]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سفينة النجاة..زادي المنشـــــود !!

بواسطة: زاهية بـوغاني  |  بتاريخ: 2013-03-24 ، الوقت: 10:16:50
  • تقييم المقالة:

﷽ :

كانت تلك السفينة التي حملتنا جميعا طوال تلك الفترة.. السفينة التي عشنا فيها أجمل معاني المحبة والود والخير والألفة هناك داخل تسابيح وجه الربان الباسم على الدوام..كم كنا نهواه ولازلنا..كلنا شغوفون به وبحكمتـه والخير الذي يتقاطر فواحا منه كالندى على بتلاتنا الغضة ..يزرع فينا الحياة..

كان الربان أعلم بشري عرفناه..أعرف بكل تفاصيل البحر..بل كان يحترف الحياة فكنا بجناحه نطير ولم يحدث أن انخفضنا أبدا..على أعلى مستوى البحر كنا نبحر بلا أي خوف من أي شيء!! كان يوما هادئا لطيفا أليف البحر والجو ذاك اليوم الذي حدثنا فيه آخر حديث..ألقى بوجهه المسالم نظرة خبيرة في الأفق الساكن وقال لنا:

"عما قريب سيجتاحكم هذا البحر حانقا وستغرق هذه الثابتة على وجه الماء..فلتعلموا يا أصحابي..لن ينجو منكم إلا من أوثق نفسـه بقوارب النجاة!"

ومضى الزمن بنا إلى المستقبل دونــه..اضطررنا إلى السير وتركه خلفنا..وكم كان المحيط الشاسع الهادئ المترامي الأطراف من حولنا رحيما بنا..لقد كان يحملنا بلطف شديد كأنما كان يراعي شدة وحشتنا برحيل رباننـــــا!! كم كانت مصيبتنا فيه قاهرة شديدة لكنه كان قد هيأنا لهذا وملأنا بعزم نسير به إلى مثواه الأخير..إلى حيث سنلقاه!

تذكرت كل هذه الأشياء حين رماني الموج بقوة إلى أطراف السفينة...حين غاص جيراني تحت الماء مجبرين ..حين تصاعدت آخر فقاعات الهواء الصادرة من أصحابي وقد نزلوا كرها تحت أنقاض السفينة الغارقة..الموج المتلاطم بعثرنا..شتتنا ..امتص أعدادا كبيرة منا إلى داخل أحشائه الباردة بلا رحمة..لم أعد اذكر كيف انقلبت الأمور بنا هكذا وكيف غفلنا عن تحذير الربان لنا فجأة.. لم أعد اذكر لماذا قل اهتمامنا بتحذير حبيبنا المحنك رغم أننا كلنا صدقناه ولا يكذب مثله..أتراه صوت سكون الماء والهواء حولنا..أتراه تغلغل فينا حتى محا الفكرة من قلوبنا وكنا نخزنها في قلوبنا حبا بالربان !!

كم كنا في سلام لا نذكر الموت أو الغرق بحال..تذكرت أيضا هذا..وتذكرت كم تغير الوضع..لقد كان جونا يعبق برائحة الضحكات السعيدة..اليوم يجتاح الجنون السفينة!!! لا فائدة ..لم يعد يهم !!! البحر يسحبني أنا أيضا إلى داخله..يريد أن يقتلني !!! لكن أأغرق وسيدي وقدوتي وملهمي أرشدني إلى طريق البقاء؟

يستحيل!!

هرعت إلى الأعلى حيث كنا نضع قوارب النجاة وكم أسفت حين رأيت كثيرا من الركاب مازالوا في الجهة الأخرى من السفينة يضرب بهم الموج الحانق كل الزوايا..السواري...الجدران وكل شيء يؤلم الاصطدام به قبل أن يشربه أخيرا..أسفت لأنهم لم يقصدوا جهة القوارب..لم يتذكروا وصية الحبيب. ومع ذلك لم أملك حتى صوتا أصرخ به للفت انتباههم فمضيت مع الآخرين ..والكرب يعلوني!! هناك كان جمع من الناس غفير قد اِلْتمﱠ في مؤخرة السفينة..كانوا كثرا بالفعل..كلهم لم ينسوا وجاءوا لينجوا !! لكن المراكب كانت مثبتة بإحكام على سطح السفينة.. على الجزء المتبقي منها فوق الماء... لقد كانت صدمة..وكان الوضع مفزعا للبعض.. بدا وكأنه لا منجا الآن..وهنا قومي انقسموا انقساما سأظل اسأل بسببه طول عمري: "أما كان بالإمكان أن نتفق؟!"

فريق من الركاب ارتمى داخل القوارب وأوثق نفسـه وتحجر فيها مرددا في صَمَمْ: " فلتعلموا يا أصحابي..لن ينجو منكم إلا من أوثق نفسـه بقوارب النجاة!"

مهلا!!

الربان لم يقصد هذا..لِمَ لَمْ افهم أنا هذا من كلام الربان؟؟..لم أتوقعه أصلا!! حتى أنا بفهمي المتواضع استـهجنت المعنى وصرخنا فيهم نحاول الشرح لكنهم كانوا واثقين بعمى!!..نفس المنطق في عقولنا جميعا لكننا فهمنا غير ما فهموه وغرقوا داخل القوارب غرقا أدمى جوفي لأنهم كانوا يحبونه -الربان الحبيب-..لأنهم كانوا يؤمنون بما يقول إيمانا غاب عنه شيء ما.. لكن ماذا؟!!

لم استفق من هذه الصدمة إلا وأخرى تقرع أسماعي!!

باقي الركاب تسابوا وتشاجروا واختلفوا اختلافا مشينا بشعا...فقد كان لفريق منهم وجهة نظر سماها "قناعة"..لقد حسب قوة دفع الماء وقوة الهواء وتناسب وزن الأشياء في المناخ الحالي وظاهرة الحمل داخل السائل وقرر أن أي شيء يطفو قد ينقذ روحا وينهي مأساة...قليل من الطفو وكثير من التجديف!...شيء في الأمر لم يعجبني..خشيت أن يكونوا فقدوا الثقة بتوجيه الربان..حبيبنا الذي كان لا يخطئ في مثل هكذا أمر..وهذا ميدان احترافه الذي لطالما وثقنا به!!!! لكن بحمد الله لا! كلهم قالوها ووافق بعضهم البعض عليها "الربان قال: لن ننجو إلا بقوارب النجاة" انشرح صدري بالكلام ومضيت مع جمع غيري ننظر أسفل القوارب وحولها لنجد طريقة نحررها..ورفعنا كل ما وجدناه حولنا لنفك بها قيد نجاتنا..لنقتلع القوارب بحذر!! مضينا بهدوء وأخذنا نقوم بالحركات اللازمة ببطء وتأن لكن فجأة..كبار من قام إلى جانبي وقفوا بيننا وبين أصحاب القناعة..ما الأمر؟ كان الجو فعلا مشحونا ولم يكن الوقت وقت أي نزال فماذا دهاهم يا ترى؟ لم قام الكبار ليمنعوا اقتراب أصحاب الفكرة من القوارب..لقد كنت اجهل الكثير فعلا !! كل علمي بلا فهم لم يكن يساوي الكثير..لقد كانت قضية إيمان أولا ثم تحولت إلى قضية علم وفهم وبصيرة!!

أصحاب القناعة كانوا أكثر عددا وأشد حماسة فمروا من خلالنا بطريقة أو بأخرى وارتموا على القوارب يحطمونها !!!..يحولونها إلى قطع خشبية بعثروها في المحيط الهائج حول السفينة فارتمى الناس خلفها وتمسك بعض منهم بها وجدفوا بعيدا..بعض الضعفاء لم يقووا على التجديف فغرقوا..كثير ممن تنقصهم المؤهلات ماتوا فامتدح أصحاب الفكرة ثقتهم بهم وكرموا ذكراهم..أجل لقد كان هناك فعلا من نجا..على الأقل من رأيناهم بأم عيوننا يبتعدون عن محيط السفينة التي كانت تصنع التيارات الساحبة حولها ..الناس معظمهم استبشروا وقفزوا إلى الماء وتحت سخرية أصحاب الفكرة من محاولاتنا الهادئة لتحرير ما تبقى من قوارب غادَرَنا الجميع وهم يشتمون كل نصيحة تصدر من أحد الكبار حولي ..حين يذكرونهم بالتوجيه الحرفي للربان الراحل رحمه الله كم ضعنا خلفه..حين يتكلم الكبار عن المحيط خارج حدود السفينة وعن الإعصار الراقص في الأجواء...

لقد كان هناك فعلا من ابتعد والناس كلهم أصغوا إلى صوت الوقائع..إلى ضجة الداعين إلى النجاة..لم يكن صوت الكبار أعلى مما يسمعونه هم فقط وهدير الموج كان يبعثر صوتـهم الباقي وأنـــا ..لازلت أقف بين الطرفين!!!

كنت أساعد في تحرير القوارب وأرمي إلى الناس تحت ما بقي من أشلاء خلﱠـفها أصحاب القناعة.. بدا موقفي للبعض غريبا وكثيرون انحنوا على كتفي باكين وقالوا لي " لا تعنهم على الهلاك يا بني ..لا تساهم في إنماء هذا الأمل الزائف..لن يبتعدوا والبحر سيغرقهم!" ومضوا عني دون أن اجيبهم ...

انا ما عدت أدري ماذا اقول..كل الذي أعلمه هو أني أبدا لن أقدم شيئا على توجيه الربان!! لقد كانت قضية إيمان محض في البداية أمـــــا الآن فقد صارت قضية

علم...

و فهم...

و بصيرة.

زادي المنشـــــود !!

 


مدونتي: اَلْرﱠوْضُ اْلْــــــــــــوَاْرِفْ♥ ::


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق