]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

موريتانيا بين الغزو التقليدي والغزو الذاتي!

بواسطة: المرابط ولد محمد لخديم  |  بتاريخ: 2013-03-21 ، الوقت: 13:49:40
  • تقييم المقالة:
عندما أكتسح (الغرب) أقطار الشرق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, في إطار توسعاته الاستعمارية, كان الادعاء الذي روج له الكتاب الغربيون في ذالك الوقت لتبرير ظاهرة الاستعمار, هو أن الأمر يتعلق بنشر الحضارة ....! كان العالم منقسما في نظر أولائك الكتاب- بمن فيهم بعض فلاسفة الأنوار- إلى قسمين: عالم متحضر وعالم متوحش. وكانوا يعتقدون- بصدق أو بغير صدق, لا يهم- أنه من خلال الاستعمار وبفضله, ستخرج الشعوب المستعمَرة من مرحلة التوحش إلى مرحلة التمدن.. فكأن الصراع بين الغرب والشرق آنذاك كان بين الحضارة والتوحش!. مما يعني أن الغرب لم يكن يعترف بأي حضارة أو ثقافة أخرى.. أما بعد أن تعرف الغرب عن كثب على البلدان التي احتلها ومنها موريتانيا خلال فترة الاستعمار, فقد اكتشف أنها بلدان لها حضارات وثقافات عصية على نفوذه ومشاريعه.. فكيف صمد فكر سلف هذا البلد في وجهه ؟ في حين انصهر الخلف في ثقافته وتوجهاته! إذا رجعنا قليلا إلى الوراء فإننا نجد أنه منذ القرنين 13 - 14 الهجريين والفكر الشنقيطي يواصل ارتقاءه الثقافي الدؤوب ارتقاء يمد جسرا للحاضر، ينقل عبره فكر بلاد شنقيط ليأخذ مكانه طيفا من أطياف الثقافة العربية الإسلامية موجها سلوكه ومساهما في تحديد مستقبله، وقد اكتملت أنسجته المعرفية وأعرافها الفكرية منذ ذلك الزمن، وتوارثتها الأجيال مكتملة عصية على التغيير، فقد صاغت كل عصاراتها الفكرية في الفقه والتصوف والأدب في ظل مؤسسة اجتماعية بدوية تمثل القرابة أهم روابطها بعد العقيدة، استطاعت أن تحفظ للمجتمع عقله الجمعي رغم الانبهار الذي يمكن أن ينتج من احتكاكنا بالغرب.. لقد اتبع الشناقطة طرقا تنطلق من مبدأ الإحاطة الشاملة التي تذكيها إرادة صلبة في مقاومة جميع الظروف المعيقة للتعليم والتحصيل، لذلك كانوا يستظهرون كل المتون التي تقع في أيديهم بغض النظر عن موضوعاتها، على الرغم من بداوة الحياة وشظف العيش وانعدام المؤسسة المركزية، فقد حصّل الشناقطة علوما ومعارف كثيرة شملت مختلف جوانب الثقافة العربية والإسلامية، تجاوزتها أحيانا لتجيب على ما تطرح الحياة الشنقيطية من جزئيات ونوازل كان العقل يجتهد في صياغة أجوبة عنها معتمدا على معارفه، منطلقا من أصله الشرعي وآليته العقلية في قياس الشاهد على الغائب، وتعتبر النوازل والفتاوى حقلا معرفيا غنيا بالدلالات والرموز، لذلك اعتني الفقه الإسلامي كثيرا بأمرها إلى درجة أن البعض اعتبرها كاشفا مهما لخفايا الأمة وأسرار الشعوب بل مصدر من مصادر التاريخ الإسلامي فالنوازل هي: العدسة الكاشفة لحياة الأمم كما أنها النافذة التي يطل من خلالها على صميم المجتمع حتى نستطيع الغوص إلى أعماقه والنفاذ إلى كنهه. ومن هنا لابد من الإلمام بملامح الوسط الذي أنتج هذه النوازل آنذاك. فعلى الصعيد السياسي كان أبرز ظاهرة في هذا الصدد هو خلو البلاد من سلطة مركزية تطبق الشرع وتدبر أمور الناس، ويتحاكم إليها الخصوم في الوقائع، فلم تعرف البلاد الشنقيطية بعد العهد المرابطي أية سلطة مركزية ولا نظام في الحكم حتى نهاية العقد السادس من القرن العشرين عندما أعلن عن دولة الاستقلال تحت اسم الجمهورية الإسلامية الموريتانية في 28 نوفمبر عام 1960م. وهذا ما يسمح بالقول أن التاريخ السياسي للبلاد أمتاز بسمة من البداوة يعززها غياب للسلطة المركزية، فكان ذلك دافعا إلى صياغة جملة من الأسماء تلح في معظمها على وصف هذه الأرض بالخروج على السلطة والحكم والابتعاد على الخلافة والنظام، ومن هذه الأسماء "البلاد السائبة" وقد تحدث الشيخ" محمد المامي" عن خلوها من مقومات الملك والسلطان كالدرهم المسكوك والأمير المطاع يقول:  "هي البلاد التي لا حكم فيها ولا دينار ولا سلطان بادية في فترة من الأحكام  بين المملكتين البوصيابية في الجنوب والإسماعلية في الشمال"، ولاشك أن مسألة السيبة أو التسيب كان لها تأثير كبير على أوضاع البلاد السياسية والاجتماعية، فلعلها هي التي حملت علماء الشرع على أن يكيفوا الكثير من الأحكام البدوية وفق النموذج القائم فاجتهدوا قدر الممكن والمتاح في المصالح والمقاصد بل إن هذا الاستثناء ولد عند أهل الذكر قناعة بعدم  جدوى دولة النظام، خشية الفتنة والفساد وقد عبر الشيخ "محمد اليدالي" عن جانب من هذا التوجس مبينا جهل الناس يومئذ بأمور الحكم وفقه السياسة.  ورغم هذا التسيب فإن الثقافة الموريتانية استطاعت أن تفرض للمثقفين الاحترام والتبجيل في ظل مجتمع لم تكن فيه سلطات يأوي إليها المظلوم. وهذه الثقافة لم تظهر دفعة واحدة بل تبلورت عبر مراحل ومجهود أثقل كاهل هؤلاء العلماء الأفذاذ في تحصيل دؤوب عن طريق قوافل الحج التي كانت تجلب الكتب من الحجاز ومصر وبلاد المغرب العربي وعن طريق الرحلات العلمية التي كان يقوم بها البعض بحثا عن الكتب و الورق. فقد ظل علماء الشناقطة يراسلون نظراءهم في البلاد العربية ويسألونهم عن نوادر المخطوطات وأماكن وجودها ،فكانوا يطلبون المخطوطات من السلاطين والملوك ويسافرون إليهم من أجل الحصول عليها. وقد أهدى سلطان المغرب لإبن رازكة مكتبة عاد بها من المغرب كما عاد الشيخ سيديا من رحلته إلى مراكش بمكتبة كبيرة وقد رحل الشيخ محمد اليدالي بن سعيد إلى أغادبر وعاد ببعض الكاغد الشاطبي وازدهرت سوق المخطوطات في بلاد شنقيط التي اهتم أهلها بالكتاب واشتروه بأثمان غالية، فقد اشتري "موهوب الجليل شرح مختصر خليل" للحطاب بفرس عتيق، كما أشتري القاموس المحيط بعشرين بعيرا!!  . وانتشر نساخ المخطوطات الذين هم بمثابة دور للنشر وتنافسوا في استنساخ المخطوطات وجلب نوادرها، فكان ذلك ضمانة لبقاء هذه المخطوطات ونشرها في زمن لم تظهر فيه وسائل الطباعة الحديثة. وهذا ما يظهر جليا من خلال أشعارهم حيث تبين تلك القوافي  مدى أهمية الكتاب في حياتهم، في حين غياب هذا  الاهتمام في حياتنا، مع الفارق الكبير في ما توفر لنا من وسائل وما كان لديهم من إمكانيات، يقول محمد بن  فتن: لو كان يعذر باكي الكتب ذا الزمانا           بكيت من كتب الأسلاف ما دفنا ويقول الشيخ أحمد الجكني: وقفت على كتب رثيت لباسها                 فقلت ودمع العين مني هامع مضى أهلها و استحرقت وتأيمت             فليس لها باك ولا من يطالع لحا الله وارث لمال وما له                    لدى القلم من إرث فبئس الطبائع ووصل شغفهم بالكتاب واهتمامهم به إلى حد أن نسيان الوارث لها يعني ضياع العلم والمروءة والنسب جميعا، يقول محمد فال بن باب: إذا الفتى  عن عرف وعن كتب             وكان ذا ولد فاليحفظ الكتبا إن ضاعت الكتب فالمعروف يتبعها         وليس ذا ولد وليس ذاك أبا وهذا العلامة محمد اليدالي بن سعيد يخاف على كتابه الموسوم" ذهب الإبريز في كتاب الله العزيز" الذي تعب في تأليفه، يخاف من تفريط الوارث الذي لا يهتم بالكتب ولا يعرف قيمتها، يقول من قصيدة يختم بها كتابه الذهب الإبريز: أخاف عليه وارثا لا يصونه                    ويزهد ما فيه من درر العلم وأخشى عليه ناقدا أو محرفا له                 لم يكن في الرأس منه سوى اللحم وأخشى عليه مستعيرا يضيعه                  ولم يدر ما قاسيت من تعب الرسم إلى قوله: فيا ليت شعري من إذا مت يعتني              به راغبا من وارث وبني عمي ووصل بطائفة منهم حب الكتاب إلى عدم إعارته، يقول شاعرهم في هذا الصدد: تمسك بالكتاب ولا تعره                  فإن إعارة المحبوب عار فإن الحب في الدنيا كتاب                وهل أبصرتم حبا يعار هذه شذرات من قصة ثقافتنا وماضينا المجيد، تتجسد في حب اقتناء الكتاب ومجالسته، وهما ما كون ما يعرف اصطلاحا بثقافة (المحظرة) وهي الثقافة التي كانت عصية على المستعمر كحاجز منيع يصعب اختراقه.. ويكفي (المحظرة) فخرا أنها وحدها هي التي وقفت حارسا أمينا وسورا منيعا في وجه المستعمر الفرنسي عند ما عجز سلاحنا غير المتكافئ. بذلك شهد شاهد من أهلها:                                          CRISTIAN LAGREيقول المسمي(كريستان لجرى في رسالة سرية إلى الوزير المعني في فرنسا ما خلاصته:« إن الأفارقة قلدونا في الملبس وفي كل شيء ماعدا موريتانيا التي تمثل الثقافة فيها أعلى مراقي المجد فما زالت لها مكتباتها(700 مجلد من شنقيط وحدها) ولهم قضاؤهم المستقل» ثم يقترح حلا لذالك الصمود, وهو زعزعة مكانة العالم,  والمحظرة, وتشجيع أطفال المدرسة الحديثة بإعطاء المنح وفتح الكفالات وتوفير الملابس مجانا إلى أخر الاقتراحات.....  والخطورة تكمن في أن الثقافة
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق