]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الاسطورة /قصي طارق

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-03-22 ، الوقت: 20:51:12
  • تقييم المقالة:

 

الأســـــطورة   

تتعدّد تعريفات الأسطورة تعدّداً واسعاً، بسبب تعدّد منطلقات الدرس الأسطوريّ وغاياته ووسائله وتداول المصطلح في مختلف مجالات العلوم الإنسانية، أي صلته بما يُسمّى: "الحضور الكلّي"(L’ubiquité) في المعرفة، أو "الدراسات البينية"(L’interdisciplinaire) التي تعني تردّد موضوع واحد بين أكثر من حقل معرفي. ومن اللافت للنظر أنّ ثمّة تبايناً، أحياناً، بين تلك التعريفات، يمتدّ ليشمل الباحث الواحد أحياناً أيضاً، وغالباً ما يكون لكلّ تعريف دوره الوظيفي، بحيث يطوّعه هذا الباحث أو ذاك، أو يلوي عنقه، لصالح الحقل المعرفي الذي يشتغل في مجاله.

ومهما يكن من أمر هاتين السمتين المميّزتين لمجمل اتجاهات الدرس الأسطوريّ، التعدّد والتباين، فإنّ ثمّة قاسماً مشتركاً يجمع بينها جميعاً، هو أنّ الأسطورة: "رواية أفعال إله أو شبه إله.. لتفسير علاقة الإنسان بالكون أو بنظام اجتماعي بذاته أو عُرف بعينه أو بيئة لها خصائص تنفرد بها"(1)، أو هي "مظهر لمحاولات الإنسان الأولى كي ينظّم تجربة حياته في وجود غامض خفيّ إلى نوع ما من النظام المعترَف به"(2). وقد اشترط "غريمال"(Grimal) لتسمية مغامرات العقل الأولى بالأساطير أن تكون تلك المغامرات حول تكوين العالم وولادة الآلهة، أي: "الأساطير التيوغونية"(المتعلّقة بنسب الآلهة)، أو"الأساطير الكوسموغية"(المتعلّقة بنشأة الكون)(3). وغير خافٍ ما يضمره هذا الحدّ لدى "غريمال" من دلالة على المعطى الأساسي للأصل الإغريقي لكلمة "Myth" التي كانت، في نشأتها الأولى، تعني: الحكاية المقدّسة، أي الحكاية التي تروي تاريخاً مقدّساً، أو حدثاً جرى في الزمن البدئي، وتعلّل كيف جاءت حقيقة ما إلى الوجود، بفضل مآثر اجترحتها كائنات عليا، اتصفت أفعالها بالقدسيّ والخارق(4).

2 – نشـــــأة الأســــــطورة:

ثمّة نظريات كثيرة حول نشأة الأسطورة، يحاول أعلام كلّ منها دحض مقولات سابقيه، وإنتاج مقولات جديدة، كما يحاول ليّ عنق الدرس الأسطوريّ وفق المنهج الذي يصدر عنه. ويمكن تنضيد معظم تلك النظريات في ثلاثة، هي:

أ – الأسـطورة والطقـوس السـحرية والديـن:

يردّ أصحاب هذه النظرية مجمل الأساطير إلى الطقوس التي كان الإنسان في المجتمعات الأولى يؤدّيها استرضاء لقوى الطبيعة، ويحاجّ هؤلاء بذلك التشابه القائم بين الأساطير القديمة، أي تشابه الدوافع التي أنتجتها. وقد رأى "جيمس فريزر"(James Frazer) الذي عالج الميثولوجيا الإغريقية بوصفها وجهاً من وجوه الديانة الإغريقية، وقال بتبعية الأسطورة للطقس ونشوئها عنه، أنّ ثمّة اعتقاداً كان شائعاً في المجتمعات القديمة بأنّ هناك وسائل تمكّنهم من اتقاء شرور الطبيعة حولهم وأنهم "يستطيعون أن يعجّلوا في سير الفصول أو يبطئوا منه بفنّ السحر. ولذا قاموا ببعض المراسم وقرأوا الرقى والتعاويذ ليحثّوا المطر على السقوط، والشمس على الإشراق، والحيوانات على التكاثر، وفواكه الأرض على النموّ"(1)، وقد اكتسبت تلك المراسم / الطقوس، بفعل الزمن، سمة القدسية، التي تحوّلت، بفعل الزمن أيضاً، إلى ما عُرف فيما بعد بالأديان.

ويؤكّد ذلك د. عبد المنعم تليمة بقوله إنه على الرّغم من التطوّر الذي حققه الإنسان البدائي في مواجهة الطبيعة، وفي تسخيرها للوفاء بحاجاته الأساسية، فقد ظلّت سيطرته عليها ومقدرته على تفسير ظواهرها الخارقة قاصرتين، ولذلك كان يحسّ بالعجز إزاءها، لكنه "لم يستسلم.. بل لقد تخطّى كلّ ذلك بأداة فذّة خلق بها عالماً جديداً، ولم يكن هذا العالم المخلوق وهماً وإنما كان هدفاً عجزت أدوات الإنسان وخبرته العملية عن خلقه. وكانت تلك الأداة الفذة في يد الإنسان البدائي هي الأسطورة"(2).

 

 

ج – الأســــطورة والرمــــــز:

تنهض هذه النظرية على أنّ الأساطير جميعها فعّالية مجازية ورمزية، وتتضمّن في داخلها الحقائق التاريخية، أو الأدبية، أو الدينية، أو الفلسفية، ولكن على شكل رموز، تمّ استيعابها بمرور الزمن على أساس ظاهرها الحرفي.

وقد رأى "تايلور"(Taylor)، أحد أهمّ أعلامذ هذه النظرية، أنّ الإنسان في المجتمعات الأولى كان يتمتّع بقدرة خاصة، تكاد تكون نوعاً من المَلَكَة، على صنع الأسطورة، نتيجة نظرته العامة إلى الكون، وإيمانه بـ"حيوية الطبيعة"(Animisme) لدرجة تصل إلى حدّ تجسيد مظاهرها كلّها على نحوٍ رمزيّ. فالطقوس التي كان يؤديها كانت تهدف إلى أشياء أخرى غير ما تنبئ به ظواهر تلك الطقوس، بمعنى أنها كانت تجسيداً لبعض الأفكار الغامضة لديه عن وجود كائنات عليا تملأ الكون، ولم تكن تلك الكائنات التي زخرت بها أساطيره سوى نوع من العون المادي الذي ساعد على إضفاء شكل من أشكال الوجود والذاتية على تلك الأفكار، كما لم تكن سوى رموز لهذه الأفكار نفسها(1). ويمكن تلمّس مصادر هذه النظرية لدى فلاسفة الإغريق الأوائل الذين فسّروا الأساطير على أنها "كنايات ومجازات، اخترعها مؤلفون، فضّلوا اللجوء إلى التلميح والرمز والاستعارة"(2)، والذين عدّوا آلهة الأساطير رموزاً لقوى مادية، أو لمفاهيم مجردة.


 

                                                

([1]) - بسيسو، عبد الرحمن. "استلهام الينبوع، المأثورات الشعبية وأثرها في البناء الفنّي للرواية الفلسطينية". ص (34).

(2) - بلفينش، توماس. "عصر الأساطير". ص (12).

(3) - انظر:غريمال، بيار. "الميثولوجيا اليونانية". ص (17).

(4) - انظر:الياد، مرسيا. "مظاهر الأسطورة". ص (10).

 

(1) - فريزر، جيمس. "أدونيس أو تموز". ص (15).

(2) - تليمة، د. عبد المنعم. "مقدّمة في نظرية الأدب". ص (28).

 

(3) - عيّاد، شكري محمّد. "البطل في الأدب والأساطير". ص (77).


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق