]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أطول أيام عمرى

بواسطة: دكتور سعيد عفيفى  |  بتاريخ: 2013-03-21 ، الوقت: 23:58:25
  • تقييم المقالة:
أطول أيام عمرى

منذ أن وطأت قدماى أرض المهجر فى أمريكا منذ 15 عاماً، وأنا أتابع الشأن السياسى والمحلى من بعض وسائل الإعلام الأمريكية، بالإضافة إلى إشتراكى فى عدد من القنوات العربية المتاحة. وفى يوم 11 سبتمبر 2001 مكثت أنا وأسرتى فى المنزل لمدة 10 أيام، لم يكن لنا فيها عمل سوى الطعام والنوم ومشاهدة التلفزيون الأمريكى، لأنه يبث مباشرة دون وسيط من موقع الأحداث.

لقد كنت واحداً ممن شاهد بأم عينيه إرتطام الطائرة الثانية بالبرج الجنوبى لمركز التجارة العالمى بمدينة نيويورك، وقد رأيت حجم النيران التى إندفعت بقوة لحظة الإرتطام مكونة كرة نارية بحجم الهرم الأكبر، حيث كنت متواجداًعلى بعد حوالى نصف الكيلومتر، و بالتحديد فى الناحية الغربية من نهر هديسون الذى يطل عليه المركز والذى يفصل مدينة نيويورك حيث موقع برجى مركز التجارة العالمى  وولاية نيوجرزى. وبعدما رايت كل هذا، أدركت تماماً بأن هناك كارثة تمر بها أمريكا، و أنه يتعين علينا أن نتوخى الحزر خلال الفترة القادمة حتى ينكشف الأمر. حيث لم نك نعلم من فعل هذا؟.

بعد ساعة ونصف - من مشاهدة الكارثة، و مشاهدة حجم الرماد الذى غطى كل شئ على مسافة 2 كيلومتر من الموقع، بعد إنهيار البرج الجنوبى ثم الشمالى - عدت إلى منزلى منهكاً شارد الذهن، و لم أجد أولادى أو زوجتى فى المنزل. فتحت التلفزيون و شاهدت تعليمات الحكومة للمواطنيين. وهنا دق تليفون المنزل، وإذا بها مدرسة الأولاد تطلب من يحضر بسرعة لتوصيلهم للمنزل لأن الأوتونيس لن يعمل اليوم توخياً للإزدحام المتوقع وإنهم يحاولون الإتصال بى على هاتفى المحمول ولكنهم فشلوا، حيث كانت شبكة التليفونات لا تعمل عن عمد لأسباب أمنية.

إنطلقت مسرعاً إلى مدرسة الأولاد. و فتحت الراديوا على محطة محلية مشهورة تبث من مدينة نيويورك، فوجدتها تنقل أخبار الكارثة لمدة دقيقتان، ثم تعليمات الحكومة، ثم نصائح للسائقين المتواجدين فى بعض الأماكن لتوخى الإزدحام فى بعض الطرق. و بعدها يأتى دكتور ليشرح مخاطر الرماد المتطاير من مكان الحادث وأنه إذا قمت بإستنشاق الرماد الذى يحوى الإسبستوس القاتل، يتعين عليك الذهاب فوراً لأقرب مستشفى وإبلاغهم بذلك، ويطلب من السكان فى محيط المنطقة بالإبتعاد عنها قوراً لمسافة 3 ميل، و يتحدث بعد ذلك مسئول أمنى عن الأماكن التى تتجمع فيها بواخر على ساحل جنوبى مانهاتن لنقل الفارين من الكارثة إلى فنادق على حساب الحكومة بولاية نيوجرزى.

عدت مع أولادى للمنزل فوجدت زوجتى منهارة بسبب هول ما رأت. وأبلغتنى بأن المركز الإسلامى بمدينة جيرزى سيتى يطلبك للمساعدة فوراً حيث كنت أسكن قريباً منه، فإنطلقت للمساعدة فى توصيل أطفال مدرسة الغزالى الإسلامية لمنازلهم حيث إن أولياء أمورهم فى أعمالهم وشبكة المحمول لا تعمل ولا أحد يجيب فى منازلهم. وفى طريق توصيلى للأطفال كنت أرى رجال الشرطة عند كل تقاطع يهدأون من روع السائقين و يرشدونهم عن طرق بديلة لمسارهم فى حالة الإزدحام.

وعند عودتى للمركز الإسلامى، جلست مع بعض المسلمين نشاهد تلفزيون محلى. وفجأة دخل علينا حارس المركز وهو يقول بأن هناك شخصان يصوران لوحات السيارات فى جراج المركز، وإنطلقنا مسرعين حيث وجدنا من يقوم بتصوير لوحات السيارات، فأغلقت باب الجراج عليهم وإستدعينا الشرطة التى اتت خلال دقيقة واحدة، وتعرف ضابط الشرطة على المصوران، و تبين بأنهما من جهة أمنية فيدرالية. وإحتججنا على هذا التصرف، وطلبنا تحرير شكوى بالواقعة التى تبين بعد ذلك بأنهما تصرفا من تلقاء نفسيهما حيث كانت شبكة المحمول لا تعمل، ولايوجد تواصل بينهما مع قيادتهم، و قدم بعد ذلك رئيس مكتب المباحث الفيدرالية بالولاية إعتزاراً علنياً فى محطات التلفزيون، وأتى للمركز الإسلامى بعد شهر من الكارثة وقدم إعتزاراً شفهياً أمام اكثر من ألفى مسام.

عدت للمنزل مساءً يوم الكارثة، كى أتابع الأخبار أولاً بأول. فوجدت كل محطات التلفزيون تتحدث عن المسلمين من ركاب هذه الطائرات. وسمعت تقريراً عن قتل رجل ينتمى لطائفة السيخ الهندية التى ترتدى عمامة مميزة. حيث شك فيه بعض الشباب الأمريكى فضربوه حتى الموت معتقدين بأنه مسلم، وبعدها مباشرة إنهالت تصاريح المسئولين لتهدئة الناس من أفعال الإنتقامية وقالوا بأننا لم نتأكد بعد، وبفرض أن مسلم قد قام بها فهذا لا يعنى بأن كل المسلمين يؤيدون هذه الأفعال، وإنتشرت فرق إعلامية فى كل أماكن تواجد المسلمين.

صباح اليوم التالى: إتصل بى المركز الإسلامى للمساعدة. وذهبت فوجدت 4 سيارات لتلفزيونات مختلفة وتستعد لبث مباشر عن وضعنا. كما طلبوا التحدث مع أطفال المسلمين الذين يتعلمون فى المدارس الأمريكية الحكومية والمدارس الخاصة الإسلامية، وطلب منى مدير المركز بإحضار إبنى الصغير الذى يدرس بمدرسة امريكية حكومية لأننى اسكن قريباً. وطلبوا طفلة من أحد الحضور تدرس بمدرسة الغزالى الإسلامية.

وتحدثت وسائل الإعلام بشفافية عن راينا فى هذه الكارثة، وعن نفسى قلت لمحطة 12 نيوجرزى عندما سألونى عن ماجرى. قلت بالحرف الواحد. (إنكم تحثوننى كمسلم الآن و السؤال يتعلق بالرآى فيما جرى من وجهة نظر دينية، وهذا يضعنى فى موقف الذى يبين ويوضح للناس الحقيقة الإسلامية، وإننى لست رجل دين و لكننى مسلم و أعرف تعاليم دينى جيداً، وأقول بكل ثقة أن الدين الإسلامى حقيقته دين سلام، وكل أياته تحض على الفضيلة والسلم المجتمعى، ولدينا آيات من القرآن الكريم تمنعنا من التعدى على أى نفس أو ممتلكات للغير حتى لو كان لا يؤمن بالله). وقد تكرر كلامى هذا فى كل محطات التلفزيونات فى امريكا لمدة شهر كامل مع إستضافة شيوخ لتأكيد ماقلت وتعضيده بأبات من القرآن مع شرح واف لها.

تذكرت هذه الايام العصيبة وأنا اشاهد بعض من محطات التلفزيون المصرية تلوى وتزور الحقيقة، بل وتخترع وتلفق كلام، ثم يتم الكشف عن حقيقته بعد ذلك. بل وصل الأمر بالسب والقذف العلنى لرئيس الدولة، والسؤال الذى يندفع بقوة لعقلى ووجدانى هو: هل هذه المحطات التلفزيونية تعمل لصالح المجتمع أم تسعى لتدميره. فالإعلام الأمريكى وقت الشدة يعمل على نشر الأمن والسلم المجتمعى، بغض النظر عن النظام السياسى الأمريكى، ونحن هنا وفى ظل أحلك الظروف لم نجد تشويهاً لنا كأقلية مسلمة، اللهم إلا بعض المحطات الخاصة التى لا يسمح لها بأن تكون مفتوحة للجميع، فبإسم حرية الإعلام هنا فى أمريكا، لا يمكن أن يتم تهديد وتعكير صفو المجتمع الأمريكى بأى حال من الأحوال عن طريق أى وسيلة إعلامية.

إن الإعلام الأمريكى يحترم صناديق الإقتراع و يصمت بعد إعلان أى نتيجة إنتخابية، و نحن إعلامنا يظل ينعق ليل نهار متحدياً الإرادة الشعبية. إننى أرى الإعلام المصرى فى اغلبيته إعلاماً عنصرياً تحريضياً لا يسعى لرفعة ونمو الوطن، بل بالعكس يعمل بكل طاقته على هدم وطن أقدم حضارة إنسانية نفتخر بها هنا فى أمريكا، فبكل فخر وإعتزاز نقول بأننا مصريون للنخاع بالرغم من كوننا نحمل الجنسية الأمريكية.

ومما يؤسف عليه حقاً بأن كل هذه المعاول الهدامة تعمل تحت ظلال الحرية التى أنعم الله بها على الشعب المصرى. فهل أساء الإعلام إستخدام الحرية أم إنه يعمل من أجل تحقيق أغراض وأهداف تدميرية آتية من خارج الوطن؟. إننى كمسلم و أعيش فى أرض المهجر أرى بأن يتم إصدار ميثاق شرف إعلامى مكتوب يلتزم بع الجميع من أجل رفعة وطننا الغالى. فقد حضرت العديد من الندوات السياسية و الإقتصادية التى تهم الولايات المتحدة الأمريكية، و فى كل ندوة أتقدم بسؤال شاذ للخبير لإستيضاح وجهة النظر الغربية لمصر. و قد وجدت ردوداً مبشرة بالخير لمصر، بشرط الإستقرار المجتمعى الذى تهدمه قلة تسعى إلى الفوز بمناصب بالرغم من رفضهم مجتمعياً.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق