]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فن التصوير الاسلامي : المنمنمة / قصي طارق

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-03-21 ، الوقت: 15:00:08
  • تقييم المقالة:

 

فن التصوير الاسلامي

 

المنمنمة

 

قصي طارق

 

 

لميحل زهد المسلمين في التصوير, وتحفظهم بشأنه من إبداع آثار تصويريةتصغيرية بلغت أوج ازدهارها في العصور المتأخرة, وتعد إحدى المظاهر البارزةلعبقرية الحضارة الإسلامية, التي تجمع بين القيم الجمالية والثقافية, غيرأن هذه الآثار لم تحظ بما يليق بها من الاهتمام والتثمين, مثلما هو الشأنبالنسبة للآثار التصويرية في الفن "الأوربي", خلال العصور الوسطى والأسفارالمذهبة أيام النهضة الايطالية.
ترجع أصول المنمنمات أو الرسم التصغيريإلى فترة العباسيين والتيموريين والصفويين, عندما كانت كتب الشعر والتاريختزين بالرسوم, كما تجلت في كبريات مدارس المخطوطات ببلاد فارس والهندوتركيا, وما خلفته من آثار, والمؤكد أن الفن التصغيري الاسلامي استقىمصادره وعرف أيام مجده وتطويره في بلاد فارس في الآثار النفيسة التي خلفهامصورون منهم: بهزاد واغامير والسلطان محمد ورضا عباس.[1]
وشهدتالمنمنمات تطورا خاصة في رسومات الداعية (ماني البابلي) (المولود في بابل216م) .وفي هذا السياق يعتقد بأن مصدر كلمة "منمنمة" العربي كان مشتقا مناسم (ماني) نفسه بما عرف عنه من إرفاقه للرسوم في ثنايا النصوص التيتضمنها كتابه الروحي الذي سمي (ماني نامه) ويعني بالفارسة (كتاب ماني) الذي دغم وأختزل ووطأ الآرامية لغة ماني وأهل العراق والشام قبل الفتحالإسلامي ليصيح بصيغة (منمنمة) التي وردت الى العربية من ضمن ما ورثته منالآرامية. ولهذا السبب لايتوفر للكلمة سند ومصدر من صلب اللغة، ولا يشيعللكلمة معنى دقيق ، ولكن معناها في اللغة و اللهجات الدارجة يعني الشئالدقيق المزوق ، ذو الملامح المصغرة ،والذي أخذت عنه الترجمة اللاتينية(Miniature).
وبالرغم من أن المسلمين كانوا قد عرفوا الرسم على الورقمنذ القرن الثانى الهجرى فان ما وصلنا من تلك الرسوم لا يعود بتاريخهالأكثر من أوائل العصر العباسى وربما أواخر العصر الاموى. وورد عنها مؤلفمهم للمقريزي عنوانه : ( ضوء النبراس وأنيس الجلاس في أخبار المزوقين منالناس.[2]
والمنمنمات نوع من التعبيرية في الرسم اقترنت بالفنونالتصويرية التي طرقت عدة مواضيع أدبية وعلمية، يعود الفضل فيها إلى عكسصورة المجتمعات الإسلامية ،بما يوحي بالكثير من القراءات ومن ضمنها طرزالعمارة والمعالجات الفنية السائدة. وتعود أقدم الأمثلة المرسومة علىالورق التي بين أيدينا اليوم إلى أواخر الفترة العباسية والفاطمية، فيالقرن الثاني عشر الميلادي .وقد دأب المصورون في العادة إلى طرق مواضعدنيوية لا دينية لكن هذا لم يمنع إظهار مواضيع ومناسبات دينية كالمعراجوقصص الأنبياء والصحابة والأولياء مثلا.
و فن المنمنمات تطور من جراءالتسامح الديني، حسب ما يعتقد الكثيرون ،أو حتى إقتفاءا ببعض الشروحالفقهية لبعض المذاهب الإسلامية، بما سمح لحالة التجسيد والتشبيه هذهوالتي أظهرها الفنانون في الكتب كأداة مساعدة ووسيلة إيضاح لفهم النصوص ،كما هي السير والمقامات ولم يهتم الرسامون بذكر أسمائهم واكتفوا بتكريسدقة أدائهم.
وقد ظهر اسم الواسطي بدلالات الريادة خلال نمنمتهلمقامات الهمداني. وتعكس تلك النتاجات صورة لأيام الذروة الحضارية، كان قدصورها من داخل الحياة وحبكتها ،وليس كما ألفنا بعد قرون في رسوماتالمستشرقين التي صورت من خارج روح الحياة الإسلامية.لقد تعامل الو اسطي فيتصوير الحياة بحدس فطري بانتظار القادم-المغولي- المجهول الذي أسقط بغداد. و نقل لنا صور الحياة بأمانة قبل اضمحلالها وزوالها. لقد أرخ للفراغ منهايوم 3 آذار(مارس) 1237 م34 هـ، على مجلد يتألف من 167 صفحة بمقاس 37×28 سم،هو اليوم في متحف اللوفر في باريس. ويعتبر اسم يحيى الو اسطي استثناء فيالإمضاء على لوحاته.
وللون في المنمنمات دوران إحداهما تشكيلي والأخرجمالي وتعبيري بغض النظر عن الرمزية والوجدانية لعلاقات الألوان بعضهاببعض، والتي عادة ما تثير رد فعل فطري مرتبط بالتقاليد والأعرافالاجتماعية الراسخة لكل أقليم إسلامي، والتي تأخذ منحى فلسفيا في العادة. وقد استعمل اللون المفرد ذي الأهمية الحسية والتي تعدل علاقة المكان مع مايحيطه من أجزاء بنائية. وتبدو المنمنمة زاخرة بعدد كبير من الألوان بالرغممن محدوديتها واقتصارها اللوني. [3]
ومقياس الرسم في المنمنمات عادة مايستخدم بلباقة و يعطي حالة انطباعية اكثر مما هي واقعية عن الأبعادوالمسافات ويهبنا صورة عن الأبعاد الثنائية اكثر مما للثلاثية من نصيب حيثإن ضمور مفهوم المنظور كان منطقياً ،ولم يكن قد سبق وطُرق ذلك الضرب منعملية الإظهار في الرسم في ذلك الزمان حتى حلول عصر النهضة في أوربا وظهرتفي المنمنمات التركية المتأخرة ،ولكنه في مدرسة بغداد وما تبعها جاءتشبيهيا من خلال إشراك الواجهات والأجناب والأسقف في الصورة نفسها و تمثيلالأشكال فيها بالطريقة التي تشعر الرائي بوجود الأبعاد الثلاثة من خلالالخطوط ومساحاتها المجردة وكذلك الألوان ودرجاتها بحيث لا يخضع دائماًللمنظور الحسي المألوف بقدر ما هو يعتمد على الإحساس النسبي الموحيبالعمق.
ولا يستهان بالجانب الشكلي لاستخدام المستطيل والدائرةوالمربع والمثلث التي تغني الرائي على تبين الرسم واستجلائه،ناهيك عنرمزية وروحانية كل من الأشكال ،ويستفاد في ذلك من التلاعب بألوان المسطحاتوكذلك من النسب الجمالية والتي قررت الحلول الملموسة للجمال العلميالتحليلي والذي يدعى اليوم (النسبة الذهبية)، والتي نجدها مجسدة في كثيرمن أجزاء المنمنمات عن قصد واع أو فطري يعكس تأثر الفنانين بناموس الطبيعةالجمالي . فلنأخذ مثلاً ارتفاع الفضاءات المعمارية متناسبة مع طول قاعدتهاأو طول العقود(نسبها الداخلية) بالمقارنة مع نسب السقوف والشرفات ومايعلوها من غطاءات سناميه (نسبها الداخلية في القاعدة-البدن-التاج) وكذلكفي نسبها مع العقود التي فوقها في تجسيد الجمال مع عدم إهمال التأثيرات(ألقبإسلامية) ونذكر بالخصوص المصرية والشامية و اليونانية منها بنسبهاالمعروفة 3:5 و5:8 و 8:13 …الخ.[4]
وقد توسعت دائرة تنفيذ المنمنمات في العالم الإسلامي وظهرت مدارس فنيةمختلفة، بحسب الأذواق ،ومصادر التاثيرات والموروث المحلي. وعلى العمومفأننا نقع على عشرة مدارس إقليمية أساسية تعاملت مع المنمنمات وتركتبصماتها عليها،وهي

 

:

 

 

_. المدرسة العراقية أو مدرسة بغدادالقرنالسابع الهجري- الثالث عشر الميلادي:

في الدراسات التاريخية للفن الإسلامي ، لم تتضح مدة زمنية محددة في بداية ظهور  و اصل نشوء المدرسة العربية لرسوم المصغرات، و التي يقول عنها (كونل)  انها ’’ تلك التي ازدهرت بشكل فجائي,, ([5]). و يعد المؤرخون بداية القرن الثالث عشر الميلادي/ السابع الهجري ،’’ هي المدة التي ظهرت فيها كتب علمية و ادبية حاوية على صور (رسومات) ، و كانت اغلبها ترجمات لمؤلفات اغريقية و بيزنطية,, ([6]). و يرجع تاكيد المؤرخين في ارجاع ظهور المخطوطات ذات الرسوم إلى تلك المدة ، بسبب ما وصل الينا من مخطوطات ظهرت فيها تلك الخاصية، وهي تضمنها على رسومات بشرية و حيوانية و نباتية ، و نسبتها إلى هذا التاريخ.     والرسم على الورق مرافقاً لنصوص المخطوطات لم يكن معروفاً او شائعاً في العصر الاموي ، وأول النسخ التي ظهرت في هذا المجال ترجع إلى نهاية المدة الثانية و بداية المدة الثالثة من ازدهار الفن الإسلامي(* ) . لكن’’ البدايات و المحاولات الأولى في انجاز المخطوطات ذات الرسوم التوضيحية ، لاسيما في المدرسة العربية للرسم الإسلامي بصفتها المتفردة ، لم تزل مجهولة ,, ([7]) وحدث أناستمرت حتى بعيد سقوط بغدادعام 1258. وهذه المدرسة رائدة و هي الأكثر دلالة في فنون المنمنمات، ويمكناعتبارها أصل كل المدارس التالية. وأكثر ما ورد منها كان في تمثيل قصصكليلة ودمنة وكتب الطب والنبات والطبيعة وكذلك المقامات كالحريري ومؤلفاتموسوعية كعجائب المخلوقات للقزويني. و أقدمها الموجودة اليوم في القاهرةكتب في البيطرة 605هـ-1209م رسمه علي بن حسن هبة الله وورد اسم عبدالله بنالفصل في مخطوطة تعود للعام 1222م ، وأهمها وأكثرها شهرة مقامات الحريريليحيى الواسطي عام 1237م.

ومن ابرز خصائص مدرسة بغداد فى التصويرجنوح فنانيها الى عدم ايلاء اهتمام بالطبيعة على الشكل الذى برزت فيه فىالصور التى رسمها فنانوا الشرق الاقصى وعدم عنايتهم بالنزعة التشريحية اوالتقيد بالنسب الخارجية للاشكال المرسومة كالتى سعى الى تأكيدها الفنانالاغريقى. كما ان رسوم مدرسة بغداد ذات ميل الى التسطيح ولم يول فنانوهاأهمية لغير بعدين من ابعاد الصورة هما طولها وعرضها اما العمق او المنظورالعمقى فلم يبرز اهتمام به إلا ابان القرن التاسع الهجري وبشكل لايؤكدتحولا اليه. وقد اضمحلت تلك المدرسة ثم درست خلال عهود الترك في القرونالاربع الأخيرة،وانقطع ذكرها. وقد جرت محاولات لإحيائها في القرن العشرين على يد الفنان العراقي جواد سليم.اما زكي محمد حسن فانه يطلق على أعمال الرسم التي ازدهرت في بغداد بمدرسة بغداد في التصوير الاسلامي(*) . لكنه يقول ، من الافضل ان نطلق اسم المدرسة السلجوقية على الصور التي ننسبها إلى العراق او بغداد ، فالواقع ان مركز انتاجها لم يكن في بغداد او في العراق فحسب ،و لكنه كان في املاك السلاجقة ، و كان الرسامون عرباً ام ايرانيين يشتغلون للطبقة الحاكمة  و الامراء السلاجقة ، و تبدو هذه التسمية ذات صبغة سياسية مرتبطة بحكم السلاجقة، لكنه يشير إلى التسمية هذه على سبيل التفريق بين الاساليب الفنية، و’’  بالنظر إلى ضعف الخلافة العباسية في عصر السلاجقة و الاساليب الفنية التي قامت برعايتهم و التي امتلكت خصائص فنية متفردة ، فان مؤرخي الفنون الاسلامية يؤثرون عدم الخلط بين الطراز العباسي الصرف و الطارز السلجوقي ,, ([8]) . لكن ما هي التسمية التي يمكن ان نطلقها على الرسوم التي انجزت في العراق بعد زوال حكم السلاجقة . ومع الاخذ بالنظر  إلى الاجراءات التي تتخذها السلالات الجديدة في تخليد فترة حكمها و تاريخها السياسي القديم في ابراز طابع عصرها و ثقافتها الخاصة . لكن  يبدو من جهة ثانية ان اسلوب الرسم للمدرسة السلجوقية ’’ بقي محافظاً على طابعه الخاص في التكوين للاشكال وفي تناوله للموضوعات المتداولة ، فقد استمرت هذه المدرسة حتى بعد دخول المغول و حتى حكم الجلائريون للعراق 1336 – 1432م,,([9])       اما تسمية المدرسة العباسية ، فهي تسمية لاسلوب يصح عليه ما قيل في المدرسة السلجوقية ، فقد زال حكم الخلافة العباسية بدخول المغول زوالاً نهائياً ، لكن بقيت اعمال الرسم في المخطوطات تحمل’’الاسلوب نفسه و الروحية التي ظهرت في القرن الثاني عشر            الميلادي /السادس الهجري مع ملامح تطور جعلت منه اكثر نضجاً و تميزاً ، و رغم تميز انجاز بغداد في الرسم الاسلامي,, ([10]) ، يطلق اتنغهاوزن تسمية المدرسة العربية في الرسم الإسلامي على جميع اعمال الرسم المنجزة في الدولة العربية الاسلامية و من ضمنها العراق. وهي تسمية تتحلق داخل اطار القومية العربية رغم ظهور اسلوب المدرسة العراقية في الرسم الإسلامي في اقاليم غير عربية مثل ديار بكر في تركيا و ايضاً في إيران ، اذ تنتفي هذه الصفة عن تسمية هذا الاسلوب في الرسم لعدم خضوعها لحدود الدولة العربية التي ارادها ان تكون اطاراً لحدود دراسته .

      لذلك و تحديدا ًبعوامل تم جمعها معاً لتكون فكرة موحدة , فأن تسمية الاسلوب الذي ظهر في نهاية القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي ، و في المدن التي اشتهرت في العراق (بغداد ، الموصل ، واسط) يمكن ان تكون تسمية تلك الانجازات لتلك المدة في مدن العراق بـ( المدرسة العراقية في الرسم الإسلامي) لأسباب منها:

1 انها تشمل تسمية المدرسة السلجوقية لوقوع العراق تحت حكم السلاجقة في تلك المدة .

2ـ تشمل المدرسة العربية لانتماء العراق دولياً و قومياً إلى الامة العربية رغم ما فيه من قوميات اخرى.

3ـ تتضمن تسمية مدرسة بغداد باعتبار ان بغداد مدينة في العراق و كذلك الموصل و واسط     و البصرة و الكوفة .

 4 ـ تتماشى تسمية المدرسة العراقية في الرسم الإسلامي مع الموقع الجغرافي في تسمية ما بين النهرين Mesopotamia.

 5ـ تصح هذه التسمية على المدرسة العباسية لاتخاذ العباسيون ارض العراق مركزاً لحكمهم             و هكذا كان من المـتعذر اطلاق اسم المدرسة العباسية او السـلجوقية على رسـوم المخطوطات الاسـلامية المبكرة ، و الاكتفاء بتسميتها بالمدرسة العراقية([11]) ، لذلك صحت هذه التسمية لانها وللاسباب اعلاه ، جامعة لكل التسميات. 2. المدرسة المصرية: وهي مدرسة شملت مصر والشام وتصاعد دفقها الإبداعي حتى أجهضت على يدالأيوبيين بعد تبنيهم خطا فقهيا سلفيا متشددا في التعامل مع الفنون. وانتقلت الحذلقة المصرية من المنمنمات إلى الخزفإما انجازات الأديرة في العراق و سوريا من تلك الأعمال ، لا تعد نتاجات أصلية لمؤلفين و رسامين عرب مسلمين بقدر ما هي نسخ لبعض الترجمات لكتب إغريقية في العلوم أو الطب . فقد  ’’ازدهرت هذه الحركة في الترجمة و النقل و النسخ في عهد الخلفاء العباسيين الذين عرف عنهم حبهم للمعرفة ، و كانوا ذوي كلف بالعلوم . وقد افتخروا بمكتباتهم التي كانت تضم ألاف المجلدات  و أعداد كبيرة من الرسامين و الناسخين الذين كانوا ينجزون المخطوطات و يلحقونها بالرسومات كلما احتاج الأمر لذلك ,, ([12]) . اهتمام الخلفاء بهذا الجانب من الثقافة شجع الرسامين في جانب تزويق المخطوطات بالرسوم ،  إذ تصبح بذلك ذات أهمية اكبر و فائدة أعظم في خدمة العلم و الثقافة . و برأينا ان مساهمة الرسوم في هذا الجانب من المعرفة في ذلك الوقت ، كان أعظم و أهم من ابراز طابع الرفاهية و التسلية على جدران القصور و الحمامات .اما ’’ أول تاريخ لفن الرسم المصاحب للمخطوطات و وفقاً للأدلة المادية ,  فأنه يرجع إلى عام 1180م خلال فترة الحكم السلجوقي لبغداد,,([13]) ، وكان ظهور هذا الفن يمثل تبادل ثقافي بين العرب ، و ثقافة السلاجقة كأتراك ينتسبون إلى أصول شرق آسيوية . و شهدت حقبة نفوذهم ’’ توسعاً في رسوم الكائنات الحية التي اتخذت في هذا العصر اسلوبها الإسلامي المميز,,([14]) . و استمر الخلفاء العباسيون في رعاية حركة العلم و الترجمة ، و انجزت في المدة المتأخرة من الدولة العباسية أعدادا كبيرة من المخطوطات .        شهدت بغداد أقوى حركات الثقافة و العلوم و المتمثلة بانجاز المخطوطات ذات الرسوم التوضيحية في مجال الطب و الفلك و علم النبات ، فضلا عن المخطوطات الادبية . و لم تكن بغداد وحدها تنجز من مثل تلك الأعمال, بل وصلت الينا مخطوطات من الموصل و واسط .      و تميز القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي بأنه العصر الذهبي في الرسم الإسلامي , رغم ان هناك مخطوطات مصورة سبقت هذا التاريخ الا ان المؤرخين يؤكدون على أن ازدهار فن المخطوطات التي رافقتها اعمال الرسم ، كان في هذا القرن لاسباب منها : 1 ـ ان هذا القرن شهد اكبر انجاز كمي من المخطوطات ذات الرسوم منها كتاب البيطرة ، مقامات الحريري ، رسائل اخوان الصفا، كتاب الاغاني .

2ـ ان هذا القرن تميز بظهور طابع خاص للاشكال المرسومة , وهي تكاد تكون صفات ميزت  فن الرسم الإسلامي (العربي) ولا سيما فن الرسم الاسلامي في العراق .

3ـ ترجع تواريخ المخطوطات ذات الرسوم التوضيحية المنجزة على وفق طريقة الرسم    للمدرسة العراقية بداية هذا القرن و منها كتاب البيطرة (606ﻫ - 1210م ) ، و كتاب الاغاني( 614 ﻫ  - 1218م) ، و مخطوطة مقامات الحريري (623ﻫ - 1225م) ،  و نسخة اخرى منه بتاريخ (634 ﻫ - 1237م)  ، و مخطوطة رسايل اخوان الصفا  و خلان الوفا  (686 ﻫ - 1287م).          بعد دخول المغول إلى بغداد 656 ﻫ / 1258م استمرت اعمال المخطوطات ذات الرسوم بالظهور و من قبل رسامي بغداد و الموصل و واسط . ومن انجازات بغداد بعد القرن الثالث عشر نسخة من مخطوطة (عجائب المخلوقات) انجزت في القرن الخامس عشر الميلادي (شكل 49) التي تميزت باسلوبها المبتكر و جمال خطوط اشكال الحيوانات ، و المخيلة الواسعة للرسام في  رسم الاشـكال المتراكبة ذات الطابع الخرافي لا سيما في رسم الاشكال البشرية الغريبة
3. المدرسة الإيرانية المغولية(القرن 8 هـ -14م) ومن خصوصياتها أنها شملت بعض التأثيرات الواقعية فيالمناظر الواردة من الرسم الصيني، وأقدمها نسخة من منافع الحيوان لإبنبختيشوع موجودة في نيويورك. [15]
_ 4. المدرسة التيمورية(المدرسة التيمورية في الرسم الإسلامي)، وظهور هذه المدرسة لم يكن الا نتيجة موقعها الجغرافي في اقليم فارس الذي يتميز بطبيعته الخلابة ،وبُعده عن التاثيرات الاجنبية، و تمسكه و محافظته على الطابع القومي. و نلاحظ ان مدينة (شيراز) هي من انسب المدن الايرانية في ابراز طابع المدرسة التيمورية الذي تميز بالعناية بالمشاهد الطبيعية وما تشمل عليه من اشجار وارفة وازهار جميلة. ,, ([16]), ويظهر هذا التأثير الجغرافي والبيئة الطبيعية لهذه المدينة  في اعمال الرسم وتوجيه موضوعاته في تمثيل الطبيعة ورموزها بشكل مبالغ فيه  
5. المدرسة الإيرانيةالصفويةوهيالأكثر شهرة لدى الأوربيين، حيث أضفت عليها الحداثة تأثيرات نوعية لم تلغنفحات رومانسية ميزتها عن المدارس الأخرى. حين تذكر أخبار الشاه عباسالثاني أنه أرسل فنانه الخاص محمد زمان في بعثة دراسية إلى إيطاليا، فدرسالفن على أيدي الإيطاليين والهولنديين وعاد ليغير في قواعد المنمنماتالإسلامية تغييرا طفيفا، وأهم بقاياها تصوير الشاهنامة للفردوسي.
6.
_ المدرسة الأفغانيةوتسمى كذلك مدرسة بهزاد وتنتسب الى كمال الدين بهزاد الذي لقببمعجزةالعصر الفنية في مدينة هيرات ،بما ادخله على رسم المنمنمات من التطوير فيالتعبير النفسي والانطباعي والتقني ولاسيما في خلط الألوان.
7.
_ مدرسة بخارى(القرن 10هـ-16م) وقد تأثرت بالمدرسة التيمورية وتأثرت من بهزاد وتلاميذه،وكثرت بها الموضوعات العاطفية والشاعرية. [17]

_ 8. المدرسة التركية

_ 9. المدرسة المغولية الهندية : ومن أجمل آثارهم المخطوطة التي تصور قصة حمزة عم النبي (ص)،بشكل مبالغفيه عن القصة الحقيقية واقترنت ببعض الأساطير الشرقية. وتقع تلك في مخطوطة احتوت على 1400 صورة واستغرق رسمها حوالى 20 سنة، (1556 -1575 م) ، وقام برسم معظم لوحاتها اثنان من كبار الفنانين الهنود هما "سيد علي " و"عبد الصمد". وهنا لا بد من ذكر أن فن التصوير الهندي الإسلامي بالمحصلة كان متأثرا بفن مدرسة بغداد، مسترسلة حتى مدرسة بهزاد.[18]وفي العهود المتأخرة تأثرت ببعض الاستعارات الأوروبية المستمدة من صور النهضة التي جلبها البرتغاليون وبعدهم الهولنديون والانكليز .وقد أثرت تباعا في فنون أوربا ولاسيما من خلال التجارة،ونجد آثارها في لوحات الهولندي رامبرانت[19] (1606-1669)،الذي استوحى منها بعض موضوعاته ، و أتصف وحده دون سائرالمصورين الذي طرقوا مواضيع إستشراقية ، بميزة الإحساس الدفين بتوقير الشرق وإجلاله. ولقد مهدت أسباب سياسية واقتصادية لأوربا أن تقع على التصاوير المغولية بالهند، و تنال إعجابها. وكان رامبرانت أول من أعجب بهذا الفن، و إذا هو يقتني بعض تلك المنمنمات، ثم أخذ ينقلها بيده ما بين عامي 1654 و 1656، وتحتفظ المتاحف الآن بعشرين منها، هذا إلى أنه ضمّن بعض عناصرها لوحاته بعد أن مزجها بأسلوبه. ورسم رامبرانت المنمنمات مضيفا من عنده تقنية الإشراق والعتمة "كياروسكورو" التي أثرت عنه والتي خلت منها الأصول المغولية، فإذا الشخصيات فيها وكأنها في أصولها. واستمرت المدرسة الهندية ولكنها بترنح مكنها من الاحتفاظ ببعض ملامحها الأصلية حتى يومنا هذا، على عكس بقية المدارس التي درست مع تقادم الزمن. [20]
10. المدرسة الأندلسية_ وهيمتفردة عن المغرب العربي الذي لم تنشا به مدارس منمنمات تركت أثرا معينا. و تواكبت هذه مع تطورها في المشرق الإسلامي وقد أثرت تباعا في فنونالمنمنمات الأوربية وبقيت آثارها حتى بعد سقوط الأندلس ،وحلول فنون "المستعربين". وكانت قد تأسست في شمال الأندلس بدير من الأديرة مدرسةللنساخ يتعلمون فيها الخط والرسم والتوريق. وكان لهذه المدرسة تأثير بليغ في الحركة الفنية في أسبانيا ،ومنها مخطوطة لـ (بياتوس Beatus) في سفرالرؤيا ( Apacalypse) . وقد أخذت مدرسة أشبيلية عن فن المنمنمات الشئالكثير وموهته بالألوان القاتمة والأساليب المحلية. وفي مقدمة المصورين يأتي (موريليو) و(بنشيقو) و(زباران) ونبغوا في القرن السابع عشر . ولم تستمر هذه المدرسة بعد سقوط الأندلس، ولكنها أثرت في فناني أوربا.[21]


 

    


 


[1]LUCIE-SMITH ,EDWARG:  dictionary of ART TERMS , second edition, THAMES & HUDSON world of art ,  printed in Slovenia by Mladinska Knjiga , 2003,p .194

[2]الشاوي ، ناصر عبد الواحد (معداَ) : معجم الحضارة الحديثة ، ج 2 ، مراجعة :احمد مطلوب، منشورات     المجمع العلمي ، مطبعة المجمع العلمي ، العراق، 1427هـ ـ 2006 م ، ص332 .قصي طاق , المنمنمات سحر ولون , مجلة باليت , بغداد , 2011, ص9

[3]جسام, بلاسم محمد: مفهوم الفراغ في فن التصوير الإسلامي ، رسالة ماجستبر، جامعة بغداد ـ كلية الفنون الجميلة ـ قسم الفنون التشكيلية ، 1989 ، ص 43 .   البغدادي: تاريخ  بغداد او مدينة السلام ، ج1 ، ص50 . اتنغهاوزن ، ريتشارد : فن التصوير عند العرب ، ترجمة: عيسى سلمان ، مطبعة الاديب ، وزارة الاعلام العراقية ، بغداد ، 1973،ص54.

[4]بهنسي ,عفيف : جمالية الفن العربي ، سلسلة عالم المعرفة ، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الاداب ، الكويت ،1979،ص55.

1 ـ كونل، ارنست : الفن الإسلامي ، ترجمة: احمد موسى ، دار صادر، بيروت 1966، ص79.

2 ـ قصي طاق , المنمنمات سحر ولون , مجلة باليت , بغداد , 2011, صمارسيه، جورج : الفن الإسلامي ، ترجمة عفيف بهنسي ، مراجعة : عدنان البني ، منشورات وزارة الثقافة و السياحة و الإرشاد القومي ، دمشق1968، ص180 .

 

( *) يقسم جورج مارسيه في كتابه (الفن الإسلامي )  ازدهار الفن الإسلامي إلى اربع مرحل ، هي:ـ

      -  الأولى : من 650 م – 899 م (نشأة الإسلام و الفتوحات) .

      -  الثانية  : من 900م – 1150م.

      -  الثالثة  : من القرن الثالث عشر – منتصف القرن الخامس عشر الميلادي.

      -  الرابعة : من 1450 م – و استمرت أربعة قرون ، راجع مارسيه، جورج : الفن الإسلامي ،      ص19 -24.

3- عكاشه, ثروت : التصوير الإسلامي الديني و العربي ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، ط1 ، د. ب 1977، ص71.قصي طاق , المنمنمات سحر ولون , مجلة باليت , بغداد , 2011, ص( *) بحسب كتابه الصادر لمناسبة مهرجان الواسطي . ينظر , حسن , زكي محمد : مدرسة بغداد في التصوير الإسلامي ، السلسلة الفنية الصادرة لمناسبة مهرجان الواسطي ، وزارة الإعلام العراقية ، بغداد ، 1979 .

[8]- حسن, زكي محمد : مدرسة بغداد في التصوير الإسلامي ، السلسلة الصادرة لمناسبة مهرجان الواسطي ، وزارة الإعلام العراقية، بغداد 1979 ، ص 9 .قصي طاق , المنمنمات سحر ولون , مجلة باليت , بغداد , 2011, ص1- The New Encyclopedia Britannica , Helen Hemingway Benton publishing , 1973 -

 

    1974 ,vol.v,p.504.                            

4- اتنغهاوزن، ريتشارد:  التصوير عند العرب ، مصدر سابق، ص 97 -142.

1- عكاشه , ثروت: التصوير الإسلامي(1977) ، ص 71.قصي طاق , المنمنمات سحر ولون , مجلة باليت , بغداد , 2011, ص  1 – Iames, David; Islamic Art an Intruduction, the Hamlyn publishing Grope Limited ,                               ENGLAND , 1979 , p.41  .

 

2- عكاشه, ثروت : التصوير الإسلامي (1977) ، ص71-72.

3- الالفي، أبو صالح : موجز تاريخ الفن العام ، دار القلم ، القاهرة ، 1965، ص2-6 .

[15]حسن, ابراهيم حسن : تاريخ الاسلام السياسي و الديني و الثقافي و الاجتماعي , ج 2 ، مكتبة النهضة المصرية ، ط7 ، القاهرة ،1964، ص 308.

2- الباشا ، حسن :  التصوير الإسلامي في العصور الوسطى ، ص 315.قصي طاق , المنمنمات سحر ولون , مجلة باليت , بغداد , 2011, ص[17]حسن, زكي محمد : الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي  ، ص 78 .

[18]http://memory.loc.gov/intld/apochtml/apocbib.htm

[19]البدري ، شيماء جاسم : استمرار تأثير الاساليب الفنية للمدرسة العربية في التصوير على المدرسة المغولية ، رسالة ماجستير (غير منشورة ) ، جامعة بغداد ـ كلية الاداب / قسم الاثار ، 2003 .ص 12-40

[20]عكاشه , ثروت: التصوير الإسلامي(1977) ، ص 71.قصي طاق , المنمنمات سحر ولون , مجلة باليت , بغداد , 2011, ص[21]الملاح ، هاشم يحيى: النشاط الفكري / الفصل الرابع ـ العراق في عصر الخلافة الزاهرة ( العراق في التاريخ ) ، دار الحرية  للطباعة ، بغداد ،1983، ص 353-354 .

BUCHTHAL , HUGO; 'HELLENISTIC' Miniatures in early Islamic manuscripts:  ARS

Islamica, the research seminary in Islamic art ,university of  Michigan ,vol.Vii .p.125 – 133.

قصي طاق , المنمنمات سحر ولون , مجلة باليت , بغداد , 2011, ص  

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق