]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بين مصر التحرير وفرنسا الباستيل... دروس وعبر

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2013-03-22 ، الوقت: 17:27:23
  • تقييم المقالة:

إن ميدان التحرير المصري هو أكبر ميادين مدينة القاهرة سمي في بداية إنشائه باسم ميدان الاسماعيلية، نسبة للخديوي إسماعيل ثم تغير الاسم إلى "ميدان التحرير" نسبة إلى التحرر من الاستعمار في ثورة 1919 ثم ترسخ الاسم رسميًا فى ثورة 1952ليحاكي الميدان في تصميمه ميدان شارل ديجول الذي يحوي قوس النصر في العاصمة الفرنسية باريس.
كما أن الباستيل في فرنسا عبارة عن مربع من سجن الباستيل أُنشىء في وقت لاحق للثورة ويُعد رمزاً الى سجن أُنشئ في فرنسا بين عامي 1370 و1383 كحصن للدفاع عن باريس ومن ثم كسجن للمعارضين السياسيين والمسجونين الدينيين والمحرضين ضد الدولة. وأصبح على مدار السنين رمزاً للطغيان والظلم وانطلقت منه الشرارة الأولى للثورة الفرنسية 1789 وما تزال فرنسا حتى اليوم تحتفل بمناسبة اقتحام السجن باعتبارها اليوم الوطني لفرنسا
هما مساحتين لأعظم ثورتين عرفهما التاريخ وان اعتلى الأول صدارة المنافسة لكون الثورة فيه كميدان هى ثورة بيضاء سلميه وبأقل قدر من الدماء وسنرى قارئي كيف ؟
* فى فرنسا قاد الأدب الفكر الثوري على الأوضاع السيئة بالبلاد من نظام ملكي فاسد ودكتاتوري وتمايز طبقي وغير عادل اجتماعياً وعدم المساواة أمام القانون بين فئات الشعب المختلفة .
حرّضت كتابات منتسكيو وفولتير وميارابو وجان جاك روسو أولئك الناشدين الحرية والمساواة بالمجتمع... الفقراء من الفلاحين وكذا النبلاء الذين اعتبرهم الملك منحرفين سلوكيّاً في البلاط ضد القصر والحاشية مُخرّبة الاقتصاد فخرجوا ضد الملك لويس السادس عشر آخر ملوك فرنسا وزوجته الملكة ماري أنطوانيت قاصدين قصري فرساي والتولرى بباريس فأصدر الملك أوامره للجيش فرفض بوطنية فسقط الملك والملكة وحوكم وأُعدما فى 21 يناير سنه 1793 بالمقصلة ومعهم ألف وخمسماءة من معاونيهم لتصبح أكبر مذبحه بالتاريخ
* فى مصر قاد الحنق الاجتماعي بغياب العدالة الاجتماعية بين الحقوق والواجبات العامة واستبداد الحكم والرغبة في تورثه بلا حرية ولا مساواة وفى ظل خراب اقتصادي ليرتكز الاقتصاد بيد النصف فى الماء من السكان حاشية نظام الحكم
فقاد كل هذا كافه أطياف الشعب سواء المفتقرين الى الكفاف أو للحرية أو العدالة الاجتماعية للثورة على هذا النظام الفاسد فتحركوا نحو الميادين العامة في شتى مناحي البلاد وعواصم أقاليمها المختلفة هاتفين بالتغيير وإسقاط النظام وبالعدالة الاجتماعية الغائبة ومحاكمه الفاسدين .. تم القبض على النظام بكامل رجالاته ورموزه وكل المحيطين برأسه وساند الجيش الثوار بنظرة وطنيه فأودعهم السجون المصرية تمهيدا لمحاكمتهم ..ولا زالت الثورة مستمرة ولا زال ميدان التحرير وغيره من الميادين المصرية لم ينفضّ الثوار عنها بعد .
والسؤال هنا : هل باعدام الملك والملكه بفرنسا قد أتت الثورة الفرنسيه ثمارها وهل عادت الحياة من جديد لتتحقق العداله الاجتماعيه وتسود الحريه ربوع قيثارة أوروبا وهل بانتهاء محاكمه مبارك وأعوانه ومعاقبه الثابت في حقهم الاتهامات ستكون الثوره المصريه قد أتت ثمارها وعادت الحياة من جديد لتتحقق العداله الاجتماعية وتعود الحريه كذلك ربوع الكنانة ..؟
تعالوا لنرى الحاصل بفرنسا من بعد إعدام الملك وزوجته والمعينين لهما بموضع الباستيل لنأخذ منه العبرة لاستكمال طريق الثورة المصرية على نحو صحيح وبلا ثورات مُضادة تُحدث انتكاسة تعرقل مكاسب الثورة المرتقبة:
* أُعدم الملك وزوجته وحوالى ألأف وخمسماءة من أعوانه بسجن الباستيل - ومما يُذكر أنه حين اخترع غليوتان GUILLOTIN المقصلة، وعرضها على الملك لويس السادس عشر، اقترح عليه أن تكون القاطعة بزاوية حادة، بدلا من الزاوية القائمة حسب الاختراع الأصلي، تسهيلا لعملية قطع الرأس، وقد وافق المخترع وتم التعديل. ونفذ حكم الإعدام بقص الرأس في كل من الملك وصاحب الاختراع بالمقصلة نفسها - وكان من الممكن ان تكون هذه نهاية دراما الدم وبداية مغانم الثوره لتتحقق أحلام فولتير وموتسكيو وميرابو أولئك المحرضون لأجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية فهل حدث ذلك بالفعل ؟!
لم يحدث هذا ياسادة فقد انقسم الثُوّار ليتركوا الفرصه لفلول النظام الملكى بعمل ثورات مضاده ... انشغل الثوار بالاتهامات المتبادله بالعمالة وبمن كان مع الثورة ومن كان ضدها وبالتخوين فيما بينهم لتبدأ مرحله الصراع الدموى التى وصلت لحد اعدام بعض الثوّار بذات المقصلة وبذات الميدان الباستيل بيد رفاقهم كما أُعدم بعض العلماء بذات السبب والوسيلة .. وبيد الثورات المضاده عوقبت مدن بكاملها كليون و طولون لكونها قد تململتا من الثوار بعقوبات جماعية بعد ان ساءت الاحوال الاقتصاديه وانتشر الفقر لتبدأ سلسلة الخطف والبلطجة والسرقات والجوع والخوف مما سهل صعود نابليون بونابارت للحكم سنة 1804 كأول رئيس لفرنسا بعد 15 سنه من الفوضى والمزابح .. وكانت أسباب الثورات المضاده هى :_
1- طول مده الحركه الثوريه لمدة خمسة عشر عاماً مما أدى لانهيار الاقتصاد
2- تجييش الطبقات الفقيره من قبل الثورات المضاده بقلب بعض الثوارعلى ثورتهم مقارنه باستقرار البلاد ابّان الحكم الملكى ..
وتعالوا لنرى الحاصل الان بمصر على طريق محاكمه النظام بأكمله من رأسه حتى أخمص قدميه لنرى النهايات المرتقبه والدروس المستفاده من الثورة الفرنسيه على النحو الذى ذكرناه..
ان الحادث بمصر ياسادة ما هو الى ترجمة لنهج الثوره الفرنسيه: كيف ؟
يحرص الثوار بكافة اتجاهاتهم وأيدولوجياتهم المختلفه على تحقيق كل مكاسبهم من بعد نجاح الثوره دفعة واحدة مهما اختلفت ألوان مكاسبهم باختلاف معتقداتهم وطموحاتهم السياسيه ما بين دينية أصولية سلفية وتكفيرية جهادية ويسارية ويمينية متطرفه واسلامية وسطية وليبرالية وعلمانيه وعقائد اقتصاديه شتى بين الاشتراكيه والرأسماليه والمختلطه والاسلاميه كذلك :
كوكتيل ولكنه غير متمازج المكون انتفض فجأة وفى ذات التوقيت مطالباً كل مكون منه بطموحاته من وراء النجاحات الثوريه وبين اغلبيه ثائره بالأمس لا زالت تكرر هتافات النخب المتباينه لتستمر الثورة بلا هدنه ولا استراحة لتحليل المكاسب على الأرض قياسا بالواقع بالمتاح .. ويركد الاقتصاد ويتوقف الدخل القومى المعتمد على السياحة فى المقام الأول المبنية على الاستقرار ذلك الجازب للمستثمر صاحب رأس المال الوطنى والأجنبى ..وتتعاظم المطالب الفئوية دفعة واحدة ممارسة كل وسائل الضغط لتحقيقها بالحد الذى وصلت به لمحاوله تعطيل الملاحه بقناه السويس وكأنها الفوضى الخلاقه التى عنتها وزيرة الخارجيه الامريكيه ابان حكم بوش الابن كوندليزا رايس والذى يُعد الحادث على الساحه العربيه ابان ثوراتها وما بعدها صوره تنفيذية لها ليستغلها فرصة اعداء الوطن التاريخيين بالخارج او اصحاب الثورات المضادة لتأجيج الصراع الثورى فيعبث بأمن البلاد واستقرارها وكأنها أجنده يتم تنفيذها برؤى غربية وأمريكية وصهيونية ناطقة بلسان العدل والحريه فى الظاهر بينما تدمر كل القيم العربية والاسلامية وقداسة الأمن والوحدة الوطنية بدولنا وأوطاننا فتزداد الاعتداءات على مراكز الشرطة ورجال الجيش كذلك حتى وصلت أدواتهم لأسلحه حربيه كطلقات الأربى جى والهاون حتى أن قسم العريش يتم ضربه بخمسه عشر ألف طلقه دفعة واحده لتخترق بعض القوى المسلحه المتطرفة دينيا ومذهبيا حدود البلاد تحت رغبة فصل سيناء عن الوطن مصر واقامة امارة اسلامية بها .. وكأن نظرية الفوضى الخلّاقه قد أُعدّت فى كواليس الصهيونة العالمية بعد تدريب شاق وفائق الجودة لأدواتهم البشرية القادرة على تنفيذ السيناريو الخاص بها على كافه أصعدة الوطن العربي فكانت الصورة واحدة فى كافة البلدان الثورية بداية من تحطيم صورة الحاكم الرمز من تماثيل وصور ميدان وكذا تحطيم المؤسسات الأمنيه بكسر حاجز الخوف بين المواطن والأمن والقائمين عليه لتسرى الفوضى ربوع هذه الدول بقصد خلق أنظمة جديدة ويرجع الفضل فى نجاحهم في مسعاهم هذا لأنظمة حكم دكتاتورية طبعت على صدور الأوطان العربية فباتت هي والمحتل صورة واحدة ولا زالت الاعتداءات مستمرة ولا زال الشعب ثائراً ورجال التحرير يهتفون بينما المحاكمات فمستمرة لرجال النظام السابق ومسرح محاكمه الرئيس ونجليه ووزير داخليته فى طور الاعداد وقد مر على ثوره يناير حتى الأن قرابة ستة اشهر .
ماهذا الحادث: هل الحركة الثورية بمصر قد اقتدت بالحركه الثوريه بفرنسا وهل هى فى طريقها لسلوك ذات الطريق ذو الخمسة عشه سنه التى سلكتها فرنسا حتى استقرت بحكم بونا بارت ..وهل الانقسام بين الثوار وكذلك الاتهامات بالتخوين والعمالة بين كافة الأطياف الثورية بمن كان مع الثورة ومن كان ضدها قد اتخذ قدوته ومثله الأعلى ما حدث بفرنسا فيصير الثوار مشروع شهادة على يد بعضهم البعض ويصير ميدان التحرير كالباستيل تماما وتصير مقصله النظام أداة اعدام الثوار أنفسهم على يد بعضهم البعض كما الحادث بفرنسا تماما .. وهل ستنجح الثورات المضادة من قبل مهزومى الثورة المصرية فى تجييش الطبقات الفقيره والتى لم تلمس سمة تغيير فى أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية من بعد الثورة بينما قد فقدوا الأمن الذى كان سائداً ابّان النظام المستبد والمُثار عليه فيملأهم الحنق على الثوار الذين لايزالون فى ثورتهم قائمين فيصيروا أداة ضرب للثوار أنفسهم وبيد الثورات المضادة كما حدث بفرنسا تماما فتأخر الاستقرار من بعد الثوره لأكثر من خمسة عشر عاماً عاما حتى ميلاد حكم بونابارت الدكتاتورى ..
وهل الثوار بمصر كما كان الثوار بفرنسا سينقلبون على من دعمهم سواء من القوى الثوريه نفسها او من الجيش الذى رفض بوطنيه بامتياز تنفيذ الأوامر بضرب الثوار يتهمون قيادته كذلك بذات الاتهامات للنظام السابق بالتخوين والعمالة وغيرها فتحدث الوقيعه بين الجيش الداعم للثوار والثوار أنفسهم وقد كانوا من قبل يداً بيد وكان الجيش لهم كحائط سد ضد النظام المستبد المثار عليه .. وهل سيقبل الثوار أحكام القضاء على رجال النظام السابق أم سيتهمونه كذلك بذات الاتهامات ان لم ترقى أحكامه الى قناعته بالقصاص وما أثّر ذلك على انهاء الثورة لبداية ميلاد جديد أم ستُعزز أليّات التخوين للقضاء كما الجيش كذلك ؟
هذه الأسئلة المجتمعة قد أجابتها الثورة الفرنسية منذ نشأت فى 21 يناير 1793 ولمدة خمسة عشر عاماً حتى ميلاد حكم بونابارت هى ذات الاجابات المتوقعة على المسيرة الثورية ما دام السيناريو هو نفسه قائما ..
هناك رغبة من الثوار فى اطاله أمد الثورة لتحقيق أهداف هي جد متباينه تباين أطيافهم ومقاصدهم وفى الحقيقه هى أهداف لم تتحقق بالكليه ومجتمعه على المدى القصير وقد أدى هذا إلى استمرار حالة عدم الاستقرار وانتشار البلطجة بالبلاد والفوضى وعدم الاستقرار وغياب المنظومة الأمنية فافتقر الشارع للأمن وباتت حدود الوطن عرضه للأخروقات الأمنية كذلك بينما الاقتصاد فبات مشلولاً والدخل القومى أصبح في أزمة كذلك والمطالبات الفئوية فمتزايدة غير متوقفه وبات اعداء الوطن يؤججون الفتن بالبلاد بين كل الأطياف المجتمعيه مستخدمين أليّات التنظير السياسى باسم استجلاب مساحه اتفاق لن تتحقق كما تطمح فى ظاهرها الى استقرار الأوضاع سياسيا بينما فى الحقيقه فإنها تؤجج بعمد منها عدم الاستقرار ذاته وأصبح الأهم فى مشهد التنظير السياسي هو الاجابة على السؤال محل الطرح ما الذى يعطى الأخر الشرعية الدستور أم الانتخابات البرلمانية وأيّهما الأولى حدوثاً دون ان يكون الاستقرار بالأساس وتحت أيّة مسمى فلسفى هو المبتغى والأساس وهنا لن تكون كلمة فصل متوقعة من بعد طول مسير ثوري متوقع كذلك إلا بكلمة من أحد رجال العسكر من بعد خمسة عشر عاماً كذلك كما حدث بفرنسا بونابارت ليعيد الأمن والاستقرار للبلاد وبذات أدوات الدكتاتور السابق الملك الفرنسي المعدوم والمصري المنتظر مصيره كذلك لتحتاج مصر مستقبلا كما قد احتاجت فرنسا من قبل لرجل يتخذه الشعب رمزا حقيقيا يحقق طموحها في العدالة المطموحة والتي لم تصل إليها حتى على يد بونابارت فأخذت من ديجول رمزاً حقيقياً كرئيس للجمهورية الخامسة الفرنسية ينظر إليه المصريون كما نظر الفرنسيون لديجول من قبل كأب روحي يعود إليه الفضل في استقلال فرنسا عن الجيوش النازية إبّان الحرب العالمية الثانية وقد طغت صورته على صورة بونابرت ذاته جالب الاستقرار لفرنسا بالدكتاتورية من بعد الثورة والفوضى والدم..
هكذا كان طريق الثورة الفرنسية السائرة عليه الثورة المصرية كذلك وان اختلفتا في كون الثانية سلمية بامتياز شهد له العالم بأثره بأنها أعظم ثورات العالم قاطبةً بيد أن متفحص الصورة جيدا يتملكه الخوف أن يتحقق بها ذات المخاطر المحققة بالصورة الفرنسية قبلا: إنها حقا دروس وعبر مستلهمة من بين ثورتين ..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق