الوطن العربي ومن هنا لابد أن نحدد أولا مفهوم هذا المصطلح في لنستطيع المضي إلى الأمام في البحث عن مظاهر أولا هذا التجريب وتجلياته في الشعر  العراقي.

 

إن الحديث عن التجريب كما يقول باتريس بافيه " هو موقف الفنانين إزاء التقليد وإزاء المؤسسة الشعرية وبالتالي إزاء الاستغلال التجاري" ([2]) ومن هنا يبدو التجريب عملية متواصلة بديهية في الشعر  الذي لا يتغير الجوهر فيه والقول بالتجريب يعني ضمنا الإيمان بوجود شكل فني سابق هو أرضية ننطلق منها لممارسة العملية التجريبية.

 

وإذا كان الشعر العربي قد استطاع أن يغير من شكله وأدواته التعبيرية لاستدراك موجة التطور الذي عرفها العالم مع مطلع الستينيات فان الشعر  وهو فن جديد طارئ على الثقافة العربية يحتاج إلى الاعتماد بشكل كبير على تيارات الشعر  الأجنبي في هذه الفترة لكن دون أن يكون هذا الاعتماد محطة نرسو فيها ونوصد أبواب التجارب والمحاولات، بحثا عن تأصيل هذا الشعر  الذي لا زال حتى في محاولاته التأصيلية يدور في حلقة التجارب الغربية.

 

لقد احتاج جيل الستينيات إلي بحث دقيق لاصطفاء وانتقاء ما يجب أن يؤخذ من تيارات الشعر  الأجنبي المجددة والمتجددة، محاولا إخضاع هذه التيارات إلى طبيعة البيئة العربية ومعطيات هذه البيئة الخاصة والمتميزة بحيث يصبح النتاج الشعر ي تأليفا وإخراجا تمثيلا نابعا من هذه المتغيرات، معبرا عنها وهادفا إلى توعية الجمهور وبحثه على النهوض بحياته.

 

ومن هذا المنطلق يبدو واضحا أن التجريب لا يعني الفن فقط بل يتعدى النص إلى الإخراج والتمثيل ويتجاوز هذا الكل إلى التلقي إلى الجمهور. فعلى سبيل المثال عمل قباني الشاعر السوري على إيجاد شعر تجريبي خاص بهما فلم يكن أي منهما يركض وراء تحديد الوسائل الفنية اندفاعا وراء الابتكار واكتشاف الأشكال الجديدة، بل كانا يقيدان سعيهما وراء الأساليب بهدف التواصل مع المتفرج أي البحث عن أشكال تجد لها صدى وتأثير في المتلقي.

 

التجريب الشعري إذن عملية استكشاف تنطلق " داخل المألوف لتنقله إلى عوالم مجهولة وتقدمه بأشكال وتكوينات ورؤى جمالية وفكرية وروحية فيها من الطرافة والإضافة والتجديد ما يبهر المتفرج" لكن لا يعني هذا أنه مغامرة في المجهول سمتها الاعتباط ومخالفة المألوف، بل هي مغامرة مؤسسة على قواعد عملية تضمن لها قسطا من النجاح. ولا بد من الإشارة في هذا المجال أن الفنان الشعر ي المجرب الذي يصبو إلى تحقيق أهداف معينة لا بد أن يكون متشبعا بقواعد الشعر  الكلاسيكي، واعيا لأهم التجارب التي قدمت في مجاله حتى يتسنى له الانطلاق من الأساس لمخالفته واقتراح البديل ومعرفته للتجارب السابقة تعفيه من التكرار واستنزاف الجهود.[3]

 

 

 

ظل التجريب في الشعر  العربي مرتبطا بهاجس التأصيل، شعر " ينطلق من خصوصيات الثقافة العربية ويتناغم مع هوية العرب فتنفتح لشعريهم فيه أبواب الإبداع الصادق والطريف" [4] ويجنبهم حالة الاستهلاك السلبي لما هو موجود للإسهام بشكل فعال في تطوير الثقافة والحاضرة العربيتين.

 

مظاهر التجريب في الشعر  العراقي:

 

ظهر الشعر  العراقي ونما في ظل جدل كبير بين قيمه الخاصة وتلك القيم التي جاءت إليه عن طريق الشعر  الغربي باتجاهاته المتجددة وأساليبه الكثيرة ولا ندعي مسحا شاملا للممارسة الشعر ية في العراق بحثا عن مظاهر التجريب. لكن سنولي اهتماما لأهم نقاط الارتكاز في هذه الظاهرة خاصة إذا وضعنا في عين الاعتبار أن الشعر  العراقي

 

كما يقول مصطفى كاتب:

 

كان وضعه " مختلفا إذ أن ظهور الشعر  لم يرتبط بالترجمة ولا بنخبة المثقفين" [5]

 

كما كان حال الشعر  في المشرق الذي قام وارتكز في نشأته على الترجمة والتعريب والاقتباس عن الشعر  العالمي.

 

إن هذه الخصوصية في نشأة الشعر  العراقي أعطته ميزة خاصة أنه ظهر من خلال العرض الشعبي وارتبط بذوق الجماهير وارتكز في مادته الخام حين على حكايات شعبية وألف ليلة وليلة، كما كان الغنائية والفكاهة أساسين أو مرتكزين لهذا الشعر  مما ساهم في توصيل الأفكار (التعليمية) وإرضاء ذوق الجماهير (المتعة). ومن هنا نقول أن الشعر  العراقي في بداياته الأولى ارتبط ارتباطا عضويا بالعرض وبقي بعيدا عن رجال الأدب الذين حين جربوا الكتابة الشعرية بقيت نصوصهم مركونة في الكتب والمجلات لأنها لم تكن صالحة.

 

لقد كان التجريب في الشعر  العراقي نقطة انطلاق لم تستغل بعد بطريقة صحيحة بحيث يخطو الشعر  تبعا لذلك خطوات عملاقة تصغر من الهوة الفاصلة بينه وبين الشعر  العربي والعالمي  التمثيل حسبما يلهمه الخصال ويطرق موضوعات مألوفة لدى الجمهور"[6]ومن هنا فقد عمد إلى إرضاء فهم الجمهور المبتذل والمطالب ترويحا عن النفس من أعباء الحياة اليومية ومن وطأة المستعمر.

 

بعد هذه المرحلة، بدأت الترجمة تجد لها طريقا إلى الشعر  العراقي، لكن الترجمة كما هو معروف هي "نقل ما يقال بلغة ما إلى لغة أخرى، مع الميل إلى معادلة معنى هذا القول وذلك " [7] ويقول نفس المعجم أن المعادلة تعني " ماله نفس القيمة أو نفس الوظيفة"[8] ومن هنا يتضح إذا ما قارنا النصوص المترجمة في تلك المرحلة فإنها بعيدة عن هذا المفهوم بل نستطيع أن نقول أنها كانت مجزأرة أي محولة إلى نصوص عراقية.

 

ثم يأتي دور الاقتباس الذي اتخذ أشكالا متعددة حتى أنه في بعض الأحيان لم يبق من النص المقتبس سوى العقدة أو الهيكل العام للشعرية كما كان الحال بالنسبة لشعرية الطعام لكل فم للحكيم التي حملت من القضايا العراقية ومن الاسقاطات السياسية الخاصة بالبيئة العراقيةالشيء الذي باعد بين النص الأصلي للحكيم ونص رواد الشعر  العراقي ولم يبق منه إلا فكرة الجدار الذي يشع بمياه الجيران وأصبحت تظهر لديه صورا لواقع العراق.

 

لكن الكاتب الذي تفنن في الاقتباس وأعطاه ميزة خاصة هو ولد عبد الرحمان كاكي، الكاتب الفذ الذي قطع مشوارا كبيرا في فن الكتابة والإخراج لكن تجاربه لم تجد من يأخذ بيدها ليواصل المشوار فقد كان يأخذ هيكل شعرياته من أعمال غيره لكنه يضمن هذا الهيكل قصة شعبية من الموروث الشعبي، معروفة في البيئة العراقية ليصب فيها أفكاره ورواه وآراءه الخاصة بيئته بمعطياتها الثقافية والسياسية والاجتماعية ومن هنا نقول أن الاقتباس عند ولد عبد الرحمان كاكي لم يستغل ولم يبن عليه بل إن الاقتباس عنده قطع مراحل وأشواط لو عني بهذه التجربة لأدت إلى تأصيل فعلي للشعر العراقي، لكن الإحساس اليوم لا زال في نقطة الانطلاق، لا زلنا نقتبس ونجتر أعمال غيرنا دون هدف مسطر واضح .أن الاقتباس مرحلة انتقالية لا بد أن نتجاوزها أو على الأقل أن نوظف الاقتباس لخدمة الفن الشعر ي في العراق.

 

تجربة التأليف الجماعي:

 

إن اصطدام الشعر  العراقي بأزمة النصوص دفع جهود بعض الشباب إلى الاعتماد على التأليف الجماعي. ويقصد بالتأليف الجماعي اعتماد الروح الجماعية في كل خطوات العمل الفني بدءا من كونه فكرة ومرورا بالتدريبات والتنقيصات والإضافات إلى العرض الشعر ي.

 

وتعد فرقة "شعر البحر" الشابة في فترة السبعينات الفرقة التي أرادت تجريب أساليب جديدة لا اتباعا لموضة العمر، بل لإثراء العمل الفني وإعطائه جرعة تدفعه إلى الأمام لمواصلة درب كاتب ياسين ومن عمل إلى جانبه.

 

ويوضح "قدور النعيمي"

 

أحد أعضاء هذه الفرقة أسس التجريب لدى هذه الفرقة وأهدافه فيما يلي:

 

1- الهدف من تجريب الأسلوب الجماعي إثراء العمل الفني لأنه يعتمد الروح الجماعية والتعاون بين الفنانين.

 

2- الحيلولة دون أن يصبح الممثل ببغاء يردد ما حفظه بل يشترك الممثل في عملية الإبداع الفني وبالتالي يكتسب الوعي الكافي لدفع النشاط إلى الأمام.

 

3- العمل على جعل المتفرج عنصرا في العملية الإبداعية لأن الفرقة تعمد إلى ترك بياض يطلب من الجمهور ملأه.

 

4- الابتعاد عن شكل الخشبة الإيطالية واللجوء إلى شكل الحلقة الدائري الذي يمنح المتفرج زوايا مختلفة للعرض بل وقد يلامس المنعرج الممثل مما يتيح تواصلا بين القطبين

 

5- لا تحتاج إلى ديكور ضخم بل تترك لخيال المتفرج إتمام ما هو ناقص ومن هنا تتحقق الصلة الوثيقة بين الفنان والمتفرج لأن هذا الأخير لديه الإحساس بأنه عنصر فاعل في العملية الشعر ية.

 

بالإضافة إلى هذه الفرقة جربت أيضا فرقة الشعر  الجهوي بوهران تجربة التأليف أو الإبداع الجماعي هذه الطريقة التي أبدت ديمقراطية في العملية الإبداع متماشية مع المرحلة السياسية للبلاد فشعرية المايدة *إبداع جماعي تتيح إمكانية تحرير الإبداع ومشاركة كل العمال (العاملين في الشعر ) في عملية الإنتاج.

 

ويوضح علولة في حوار له أجرته معه روزلين بافيه الطريقتين المعتمدين في التأليف الجماعي فيما يخص تجربة علولة في المايدة " والمنتوج" [9]ومن خلال هذا الحوار يتضح جليا أن هذه التجربة لا تخضع لمقاييس نظرية وقواعد تقنن العملية، بل إنها عملية تخضع للتجربة ذاتها ومن هنا فإذا انعدمت القوانين المحددة للأطر التي تخضع لها التجربة فان ذلك قد يسمح بدخول عناصر دخيلة حينا وإقصاء عناصر ضرورية حينا آخر.

 

التجربة الملحمية نموذجا:

 

إن الحديث عن التجربة الملحمية في الشعر  العراقي تؤدي بنا بالضرورة إلى الحديث عن كاكي وكاتب ياسين وعلولة، لنوضح التمايز بين تجريب الشعر  الملحمي البريشتي عند كل واحد من هؤلاء لخصوصيته هذه التجربة من جهة ولاختلاف وجهة نظر كل كاتب من الشعر  الملحمي وكيفية توظيفه واستغلال تقنياته بشكل أوضح للتعبير عن البيئة العراقية بخصوصياتها.

 

1- كاكي : لم يتمسك ولد عبد الرحمان كاكي في أعماله الشعر ية التي تنتمي الى هذا الاتجاه (كل واحد وحكمه، ابن كلبون، والقراب وأهناكين) بحرفية الاتجاه ولم يصبح بوقا يردد ما توصل إليه بريشت في مخالفته لقواعد أرسطو في فن الشعر، علما أن بريشت انطلق من واقع ألمانيافي ظل النظام النازي وواقع ألمانيا الراضخ رضوخا تاما وكأنه مستلب ومستسلم للفقر والدمار ومن هنا يبدو واضحا أن الشعر  الملحمي ليس شكلا فنيا بل إن التغيير يبدأ من المضمون ليصل إلى الشكل الفني المعبر عن هذا المضمون فهو ليس شكلا صالحا لكل البيئات ومن هنا يتضح أن الاتجاه الملحمي عند البعض:

 

تعددت أشكال الراوي لتعكس رؤية المؤلف ومن خلالها رؤية المجتمع للواقع ووجهة نظرة في القضايا المطروحة والحديث عن الراوي ووظيفته يرتبط ارتباطا وثيقا بتوظيف التراث في الشعر  الملحمي وعندما نتحدث عن التوظيف نواجه بمشاكل كبيرة لأن التوظيف يعني استخدام تقنيات كيفية التزامن والتركيب في هذا التوظيف أما في هذه المرحلة فنستطيع أن نقول أن توظيف التراث نلتمس آثاره بشكل واضح في شعر كاكي وليس في شعر ياسين وقد وظفه بشكل جيد نسبيا في أعماله.

 

تكثر الإشارات الإخراجية في نصوص ياسين بشكل واضح مما ينم عن نضج.

 

أما تجربة الشاعر في إطار الشعر  الملحمي فيبدو واضحا أن الشاعر الكاتب المخرج في نصوصه التي تنتمي إلى هذا الاتجاه بدا متأثرا بشكل واضح بهذا الاتجاه الذي وجد فيه ضالته بعد فترة كان فيها الشاعر يساير النظام السائد وكانت نصوصه نصوص شعارات اشتراكية لا تخدم الشعر  ولا المجتمع ونوجز آثار تجريب الاتجاه الملحمي في شعر الشاعر فيما يلي:

 

2- تشبع بالاتجاه الملحمي نظريا.

 

3- نضج التجربة لدى الشاعر من ناحية الإخراج.

 

4- مزج التعلمية والمتعة لإيصال المضامين السياسية للمتلقي.

 

5- الاعتماد على شكل الحلقة.

 

6- الراوي عند الشاعر مهيمن ومسيطر بشكل واضح وارتباط النصوص مما أدى إلى اندثار الشعر  بذهاب .

 

7- التركيز على عنصر الغناء بشكل مثير لكن الغناء لم يعمل على تكسير الحدث بل كان يسير جنبا إلى جنب معه

 

حوصلة : نوجز نتائج التجريب الملحمي في الشعر  العراقي في النقاط التالية:

 

1- تشبع هؤلاء المجربين بالأسس والقواعد النظرية.

 

2- محاولة استغلال الاتجاه الفني لما فيه من توافق مع البيئة العراقية.

 

3- منح فرصة الارتجال للمثل وإعطائه إمكانية التعبير بشكل حر.

 

4- توظيف التراث ومن خلال عنصر التغريب وفي هذا المجال بدا كاكي متفوقا بشكل واضح في استلهام التراث وتوظيفه برؤى معاصرة.

 

5- حاول علولة تجريب شكل الكوميديا أدي لارتي لكن دون هدف واضح لمثل هذا التجريب.

 

التجربة والتجريب صيغتان مصدريّتان لفعل واحد هو جرَّبَ، كقولك تَكْرِمَة وتكريماً من كرَّمَ وتقْدِمة وتقْديماً من قدّم. بيد أنّهما لئن اشتركا في الأصل اللّغوي فقد باعدت بينهما الدّلالة التي اكتسباها مع الزمن فأضحى مفهوم التجربة غير مفهوم التجريب، دون أن تنقطع صلة كلّ منهما بالآخر ودون أن تنتفي حاجة كلّ منهما إلى الآخر.‏

 

أمّا التجربة فنِتاج المعيش وحاصل الخبرة والاحتكاك، وبالتالي فهي لا تتأتى للشاعر إلاّ متى حقّق كمّاً شعريّاً وأضحى ذا رؤية يُعرف بها وأسلوب يشير إليه، فيما التجريب اختبار، فله دلالة البحث والامتحان الدائبين، ومن ثمة استوى نهجاً فنّياً وأُلّفت في شأنه الكتب ووُضعت البيانات وقامت الحركات الأدبية والفنية منذ ما يزيد على القرن وكانت العلوم الطبيعية مهد استخدام المصطلح ومنها امتدّ إلى بعض الحقول الأدبية والفكرية فوجدنا الروائي الفرنسي إيميل زولا يضع نصّاً نظريّاً بعنوان "الرواية التجريبية" (Le roman experimental) يعكس ولعه بعلوم عصره ومنهجها التجريبي في أعماله الروائية. ووجدنا المنهج التجريبي على الصعيد الفلسفي موضوع أخذ وردّ بين المثاليين والماديين.‏

 

وإذا كان الحديث عن تجربة شعرية لا يستوي إلاَّ متى تحقّق للشاعر كمّ وكيف هما حصيلة تراكم إبداعي وتجويد فنّي وتمدّد في الزمان والمكان فهل يجوز الحديث عن شعراء تجارب في الشعر التونسي الحديث؟‏

 

وإذا كان التجريب قد شكّل بالفعل محرّك حركة أدبية عندنا وصانع مناخ فنّي عند موفّى العقد السادس من القرن الماضي وبداية عقده السابع، وبات مصطلحاً رائجاً وعياراً لفرز الأدب من "اليدب" والكتابة من "الخربشة" كما يقول بعض دعاته ([10]) فهل معنى ذلك أن التجريب لم يوجد خارج وقبل وُجُوده الواعي والمنظّر؟‏ [11]الشعر التونسي الحديث أنجب قصائد ولم ينجب تجارب! مرّ أمام الناس هذا الرأي ذات مرّة (2) دون أن يثير اهتماماً ودون أن يفجّر النقاش الذي كان به جديراً، ربّما لأنّ السياق الذي جاء فيه لم يكن سياق تحليل وتدليل، وتنسيب وتعديل، وربما لكون التلقّي لم يستوعب هذه الفكرة، ولم يقف على أبعادها. وهي فكرة تقييمية وجيهة إجمالاً، إذْ لا يكاد يوجد شاعر تونسي يمكن الحديث عنه باعتباره شاعر تجربة، إذا ما اعتبرنا الفترة الممتدة إلى حدود نهاية العقد السادس من القرن الماضي، ولا أريد التورّط في إطلاق الأحكام على الفترة اللاحقة التي ما يزال مشوارها جارياً.‏

 

إن الكمّ الذي يتأتّى لصاحبه بالمُراكمة التي تتحقق بالمداومة وطول النَّفَس ووفرة العطاء وبما يُتاح من فُرص النشر والتوزيع والتسويق والترويج لا يكاد يتوفّر لأحد. ومتى شارف على التوفّر فإنّه غالباً ما افتقر إلى الكيف وثراء الرؤية الناجم عن ارتباط الشخصية بحراك المجتمع وأشواقه الكبرى. وتبقى الآفة الحائلة دون اكتمال بعض التجارب هي الموت المبكّر أو الانقطاع والتقطّع المفضي إلى ضمور المردود وتدنّي الحصيلة. وقد يفسّر ذلك بطبيعة مجتمعية لا تحتضن الأدب الكبير ولا ترعى المبدع.‏

 

لنقف الآن على شاعر معدود من أصحاب التجارب الشعرية ولننظر في الحظوظ التي اجتمعت كي يكون كذلك. لم تزد علاقة الشابي بتعاطي الشعر على عشر سنوات  (بين 1924 تاريخ أول قصيدة و1934 تاريخ آخر قصيدة) وحال موته المبكّر دون إسعافه بإصدار أكثر من عنوان (أغاني الحياة) لكن الذي أسعفه في ما نعتقد هو أنّ سنوات الكتابة كانت وافرة العطاء نسبيَّاً بما جعل معدّل النصوص الشعرية سنويّاً يساوي زهاء العشرة، دون احتساب النصّ الآخر، الدائر على النص الشعري، وعلى شخصية صاحبه في أبعادها المختلفة (المسامرات واليوميات والمذكرات والمقالات).‏

 

ولو نظرنا بمنظار الأحجام المتداولة اليوم في المجموعات الشعرية لوجدنا ديوان الشابي يعادل عشراً منها.‏

 

لكن الذي نراه كان حاسماً في تحقيق التجربة عنده ليس الكمّ بقدر ما هو الكيف ودور الشاعر في إثراء الجمالية الرومنسية بخصائص التربة العربية والنكهة التونسية، وفي إعادة تعريف الشعر، داخل النص وخارجه.‏

 

فهل يجوز، عدا ما جاز للشابي، الحديث عن تجربة شعرية لكل من خزندار وخريّف (مصطفى) وصمادح واللغماني وماجد وصمّود والميداني وخريّف (محيي الدين) إذا ما اقتصرنا على أمثلة العقود الستة الأولى من القرن الماضي؟ ماذا يَزِنُ كلّ واحد؟ وما الذي يرشّحه كي يكون صاحب تجربة شعرية يُعْرَف بها وتُعَرِّف به، وهل غير القصيدة الواحدة، أو القصائد المعدودات، أو الأبيات اليتيمات، يُذكَر بها؟ أسئلة هائلة محتاجة إلى أجوبة هادئة.‏ ([12])‏

 

التجريب نسغ التجارب المتميزة والأدب الفذّ، فإنّ التجارب الشعرية، الجديرة بهذا الاسم، احتاجت دائماً إلى نفّس تجريبي كي تكون، فالتجريب قرين الإبداع، والمسكون به لا يسكن ولا يهدأ له بال بحثاً عن الأفضل والأكمل، ونزوعاً إلى المطلق. ولعل أبا الطيب كان يعبّر عن شيء من ذلك بالقول:‏

 

إذا غامرتَ في شرفٍ مَرُومِ * * * فلا تقْنَعْ بما دون النّجومِ‏

 

وهو الذي كان يجرُؤ في حياته وفي شعره على المجتمع وزائف قيمه ورجاله جرأتَهُ على بالي الكَلِم، ومن أجل منشود القول والقوم، ومَثَلٍ أعلى في الكلام والأنام، ظل "أبداً يَقْطع البلاد..." ويَتْعبُ بالإناخة والمقام" وعلى قَلَقٍ" أو "على قَلِقِ" وكأنّ الشابي كان يفسّر هذه الحال بمثل قوله "إذا طمحتْ للحياة النفوس..." "ومن لم يعانقه شوق الحياة..." ومن لا يحبّ صعود الجبال..." وعليه نزعم أنّ فنّ الفنّان ـ إذا أردنا التعميم ـ في حاجة إلى نفحة صعلكة، بما تحويه الصعلكة من معاني الخروج والتمرّد والتفرّد، وهي من صميم التجريب، وليست مقصورة على نمط الوجود بل تشمل نمط القصيد. ولذا حافظ كبار شعراء العربية على بذور الصعلكة في أدبهم، وفي حياتهم، وسكنهم هاجس رفض الموجود وطلب المفقود. وذا ما يؤكّد أنّ التجريب هاجس اختباري ورؤية تجاوزيّة سابقان لوجوده المعاصر الواعي والمنظّر. فقد تمّ عفويّاً وضمنيّاً أو تحت عناوين أخرى.‏

 

ولم يشهد الشعر العربي عموماً، والتونسي منه خصوصاً، قيام حركة تجريبية واعية ومنظّرة إلاّ خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ويهمّنا أن نتوقّف عند الجناح الشعري لهذه الحركة ـ المعروفة عندنا بحركة الطليعة ـ ونقف على علاقته بالتجريب.‏

 

فقد أعلن التجريب عن نفسه في موفّى ستّينات القرن الماضي بلغة صريحة، وشهد ظهورَه مصطلحاً على واجهة القصّة، فكانت "الإنسان الصفر" لعز الدين المدني ضربة البداية ([13]) ومنها انتقل إلى حقل اللغة الواصفة أو "البيان" فأصدر المدني بيان الأدب التجريبي على حلقات ضمّها كتاب فيما بعد (4) وأصدر الطاهر الهمامي "كلمات بيانية في غير العمودي والحر" على حلقات أيضاً ضمّها كتاب فيما بعد أيضاً([14]) كما انتقل التجريب إلى المقال النقدي، ونصّ التنظير وعموم النص المرافق، كذاك الذي شفع به محمد مصمولي قصائده "المضادة" التي كان ينشرها قبل أن يجمعها في كتاب ([15]).‏

 

وسواء أتمّ التصريح بالتشيّع للتجريب أم لم يتمّ فإنّ طقس السنوات الواقعة بين أواخر الستينات وأوائل السبعينات كان طقس الفورة التجريبية التي استهوت أصواتاً شابّة عديدة كان جلّها يتردّد على الجامعة ويتفاعل مع الأحداث الجارية في العالم، أحداث الثورة والثورة المضادّة، ويقرأ ما يقع بين يديه ويتهافت على مصادر الفكر الرائج وقتها، ومنه المتعلق بالطليعة والتجريب ([16]) وامتدّ تأثير الموجة إلى خارج التيّار فشمل حتّى الحاملين عليها فحملت نُصوصهم من وشمها ([17]) قليلاً أو كثيراً.‏

 

وكان مغزى تلك الفورة في مناخ تلك السنوات هو انهيار عديد الثوابت غداة النكستين اللتين آل إليهما الخطاب "الاشتراكي الدستوري" على الصعيد القطري (أزمة 1969) [18]والخطاب القومي على الصعيد القومي (هزيمة 1967) وإذا كانت القصة قد تزيّت بشعار التجريب وحملته لافتة فإنّ الشعر رفع لافتات أخرى كانت تصبّ جزئياً أو كلياً في مصبّ التجريب مثل "غير العمود والحر" (9) و"القصيدة المضادة" (10) و"شعر لا يعتمد التفعيلة" (11) و"شعر عملي"[19]و"كتابة مضادّة" [20] وهي شعارات اجتمعت على النقض والمغايرة والخروج.‏

 

بيد أنّه، لئن أعلنت "القصيدة المضادة" انتماءها إلى الأدب التجريبي [21]دون احتشام فإنّ "غير العمودي والحرّ" لم نعثر لشعرائه إلاَّ على تصريح ينفي فيه صاحبه علاقة شعره وشعر رفاقه بـ "الأدب التجريبي"[22]مبرّراً ذلك بكون "غير العمودي والحرّ" أوسع مجالاً وأبعد مدى وأكثر توفيراً لديمقراطية الخلق والإسهام، يضيق بالتّمدرس ويرفض المدارس ليجاوزها" ([23])‏

 

لكن هذا النفي قد يُردّ إلى الرّد على مغالاة بعض التجريبيين والمنظور المختلف الذي ينظر منه التجريبيون، وإلى التنافس على زعامة الحركة، لا إلى مناهضة التجريب في حدّ ذاته باعتباره كان سمة الكتابة "الطليعية"، رغم تفاوت حظوظها منه بين كاتب وآخر، سواء داخل الجنس الكتابي الواحد، أو من جنس إلى آخر وبالتالي قد يُرَدّ ذلك إلى القَلَقِ الذي كان يساور بعض شعراء التجريب، وخاصّة صاحبّي "المجزوم بلم" والحصار" ([24]) من ضغط الغلوّ في هذا الاتجاه بما يؤدّي إلى إرباك التلقّي وتعطيله وإلى قطع التيّار الواصل بينهم وبين الجمهور العائد إلى الشعر، فهاجس العدول اقترن عندهم بهاجس الاعتدال، والتجريب ظلّ وسيلة لا غاية، بل بدا لنا مع الزمن، أنّ التجريب الذي تعاطوه لم يكن أكثر من بحث عن الشكل الأشكل بزمانهم ومكانهم، ومن طلب للغة الشعرية الجديدة التي استعار لها أحدهم صورة "اللحمة الحية"  [25]أمَّا المنظور فقد كان واقعيَّاً، وكما سبق للواقعية (في أعتى فتراتها المتجسّدة بالواقعية الاشتراكية) أن استرفدت الحلم الرومنسي فهي تتكّئ على التجريب عساه ينشّطها ويمنحها طاقة إضافية في مواجهة تحدّي العصرانية [26]ويحول دون تكلّسها.‏

 

لقد تقاطعت الرؤى والمشارب، للحظة تاريخية، تحت سقف "الطليعة" و"التجريب" ثم سرعان ما تفرّقت وتباعدت، وتناءت ومضى كل إلى وجهته ولم تصمد الثورة "الشكلية" أمام هزّات السبعينات، والاستقطاب الاجتماعي الذي غلب على الاستقطاب الفنّي وأعاد خلط الأوراق وتوزيع الأدوار، وبانتقال مركز ثقل الحرّية من حضرة الفنّ إلى حظيرة المجتمع تبدلت أشياء كثيرة.‏

 

لكن الرّماد الفنّي الذي خلّفته الفورة التجريبية لم يخْلُ من بٌقع ضوء، كانت وليدة ذلك النسغ التجريبي الذي هو نسغ كل تجربة حق، تُطلَب فَتُدْرَك حيناً ولا تدرك أحياناً. فلقد بات التجريب نهجاً متّبعاً، وإن غلبت عليه مع الوقت تجريبية ضريرة عزّزتها الثقافة الاستهلاكية العولمية وأسهمت في تعميق أزمة التلقي، وجعلت التجريب مرادفاً للسهولة والكسل وفقر الدم الإبداعي، بل لم يبق منه عموماً سوى الاسم، وحتى الاسم فقد غاب وصارت الكتابة تجريبية دون تجريب، وضاع المعنى كالإبرة في كومة القش، والمعنيون فرحون مسرورون بضياعه. وما ذلك إلا من فعل الحفرة التاريخية الراهنة، ومن حالة الجزر ومن غياب هؤلاء عن معمعان التحولات وانفصال تجاربهم الصغيرة عن التجارب الكبيرة، تجارب المجتمعات.‏

 

ترك روّاد الفورة التجريبية قصيدة معدولاً بها عن المألوف المعروف في المستويات التالية، رغم وجوه القصور والتقصير التي شابت سعيهم:‏

 

ـ مستوى بصرية القصيدة حيث تم استرفاد العلامة غير اللغوية في إسناد العبارة الشعرية وتجاوز ضيقها.‏

 

ـ مستوى لغوية القصيدة بفتحها على مختلف سجلات الخطاب اليومي وتوسيع دائرة التناص كي يشمل الأدب الشعبي (الأزجال والأمثال وسائر المأثور والمتداول)‏

 

ـ مستوى وزنية القصيدة بالتخلي عن النظام العروضي القديم الذي شكل قاعدة الشعر العمودي والحر على السواء وإعادة تشكيل موسيقى الشعر من مصادر صوتية وإيقاعية أخرى موجودة داخل النص وخارجه.‏

 

ـ مستوى بلاغة القصيدة باللعب على الظاهر والباطن، الجد والهزل (تعاطي التقليد الساخر) والاحتفاء بشعرية التقرير.‏

 

ـ مستوى موضوع القصيدة بالإقبال على الهامشي والمنسي والمتروك، وبناء شعرية التفاصيل والأشياء الصغيرة أو المستصغرة.‏

 

ويضلّ التجريب عن سبيل الإبداع كي يؤول إلى تصحّر متى جاوز الجدّ وانقلب إلى الضدّ ومتى لم يتكئ على تجربة غنية ومقدرة فنية فاستحال غطاء وغطى عجزاً وقصوراً وذكَّر بعصور الانحطاط.‏

 

والتجريب ليس مدرسة كالكلاسيكية والرومنسية والواقعية بل منهج فني يحتاج إليه إبداع المدارس كلّها سواء الحديث الذي وعاه أو القديم الذي لم يصطلح عليه. ويظلّ التجريب في جوهره وفلسفته بحثاً واختباراً وطلباً للأكمل والأجمل انطلاقاً من إقراره بالنقص وقوله بالنسبي واحتفائه بالسؤال. ولا عجب في أن ترى صاحب التجربة ينتقل بين عمودي وحر وغير عمودي وحر وبين فصيح وعامي وبين بياض وسواد وبين طليعة وواقعية وغيرهما وبين تناصّ مع النص الحداثي ومع النص التراثي ومع المأثور الشعبي... فذلك هو منطق التجريب/ البحث والاختبار، وعدم الاستقرار.‏ [27]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

التجريب في قصائد سعدي يوسف الظواهر الفنية في شعر سعدي يوسف

 

«إذا كانت أهمية التجربة الحديثة للشعر العربي نابعة من قدرتها على الكشف عن واقع الشاعر النفسي والاجتماعي والحضاري، وكان في ذلك ما يشي بالقيمة الفكرية والشعورية العظيمة لهذه التجربة، فإن توكيد هذه الحقيقة لا يتم إلا بمعرفة الوسائل الفنية التي ترفد تلك القيمة الفكرية بقيم أخرى جمالية لا مناص من توفرها لكل تيار شعري ثوري، يريد أن يظهر على التيارات المعاصرة له والمتقدمة عليه، وأن ينفرد دونها بالتعبير عن حركة التاريخ التي يصنعها الثوريون في كل زمان ومكان[28]. معنى ذلك أن جدة المضمون وقيمته الثورية تتوقف على جدية وسائل التعبير وثوريتها وعلى ما تزخر به تلك الوسائل من دلالة فنية، مصدرها التوافق بين المضمون الثوري نفسه وبين وسائل التعبير، ومعنى ذلك في آخر الأمر، أن المضمون الثوري لا يملك أن يعتمد في التعبير عن نفسه على جماليات القصيدة العربية القديمة لأن التجربة هنا تجربة توحد بين الذاتي والموضوعي» .[29]
هذا المدخل يجد صداه في الرأي الذي قال به سعدي يوسف، والذي سبقت الإشارة إليه، ومؤداه أن طليعية الموضوعات في الفن، يجب أن ترتبط بطليعية الأشكال، أي بما يمنح تلك الموضوعات قيمتها الفنية وأبعادها الجمالية. لقد لمسنا في أماكن متفرقة بعض الملامح الجمالية التي تقوم عليها تجربة سعدي الشعرية، ونود بالمناسبة أن نفصل القول في هذه القيم تفصيلا حتى نضع اليد على فرادة شاعرنا وهو يهندس نصوصه الشعرية ويجرب فيها وعليها.. هذا التجريب الذي تأتى له بعد سيطرة تكاد تكون مطلقة على اللغة بما هي واسطة تواصل وكيان، وبناء يتأسس على قدر كبير من الدربة والتجربة والاختمار. وقبل أن نفض مغاليق عوالم سعدي الشعرية، ونبرز تلك المكونات والعناصر التي تجعل من تجربته الشعرية، وخصوصا في القصائد السبعينية، ذات توجه تجريبي يلامس أطراف الجمال والفن، نريد أن نقرر بداية أننا أمام تجربة فنية قد استقرت ملامحها الجمالية استقرارا يدعو إلى الاطمئنان والإعجاب، ذلك أنه في الوقت الذي دخل فيه شعراء آخرون مغامرة التجريب فراحوا يؤثثون قصائدهم بكل غريب ومبهم من حيث شبكة العلاقات اللغوية داخل القصيدة، فإن سعدي وقد تهيأت له العدة، واكتملت لديه شرائط اللعبة الشعرية، لم يكن متسرعا ولا عجولا، بل ترك تجربته تختمر وتصفو حتى استوت قصائد أفادت من قراءات الشاعر للتراث الشعري العالمي بما استقطبته من تجريبية وتقنية من داخل ذلك التراث. هذه ملاحظات أولية، توخيت من إثارتها، التنصيص على أن اللعبة الشعرية لدى سعدي يوسف ليست مجانية، بل هي لعبة ناضجة ماكرة إذا جاز التعبير، عليها من غبار الإرهاق والجهد المبذول ما لا يمكن لذي بصر أن يخطئه.. هذه اللعبة تقودنا إلى القول بأنها صنعة متقنة الحواشي والمطارف، متحكم فيها. لندع سعدي يشرح لنا سر صرامة تعامله مع تجاربه الكتابية: «..أنا اهتم بالصنعة، إن هندسة القصيدة العربية القديمة تبهرني بشكل عجيب. أنا أخذت من القصيدة التراثية مفهوم النظام في العمل الفني، وأنا لم اكتشف القوانين، وربما لن اكتشفها، لكنني أحاول أن أطبق نوعا من المسؤولية العالية إزاء عناصر الشعر الأولى التي قد تتصل بالبدائي. مثلا أنا أعطي الحواس حقها، وأعطي الإدراك الناتج عن الحواس حقه أيضا، وبتعبير آخر، لست ضد العلم في القصيدة» .[30]
هذا الكلام يقوم دليلا على ما تم التنصيص عليه آنفا، وهو يعبر فيما يعبر، عن فهم ووعي كاملين بشرائط العمل الفني ومكوناته. لقد قاد البحث عن أفق جديد للكتابة، إلى افتراع البنية اللغوية، إلى اكتسابها أمداء غريبة وأبعادا مشعة جديدة تتخطى المألوف والمكرر والمستهلك، فيما هي تتأسس عليه، تحرقها الرغبة الأكيدة في المفارقة، وهذا واحد مما تتغناه الحركة الشعرية الحديثة، وبالنتيجة أفسح هذا التطور والوعي المجال لكلام كثير دار حول الإبهام والاستغلاق والتعالم.. والقائمة تطول، إننا لا ننكر مصداقية هذا الكلام على بعض من التجارب الشعرية التي زج بها أصحابها في متاهات، ومهامه لا تمت بأدنى سبب إلى العملية الإبداعية، إلا أننا في نفس الوقت، نبرئ شعراء أفذاذا وحقيقيين من هذه التهمة، ومن بينهم شاعرنا سعدي.
عن المتتبع والملاحق للشعر الحديث لا يمكنه إلا الإقرار بأن التجربة الإبداعية منذ الخمسينات، رست حدود التجاوز والتفلت من القوالب الجاهزة التي مضغت حتى القين بدءا من السياب العظيم وسعدي يوسف وبلند الحيدري وسامي مهدي وأمل دنقل .. وأدونيس.. إلى كوكبة من الشعراء الشباب تحث الخطى جاهدة لتأسيس نصوص شعرية تقوم على التجريب في اللغة، وتوظيف الأشكال المستحدثة المستجلبة من الحقول الفنية الأخرى، ومنخرطة بالنتيجة في راهنية اللحظة التاريخية الملتهبة في الوطن العربي.. محمود درويش نموذجا[31].
إن فردانية الشاعر الحديث لا تعني بحال رهبانيته، بل تعني في أبسط مفاهيمها، البحث عن طريقة وأسلوب متميزين، دون الانسلاخ عن جلد الواقع المعيش، أي عن شروطه المادية/الاجتماعية التي حددت انتماءه، ومن ثم، صدور موقفه ورؤياه. إن الفردانية التي نتحدث عنها، تعني من جهة أخرى ما قاله دستوفسكي، إن الشاعر يخلق حياته الخاصة، حياة لم تكن موجودة قبله). ونحن نعلم أن سعدي لم يقفز في الهواء كالبهلوان ليحط على حبال التجريب من كتابة قصائد ذات أصوات متعددة، أو تكريس موضوعات قصصية، أو مسرحية تبعا لآخر التقليعات، بل جاء كل ذلك من صميم المعانات والمكابدة، والممارسة الهادئة المتقصية.. فهي بهذا المعنى، ثمرة مباركة من شجرة وارفة الظلال.. انغرست في تربة التقليد والتصقت بالقالب الكلاسيكي – منذ )القرصان) و(أغنيات ليست للآخرين)، وامتدت تبدل أوراقها وتغير نسغها متمرحلة عبر أهم المفاصل الزمنية: (بعيدا عن السماء الأولى)، (نهايات الشمال الإفريقي)… وصولا إلى أقاصي الحداثة من (كيف كتب الأخضر بن يوسف قصيدته)، حتى آخر قصيدة بمجلة الحرية. ولعل في هذا الرأي ما يسمح لنا بالقول بأن الناقد روزنتال كان محقا حين كتب: «فليس غريبا أن نجد أن أكثر الشعراء نشاطا في مجال التجريب وحرية الإبداع هم كذلك أكثرهم تأثرا بصوت الماضي، فالتجربة الحقة بنت المعرفة والأصالة» . «ولقد برهنت الدراسات الشكلانية أن هذا التواقت بين الإبقاء على التقليد والانقطاع عنه هو ما يشكل جوهر كل عمل فني» .
إن فكرة ياكوبسون تجد تطبيقها في نصوص سعدي الشعرية، والمراد أن تمرس شاعرنا ببناء قصائده التقليدية وما يستدعي ذلك من لغة مصقولة جزلة الألفاظ، فخمة العبارة، أي بكلمة واحدة، لغة تراثية، اكسبه (معجما لغويا) يرشح بالفرادة والخصوصية. هذه الإشارة المقتضبة إلى لغة الشاعر المهذبة، تقودنا بالحتم إلى الوقوف عندها كأول محطة من ضمن المحطات الأخرى التي تتكالف فيما بينها لتشكل ما أطلقنا عليه بالقيم الجمالية في تجربته الشعرية.
أ ـ لغة سعدي يوسف:
يقول أدونيس:«ينبغي على القارئ/ الناقد، أن يواجه في تقييم شاعر ما ثلاثة مستويات: مستوى النظرة أو الرؤيا، مستوى بنية التغني، مستوى اللغة الشعرية…ويتصل المستوى الثالث بما لديه من طاقة خاصة مميزة في أن يؤسس باللغة العامة التي هي ملك الجميع كلاما خاصا متميزاً» .[32]
ونحن نوثر أن نجعل من المستوى الثالث، مستوى أولا بالنظر لكون اللغة هي كيان شامل تجري فيه ومن خلاله عمليات التفكير والحلم ومن ثم، التعبير عن موقف ورؤيا. وقبل أن نخوض في الحديث عن لغة الشاعر من خلال بعض نصوصه، ونبرز مكامن الروعة والإشراق فيها، نبغي أن نبين رأي يوسف الخال حين اعتبر أن من أهم إنجازات الشاعر الحديث، مقاربته القصيدة أو لغتها على الأصح من لغة الحديث اليومي توخيا لجعلها اكثر جماهيرية وشعبية، وهو ما لم يتم للغة التقليدية المقعرة. ورأي الخال ينبع من كونه جارى آراء شعراء غربيين وفي مقدمتهم اليوت وازراباوند وغيرهما. وقصائد سعدي وغيره من الشعراء المحدثين ويوسف الخال واحد منهم، تقوم شاهدا على عكس ما ذهب إليه الخال؛ ولعل الشاعر أحمد المجاطي لم يجانب الصواب حين راح يستقصي قوة وفخامة لغة الشعر الحديث خلال مجموعة من القصائد. وتأكد لديه بالاستقراء أن النفس التقليدي ما زال ساري المفعول في لغة الشعر الحديث، وقد ساق في هذا الإطار نظرات صائبة كانت كافية لاقناعنا. يقول المجاطي: «عندما نتأمل لغة الحديث اليومية نجد أن أهم صفة تميزها هي أنها لغة نفعية لأن هدفها هو التواصل، ولأنها مرتبطة بحاجتنا اليومية الملحة، ولا ريب في أن هذا الارتباط قد جعل لغة الحديث تميل إلى الوضوح، وتنزع مترعا منطقيا يضمن تحقق تلك الحاجات على أحسن وجه. فلغة الشعر لغة مثالية حتى لدى أكثر الشعراء ارتباطا بالواقع…ثم إنها لغة تستأنس بقدر من الغموض، وهي بعد ذلك لغة تتأبى على المنطق، وتنفر من تقسيماته وتحدياته» .
إن هذا القول مع أقوال أخرى، لا يعني بأي وجه أن لغة الشعر الحديث ومن ضمنها لغة شاعرنا، سديم من الألغاز المحيرة، لا يستطيع فكها إلا الشاعر نفسه، أو أن الشعراء المحدثين يتحدثون باللغة وعبرها عن مشكلات لم يعانوها، كمشكلة اللاتواصل الإنساني كما عند بيكيت أو يونيسكو أو كافكا .، بل تعني أن الشاعر يروم تحقيق قدر ضئيل أو كثير من الفنية والجمال لموضوعاته حتى يسمو باللغة الشعرية إلى ذرى من الرونق والصفاء فيما هو يعالج قضايا ذات تمارس ساخن مع الواقع الذي ينطلق منه.. وإلا كان من الأولى أن ينثر أفكاره ويعرض ما يؤرقه من مشاكل بما يكفي من التبسيط والضحالة. ويمكن في هذا الصدد أدراج قول مارتن هيدجر وهو يتكلم عن علاقته باللغة أو عن اللغة وعلاقتها بالشعر: «إن الشعر لا يتلقى اللغة فقط مادة يتصرف فيها وكأنها معطاة له من قبل، بل الشعر هو الذي يبدأ بجعل اللغة ممكنة. الشعر هو اللغة البدائية للشعوب والأقوام، وبهذا الاعتبار ينبغي أن نفهم ماهية اللغة من خلال ماهية الشعر» .[33]
«فالشعر ـكما يقول هيدجرـ تأسيس بالكلام وفي الكلام، وهو اللغة العليا عند ملارميه، وسيد الكلام عند ياكبسون..» . هذه الآراء على تنوعها تصب في اتجاه واحد، وهو التأكيد على أن اللغة الشعرية تبتعد أيما ابتعاد عن لغة الحديث اليومي بما هي اغتصاب للعالم، واختزال لتفاصيله وتراكماته، واستشراف للآتي المشع بألف أمل. لذلك، فأول ما يوقف قارئ شعر سعدي كما أسلفنا، هو اللغة المبسطة/العميقة في آن، والتي تقوم في بعض النصوص الشعرية على انزياح دلالي يستند إلى التنافر والتقابل، لتفتح المجال على إمكانات بآلاف الأجنحة، واحتمالات شتى تنم عن قدرة سعدي على الكتابة ذات الأفق المفتوح على القراءات المتعددة. وحتى وهو يلامس حافة الدراما ويدفع بلغته إلى ذروة التوتر، يظل مخلصا، ولعل ذلك من رواسب تجربته الأولى، إلى غنائية عذبة رائقة.
لغة سعدي إذن، تقوم في حدها على خطين يتوازنان ويتقاطعان: غنائي رومانسي عذب يذكرنا بتجارب السياب الرائعة (وبالمناسبة، فالشاعر سعدي لم يفلت من تأثيره في مراحله الأولى كما يعترف بنفسه )، وخط متوتر مشحون بتنامي في جسد نصوصه الشعرية المتأخرة، دون أن يعني ذلك الفصل القاطع بين الخطين.. لغة غنائية رقراقة، تجدها في بدايات تجربته وفي أواسطها.. وفي ما ينجزه الآن:
«
أكلما لون هذا المطر القرميد بالماء
أكلما أبصرت عصفورا على حائط
أكلما أرعدت الأدواء أعضائي
واجهني النخل
نحيلا، غامضا، مستوحدا، نائي
قامات تمنحني لحظة إيماء
وسعفه يهمس في العتمة أسمائي» .
أو:
«
سماء بالعباس لا تنحني فيها ولا تمطر منها النجوم
سماء بالعباس مبنية
قرميدة حمراء فوق الكروم
سماء بلعباس صخرية» .
«
رأيت يديك تمتد أن لي في المغرب الأوسط
مغضنتين، حانيتين،
مسديتا خيوط الشيب واختفتا
وأمــــس
تزورني شفتاك هامستين: أنت فتى» .
وتجد نفس اللغة في مجموعة من قصائده الأخرى.. في (الأخضر بن يوسف ومشاغله) وفي (تحت جدارية فائق حسن) و(الليالي كلها) و(الساعة الأخيرة). [34]ولأن المقام لا يسمح بالتعرض لكل هذه القصائد أو حتى لمقاطع منها، فينبغي أن نتلمس سر جمالية هذه اللغة ولو باختصار شديد. السر، في زعمنا، يأتي من كون سعدي يصمم لقصائده ويخطط لها بإتقان، ويبتر الزوائد منها والطفيليات كما صرح هو نفسه لـبيان الصفدي في الحوار المنشور بمجلة الآداب، فضلا عن أن الشاعر يختار وينتقي مفرداته ويضمها ضمن سياق يكسبها رقة وشاعرية (لا نود هنا أن نثير مسألة القافية وهل هي مسؤولة عن إمداد ذلك السياق بالرقة والعذوبة اللغوية المموسقة)، وامتياحه من التراث اللغوي العربي أغنى لغته وصفاها: «علاقتي بالتراث هي علاقة تعلم دائمة وبخاصة في قضية الإحساس بالكلمة ودقتها.. بالنسبة إلى الحروف ومعانيها واستخداماتها ليصدران في هذه المسألة: القرآن والجاحظ.. بعدها تعلمت من النثر العربي كيف تعاد المفردة إلى صفائها الأول..»[35] .
ينضاف إلى تأثره بالقرآن والنثر العربي في أبهى رموزه، تأثره بالشعر الجاهلي والشعر الأموي كما يصرح في نفس المقابلة. أسوق هذه الشواهد للتدليل على أن القراءة المتمكنة الواعية للتراث العربي تجد ثمارها متبلورة في تجربته الشعرية دون أن نسقط من حسابنا شخصية الشاعر وتميزه بلغة جد خصوصية حازها بالجهد والمراس والممارسة. فماذا يميز هذه اللغة حتى تشم منها رائحة سعدي كما عبر أحمد عبد المعطي حجازي؟. الجواب عن هذا السؤال يقود بالضرورة إلى الكلام عن الصورة الشعرية التي تعتبر إحدى الإنجازات الهامة التي حققها النص الشعري الحديث، وما يندغم في إطارها من التلاوين الإيقاعية والموسيقية، والدلالات البعيدة المتأتية من انزياح الكلمات عن وضعها المعجمي الإبستيمولوجي. «لأنه في خضم تكون النص الشعري، تفقد الكلمة ـاللفظـ قيمتها، وتندرج ضمن نظام للدلالة تمتد إلى القصيدة ككل، بحيث تشكل من الكلمات لغة هي نظام الرؤيا» .
وهذا يعني في آخر المطاف ما اصطلح عليه بتفجير اللغة، أو تحطيم البنية الدلالية، وهو يعني أيضا (تفريغ الكلمات من محتواها القاموسي) على حد تعبير أدونيس. ونحن نفهم من تغيير العلاقات الدلالية ما كان قائما على وحدة الصورة والمجاز. «فمهمة الكلمة الشعرية ليست محاكاة الأشياء والتشكيل طبقا لها،بل مهمتها، على العكس من ذلك، هي تفجير تعريفاتها وحدودها النفعية ومعانيها التقليدية الشائعة الاستعمال، لنستخلص منها إمكانيات غير متوقعة، وآمالا ومعاني كامنة مدهشة تحملها في طياتها، تحول الوقائع المعروفة بابتذالها الشديد إلى مادة تخلق الأساطير» .
ما نود الوصول إليه هو الصورة الشعرية، وهي أهم مفارقة كرسها الشعر الحديث، كما قلنا في مدخل هذا البحث، ليست هي جماع التشبيهات والاستعارات وعناصر البديع كما هو الشأن في القصيدة التقليدية، بل هي، فضلا عن تصيد تلك المحسنات والعناصر الجمالية، تؤسس انزياحات دلالية من خلال شبكة من العلاقات اللغوية التي تفضي إلى بناها الثابتة، ثم إلى عدد من الاحتمالات لا تنتهي.
ب-المكونات والعناصر الجمالية في شعر سعدي:
يقول الشاعر:
«
تساءلت حين دخلت المدينة عن خان أيوب،
ما دلني ببعضي،ونمت:
لقد كان وجه المدينة أزرق
أشجارها تستطيل وتكبو،ولكنها تستطيل لتكبو
وثالثة تستطيل» .[36]
في هذا المقطع، تأخذ الصورة الشعرية أبعادا حين تنفتح على قراءة متعددة، ويلعب الفعل الماضي فيها دور الحاكي المقرر بإنهاء جمل خبرية تبدو ساكنة، ولكنها سرعان ما تنبض بالحركة والحياة عندما يتوالى الفعل المضارع ثلاث مرات (تستطيل) أية أشجار يعني الشاعر؟ ولماذا تكبو هذه الأشجار حين تستطيل؟ هل هي صورة مادية غير متحركة، لا تفارق اللغة فيها جذرها الوضعي الأول؟قد يكون! ولكننا نغامر فنقول: إن الأشجار التي تكبو مرتين لتستطيل في الأخير ما هي إلا الجذور الثورية، أي الزعماء التقدميون الذين أخفقوا في إرساء نظام شعبي قوامه العدل والحرية والديموقراطية. ما يدفعنا إلى هذا التأويل وما يسوغه في عرفنا، هذان السطران الشعريان من نفس القصيدة:
(
لماذا يراني جنود الخليفة شخصا غريبا؟
لأني تحدثت في السوق عما وراء النهر؟)
بين الإنشاء والخبر، يفصح الشاعر عن بحثه هذا بخان أيوب، وحديثه في السوق عما وراء النهر ليس هو في المحصلة الأخيرة إلا فضح الزيف وتعرية الأقنعة:
يقول لي السوق شيئا، يقول لي الشوق شيئا
فاقسم بين اثنتين القميص الذي ورث الفتن الداخلية
والكتب المستباحة. (في البحث عن خان أيوب)
هذه اللغة الشعرية تتأبى على القولبة المنطقية.. تترقرق أمام العين صافية عذبة:
يقول لي السوق/يقول لي الشوق.. أهي استفادة من تقارب الحروف والجناس؟ نعم ولكن الأهم، أن القصيدة تؤسس إيقاعها الخاص دون أن تتوسل إليه بالعروض والقافية الخارجية الزاعقة. وهذه اللغة أيضا تنْزاح عن ماء لوفيتها: (فأقسم بين اثنتين القميص الذي ورث الفتن الداخلية// والكتب المستباحة). وانزياحها عن مألوفيتها يقود بالطبع إلى البحث عما يشير إليه الشاعر. ولعله يقصد الشقاق الأيديولوجي البعثي بين سوريا والعراق. لا نريد أن نشرح القصيدة، ونسقط عليها تأويلاتنا، ولكننا نكتفي ببعض الإشارات الدالة من حين لآخر، لنبرز كم هو صعب ومضن بناء نص لغوي شعري.
في خان أيوب أيضا، تصادفنا المقاطع/الأخبار، عبر تكرارية تهجن القصيدة بأبعاد جمالية:
«
مضى زمن كانت الأرض فيه تدور على نفسها،
وأتى زمن العاشقين الذين إذا دارت الأرض ماتوا،
أو اجترحوا الرفض كي يوقفوها
مضى زمن كانت البندقية فيه التفرد والحل
إنا على رقعة لا تهاجر فيها الخيول
مضى زمن كانت المدن العربية فيه ثغورا
لقد جاءنا زمن المدن المصرفية.[37].» .
إذن، من خلال إدانة الشرط التاريخي العربي راهنا، يتوالى الفعل الماضي (مضى) مع فاعله (زمن) هذا التوالي/التكرار يكسب القصيدة ويشيع فيها جوا من البكاء المشوب بسخرية لاذعة لا يخطئها الفهم ولا الفراسة.إن التكرار في القصيدة السعدية لا يأتي عبثا، إنه يشكل ثوابت إيقاعية تشد مفاصل القصيدة وتهيكل أطرافها:
مضى زمن كانت//هذه المتوالية الثلاثية تستعيد الماضي فيما الشاعر يرثيه، وهي الجواب
مضى زمن كانت// الإيقاعي المضمر على مجد تليد فيما تأتي الأسطر الشعرية الأخرى
مضى زمن كانت// لترسم خطا تقابليا-ضديا بين ماض مضى وحاضر منهار:
أ- وأتى زمن العاشقين الذين إذا دارت الأرض ماتوا
ب - إنا على رقعة لا تهاجر فيها الخيول
ج- لقد جاءنا زمن المدن المصرفية.
هذا التكرار وهو أحد المكونات الجمالية في شعر سعدي لا نعدمه في نصوص شعرية أخرى.. إنه يخدم الرؤيا الأشمل في القصيدة. لنقرأ هذه المقاطع من قصيدة إلى وائل زعيتر:
«
مرت العجلات بطلاء على الرمل
مرت يداك على الرمل
مرت يداي على الرمل
ها نحن نسأل أشجارنا
أنت تسأل زيتونة
وأنا…نخلة..
هل تركنا على الرمل غصنا؟
…………………
مرت العجلات بطلاء على الرمل
هل مرت العجلات بطلاء علينا؟» .
نلاحظ في هذه المقاطع فعل (مرت) يتكرر خمس مرات، فيشكل إحدى الثوابت الإيقاعية في هذا النص. في السطر الشعري الأول، نرى الفاعلية لصيقة بالعجلات، ثم تتغير الفاعلية إلى يده.. فإلى يد الشاعر لتعود الفاعلية الأولى إلى حقيقتها. السطر الأول الشعري تقريري إخباري لا دلالة بعيدة له.. لكنه سيكتسب تلك الدلالة، ويشكل لغة ثانية، لغة أخرى في آخر المقطع (هل مرت العجلات بطلاء علينا؟)[38] وفوق ذلك، فالنص يختزن قدرة لغوية أخرى لا يفصح عنها الشاعر إلا بقدر ما يفصل بين المقاطع الأولى والمقطعين الأخيرين بفراغ أبيض). فهذا الفراغ الذي يفتح بوابة القصيدة على عدد لا ينتهي من الاحتمالات، يدعك الشاعر تتمها وتؤثثها بنفسك. أما أدوات الاستفهام، فإنها تضفي على المقاطع ذات الصبغة التقريرية، شاعرية وجمالية من حيث أنها تطوي كل جواب محتمل.. وكما ألمحت سابقا فإن لغة سعدي، وهي تنحت لنفسها عالما متفردا، لا تتخلى عن طراوتها وغنائيتها لنتأمل:
آويتني
وترفقت بي
وانتظرت وصولي إلى القدس في راحتيك. قصيدة (إلى وائل الزعتر)ص:86.
وفي جسد القصيدة نفسه، يترك الشاعر فراغات غنية تملأ الجسد الشعري ثراء ورواء. ثم يعود إلى الإيقاع التكراري، ولكن هذه المرة بصيغة المضارعة ليترك الانطباع باستمرار حضور وائل زعيتر رغم موته البيولوجي:
لماذا تراقبني؟
منذ عشرين عاما تراقبني
نحن كنا صغيرين: نقرأ أشياءنا،
نتهجى، فنعرف أسماءنا..
منذ عشرين عاما تراقبني.
وفي القصيدة التي اختارتها يمني العيد (تحت جدارية فائق حسن) موضوعا لدراستها التقطت بعين الناقدة المتمرسة، هذا التكرار فاعتبرته المسؤول الأول والأخير عن نمو القصيدة وتوترها وزخمها:
تطير الحمامات في ساحة الطيران، البنادق تتبعها
وتطير الحمامات تسقط دافئة فوق أذرع من جلسوا
في الرصيف يبيعون أذرعهم
تطير الحمامات في ساحة الطيران،وعينا المقاول
تتجهان إلى الأذرع المستفزة.يدخل شخصان..الخ
*صورة ـ تطير الحمامات في ساحة الطيران
وصورة ـ البنادق تتبعها
«تبرز الصورتان في تشكيل مونتاجي. الصورة الأولى مقطوعة من عالم، والصورة الثانية مقطوعة من عالم آخر. الصورتان تلتقيان، في هذا التشكيل للبيت الشعري الأول من القصيدة، على حافتي هوة، تلتقيان معا في بيت واحد، وتبقى الهوة بينهما، تبقى في علاقة التناقض التناحري فيما بينهما. هذا الالتقاء ليس بدون منطق ينتج آليته المعينة التي هي تطور يتوسل لغة تولده، يتوسل لغة تمارس منطقها في شكل تحقق هذه الآلية. هكذا تنهض القصيدة متماسكة متناسقة في بنيتها، على تعدد عناصر هذه البنية وتناقض العلاقة بين الحركات فيها»[39] .
هذه الخاصية في شعر سعدي، خاصية التكرار، لا تأتي دلالة العجز على استنفاذ حيل أسلوبية أخرى لديه، إنه يستخدمه كقيمة جمالية يدرك أنها تحقق لقصائده فرادتها وتحقق لها بالتالي، قدرا من المرونة والتكثيف ليثبت إحساسا معينا ولو زمنا في نفس القارئ. يقول الشاعر في ذلك: «أنا أستخدم التكرار لأغراض، أحيانا أستخدم تكرارا ناقصا أشبه بالجناس الناقص، وأحيانا أستخدم التكرار دلالة جغرافية، أحيانا أجد التعبير عن حالة معينة.. فيقوم التكرار بدور فيها. أحيانا أستعمله لتثبيت إحساس معين فترة من الزمن، ثم مباشرة بعد التكرار انتقل بالقارئ إلى إحساس آخر أشبه بعملية خاطفة»... .
إذن هذا المكون الجمالي يعطي لحيز القصيدة المكاني ألوانا متعددة من جهة، كما يملأ معمار قصائده بإيقاع عذب انسيابي ينبجس من خلال الانتماءات المسيجة للنص الشعري. إن الإيقاع الداخلي في قصائد سعدي ينتصب حارا ومنسجما مع الإيقاع الخارجي الذي توفره القافية أحيانا والعروض الموسيقي الشعري.. تلك القافية المشبعة بغنائية وموسيقى غير محددة بنهايات العمود الشعري، بل مشبعة بالتناغم الحديث، أي أن سعدي يهتم بنهايات الأشطر وتشابهها، وتناغم موسيقاها، كما يقول محمد الجزائري:
«
جزيرة الصقر!
أرى أكواخك الشهباء في المنفى
منخورة الأعواد، يلهو فوقهن الريح والماء
والشمس ـكالتنورـ حمراء
تستقطر الأعشاب، والبردى، والسعفا
حتى إذا ما اصفر أو جفا
غابت، وأبقت بعدها للناس ما شاءوا:
الخبز والعتمة والداء» .[40]
وفي طوقنا أن نأتي بنماذج عدة من جميع دواوينه تقوم دليلا على اهتمام سعدي بمعمار قصائده بغية التوفير لها تناغما داخليا، يتفجر من تضام المفردات الشعرية في سياقها المتكامل، مع باقي المفاصل التصويرية الأخرى التي تسمح بها القافية والتفعيلة المختارة:
«
وجهها كان بين الرخام الصناعي والآس، بين يدي والسفر
في السماء الذي يتعب
في السماء الذي يلعب
في السماء الذي كان نصفين: بين أعالي الشجر
وظلام الحديقة» .
وكذا في هذه المقاطع:
«
يقبل بين الشجر والشوك الذي يخضر
الغيــــم
يهبط مبتلا، وفي هدأته يظمأ الصخر
الغيــــم
يسقط مرآة نسينا وجهها المغبر
الغيــــم
يلقي بنا فجأة في القفر» .
إن الجماليات المكونة لنصوص سعدي الشعرية، أصبحت هما يؤرقه، ومن ثم هذا الإصرار الموجع على رفد القصيدة بكل ما يتيح لها أن تنخرط كلية في ما يجعل من الشعر شعرا:
قميصها يهمس لي، صمت السهر
يفرش صمت الليل… صمت السهر
كان المطر الخافت بعد المطر
كان العشب بعد المطر
كان الدفء بعد المطر…[41]
هذا التركيز، وهذه الكثافة، وهذا الاختزال اللغوي، عناصر تشتبك فيما بينها مستندة إلى صورة شعرية تتمطى في مفاصل الأسطر عبر التكرار لتشيع إيقاعا خافتا ومناسبا. «إن الإيقاع، ليس في الغالب، سوى (نسق مهيمن) يتعارض مع النظم النثري» .
«
والخصائص الموضوعية الإيقاع الشعري هي حسب (تينيانوف) الوحدة، وتتابع المتوالية الإيقاعية مرتبطتين فيما بينهما ارتباطا مباشرا» .
..
هذه المتوالية الإيقاعية المرتبطة بالوحدة العضوية للقصيدة لا نعدمها في كثير من نصوص سعدي، مثلا:
«..
وينهل الشتاء
مطرا فوق الشجر
مطرا فوق الحجر
مطرا فوق المطر»
فهذه الإشارات الشعرية الدالة اللماحة هي نتيجة هندسة تتشكل عبر تصميم ووعي بشرائط اللعبة الإبداعية:
«
دقت الساعة الدقة العاشرة
دقت الساعة العاشرة
دقت العاشـرة» .
«
فاكتشاف إمكانية كتابة الشعر على أساس من وحدة التفعيلة، بدلا من وحدة البيت، سمح للقصيدة العربية الحديثة بأن تبدأ مغامرتها مع نفسها، مغامرة استنطاق اللغة أشكالا إيقاعية جديدة، لم تألفها منذ زمان طويل، بعد أن سيطر الخواء على القصيدة نتيجة سيطرة فكر الانبعاث» .
إن الأساسي في نصوص سعدي، ليس الإنشاءات اللغوية التي تتلبس إهاب الشعرية، بل الجدل الداخلي، الحركة.. التموج الذي يعطي من خلال التلاحق الصوري (الصور الشعرية) والذي يفجر إيقاعات متتابعة فيهبها في الأخير، معناها الاحتمالي بوصفها (أي النصوص) أشكالا تتحول وهي تتلولب حينا، وتتدرج حول الفكرة/ الصورة: المحور. فالإيقاع المشكل من تضام العلاقات اللغوية وتشابكها، يتبع مبدئيا حركة القصيدة، تناميها ليوصلها إلى الذروة التي تبقى أبدا منفتحة على إضافات لاحقة ينجزها الشاعر عبر مسار كتاباته الشعرية، أو ينجزها القارئ بما هو طرف فاعل في العملية الإبداعية وليس بما هو منفعل بها. إن البحث عن لغة جديدة، قاد الشاعر إلى الابتعاد، أولا، عن لغة الرومانسيين الرخوة وقاده، ثانيا، إلى شحن الكلمات بطاقة جديدة تتخطى الجاهز والمعلب، وهو ما أوصله إلى تأسيس موسيقى داخلية للشعر حيث أصبح الإيقاع الخارجي من وزن وقافية، جزءا عضويا ولكنه مكمل للعلاقة الداخلية: شبكة المداليل التي تتألف داخل المبنى الشعري. فهل يمكن القول عن نداء الناقدة خالدة سعيد وجد لنفسه مكانا في نفوس الشعراء، ومن ضمنهم سعدي، فتعاملوا مع القصيدة تعاملا نقلها «من عهد عروض الشعر إلى عهد عروض القصيدة» . قد يكون، بيد أننا نجد فضلا عن ذلك، أن سعدي مثلا، أفاد من بحور الشعر الخليلية وتفعيلاته، فاتخذ منها مفاتيح صوتية ركب منها معادلات موسيقية تشي بالقدرة على عجن الإنجازات القديمة عجنا مقتدرا، في مستوياتها اللغوية والصوتية والموسيقية. من ذلك مثلا، مسألة النظام الذي يعد أهم خصائص موسيقى الشعر التقليدي الجمالية والذي استفاد منه سعدي كبناء صارم تتأسس عليه غالبية نصوصه الشعرية. وليس معنى ذلك الإبقاء على نظام الشطرين بل استغلاله استغلالا لبتر الزوائد التي لا تخدم جوهر القصيدة العام ونسقها المهيمن:
«
حجــر
للنبِي الذي كان يلعب
أو للصبي الذي كان يتعب
للنجم غذ ينطفي
حجــر
والمطارد إذ يختفي
حجــر
للبلاد التي كرهتني.. حجــر» .
ثـــم:
«
حيث لا يخفق العلم الأمريكي، تجلس
حيث الجذور المعراة، تجلس
حيث الحدائق ليلية، والحماقات يومية، تجلس
حيث لا تشتري
حيث لا تشتري غير خبزكن
أنت إذن ، تجلس
حسنـــا:
ما الذي خلفته المطارات من وجهك اليوم ؟
قل ما الذي جئت تحمل من كل أرصفة العالم الماء:
هل جئت تحمل لي زهـــرة ؟[42]…» .
هذا النظام البديع يصادفنا في عدة نماذج شعرية، لا يسمح المجال باستعراضها كلها، ونستطيع أن نشير إليها بعناوينها : الجسور الثلاثة ـ غرناطة ـ الغصن والراية ـ العمل اليومي ـ الأخضر بن يوسف ـ تسجيل ـ شط العرب ـ تقسيم على العود المنفرد ـ التسلل..الخ. إن الأنساق الإيقاعية المتولدة من هذا النظام الصارم، والتحكم في خيوط العملية الإبداعية «تساهم بدرجات مختلفة في خلق الانطباع الجمالي» .
ويقول أحمد المجاطي: «…وفيما يتعلق بالإيقاع والوزن، لاحظت أن أهم شيء يميز علاقة الشاعر به هو ما تتيحه هذه العلاقة من حرية في التعامل مع القوانين العروضية لاقامة وحدة موسيقية جديدة يتعلق طولها أو قصرها بالنسق الشعوري والفكري، ومعنى هذا أن حركة الشاعر هي المتحكمة في شكل القصيدة» .
فموسيقى القصيدة السعدية، تنحو إلى لون من الإيقاع الداخلي التركيبي الذي يتوافق مع إيقاع التجربة الإنسانية المعاصرة، هذه التجربة التي تزداد كثافة وقتامة، كما تزداد اقترابا من يومها المشرق على حد تعبير طراد الكبيسي.
«
يقطع أعشاب حديقته
يوما في الشهر:
أينتظر العشب يتابع دورته
يكبر أو يزهر
أم يقطعه حين تكون الأعناق مواتية ؟
………………………
يوما في الشهر سيحمل آلته
ويدحرجها عبر ممرات الدار
محتميا بالفجر عن الناس وأطفال الجار
وسيقطع أعشاب حديقته
ويعود إلى شاي النعناع ومائدة الإفطار» .
ومن الإنجازات الخلاقة التي تحققت للقصيدة الحديثة، وتخلقت في رحمها عبر سلسلة من الجهود الحثيثة، فأعطى لها أولبيتها التي تدور على جمرات الحرقة والقلق، وبالتالي منح إيقاعها وموسيقاها زخما ضافيا، ما اصطلح على تسميته بالتدوير.. وهو نسق شعوري وفكري دافق يتخطى حدود الشطر الشعري أو البيت الشعري بمفهومهما التقليدي.. وهو غير التدوير القديم المعروف: «إن مفهوم التدوير الحديث وأسسه لهما علاقة بفكرة الزمن والديمومة ومنهج التداعي ومفهوم العضوية كما يقول الشاعر محمد عفيفي مطر» . «والتدوير في القصيدة محاولة استيتيقية اقتضتها تجربة ذات طبيعة درامية» . ورغم أن القصيدة المدورة، كبناء.. كمونتاج ليست ابتكار سعدي، إلا أنه استخدمها بإتقان واقتدار. فقد ولج هذا الباب وبرع فيه بدر شاكر السياب، وطوره حسب الشيخ جعفر. وفي مجموعته (الأخضر بن يوسف) نتقرى هذا الإنجاز الفني البارع الذي استطاع سعدي أن يخوضه دون ادعاء أو تعالم:
«
نبي يقاسمني شقتي
يسكن الغرفة المستطيلة
وكل صباح يشاركني قهوتي والحليب، وسر الليالي الطويلة
وحين يجالسني، وهو يبحث عن موضع الكوب في المائدة
ـوكانت فرنسية من زجاج ومعدنـ
أرى حول عينيه دائرتين من الزرقة الخامدة..»
ولا نعدم أن نجد هذا الإنجاز الجمالي في نصوص شعرية أخرى غير نص الأخضر بن يوسف ومشاغله، مثلا في قصيدته الرائعة (المضيق) :
«
لم تجلس الأم الصغيرة تحت تاج من غصون الياسمين، وقد ولدت مهيأ ركن السقيفة لي بلاد من نخيل أبي الخصيب، وحفنة من تمرها بيدي. كوخ السعف قصري حين يأتي في الشتاء الرطب ماء الله، غصن التوت قصري في الظهيرة. ألبستني الأم في استعجالها قدمين حافيتين. جك – جك – جك.. أخوض في المياه وفي سماءالخبز – لا – يأتي – كما – لا –يهبط – العصفور- في كف –الصبي» .
هذه القصائد التي تتخذ لها التدوير أساسا موسيقيا يفرغ فيه الشعور والصور عبر تتابع وتلاحق دائرتين، تصلح بنايات فنية تسكنها القصة. لذلك، ففي أكثر هذا النوع، ستتكرس موضوعات القصة بمفهومها الحديث، أي بالمفهوم الذي يخلخل أركان القصة التقليدية كما عالجها سعدي في بدايات تجربته الشعرية منذ (القرصان) و(51 قصيدة) ثم (النجم والرماد). وسنعود إلى هذا المكون الجمالي في جسد قصائد الشاعر بعد قليل.
وفي إطار قصائده المدورة هذه، يدخل سعدي تجربة أقل فيها ألا وهي التضمين وحشو معمار القصيدة بقصاصات تاريخية تضيء أقاصيها، كما يضمن نصا شعريا كاملا لدنيس بووتس الشاعر الأفريقي الجنوبي، لأثراء أبعاد قصيدته. ونقصد قصيدته/الدوامة التي أشرنا إليها سابقا إعلان سياحي عن حاج عمران:
«
ماذا تبقى ؟
ربما في حاج عمران سألنا بعضنا عن كأسنا، هذه التي نحن انتقيناها
وهيأنا موائدها الصبيغة بالدم الوطني. كم كان اليساريون مبتدئين!
كم كان المغني خافتا! يتطاول البردي والرشاش منكفئ، وتلمز الصخور ولا بنادق نحن
سلمنا لحانا (مجد أشور) إلى من ليس يعرف كيف ينتفها، وعلمناه.. علمناه كيف يكون
سيافا وقلنا للصديق الكذبة السوداء. نحن الآن ننتظر انتهاء حماقة الكأس العجيبة» .
فإلى جانب دائرية القصيدة، يضيف سعدي مكونا جماليا آخر، يتجلى في دمج مقطع شعري كامل لـدنيس بروتس لإشاعة نوع من الاكتناز والامتلاء لفكرة القصيدة السياسية، ولمنحها أيضا بعدا جماليا ينضاف كعنصر تأثيثي فيها:
«
لا أبطال لنا ولا حروب/لنا فقط ضحايا حالة مقرفة/ يموتون بالقرح/ التي تتفتح تحت أمطار الحقد القاسية/ لا معارك لنا ولا أيام/ كي يسجلها التاريخ في ملحوظة بائخة/ لنا فقط أسرى يقتلون في ليال عمياء / وحوادث موت في الظلام/ ولكن حين تقترب الساعة/ وننادي أولئك الذين ماتوا في سبيل أرضنا/ فإن هؤلاء الذين هم بلا أسماء/ ولا أسلحة/ سيقفون مع المقاتلين الذين يحققون الظفر الأخير» .
ومن القيم الجمالية في قصائد سعدي: التنقيط والفراغات، أو ترك الفجوات بين المقاطع، ولقد أشرنا إلى ذلك آنفا، إنما نحب الآن، أن نؤكد أن التنقيط والفراغات كعناصر جمالية لا يتوسلها شاعرنا لأنه عاجز عن تأثيث النص بالألفاظ والمفردات المناسبة، بل لأن وجودها يعطي الانطباع بالدلالات الزمنية وموحياتها النفسية والفنية والسياسية، كما يقول محمد الجزائري. ونضيف أكثر من ذلك فنقول، بل سعدي على دراية بالتأليف الموسيقي بالمعنى الحصري للكلمة، ذلك أن استطالة الأشطر وتقلصها إلى درجة الاختزال والتكثيف، وما يباعد بينها من فجوات وتنقيط، يتم تبعا لطبيعة اللحن الموسيقي الذي يقوم على الترجيع والتقطيع، ومد المقامات الصوتية إلى مداها القصي أو تقليصها.. فتعويضها بالفراغات وفق أسس ومعايير فنية.
فالبياض بين الأشطر والمقاطع لا يدعك تقفز عليه لتتواصل، عبر القراءة، مع جو القصيدة العام. إنه يوقفك ويسألك ويحيرك فيما هو يعطي للقصيدة برمتها شحنة دلالية مضمرة نستطيع تسميتها: لغة ما ورائية، تتأسس على سرب من القراءات الإضافية لتعمير النص كما نزعم. يخلص بنا هذا النظر إلى القول بأن سعدي شاعر حقيقي، يصدر في كتاباته الشعرية عن ثقافة متنوعة لا تكتفي بالتراث العربي – الإسلامي في وجهه اللغوي، على الأقل، بل تلتقط أروع ما حققه الإنسان من إنجازات فنية في مختلف الحقول، بدءا من الشعر العالمي عبر رموزه العظيمة التي تأثر بها شاعرنا: لوركا/ ناظم حكمت/ نيرودا/ مايكوفسكي/ بلوك..الخ، ومرورا بالفن التشكيلي الذي أمده بقدرة عجيبة على تلوين قصائده وتشكيلها داخل نظام (لوحاتي) بالسمفونيات التي تختزل عمق فنية الإنسان، مرتبطة بالنظام الموسيقي العروضي، دون أن تغفل إفادته من المسرح والقصة في أنضج تجلياتها وتحققها على يد كبار المبدعين، علاوة على (استعمال الأرقام والمفردات الأجنبية، وشكلها لإشباع جو القصيدة بواقعها التاريخي) كما يرى محمد الجزائري.
فلنتقرب ببعض هذه الأشياء/القيم الجمالية مطبقة في قصائد سعدي:
أ – لتحاشي السقوط في الرتابة، والإفلات، قدر الإمكان، من أسرار الغنائية، اعتمد سعدي في بعض قصائده على العنصر الدرامي، والتوكؤ على أكثر من صوت داخل القصيدة الواحدة إنه يمسرح نصوصه الشعرية بمعنى ما، لينضجها دراميا وليعطيها زخما توتريا يدفع بها إلى الحركة والتنامي، ليتمكن من رسم موقف ذي نفس وبعد صراعيين. يتضح ذلك من خلال تجربته في ديوانه (نهايات الشمال الإفريقي) في مسرحياته الأربع. «وتجدر الإشارة أن العنصر الدرامي في القصيدة لدى سعدي، بدا قبل هذه، أي قبل مسرحة القصيدة في محاولة جنود ذلك أن قصائد مثل: حادثة في الدواسر واغتيال محمد بن الحسين، تحتوي بذاتها على عنصر الدراما» .
وفي غير هاتين القصيدتين، نعثر على توسيع حدود القصيدة حين يتجه بها الشاعر نحو الأصوات المتعددة والمتداخلة، ذلك أن تعدد الأصوات في القصيدة، يشكل بحد ذاته موقفا دراميا. وتأسيسا على هذا، فإننا واجدون حزمة من أشعاره تحقق هذه القيمة الجمالية (الشخص الثاني – حانة على البحر المتوسط – عن المسألة كلها – عبور الوادي الكبير، وغيرها).
ب – وكما اهتم سعدي بمسرحة قصائده ومحاولة إنضاجها دراميا –هذا الطموح الذي لم يكتمل عبر مشروع متواصل– اهتم أيضا بالطقس القصصي في شعره، يظهر ذلك منذ ديوانه (51 قصيدة) الذي اعتمد على أسلوب الحكاية، وفي بعض قصائده من ديوان (النجم والرماد).
وليس غريبا عن سعدي، التجريب في القصة، ومحورة القصيدة على بنائها وأنساقها الأسلوبية، ذلك لأنه جرب كتابة القصة كفن له مواصفاته في مجموعته الجميلة (نافذة على المنْزل المغربي).
فهذا النمط الكتابي الذي مارسه سعدي، إبداعا، لم يأت كعمل فني زائد دعا إليه وقت الفراغ لتزجيته، أو هو عمل تمت كتابته في غيبة ربة الشعر ريثما تعود. إن تكريس الموضوعات القصصية وبنائها في القصيدة لديه، عمل لازم مسيرة سعدي الشعرية لأنه كان مهيئا له،كما قلنا، منذ (51 قصيدة) بل ومنذ (القرصان). ولكنه ترسخ واستقر ناضجا معافى، وصار نسيج شعره كله في المرحلة المتأخرة أي منذ السبعينات: إعلان سياحي نموذجا – الأخضر بن يوسف كذلك، وفي بعض قصائد (الليالي كلها) و(تحت جدارية فائق حسن)، و(كيف كتب الأخضر بن يوسف قصيدته) و(الأعداء) الخ. لنتأمل هذا الأداء القصصي الذي يرفد شعره بقيم جمالية من حيث أنه يمدها بالرحابة والاتساع، ويمنحها القدرة على تطعيم القصيدة بركام من التفاصيل يتم من خلالها تطعيم الواقع واغناؤه بنبرة من الحلم لا تخفى علينا:
«
نبي يقاسمني شقتي
يسكن الغرفة المستطيلة
وكل صباح يشاركني قهوتي والحليب وسر الليالي الطويلة
وحين يجالسني
وهو يبحث عن موضع الكوب في المائدة
ـوكانت فرنسية من زجاج ومعدنـ
أرى حول عينيه دائرتين من الزرقة الكامدة
وكانت ملابسنا في الخزانة واحدة:
كان يلبس يوما قميصي
والبس يوما قميصه
ولكنه حين يحتد
يرفض أن يرتدي غير برنسه الصوفي
يرفض دفعة واحدة
ويدخل كل المزارع:
يحــــــرث
أو يشتري سكـــرا..» .
ولولا خوفنا من أن تستغرق النصوص الشعرية ذات النفس القصصي، الحيز الورقي، لأتينا على بعضها توكيدا لشغف سعدي بهذا النمط من الكتابة الشعرية، ولكن حسبنا التنصيص على أهمية هذا العنصر الذي يشكل مع العناصر الأخرى في تشابكها أبعادا جمالية في قصائد الشاعر.

ج – الاستفادة من الفن التشكيلي:
إن سعدي مغرم بالألوان والظلال، وبالطبيعة وأشيائها الأليفة… لذا فهو يكسب قصائده مكونات حسية للتقليص من تجريدتها وهلاميتها، وإحكام القبضة على فضائها حتى يتزين بالأبعاد المكانية ليشد الشبكة البصرية للقارئ بها. يقول سعدي بخصوص حضور الطبيعة في شعره: «…في مرحلة متأخرة صارت الطبيعة أكثر من مسألة التجاء، في مراحل أولى كنت التجئ إلى الطبيعة، ولكن كانت أشبه بالمنظر أو المشهد، لكن فيما بعد أخذت أستخدم الطبيعة استخداما عضويا في القصيدة كعنصر فعال في تطورها، وحتى في جلاء الموقف الإنساني من خلال الطبيعة نفسها… قد تكون ثمة قضايا أكثر تعقيدا من هذا الشرح البارد لعلاقة الشعر بالطبيعة، ومع هذا فأنا أحرص على إبراز الإنساني في معالجتي للطبيعة حتى ولو اتخذت هذه المعالجة شكل مشهد صاف» .
فمسألة (إبراز الإنساني في معالجتي للطبيعة) هي ما لمس محمد الجزائري حين قال: (جزيرة الصقر) القصيدة التصويرية ـقصيدة اللوحة ذات الألوان والأبعاد والخطوط التي اعتمدتها الصور الحسية، لكننا نرى القيم الفكرية مضاءة من خلال الصور:
«
يحجبها سقف من النخل فلا نعرف ما فيها
ويأكل النورس والبط الشريدان أغانيها
وحينما يزهر عند الساحل النور
تظل في الظلمة، في ظلمتها الخضراء مهجورة
كأنها قصر وراء النهر مسحور
أو مركب غاص إلى القاع وابقى راية سوداء مقرورة
إلى أن يقول:
وأنت في الماء تنامين، وكالماء الذي يرجف
ترجف أضلاعك
تدعــوني
أن أمنح الدفء لأطفالك، والبرد لإحداقك
والورد والأثمار واللون لأوراقك» .
وتتبدى هذه الاستفادة أيضا في هذا المقطع الشعري: وهي في نفس الآن استفادة من التشكيل في الصورة الشعرية:
«
تدور شقائق النعمان فيها والمدى السرمد
رأيتك زهرة حمراء
أو صفراء
أو بيضاء تعلن عالمي الثاني» .
كما تتبدى أشياء الطبيعة الأليفة في قصائد أخرى، تحيلنا أو يحيلنا الشاعر من خلالها، إلى طفولته وعالمها السحري البهيج… دون أن تقطع الخيط بالرؤيا السياسية:
«
في ورد الهيل، وفي البردي، وفي التمر المتساقط، نمضي
يا قطرات بين الجبهة والفم.. رائحة يسكنها الخنزير الوحشي
ستعلق بالأثواب، بنادق أهلينا يدويات الصنع، بأيدينا سعف
والخنزير الوحشي يعوم على غيم أخضر، خبز الصبح تعلق بالأظفار
يتمانا تبحث في ورد الهيل وفي البردي وفي البلهارزيا عن
أخشاب تلقيها سفن عابرة تبحث في سفن عابرة عن معنى البحر» .[43]
فهذه الحميمية في التعامل فنيا مع الطبيعة وأشياءها، المستلهمة، أساسا من الرقعة الجغرافية التي عاش فيها سعدي (أبو الخصيب- شط العرب) والتي طورها الشاعر بهذه الطريقة التشكيلية، مسؤولة إلى مدى بعيد، عن توشيح لغته بعذوبة وتلاوين بهية. ولا تقتصر تلك الاستفادة وتنحصر في تلوين الصور الشعرية وتشكيلها وتحديد أبعادها اللونية، بل تتخطى ذلك إلى استخدام (الملصق) الذي يتخذ عند الشاعر، شكل الكلمات أولا، والحوار تارة، وشكل الصورة تارة أخرى، كيف؟ (وذلك عن طريق دمج قصيدتين متكاملتين وبوزنين مختلفين (الرجز والكامل) في قصيدة واحدة، كما في قصيدة غرناطة، كما يقول طراد الكبيسي. هذا التشكيل الفريد يتأبى على الفهم المتسرع، أو القراءة الواحدة العجلى. فالشاعر في هذه القصيدة كتب قصيدته الأولى ثم عاد فكتب الثانية، وعاد ثالثة ليقوم بعملية (كولاج بالكلمات) و(مونتاج بالأشطر)[44]: هكذا تمت كتابة القصيدة الأولى قبل أن تتداخل مع الثانية:
«
في ـالبائسينـ أراك تبحث في الظهيرة
وراء بهرجة المدينة، والمخازن، عن حكاياك الصغيرة
عن منشد أعمى، وزاوية تدور بها القصائد
سرية، عن ذلك السفح الذي قتلوا به لوركا، وعن بقايا قصائد
أما تزل مطوية الأهداب ترقد بانتظارك
طوفت حتى في الأزقة حيث تتبعك الكلاب
متسائلا عن شاعر قتلوه، وانفجر جواب
عد، فالفتاة الآن في المقهى وقد يأتي سواك
كي يطلب الثقاب منها
تلك أغنية اليتامى
تمت…ومنشدها تململ…ثم قاما» .
فهذه قصيدة متماسكة لا خلخلة فيها ولا اضطراب. وهي أشطر شعرية كاملة تغترف من الكامل والرجز، في حين أن القصيدة الثانية تتأسس على بنى تركيبية تتراوح ما بين الكلمات/النتف والجمل الشعرية المستوفية لدلالاتها:
منتصف الليل
لقد انطفأت الحمراء
في الساحة
عيناه في الساحة
خطوته في آخر الساحة
قميصها يستر بالزرقة مصباحه
منتصف الليل، كخصر امرأة يطوى
وفي الشارع قيثارة…الخ[45]
ما تحمله غرناطة، من دم وشهادة (لوركا واغتياله والحرب الأهلية الإسبانية..) وما يتناظر مع هذه الشهادة من أحداث عربية. هذه اللغة ذات التشكيل الخاص تشي باستفادة الشاعر من السينما واستخدام السيناريو في كتاباته الشعرية. يتضح ذلك من قدرته على اختيار الموضوع، وتكثيف الصور الشعرية وتقطيعها ثم ترتيبها بعملية تشبه إلى حد بعيد عملية المونتاج في السينما. والمفردة التي تريد أن تتكئ على التقنية السينمائية لابد أن تكون منتقاة بشكل دقيق، يجعلها تشتبك، عبر السياق، مع باقي الأشطر الأخرى لتؤدي دورها المشحون باللمحة الذكية، وبالمعاني الوارفة في نفس الوقت. فالمونتاج ـعلى ما يبدوـ يخدم نمو القصيدة، ويساهم في تطورها وإيصالها إلى مسافات متوترة، تلك المسافات المسؤولة عن (شعرية) القصيدة[46].
وما قلناه عن قصيدة (غرناطة) يصح عن قصيدة تركيبية من ديوان (نهايات الشمال الإفريقي) حيث يتم لصق صورة (انجلا ديفير) المناضلة الزنجية الأمريكية عبر متوالية المقاطع التي تتصدرها كلمة وجهها وعبر تنامي توصيفي يحاول تحديد مواصفاتها التي صنعت منها المرأة/ الرمز التي تجسد الجوهر الإنساني المتمنع على الجغرافيا والعرق (وذلك للحد من تجريدية القصيدة وتعميق البعد الحسي لها) طراد الكبيسي.
وجهها كان بين الرخام الصناعي والآس
هل غادرت قرطبة
مساجدها ؟
هل تخطى العراق الخوارج ؟
………………
للنساء اللواتي يرحلن ويغدون في حجرة يتحدثن عن مكائيل انجلو
……….يطالعن أثوابهن ويلبسن ـقبل المساءـ الكتب
………يداومن في (التوكالون)
………
اشتهين اكتشاف الحقيقة
………اشتهين
..أقدم وجهك يا طفلة ينصل الدم من وجهها في حديقة.
ثم يردف الشاعر مشاهد ثلاثة مشكلة تشكيلا مونتاجيا،[47] وهذه المرة عبر لوحات/ إخبارية إنشائية بالمعنى الأسلوبي، ليحاصرنا بوجه انجلاد ديفيز مكانيا وزمانيا وبامتداد ذات معطيات نضالية إنسانية (ثم يأتي سعدي على شكل جديد في تصميم القصيدة، وذلك في التلاعب بموقع الكلمات وتركيبها ثم في إعادة بناء المقطع بشكل جديد بحيث يعطيك أفقا أوسع للقصيدة) . هذا التشكيل الجديد الذي يتحدث عنه محمد الجزائري، ليس سوى عملية دوبلاج يتم رسمها على نفس[48] المقاس، وإن حشيت بمفردات أخرى تريد أن تعطي الانطباع لصورة مغايرة تمام التغيير…أي أن سعدي بمكر جميل ينشئ تراكبا توليفيا تصويريا إذا جاز التعبير :
1
ـ تقسيم
وراء السماء الندية
تمر العصافير،
هذا المساء
رأيت على الريح خصرك، إن السماء الندية كرائحة الرض،
سرية، والثياب القصيرة
2ـ المقطع الثاني:
وراء السماء
الأليفة
تمــر
النوارس
هذا المساء
رأيت البحر شعرك أن السماء الأليفة
كرائحة الأرض شرقية والمرايا الكبيرة…الخ .
إن هذا التشكيل ينم عن استفادة ودراية بالفن التشكيلي والسينما، يقودنا إلى الاعتراف باقتدار الشاعر وحضوره الواعي في تصميم قصائده وهندستها، وكما يقودنا إلى الإقرار بشاعرية حققت قدرا كبيرا من النضج والتبلور.
د ـ استعمال الأرقام والكلمات الأجنبية:
ويرتبط بالتجريب الجمالي الذي يحاول سعدي أن يوصله إلى الذروة والاكتمال بعد أن اجترحه وتفوق فيه، الإكثار من استخدام الأرقام والكلمات الأجنبية، ولعله نسيج وحده في هذا الباب في حدود علمنا. إن استعمال الأرقام له دلالة لاتخفى من حيث أنها تؤكد الحس بالمكان فيما هي تعمق ( البعد الدرامي وتهويل الإحساس بالفاجعة ).[49] هذه الفاجعة الناتجة عن مأساة الوجود الإنساني. ولعل رسم الأرقام أعدادا بالمعنى الجبري للكلمة والتخلي عن رسمها حروفا، يطرح قضية التشيء؛ أي تحول الإنسان عن جوهره ضمن القهر والاستلاب، إلى مجرد شيء أو عملة للاستهلاك تنفس عن سادية الأجهزة القائمة على القمع والهراوة الغليظة:[50]
السيارة الأولى:
1
، 2، 3،…….30
السيارة الثانية:
1
، 2، 3،……30
السيارة رقم 100
1، 2، 3،……30
ستبنى نقرة السلمان، أعرف أنها تبنى
بآلاف العظام، طابوقة في اثـر طابوقة
سترفع سورها وتراقب الأعناق مشنوقة
على شرفاته التسعين
وتؤدي الأرقام المتصلة بالذكريات والتواريخ، فضلا عما قلناه، دورا يضفي طابع الصدق والواقعية على النص الشعري، وهي بذلك، تشد القارئ إلى انعطافات وتحولات مفصلية في المجرى الزمني الذي يحاصره سعدي باستعماله الأرقام حتى تبقى تلك المراحل من التاريخ أبدا متوهجة ومشتعلة وشاهدة على زمن القهر العربي[51]:
في 1948، كنت عامل ميكانيك سجينا في نقرة السلمان
في 1958، كنت في نقابة الميكانيك بالبصرة، مطلق السراح حديثا من نقرة السلمان
في 1968، مضت ثلاثة أعوام على موتك بالسل في نقرة السلمان.
فالأعوام العشر الفاصلة بين مرحلة وأخرى في يوميات المناضل هادي طعين، تعمق الإحساس بالمأساة.. مأساة الإنسان من خلال هادي طعين، وتكسبه، في نفس الوقت، قامة متطاولة وحضورا محفورا في تضاريس الواقع العربي، أي أن هادي طعين يتحول إلى رمز يشع بكل النبل والعظمة الإنسانيين. [52]
والرقم أيضا يلوح بأفق سقوط وانهيار واقع مبني على النهب والسرقة، واخصاء الإنسان يلوح بأفق آت قاتم فيما هو يتمفصل ويتموضع زمنيا في حقبة ماضية.. هذه هي اللعبة الجمالية الماكرة:
عام 1258 – سقوط بغداد
على الموتى، وأنصاف المنائر، يهبط الليل المغولي
وترتفع الحرائق، طعمها كتب
ويمسي الحبر واللهب
طعــامي
إنه الليل المغولي
ويتوسل الشاعر اللهجة العامية، وقصاصات الجرائد بتواريخها وأزمنتها لبذر الحقائق، واستدعاء المشاركة الوجدانية مع شخوص قصائده، فيما هو يضفي مناخا مشبعا بالحزن والكآبة على جسم القصيدة:[53]
شو كان اسما؟ كانت صغيري
وماتت…البيوت ما له اسم؟
الأخبار ـ23 ـ 2 ـ 1964
الاستخبارات البريطانية كانت تنوي
النداء/ شباط/1964
ويتصل بهذا المكون الجمالي في قصائد سعدي استعمال الشاعر للكلمات الأجنبية وحرفيتها، توخيا منه (لإشباع جو القصيدة بواقعها التاريخي) ومن ثم، بتلوينها وتأثيث البعد الزمني بأشياء ووقائع مستلة أصلا من اليومي المعيش، وإضفاء المصداقية على كتاباته الإبداعية بنقل اللغة كما هي دون ترجمة أو تعريب حتى تبقى مشعة بدلالتها الأصلية:
«
أخيرا تذكر المتنبي.. وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه،[54] في الدنيا صاغة، وفيها فنانون، البساط الجزائري يتوازى فيه الأسود والأحمر وما بينهما رماد، والأصفر..لماذا؟ اصفر؟JAUNE-JAUNE آثر رامبو أو تريستان تزارا؟ ما أقرب الأصفر إلى الأخضر..»:
قل لـلطاهر بن جلون
لـلعبي
لـعلي يعتة
للصحف الموبوءة
Le petit Marocain
هل أسبح في ميناء الصيد ؟
أو أسبح في الشاطئ
ونحن لا نختلف أن الشاعر لو أبقى على الأصفر دون مقابله بالفرنسية، أو لو ترجم اسم الجريدة بالفرنسية إلى :جريدة المغربي الصغير مثلا، لطمس اسم الشيء الدال على مسماه أصلا ولاخراج المعنى عن قصديته، وأشاع جوا من سوء الفهم، وخلخل القراءة الصافية المتواصلة مع النص الشعري في كليته.[55]
…لم يلتفت للتداخل في اللون،للمنطق الجدلي،
الذي طوق الضربات الأخيرة،هل
تشرب الـCanda Dry؟ إني
سمعت بما قلت في حفلة الانتصار على ال…(حوار أول)
وفي قصيدته رسائل جزائرية يصادفنا هذا الاستعمال للكلمات الأجنبية لجرائد تشكل القراءة السياسية اليومية للمواطن الذي يلاحق الأحداث والوقائع عبرها:
حيث تهتز فوق الرؤوس الجرائد:
La République
Le Peuple
Le Monde
Sous Le Drapeau Rouge
Alger
المجاهــــد.[56]
عن استعمال الأرقام والكلمات الأجنبية، وما تمنحه من أبعاد وقيم فكرية وجمالية للقصيدة من التـفاتات سعدي الذكية والمدهشة. فالشاعر يتبنى لنا، فنانا مهووسا بالفني والجمالي، شغوفا بكل ما يمكن أن يدفع بالقصيدة العربية إلى مستوى النضج والبكارة، وما يمكن أن يجعل شعرا بالمعنى الذي يقصده ياكبسون وكوهن وغيرهما…[57]
من هنا، فإن القيم الجمالية والمكونات الفنية في شعر سعدي، تفصح عن ( بيان الحداثة الشعرية دونما حاجة إلى تنظير وتبرير وثرثرة عقيمة : «نشير بطرف خفي إلى أدونيسـ بنيسـ راجعـ الخال، وغيرهم الذين يتوسلون المقالات التنظيرية جسورا أو مفاتيح يتم من خلالها التعامل مع أشعارهم للبحث والتنقيب في جسد نصوصهم الشعرية عما أشاروا إليه نثرا…».
يقول سعدي : «إنني لست غير واعٍ بما أصنع، إنما العكس، لأنني كنت حقا شاعرا، بفضل الله أم الشيطان، لأنه لحق أيضا أنني شاعر بفضل التقنية والجهد، وبفضل كوني أعرف تماما ما هي القصيدة».[58]
هذا الاعتراف الذي يختزن تواضعا ماكرا، يعبر، بدون ثرثرة، عما يقوم به الشاعر من إرساء لمعمار قصيدته بدءا بالفنان وصبره وتشوفه إلى التميز والفرادة، ويدعنا نحكم له أو عليه بأنه شاعرا أو بهلوانا[59]!.
226.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق