]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الرداءة أمّ الانحطاط

بواسطة: عثمان أيت مهدي  |  بتاريخ: 2013-03-25 ، الوقت: 20:30:27
  • تقييم المقالة:

 في زمن الرداءة اعتقدت نفسي أستاذا كفءا، متمكنا من مادته، يتسارع التلاميذ للحصول على كرسي شاغر لمتابعة دروسه، واغتراف ما تجود به محصلته من علم وأدب. كنت فخورا بنفسي، معجبا بشخصي، أستاذا بقامة فارعة وبنية قوية وهندام يليق بمقامه، يقف أمام تلاميذ يملئون كراسي القسم عن آخرها. إنها أجمل لحظات العمر، لحظات ترى فيها الملأ تشرئب أعناقهم لسماعك وترصد كل حركة تصدر منك.

كان ذلك في زمن الرداءة، تدخل القاعة فيستقبلك ضجيج وصياح تجهل مصدره، لأن كل زوايا القاعة تعج بالخلق في سن الاندفاع والحماقة يشغلهم اللهو والضحك، وتغنيهم الصراعات التافهة عن كل درس أو محاضرة، إنها أجمل لحظات يحياها التلميذ بالقسم في غياب الأستاذ. ينتابك الغضب فتصيح مرة ثم أخرى فثالثة، ولا أحد يكترث لك ولا لصياحك، لأنك لم تصرخ في واد ليأتيك الصدى، وإنما تصرخ في سوق لكل فيه شأن يغنيه.

بعد دقائق معدودة، يبدأ الهدوء يعم القسم شيئا فشيئا، ويعود كل تلميذ إلى مكانه، تنظر إليهم نظرة الأستاذ الجاد والصارم، بعد ذلك تتهاطل عليك كلّ ألفاظ قاموس الهجاء والذم فتقذفهم بها حتى تستريح نفسك، وتشعر أنك استردت عزتك وكرامتك، فتقوم بتسجيل التاريخ على السبورة وعنوان الدرس.

تسأل عن كتاب المادة، ولا كتاب إلا من النزر القليل، وتسأل عن كراس المادة ولا كراس إلا من فئة قليلة مصابة بداء الدراسة لا يمكنها الاستغناء لا على الكتاب ولا على الكراس، إنهم هكذا، ولا تسألني لماذا؟ لأنني أجيبك ببساطة أنهم مصابون بمرض مزمن أطلق عليه علماء التربية والتعليم حبّ الدراسة والتعلم. 

وأمام هذا الظرف الصعب بين أغلبية رافضة للدراسة وأقلية متشبثة بها يبقى الأستاذ حائرا ضائعا في صحراء الرداءة والتيه. إما إلقاء الدرس على الأقلية فتنتفض الأغلبية معبرة عن سخطها واستنكارها لهذا الظلم الصارخ بتفضيل الأقلية على الأغلبية؟ أو تساير منطق الأغلبية فتركن الأقلية إلى زاوية تبكي حظها وتعيش ألمها المزمن في صمت أو قل بموت بطيء؟

لا أخفي عليك أخي القارئ، أنني كثيرا ما كنت أصارع على جبهات، ولا أحذرك هنا إن اعتبرتني الفارس الهولاندي دون كيشوت الذي كان يحارب الطواحين. فبعد تأنيبي للتلميذ، أطلب استدعاء والده ليمد لي يد المساعدة، فيتحطم أملي ويخفو مسعاي عندما أسمع الوالد يقسم بأغلظ الإيمان أنّ ابنه لن يعود مرة ثانية للفوضى، وسيقطعه إربا إربا إن تكرر سلوكه هذا بالقسم؟ ثمّ تكتشف بعد أيام أن لا شيء تحقق، ولا شيء تبدل. بعد ذلك تجدني مضطرا لرفع تقرير لسيادة المدير الذي له سلطة الردع والطرد والتوبيخ. يستلم منك المدير هذا التقرير بحركة توحي بالترفع والاحتقار، ينظر إليك، يحدقك مليا، ثمّ يتمتم بكلمات تصلك بطيئة وخافتة، سنرى ما نفعله يا أستاذ؟ حاول أن تتحكم بقسمك، للأستاذ مسئولية كبيرة، كان الله في عونك؟

تخرج من مكتب المدير وأنت على يقين أن لا شيء يتغير. تلاميذ في سن التهور والجنون، وأولياء في سن الخرف والضياع، والإدارة فاشلة وتائهة أمام الأعداد المتزايدة من التلاميذ سنة بعد أخرى. والأستاذ المسكين في زمن الرداءة يعتقد نفسه مربيا ومعلما ورائدا لمجتمع احتضن الانحطاط احتضان الأم لابنها.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق