]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العلمانية والإسلام

بواسطة: دكتور سعيد عفيفى  |  بتاريخ: 2013-03-21 ، الوقت: 23:49:08
  • تقييم المقالة:

العلمانية والإسلام

إننى أعلم مقدما بأن الحديث عن هذا الموضوع سيخلق لغطاً عند البعض ممن لا يدركون المعنى الحقيقى للعلمانية، وخصوصاً بعد أن كثر الحديث عن العلمانية ووصفها مقارنة بالدين الإسلامى بطريق المخالفة للدين، فمن منطلق علمى وتحليلى وعقلانى رأيت أنه من واجبى أن أقدم هذا التحليل الدقيق لهذه المفاهيم حيث رأيت أن هناك إختلاطاً بين الحابل و النابل عند الكثيرين بالنسبة لتفسيرها.

لقد تناول بعض مشايخنا تحليل العلمانية - بالرغم من إعترافها بالحرية التى تنادى بها الشريعة الإسلامية - من منظور دينى وفسروها على إساس أنها تمثل كينونة مستقلة مضادة للنزعات الإشتراكية والماركسية الإقتصادية، وأنها تنازع الدين الإسلامى مكانته المقدسة فى النفوس لدى المسلمين. فكل نجاح وتقدم للمسلمبن فى الغرب قد تم بمنظور علمانى، وبالرغم من ذلك فمازالوا يتمسكون بدينهم أفضل من الكثير من الناس التى تتحدث ليل نهار دون وازع دينى يتشدقون به ليل نهار.

وكذلك الأمر نجد أن السياسيين المصريين الذين يتشدقون ليل نهار بأنهم علمانيون، هم بعيدون كل البعد عن ماتنادى به العلمانية من حرية الإبداع والإختيار، فنراهم يناصبون التيار الإسلامى العداء، لأن صناديق الإنتخاب قد أتت بهم لسدة الحكم، ويتهمون من إختارهم بالجهل وينعتنونهم بألفاظ نابية يعف لسان كل عاقل أن يتفوه بها. لقد قررت الغوص فى المفهوم الحقيقى للعلمانية حتى يعى كل طرف بأنه قد أخطأ فى إستعمال هذه الكلمة وحرفها عن معناها الحقيقى. فكينونة الحرية التى يتمحور حولها مفهوم العلمانية هى نفس الأفكار التى ينادى بها الدين الإسلامى الحنيف الذى أطلق العنان للحرية المشروطة بعدم المساس بالقيم وما يؤمن بة الغير وكذلك مراعاة الحرمة الإنسانية.

إننى أعتصر كبداً كل يوم عندما أتحدث مع بعض الأصدقاء فى مصر وأسمعهم يقولون بأننى أعيش فى الغرب، وكأنها سبة فى جبينى، و كأننى قد خرجت عن ملة الإسلام عندما أصارحهم بأننى رجل علمانى أفكر بشكل منهجى حر مرتب، وهى نفس التعاليم الذى تتكرر فى العديد من الآيات فى القرآن الكريم، فقد أمرنا المولى عز وجل بالتفكر والتدبر والتعقل (أفلا تتفكرون) و (أفلا تعقلون) و (أفلا تتدبرون)، فهل نجاحنا وإندماجنا فى الغرب مع الحفاظ على هويتنا وتعاليم ديننا سيخرجنا من الملة لأننا نعمل بما أمرنا الله به؟.  

قبل الوقوف عند مفهوم العلمانية وتبيان دلالاتها، لا بد لنا بداية من الإشارة إلى أن العلمانية من حيث سياقها التاريخي كظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية لا تتعارض مطلقاً مع الأديان، فقد إرتبطت العلمانية بالحداثة، والحداثة هنا،إشارة مرسلة تدل على تطور تاريخي لمجتمع ما في إطار التاريخ العالمي. أي بتعبير آخرأنه عبارة عن حدوث تحول وتطور لمجتمع من المجتمعات في مجمل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

وهذا التحول والتطور عقلانيان يشيران إلى تجاوز قوى وعلاقات الإنتاج القديمة وتشكل أو إنجاز قوى وعلاقات إنتاج جديد تتناسب مع اقتصاد السوق وتحرير العملية الاقتصادية من رحم الاقتصاد المغلق. و كل هذه المفاهيم لا تتعارض مع المبادئ العامة فى الشريعة الإسلامية.

 هذا الترافق قد بدء فى الإنتشار والتكوين لصياغة وعي جديد ذي سمات علمية وعقلانية لتفسير حركة وآلية عمل الطبيعة والمجتمع بعيدا عن أسس التفسير السابقة المستندة على الرؤى والمفاهيم الذاتية والغيبية التى ترسخت فى المجتمعات الغربية معتمدة فى هذا التفكير على التأثير الكنسى الذى حكم كل شئ فى أوروبا لعقود كثيرة كانت نتائجه تناحر وحروب طاحنة بالرغم من وجود المؤثرات الدينية فى كل مناحىالحياة، هذا إضافة إلى تشكل جمعيات ثقافية وأحزاب سياسية ذات تصورات أيديولوجية مختلفة تتوزع مابين اليمين واليسار، واتساع لدوائر ومؤسسات الدولة الحديثة ذات التوجهات الليبرالية والسمات العقلانية.‏

إن كل ما أشرنا إليه، رافقه بالضرورة تحولات وحراك اجتماعي طال فئات وطبقات اجتماعية واسعة في المجتمع تمثل في في انتشار التعليم وزيادة نسبة المتعلمين واتساع حرية المرأة وبروز تبدلات في القيم والعادات والتقاليد، وكل هذه التطورات لا تتعارض مع ما تنادى به الشريعة الإسلامية التى تدعوا إلى الإنفتاح وإعمال العقل والتفكير، وكذلك إذا ما نظرنا وتمعنا تاريخياً فى كل العلوم الإنسانية التى ينعم بها العالم الحديث، فقد وضع اساسها علماء مسلمون مازالت تذكرهم الحضارة الغربية بالخير حتى يومنا هذا.‏

وعليه فإننا يمكننا أن نقول بأنن العلمانية لفظ أشتق من (العالم)، أي من الحياة اليومية المباشرة بكل معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية،أم جاءت من (العلم)، بكل قوانينه الوضعية، فإن للعالم والعلم كلاهما له قوانينه الموضوعية التي تفرض نفسها على الإنسان وإرادته، وتتحكم بسير حركة الواقع وتطوره بشكل حتمي. بيد أن العلمانية التي تقر بوجود هذه القوانين الموضوعية لاتنفي بالمقابل أن للإنسان وعيا وحرية تعطيانه القدرة على التحكم أيضا في آلية عمل الكثير من هذه القوانين وضبط حركتها لمصلحته. أي إقرار العلمانية بأن ثمة فسحة واسعة من الحرية قد امتلكها الإنسان ليفكر ويمارس ويبحث عن ذاته وتنميتها، وبالتالي، فالعلمانية في ابسط صورها هي: امتلاك الإنسان القدرة على التفكير والحركة بحرية وعقلانية بعيدا عن أية سلطة أخرى، أو موقف فكري وكل هذه المعطيات لا تتعارض مطلقاً مع الشريعة الإسلامية.‏

إن هذا الفهم للعلمانية يشكل برأيي نقطة الخلاف الأساس ما بين العلمانيين ومناهضي العلمانية، وبخاصة هؤلاء الذين يريدون أن يحجروا على حرية الإنسان وعقله، مطالبين وبكل صراحة بضرورة استقالة العقل أمام النقل،مكفرين العلمانيين تحت ذريعة الخروج عن النص الديني الذي فسروه هم كما فهموه أو أرادوه، بالرغم من كون العلمانية لا تتعارض مع مفهوم الشرع فى الحرية التى لا تتجاوز حقوق الأخرين.‏

فالدين في حقيقة الأمر لايخالف العلمانية من حيث الجوهر، فالدين لم يلغ في نصوصه البينات حرية الإنسان ودفعه إلى تجميد أو إلغاء التفكير عنده، بل على العكس فإن معظم النصوص تطالب الإنسان بالتفكير وتشغيل العقل للوصول إلى الحقيقة، ولم تخف هذه النصوص الدعوة بتكليف الإنسان ذاته خلافة الله على الأرض، هذا التكليف الذي رمى على عاتقه مسؤولية الإشراف والحفاظ على حسن سير الطبيعة والمجتمع، ولكي يدرك الإنسان ويعرف طبيعة هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه، أُمر أن يسلك طريق المعرفة، فكانت أول آية قرآنية راحت تخاطب الإنسان هي (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم).‏

نعم لقد كانت دعوة صريحة للإنسان الخليفة وتنبيها له بأنك لن تستطيع أن تمارس دور الخلافة على الأرض ما لم تكن حرا ومدركا لدورك ورسالتك وطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقك، وهذه لن تتحقق إلا باكتساب المعرفة أولا، وأول ما عليك معرفته هو، أن الواقع الذي تعيشه أقوى من النص، وأن النص جاء للواقع، ومن أجل تغيره وإعادة بنائه أو أعماره من أجل مصلحة الإنسان وبما يخدم تنميته والسمو به إلى عالم الإنسانية الرحب، ولو لم يكن النص كذلك لما جاء في الحقيقة منجما، ولما كان الناسخ والمنسوخ فى نصوص القرآن الكريم.

على هذا الأساس نتساءل ما هي معطيات المقاربة ما بين الدين والعلمانية ؟ .‏

1.     ضرورة الإقرار بأن النص الديني مفتوح في دلالاته الإنسانية على المطلق، وليس نصا مغلقا.‏ 2.     الإقرار بأن الإنسان يمتلك إرادة وتفكيرا حرين، ومسؤولية إنسانية توازي هذه الإرادة وهذا التفكير، وتعمل على ضبطهما بما يخدم حياة الإنسان ومستقبله.‏ 3.     الإقرار بأن الحياة في حالة من التطور والتبدل المستمرين، أي في حالة سيرورة وصيرورة دائمة.‏ 4.      الإقرار بضرورة فصل الدين عن الدولة (الدين لله والوطن للجميع،وهي ضرورة تمليها طبيعة المجتمعات المتخلفة التي يسود فيها التعدد الطائفي والمذهبي كمجتمعنا العربي).‏ 5.     رفض النزعة العدمية اتجاه الدين،وعدم الممانعة في الاتكاء عليه تربويا وأخلاقيا تحت مقولة ما نسميه التوظيف الديني مجتمعياً.

هكذا نجد من خلال هذه المقاربة الأولية ما بين الدين والعلمانية،أن العلمانية ليست ضد الدين أو نافية له، بل هي الجانب العقلاني والإنساني فيه الذى يفسر الأمور بحرية وتعقل وتدبر طبقاً للتعاليم الإسلامية، إنها دعوة لحرية الإنسان، وسيادة العقل والمنطق في تفسير ظواهر الحياة الطبيعية والاجتماعية، إنها دعوة لتسييد العقل على النقل والامتثال مع الحفاظ على مسافة لا يتعين المساس بها وهى حرية الإعتقاد. كأحد الحريات التى يؤمن بها الإنسان، وذلك من منطلق أن الدين الإسلامى قد جعل للإنسان حرية حتى فى إختيار عقائده.‏

هل بعد هذا السرد الممنطق يمكن أن يتخيل أى إنسان بأننى كعلمانى أدافع بإستماتة عن التيار الإسلامى وحقوقه التى أكتسبها دستورياً، دون النظر إلى ما يفكرون فيه من ناحيتى، فأبجديات العلمانية هى أن كل إنسان حر فى هذا العالم فى إختياره حتى لو أفرز هذا الإختيار من يناصبه العداء. فالعلمانية منهج تفكير وليست بديلة عن الأديان بأى حال من الأحوال. اتمنى أن لا يكون قد أسئ فهم مقصدى من هذا المقال الذى آراه ضرورياً فى هذا التوقيت.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق