]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

البيئة والمحيط في الفن العراقي/ قصي طارق

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-03-21 ، الوقت: 19:53:03
  • تقييم المقالة:

 

 

البيئة والمحيط في الفن العراقي قصي طارق 

ينطوي البحث في الفن العراقي على توجهين الأول غير فني (خارجي) والثاني فني (داخلي) ... والقول بوجود علاقة بينهما يساعد منهجياً في كشف المدخل إلى بيئة وتغيراتها، لقد أسس الفن العراقي نفسه بالتوجه إلى مادة البيئة والمحيط وكانت موضوعاً لتوجهاته على مستوى المواد والإحداث...والتعيينات الأسلوبية أيضا...والسؤال هل البيئة والمحيط العراقي نفسه قد تغير على مدى الأربعين سنة الماضية أم إن الفن نفسه هو الذي تغير...لقد تغير الاثنان، لكن المسألة الجوهرية لا تعود إلى التغيرات من حيث هي كذلك بل الى الاقتراحات ، فالتغير في الفن قد لا يشكل قيمة بحد ذاته، لان قانون التحول يحكم هذه الجدلية، لكن إسهامات التحول، هي التي تترك في حياة الفن انزياحات وندبات على المستوى التاريخي... وان الاقتراح الفني هو انتخاب وتأويل للإحداث والصور المتراكمة والمستجدة ، أن ما نعنيه بالبيئة والمحيط في الفن العراقي هو اقتراح صيغة لتموضعه داخل الفن وليس موضوعه ... والأمر هنا يختلف في القراءة و التبادل فأن البيئة هي المكان الذي يتخللنا والمحيط هو الفضاء الذي يحوينا، وقد تكون الأمكنة هي التي تحوي الفن وليس العكس البيئية الصحراوية، والجبلية، والمعمارية ... حقائق جغرافية وسوسيولوجية وثقافية تتبادل الأدوار بين المفاهيم والصور المنتجة منها ... لذلك يمكن القول بيئة ثقافية  وبيئة عمل مقابل فضاء ثقافي ومحيط عمل ... ان هذه الحقائق تسهم معاً في تحديد دلالة هذه الأوصاف واستخداماتها.

 إن هذه المواد المعطاة لنا منذ الولادة، بقدر ما تحدد لنا معطيات العيش والكفاية، نمارس نفوذنا فيها وعليها... نتكيف لضروراتها والتزاماتها ونكيفها على وفق مصالحنا ودوافعنا واحتياجاتنا المتجددة، اما بأعمالنا السلبية او عن سهو وعدم دراية، نقوم بزعزعتها وفي مقابل ذلك نغيرها و نخلق بيئات  صناعية مباشرة تسهم في إنشائها، فمتطلبات التكيف وإعمال التحويل الإنشائي، والتنظيم الاجتماعي، بيئات قد تنبثق تلقائياً او ضمن خطط التدبير، أن تاريخنا من وجهة نظر معينة تاريخ ممارسة من هذا النوع، تاريخ حروب وصراعات داخل البيئة من اجل تحويلها أو قسرها... وان الفن والعمل الفني كان باستمرار يقيم علاقاته معها من جهة نسقه الخالص وضمن شروط ثقافية وتاريخية متغيره... وأوساط متجاورة ومتنافذة ومتعادلة – بهذا المعنى هي علاقة جدل بين الفن ومحيطه العام... ففي الثقافات الفنية تشكل البيئة ومواردها وحواملها حقلاً دلالياً في الجدليات المعاصرة، بين الفن والمجتمع والحياة والطبيعة وفي الفن العراقي جدليات من هذا النوع، لكنها ظلت مضمرة شكلت وجهتها بالضرورات او قادتها مفاهيم ثقافية شبه إيديولوجية أو ايديولوجية كاملة... وهذه الجدليات تظهر وتندفع بقوة وسط الأزمات الثقافية والروحية وعند المنعطفات والاهتزازات الكبرى وعليه انطلقت مجموعة من الاقتراحات تلامس الجدل الذي كان عليه تأسيس الفن العراقي، ومنها الجدليات البغدادية والحروفية والواقعية والأكاديمية.. واتجهت كل من هذه الجدليات مع البيئة إلى تلمس أثراً ما، ثقافياً آو موروثا للوصول إلى طريقة أو أسلوب تعبير تحكمهما الضرورات بين الثقافة والطبيعة،  طبيعة تقاوم تكيف وتقوض وتؤسلب وتحول، لقد كان الفنانون يذهبون جماعات إلى الريف يبدأون بمجموعة استطلاعات، تنتهي إلى تعين مراكز منتخبة ومعرفة... حركة كهذه اجترحها الفنانون العراقيون في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينات من القرن الماضي آذ اعتادوا القيام برحلات استطلاعية إلى الريف والمحيط بمدينتهم بغداد، ليصوروا البساتين وأسوارها الطينية، أن أعمالهم التي انبثقت من هذا التوجه تشكل وحدها سلسلة اختيارية يمكن فحصها من زواياً عدة، مع أنها تكاد تكون متشابهه من حيث المدى اللوني والأسلوبي الذي تراوح بين الواقعي التسجيلي ، والأكاديمي والانطباعي، والتنقيطي مع اقتراحات شخصية أخرى.

 

واللافت للنظر أن هذا التقليد قوي ومشبع بالمعنى، فهذه الرسوم تكررت في المحترفات أيضا، لان ممارستهم ليس فيها تفضيل للريف فقط(شكل 126) ، بل لان المدينة نفسها لا تختلف من حيث ثقافتها الموروثية عن المحيط الريفي، وكان بعض الفنانين ينتخبون في موضوعات أخرى(كالبورتريت) والطبيعة الساكنة ، (شكل127- ا- ب - ج) وبذلك لقد شكل المشهد الطبيعي موضوعاً جمالياً متعدد الإبعاد ... لكن موضوعات الحياة  الأخرى (*)الاثنوغرافية  والدينية  كانت بيئة بكر لأعمالهم.. أن الموضوع له اتساعات دلالية قابلة للبحث في ثناياه فقد ترددت أصداؤه في الفن الحديث من جهة والفن المحلي من جهة أخرى ... ان هذه الحركة الدالة بالضبط، ما سوف تقوم به الجماعات الفنية فيما بعد،ضمن تعريف ثقافي حداثي متنوع وخصب في جدلية صريحة لها قاموس اصطلاحي ومراجع مفاهيمية الموضوع وتبادل الرؤى مع المحيط بهذا المعنى مرجعاً في الفن العراقي منذ التأسيس... وانه قراءة للإنتاج الفني سوف تحدد طبيعة الحياة الاجتماعية والعكس صحيح. لقد اثر هذا التبادل في نتاج جواد سليم وجماعة بغداد.. وإذا كان الفن يتشكل على وفق الارتباط الاجتماعي آنذاك فأن نسقه له دلالات عميقة من أيديولوجية الحياة نفسها.. ولان البحث غير معنى بالتفاصيل التاريخية الا أن حضورها قد يغني مفهوم التحول الذي أفرزته البيئية المحيطية ومنها الحرب.. في اغراقات وانتهاكات تلك التأسيسات والتحول الذي أفرزته البيئة المحيطة ومنها الحرب ،و مدلولاتها المستجدة، كانت موضوعات الفن والحداثة كما عرضها الفنانون في الخمسينيات تؤثر في إعمالهم وإنتاجهم، والموضوع المحلي أو الشخصية المحلية تتنافذ مع محيط اوسع.. فكان التمثيل او التشخيص والتكييف وإعادة التعريف و التقنية عوامل تختزل الإشكال وتسقطها على السطح التصويري... عندما كانت الحداثة الأوربية قد أسقطت مركزيتها تواً، وبدأت تستعير من فنون الشرق، وافريقيا، والتراث الفني العربي الإسلامي كفن المنمنمات واستعمال الخط او غيرها. لقد كان ذلك دافعاً أساسيا لانبثاق وتفعيل هذه الرؤى في الفن العراقي.. وعلى أساس ذلك كان جواد سليم ومدرسة بغداد قد أسسوا مفهومياً بعض الملامح المشخصة بهوية عراقية ، واستعارات أو إعادة إنتاج موروثها العراقي الرافديني والإسلامي من جديد، لكن هذا التوجه لم يكن منعزلاً عن الإحداث التي رافقت الحياة العامة في الجانب السياسي، ولم يقف الفن بعيداً عن التعبير عن مفرداتها الايديولوجية، لقد بدأت الموضوعات تنحرف من الطبيعة إلى السياسة أن العنوانات تؤشر مدخلاً مهما في الانجاز الفني.. نصب الحرية... السجين السياسي.. إعمال جواد وسليم.. وجدارية السلام   لفائق حسن... وغيرها، لقد بدأت الموضوعات الأيديولوجية تأخذ طريقاً واسعاً داخل الفن العراقي، كانت هذه الحقبة تشكل مخاضاً ثقافياً في الأدب والفن معاً.

(*)عرَّف البحث الإثنوغرافي بـ"أنه منهجية بحث اجتماعي يتميز بالانخراط العميق للباحث -علناً أو خفيةً- في حياة الناس لفترة من الزمن، يراقب ما يحدث، ويسمع ما يُقال، يسأل الأسئلة، ويجمع ما يمكن من بيانات، بهدف تسليط الضوء على قضايا محورية في البحث" إن الباحث الإثنوغرافي هو باحث من النوع "المشاهد المشارك"، وبالتالي فإن البحث الإثنوغرافي يقع بين حدود البحث الكيفي السوسيولوجي لمجرد الفهم، وبين البحث الإجرائي، كون هدفه الفهم والمشاركة في التغيير نحو الأفضل.

قصي طارق , كتاب الفن والخرب , بغداد, 2010, ص120-135.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق