]]>
خواطر :
ماخطرتش على بالك يوم تسأل عنى ... وعنيه مجافيها النوم يا مسهرنى...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مضامين الفكر الفلسفي عند سقراط/قصي طارق

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-03-23 ، الوقت: 22:02:55
  • تقييم المقالة:

 

 

 

 مضامين الفكر الفلسفي عند سقراط

 

قصي طارق 

 

 

"سقراط":

 

 باليونانية9ق.م: فيلسوفيوناني كلاسيكي.يعتبر أحد مؤسسي الفلسفة الغربية، لم يترك سقراط كتابات وجل ما نعرفه عنه مستقى من خلال روايات تلامذته عنه. ومن بين ما تبقى لنا من العصور القديمة، تعتبر حوارات "أفلاطون"من أكثر الروايات شموليةً وإلمامًا بشخصية "سقراط".2بحسب وصف شخصية "سقراط" كما ورد في حوارات "أفلاطون"، فقد أصبح "سقراط" مشهورًا بإسهاماته في مجال علم الأخلاق.وإليه تنسب مفاهيم السخرية السقراطية والمنهج السقراطيأو المعروف باسم elenchus.ولا يزال المنهج الأخير مستخدمًا في مجال واسع من النقاشات كما أنه نوع من البيداجوجياعلم التربية التي بحسبها تطرح مجموعة من الأسئلة ليس بهدف الحصول على إجابات فردية فحسب، وإنما كوسيلة لتشجيع الفهم العميق للموضوع المطروح. إن "سقراط" الذي وصفه أفلاطون هو من قام بإسهامات مهمة وخالدة لمجالات المعرفةوالمنطقوقد ظل تأثير أفكاره وأسلوبه قويًا حيث صارت أساسًا للكثير من أعمال الفلسفة الغربية التي جاءت بعد ذلك.[1]

 فلسفة "سقراط"

على الأرجح تتمثل أكثر إسهامات "سقراط" أهميةً في الفكر الغربيفي منهج الجدلوالتداول القائم عن طريق الحوار، وهو المنهج المعروف أيضًا السقراطيأو "أسلوب إلينخوس" والتي تعني مجادلة وقد قام "سقراط" بتطبيق هذا المنهج في دراسة مفاهيم أخلاقية أساسية مثل الخير والعدالة.وكان أفلاطونأول من وصف المنهج السقراطي في "الحوارات السقراطية".فلحل مشكلة ما، قد يتم تحليلها إلى مجموعة من الأسئلة والتي تعمل إجاباتها تدريجيًا على الوصول إلى الحل المنشود. ويتجلى تأثير هذا المنهج بشدة اليوم في استخدام المنهج العلميوالذي لا تكون مرحلة الافتراضأول مراحله. ويعد تطوير هذا المنهج وتوظيفه من أبرز الإسهامات المستمرة لـ"سقراط" كما أنهما شكلا عاملاً رئيسيًا في ارتداء "سقراط" لعباءة مؤسس الفلسفة السياسيةأو علم الأخلاقأو الفلسفة الأخلاقية، وفي تميزه كأبرز الشخصيات في كل الموضوعات الرئيسية المتعلقة بالفلسفة الغربية.لتوضيح استخدام المنهج السقراطي، تم طرح مجموعة من الأسئلةلمساعدة شخص أو مجموعة من الأشخاص على تحديد معتقداتهمالأساسية ومدى معارفهم. والمنهج السقراطي هو منهج سلبي قائم على التخلص من الافتراضات، والذي يكون بالعثور على الافتراضات الجيدة عن طريق تحديد الافتراضات غير الجيدة والتي تؤدي إلى التناقضاتثم التخلص منها. وقد تم تصميم هذا المنهج بحيث يجبر المرء على مراجعة معتقداته وتحديد مدى صحتها. وفي الواقع، قال "سقراط" ذات مرة: "أعرف أنكم لن تصدقوني ولكن أبرز صور التفوق الإنساني هي مساءلة الذات ومساءلة الآخرين".[2]

من الصعب تمييز معتقدات "سقراط" عند فصلها عن معتقدات "أفلاطون". فليس لدى الاستدلال المادي الكثير الذي يمكن به التمييز بين معتقدات هذين الفيلسوفين. فإن "أفلاطون" هو من وضع النظريات المطولة الواردة في معظم حواراته وبعض العلماء يعتقدون أن "أفلاطون" انتهج الأسلوب السقراطي بشدة لدرجة جعلت من المستحيل التمييز بين الشخصية الأدبية والفيلسوف نفسه. وجادل آخرون بأن لـ "أفلاطون" نظريات ومعتقدات خاصة به ولكن أثير جدل كبير حول ماهية هذه النظريات والمعتقدات بسبب صعوبة فصل معتقدات "سقراط" عن معتقدات "أفلاطون" وصعوبة تفسير حتى الكتابات الدرامية المتعلقة بـ "سقراط". لذا,ليس من السهل التمييز بين المعتقدات الفلسفية الخاصة بـ "سقراط" عن تلك التي انتهجها "أفلاطون" و"زينوفون"، ولا بد أن نتذكر أن ما قد يتم نسبه لـ "سقراط" قد يعكس عن كثب الاهتمامات المحددة لهذين المفكرين. وما يزيد الأمر تعقيدًا هو حقيقة أن شخصية "سقراط" التاريخية اشتهرت على نحو سلبي بطرحها للأسئلة دون الإجابة عنها، مدعيين بذلك أنها تفتقر إلى الحكمة في الموضوعات التي تطرح على الآخرين أسئلة بشأنها.10بصفة عامة، إذا كان هناك ما يمكن ذكره عن المعتقدات الفلسفية لـ "سقراط"، فهو أنها كانت تتعارض أخلاقيًا وفكريًا وسياسيًا مع رفقائه الأثينيين.فحينما كانت تتم محاكمته لإدانته بالهرطقة وتخريب عقول شباب "أثينا"، استخدم "سقراط" منهجه السقراطي أو ما يعرف بأسلوب "إلينخوس"لكي يشرح لأعضاء هيئة المحلفين أن قيمهم الأخلاقية معتمدة على أفكار غير صحيحة.لقد أخبرهم أنه في الوقت الذي من المفترض أن يهتموا بنقاء أرواحهم, كانوا يبدون الاهتمام فقط بعائلاتهم وأعمالهم ومسئولياتهم السياسية. ولقد بدا أن اعتقاد "سقراط" بافتقار نفوس الأثينيين للأخلاقية واقتناعه بأن الآلهة قد اختارته كرسول سماوي كانا مصدر إزعاج للأثينيين - إن لم يثيران سخريتهم.كما اعترض "سقراط" على المذهب السوفسطائي بأن الفضيلة يمكن تعليمها للآخرين. لقد أحب أن يلاحظ أن الآباء الناجحين مثل الجنرال العسكري البارز "بريكليز"لا ينجبون أبناءً يماثلونهم في المهارة والتفوق. وجادل "سقراط" بأن التفوق الأخلاقي يعد بمثابة شيء فطري وليس مرتبطًا بالرعاية التي يوفرها الوالدان لأبنائهم. وقد يكون هذا الاعتقاد هو الذي ساهم في عدم شعور "سقراط" بالقلق تجاه مستقبل أبنائه. كثيرًا ما ذكر "سقراط" أن أفكاره ليست من نسجه وإنما من نسج معلميه. ولقد ذكر "سقراط" عدة أشخاص كان قد تأثر بهم ومنهم "بروديكوس"مدرس علم البيانوالعالم "أناكسوجوراس".وما قد يثير الدهشة هو أن "سقراط" ذكر أنه قد تأثر بشدة بسيدتين إلى جانب تأثره بوالدته، فقد قال إن "ديوتيما"الساحرة والكاهنة في مدينة "مانتيني"قد علمته كل ما يعرفه عن الحبوالمعروف باليونانية باسم eros، كما علمته "آسبازيا"وهي معلمة الجنرال العسكري "بريكليز"علم البلاغة. plato,وقد جادل "جون بيرنت"بأن المعلم الرئيسي لـ"سقراط" كان "أناكسوجوراين أرشيلوس"ولكن أفكاره كانت كما وصفها 11.وعلى الجانب الآخر، رأى "إيريك هافلوك"أن ارتباط "سقراط" بالمعلم "أناكسوجوراين" يعد دليلاً على اختلاف المعتقدات الفلسفية لـ "أفلاطون" عن تلك التي ينتهجها "سقراط".[3]

غالبًا ما كان "سقراط" يذكر أن حكمته مقصورة على إلمامه بما يتصف به من جهل. وكان "سقراط" يؤمن بأن ارتكاب الأخطاء هو نتيجة للجهل وأن من يرتكبون الأخطاء يفتقرون إلى معرفة ما هو صحيح. والشيء الوحيد الذي ادعى "سقراط"باستمرار أن لديه معرفة به هو "فن الحب" والذي ربط بينه وبين مفهوم "حب الحكمة"، أي الفلسفة. إنه لم يدع قط أنه حكيم، ولكنه أدرك المسار الذي لا بد أن يسلكه محب الحكمة في سعيه وراء الحكمة. ولقد كان التوصل إلى ما إذا كان "سقراط" يؤمن بأن البشر في مواجهة الآلهة مثل الإله أبولوبإمكانهم بالفعل أن يصبحوا حكماء أم لا أمرًا محل جدال. فمن ناحية فرق"سقراط" بين الجهل البشري والمعرفة المثلى. ومن ناحية أخرى، وصف "أفلاطون" في كل من حوار "المأدبة"و"الجمهورية"منهجًا يمكن به الوصول إلى الحكمة. وفي حوار "ثيئيتيتس"150aلـ "أفلاطون"، قارن "سقراط" نفسه بصانع الزيجاتوالمعروف في اليونانية باسم προμνηστικόσpromnestikósكسبيل لتمييز نفسه عن القواد والمعروف في اليونانية باسم προᾰγωγόσproagogos.ولقد لاقى هذا التمييز صداه في حوار "المأدبة"لزينوفون 3.20،[4] حينما مزح "سقراط" بشأن تيقنه من قدرته على كسب ثروة طائلة إذا اختار أن يمارس مهنة القواد. وفيما يتعلق بتميز "سقراط" كمحاور فلسفي، فإنه يرشد الشخص الذي يجيب عن أسئلته إلى تصور أوضح للحكمة، وذلك على الرغم من أن "سقراط" نفسه يدعي أنه ليس مدرسًا حوار "دفاع سقراط".فكما يدعي، من الأنسب أن ينظر لدوره كدور مماثل للقابلةويطلق عليها في اليونانية اسم μαῖαmaia.ويوضح "سقراط" أنه نبع ناضب من النظريات ولكنه يعرف كيف يساعد الآخرين على وضع النظريات كما يعرف كيف يحدد ما إذا كانت هذه النظريات مجدية أم غير مجدية والتي تعرف بالإنجليزية باسم wind eggsوتعرف باليونانية باسم ἀνεμιαῖονanemiaionوربما يكون الأمر الأهم هو أنه أوضح أن القابلة الداية تكون عاقرة بسبب كبر سنها في حين أن السيدات اللاتي لم تنجبن قط لا تستطعن أن تعملن كقابلات، فالمرأة العاقرة حقًا ليس لديها خبرة أو معرفة بعملية الولادة والقرارات التي يجب اتخاذها. وللحكم على ذلك الأمر، لا بد أن تكون لدى القابلة خبرة ومعرفة بما ستصدر أحكامًا بشأنه.

 الفضيلة: اعتقد "سقراط" بأن أفضل طريقة يحيا بها البشر هي أن يركزوا على تطوير الذات بدلاً من السعي وراء الثروة المادية. وقد كان دائمًا ما يدعو الآخرين لمحاولة التركيز على الصداقات وعلى الإحساس بالمجتمع الحقيقي، لأن "سقراط" شعر بأن هذه هي الطريقة الفضلى لكي ينمو البشر كمجموعة. وقد وصل تطبيقه لهذه المبادئ إلى درجة أنه قبل في نهاية حياته الحكم بالإعدام في الوقت الذي ظن فيه الجميع أنه سيغادر أثينا هربًا منه، وذلك لأنه شعر بعدم القدرة على الهروب أو معارضة إرادة مجتمعه؛ وكما ذكرنا من قبل كانت بسالته المعروفة في أرض المعركة لا جدال فيها....إن فكرة أن البشر يملكون فضائل معينة كانت تشكل ميزة مشتركة في كل تعاليم "سقراط". وتمثل هذه الفضائل السمات التي يجب أن يحظى بها كل إنسان، وعلى رأسها الفضائل الفلسفية أو العقلية. وقد أكد "سقراط" على أن "الفضيلة هي أقيم ما يملكه الإنسان؛ والحياة المثالية هي تلك الحياة التي تنقضي في البحث عن الخير. وتكمن الحقيقة وراء ظلال الوجود، ومهمة الفيلسوف هي أن يوضح للآخرين مدى ضآلة ما يعرفون بالفعل."

 السياسة: غالبًا ما يقال أن "سقراط" كان يؤمن بأن "المثاليات تنتمي لعالم لا يستطيع فهمه إلا الإنسان الحكيم"، مما يجعل الفيلسوف هو الشخص الوحيد المناسب للتحكم في الآخرين. وفي حوار أفلاطون "الجمهورية"، لم يكن "سقراط" مرنًا أبدًا بخصوص معتقداته فيما يتعلق بالحكومة. فاعترض بشكل صريح على الديمقراطية التي حكمت "أثينا" في ذلك الوقت.[5] ولكنه لم يعترض فقط على الديمقراطية في "أثينا": وإنما اعترض على أي شكل من أشكال الحكومات الذي لا يتواءم مع أفكاره المثالية عن جمهورية كاملة يحكمها الفلاسفة، وقد كانت الحكومة في "أثينا" أبعد ما تكون عن هذه الحال. إلا أن من الممكن أن تكون أقوال "سقراط" المذكورة في حوار أفلاطون "الجمهورية"مصبوغة بآراء أفلاطون نفسه. في السنوات الأخيرة من حياة "سقراط"، كانت أثينا تمر بتغيرات مستمرة نتيجة للاضطرابات السياسية. وأخيرًا أطاحت حكومة"الطغاة الثلاثون"، بالديمقراطية. وكان يقود هذه الحكومة "كريتياس"أحد أقرباء "أفلاطون" والذي كان تلميذًا من تلامذة "سقراط". وظلت حكومة الطغاة تحكم "أثينا" قرابة عام قبل أن تعود الديمقراطية لتتقلد الحكم مرة ثانية، وفي هذا الوقت أعلنت هذه الحكومة العفو العامعن جميع الأفعال التي قامت بها مسبقًا. غالبًا ما تُنكَر معارضة "سقراط"للديمقراطية، كما أن هذه المسألة تعد من الموضوعات الفلسفية المثيرة للجدل عند محاولة تحديد الأفكار التي آمن بها "سقراط" بالفعل. ومن أهم الحجج التي يسوقها هؤلاء الذين يزعمون عدم إيمان "سقراط" بفكرة الحكام الفلاسفة هي أن هذه الفكرة لم يتم التعبير عنها قط قبل حوار "الجمهورية"لـ "أفلاطون"، الذي يعتبر بشكل عام أحد حوارات أفلاطون المتوسطة ولا يمثل آراء "سقراط" التاريخية. علاوة على ذلك، وطبقًا لما ورد في أحد حوارات "أفلاطون" المتقدمة "دفاع "سقراط"أن "سقراط" رفض ممارسة السياسة التقليدية؛ وأقر بشكل متكرر أنه لا يستطيع النظر في شئون الآخرين أو إخبار الناس كيف يعيشون حياتهم في حين إنه لم يستطع حتى الآن فهم كيف يعيش حياته هو. لقد كان "سقراط" يؤمن بأنه فيلسوف همه الأكبر هو السعي وراء الحقيقة، ولم يدع أنه عرفها بشكل كامل. كما أن قبول "سقراط" لحكم الإعدام الذي صدر ضده بعد إدانته من مجلس الشيوخ اليوناني، يمكن أيضًا أن يدعم هذا الرأي. ومن المعتقد غالبًا أن معظم التعاليم المضادة للديمقراطية كانت من "أفلاطون"، الذي لم يتمكن يومًا من التغلب على سخطه عما حدث لمعلمه. على أية حال، من الواضح أن "سقراط" كان يعترض على حكم الطغاة الثلاثين تمامًا كاعتراضه على الديمقراطية؛[6] وعندما استدعي للمثول أمامهم للمساعدة في القبض على أحد المواطنين من "أثينا"، رفض "سقراط" أن يقوم بهذا وفر من الموت بأعجوبة، وكان هذا قبل أن يطيح الديمقراطيون بجماعة الطغاة. ومع ذلك، فقد تمكن "سقراط" من تأدية واجبه كعضو في مجلس الشيوخالذي عقد محاكمة لمجموعة من الجنرالات الذين قادوا معركة بحرية مدمرة؛ وحتى عندئذ كان يحتفظ بتوجهه غير المرن؛ إذ كان أحد هؤلاء الذين رفضوا المواصلة بطريقة لا تدعمها القوانين، على الرغم من الضغط الشديد.12ومن خلال تصرفاته وأفعاله، نستطيع القول إنه كان ينظر إلى حكم الطغاة الثلاثين بوصفه حكمًا أقل شرعية من مجلس الشيوخ الديمقراطي الذي حَكَم عليه بالإعدام.[7]

 التصوف: في حوارات "أفلاطون"، يبدو أن "سقراط" كان دائمًا ما يدعم الجانب المتصوف، إذ يناقش مسألة التقمصوالأديان الغامضة؛ إلا أن هذا كان ينسب بشكل عام لـ "أفلاطون". وبغض النظر عن ذلك، فإننا لا نستطيع تجاهل هذا الموضوع، لأنه ليس في وسعنا التأكد من الاختلافات بين وجهات نظر "أفلاطون" و"سقراط"؛ بالإضافة إلى أنه يبدو أن هناك بعض النتائج الطبيعية في أعمال "زينوفون".ففي ذروة الطريق الفلسفي كما هو موضح في حواري "المأدبة"و"الجمهورية"لـ"أفلاطون"، يصل المرء إلى بحر الجمالوهي مرحلة الوصول إلى أعلى مراتب الحقيقة عند الصوفيين ومن يزعم أنه يصل إلى هذه المرحلة غالبًا ما يقول إن الحقيقة تنصهر في بوتقة واحدة أو بحر واسع تذوب فيه كل الاختلافات وهي مصدر كل جمال أو يصل إلى رؤية شكل الخير في تجربة أشبه بالكشفالصوفي؛ وعندها فقط يمكن أن يصبح المرء حكيمًا. في حوار "المأدبة"، يعزي "سقراط" خطابه بخصوص الطريق الفلسفي إلى أستاذته الكاهنة "ديوتيما"، التي لم تكن واثقة حتى من أن "سقراط" يستطيع الوصول إلى الألغاز الكبرى أم لا. أما في حوار "مينون"، فقد أشار "أفلاطون" إلى احتفالات "أثينا" بطقوس عبادة الإلهين "ديميتر" و"بيرسيفون"، مخبرًا "مينون" إنه سيفهم أجوبة "سقراط" بشكل أفضل إذا ما بقى حتى ميعاد هذه المراسم في الأسبوع القادم. وثمة ارتباك ينتج عن طبيعة هذه المصادر، لدرجة أن هناك جدلاًَ حول ما إذا كانت الحوارات الأفلاطونية هي أحد أعمال فيلسوف فنان، ولا يستطيع القارئ العادي أو حتى المثقف فهم المعنى بسهولة.وقد كان "أفلاطون" نفسه مؤلفًا للمسرحيات قبل أن يتجه إلى دراسة الفلسفة.[8]وتعتبر أعماله، بالفعل، حوارات؛ واختيار "أفلاطون" لهذه الحوارات إلى جانب أعمال "سوفوكليس" و"إيريبيدوس" وأدب المسرح، ربما يعكس الطبيعة التأويلية لأعماله. والأكثر من ذلك هو أن الكلمة الأولى في معظم أعمال "أفلاطون" هي مصطلح وثيق الصلة بهذه الدراسة بعينها، وهي تتوافق مع التعريف المتفق عليه بالإجماع. وأخيرًا، فإن حواري "فايدروس"و"المأدبة"يشيران إلى توصيل "سقراط" للحقائق الفلسفية في المحادثات بشكل غامض؛ ويتضح أيضًا في حوار "فايدروس"أن "سقراط" يتصف بالغموض في كل الكتابات. والتصوف الذي نجده غالبًا في "أفلاطون" والذي يظهر في أكثر من مكان ويتخفى وراء الرمز والسخرية، غالبًا ما يكون مختلفًا مع التصوف الذي يقدمه "سقراط" في كتابات "أفلاطون" في بعض الحوارات الأخرى. إذا ما استعنا بالحلول التصوفية التي أوردها سقراط في الإجابة عن التساؤلات والتحليلات في وقتنا الحالي, فإنها ستفشل في الإجابة عنها وستفشل في إرضاء القراء المتعطشين لمعرفة إجابات عن هذه التساؤلات.ولكن سواء ستفشل هذه الحلول التصوفية في إرضاء القراء الواعيين والمدركيين لهذه الحلول أم لا تعد مسألة أخرى, ولكن من المحتمل أنها ستفشل أيضًا. ربما كان من أكثر الأشياء الممتعة في هذا الموضوع هو اعتماد "سقراط" على ما كان يطلق عليه اليونانيون جنيسقراط أو "وحي دلفي" وهو صوت يهتف به جني متلبس بسقراط كي يمنعه من ارتكاب خطأ ما وفي اليونانية، يُعرف باسم ἀποτρεπτικόσapotreptikos.وكان هذا هو صوت الجني/0 }الذي يمنع "سقراط" من الدخول في السياسة. وفي حوار "فايدروس"، قيل لنا إن "سقراط" كان يعتبر هذا شكلاً من أشكال "الجنون المقدس"، نوع من الجنونالذي يعتبر هبة من الآلهة والذي يمنحنا الشعروالتصوفوالحبوحتى الفلسفة.أو يمكننا القول إن هذا الصوت الداخلي غالبًا ما ينظر إليه بوصفه "الحدس"، ومع ذلك فإن تسمية"سقراط" لهذه الظاهرة باسم "جني سقراط"يعني أن أصلها غامض ومنفصل عن أفكاره الخاصة. مقطع فديو عن سقراط[9]

 المصادر النثرية: يعتبر "أفلاطون"و"زينوفون"و"أرسطو"هم المصادر الأساسية لمعرفة تاريخ "سقراط"؛ إلا أن "زينوفون"و"أفلاطون"كانا من التابعين الذين تتلمذا على يد "سقراط"، وبالتالي فإنهم يضعونه في صورة مثالية؛ ومع ذلك، فإن ما كتبوه عن "سقراط" يعتبر هو المصدر الوحيد الذي وصل إلينا كأوصاف متواصلة لـ "سقراط". أما "أرسطو" فقد كان يشير من آن لآخر، بشكل عابر، لـ "سقراط" في كتاباته. وجدير بالذكر إن معظم أعمال "أفلاطون" كانت تتمحور حول "سقراط". ولكن يبدو أن أعمال "أفلاطون" الأخيرة كانت فلسفته الخاصة ولكنه وضعها على لسان معلمه.[10]

 التأثير الفوري: على الفور انطلق تلامذة "سقراط" إلى العمل على تطبيق تصوراتهم لتعاليم "سقراط" في السياسة وأيضًا على تطوير الكثير من المدارس الفلسفية الجديدة للتفكير. لقد كان بعض طغاة"أثينا" المثيرين للجدل والمعارضين للديمقراطية من تلامذة "سقراط" المعاصرين أو غير المعاصرين له ومن ضمنهم "ألسيبيادس"و"كريتياس".وقد واصل "أفلاطون"، ابن عم "كريتياس" تأسيس مدرسته التي أطلق عليها "الأكاديمية"في عام 385 قبل الميلاد – والتي حظيت بشهرة واسعة لدرجة أن اسمها أصبح كلمة تعني مؤسسة تعليمية في اللغات الأوروبية الحديثة مثل الإنجليزيةوالفرنسيةوالإيطالية.أما عن "أرسطو"، تلميذ "أفلاطون" وصديقه، والذي يعد من الشخصيات شديدة الأهمية في العصر الكلاسيكي، فقد ذهب لتعليم "الإسكندر الأكبر"وأسس مدرسة خاصة به في عام 335 قبل الميلاد والتي أطلق عليها الليسيه، وقد أصبح هذا الاسم أيضًا يعني الآن مؤسسة تعليمية. في حين تم إظهار "سقراط" على أنه يقلل من شأن المعرفة المؤسسية مثل الرياضياتأو العلوممقارنة بالظروف الإنسانية في حواراته، فإن "أفلاطون" أكد عليها مضيفًا إليها معنى تجريدي يعكس ذلك الخاص بـ "فيثاغورس"[11]الذي سيطر على الفكر الغربي في عصر النهضة.كما أن "أرسطو" نفسه كان فيلسوفًا وكان عالمًا له أعمال بارزة في مجالي الأحياءوالفيزياء.إن الفكر السقراطي, وهو في طريقه لتحدي الأعراف والتقاليد وخاصةً عند تأكيده على الطريقة المبسطة للحياة، أصبح منفصلاً عن أكثر مساعي "أفلاطون"الفلسفية استقلالاً ولكنه ورث بشكل كبير من قبل أحد تلامذة "سقراط" الأكبر سنًا، "أنتيستنيس"الذي أصبح مؤسسًا آخر لإحدى الفلسفات في السنوات التي تلت موت "سقراط" ألا وهي الفلسفة الكلبية.وقد هاجم "أنتيستنيس" في كتاباته "أفلاطون" و"ألسيبيادس" على ما اعتبره خيانة لمعتقدات "سقراط". شكلت فكرة الزهدجنبًا إلى جنب مع فكرة الحياة المتسمة بالأخلاق أو التقوى، والتي تجاهلها كل من "أفلاطون" و"أرسطو" بينما تناولها الكلبيون، جوهر فلسفة أخرى في عام 281قبل الميلاد – ألا وهي الفلسفة الرواقيةعندما اكتشف "زينون" من مدينة "سيتيوم"أعمال "سقراط" وبعد ذلك يتعلم من "كراتيس"الفيلسوف الكلبي.ولكن لم ترث أي من المدارس الفلسفية ميله لاحترام المرأةوالمواطن العادي والشراكة معهما.[12]

 


قصي طارق , مضامين الفكر الفلسفي عند سقراط, مجلة  فلسفة وعلوم , 2009, عدد22,ط1, ص12-19.

والمصادر المستخدمة :

 

[1] محمود عبد الرزاق شفشق: الاصول الفلسفية للتربية (فلاسفة التربية من سقراط الى برتراندرسل)، ط1، دار البحوث العلمية، الكويت، 1974.ص56-78.

 

[2] هانزجورج جادامر : بداية الفلسفة ت على حاكم صالح وحسن ناظم دار الكتاب الجديد المتحدة , بيروت , ط1 , 2002 , 

[3] هانزجورج جادامر : بداية الفلسفة ت على حاكم صالح وحسن ناظم دار الكتاب الجديد المتحدة , بيروت , ط1 , 2002 , 

[4] ينظر الجمالية : ت الدكتور ثامر مهدي , الموسوعة الصغيرة , من ( 435 ) دار الشؤون , بغداد , 2000 .

[5] ينظر الجمالية : ت الدكتور ثامر مهدي , الموسوعة الصغيرة , من ( 435 ) دار الشؤون , بغداد , 2000 , ص 50 .

[6] أميرة حلمي مطر : فلسفة الجمال ,مشروع النشر المشترك ,دار الشؤون  الثقافية –بغداد,الهيئة المصرية للكتاب القاهرة .

 

[7] محمود عبد الرزاق شفشق: الاصول الفلسفية للتربية (فلاسفة التربية من سقراط الى برتراندرسل)، ط1، دار البحوث العلمية، الكويت، 1974.

 

[8] توماس، هنري و دانالي توماس: اعلام الفكر الاوربي من سقراط الى سارتر، ت: عثمان نويه، ج2، دار الهلال، القاهرة، 1977..

 

[9] ينظر فلاطون الشاعر في الجمهورية : ترجمة حنا خباز ، بيروت- لبنان  ، دار القلم ط2، 1980 الكتاب العاشر.

 

[10] برتراندرسل: مشاكل الفلسفة، ت: محمد عماد الدين اسماعيل وعطيه محمود هنا، ط1، مطبعة دار الشرق، مصر، 1947.

[11] ديورانت، ول: مباهج الفلسفة (الكتاب الاول)، ت: احمد فؤاد الاهواني، مكتبة الانجلو المصرية القاهرة، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، نيويورك، 1955...

[12] محمود زيدان: وليم جيمس: في النفس والجسد، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1980..

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق