]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

الحارس البوّال

بواسطة: عثمان أيت مهدي  |  بتاريخ: 2013-03-20 ، الوقت: 15:34:51
  • تقييم المقالة:

 لا أخفي على القارئ الكريم أنّني بحثت في بعض المراجع اللغوية عن مدلول كلمة: بوّال، ولم أجد ما يطابق المعنى المتداول بين الأساتذة الحراس البوّالين والمعنى الذي تتداوله قواميس اللغة. فالفعل: بال، يبول، بولا ومبالا: أي أخرج بوله. وبوّال: داء يكثر فيه البول. وأخَذَه بُوالٌ إذا كانَ يُكْثِر البَوْل. وربما عبَّروا عن النّسل بالبَوْل. قال الفرزدق:

أبي هُوَ ذُو البَوْلِ الكثيرِ مُجاشِعٌ           بكلِّ بِلادٍ لا يَبوُل بها فَحْلُ

 سأترك البحث في هذا المجال لأصحاب الاختصاص، هم أدرى بأصول اللغة وتشعباتها، وأتوقف عند معنى جديد للفظ فرض نفسه في السنوات الأخيرة على منظومتنا التربوية التي تعاني الكثير من الأوجاع والآلام جرّاء السهام الموجهة إليها، وصارت إذا أصابها سهم تكسرت النصال على النصال.

 المقصود بالحارس البوّال في هذا المقام هو: من يرافق الطالب أثناء الامتحان وبطلب من هذا الأخير، إلى دورة المياه لقضاء حاجته، دفعا لأيّ عملية غش. إلى هنا يبدو الأمر طبيعيا وعاديا، لا سيّما وأنّ التعليمة واضحة، فهي تسمح لكل طالب أثناء الامتحان وعند الضرورة أن يطلب الإذن بالخروج من القاعة، على أن يقوم أحد الحراس بمرافقته حيث حلّ وارتحل. وما يبدو غير طبيعي ولا عادي، أن يتحول الأستاذ الحارس إلى بوّال، لا ينتهي من تلبية طلب قضاء الحاجة للطالب الأول حتى يبادره الثاني بنفس الطلب، ثمّ الثالث فالرابع.. ويتحول الأستاذ الحارس رغم أنفه إلى بوّال يرافق الطالب من قاعة الامتحان إلى دورة المياه، ذهابا وإيّابا، وطيلة فترة الامتحان.       

 إذا سألت أحدهم عن سبب هذه الضرورة أجابك بوقاحة وعنجهية، إنها "كرشي" "أنا مريض" ومبررات أخرى، وما أكثرها!  ولا داعي لمناقشته أو محاولة إقناعه للتخلي عن فكرة الخروج، إنّه ببساطة يعرف من الحيل والتباكي ما يؤهله للحصول على البكالوريا بامتياز. ولا داعي لمساءلة النفس عن سبب هذا الخروج المبالغ فيه، لأنّ الأمور واضحة للعيان، فقد اكتشف الحراس البوالون ما فيه الكفاية من أوراق الغش، والكتابة على الجدران بداخل دورة المياه. ولا داعي لإخبار رئيس مركز الامتحان لأنه على علم وشاهد عيان ولا يقوى على صد الطوفان، كما لا يرغب في تحمل مسئولية تكلفه المتاعب والهموم.

 الكلّ يؤدي دورا رئيسيا أو ثانويا في هذه المسرحية "شاهد ما شفش حاجة" الطالب، بطل المسرحية، يسعى جاهدا لافتكاك شهادة انتقال من الثانوية إلى الجامعة بكلّ الحيل المتاحة. الأستاذ، لا حول له ولا قوة، يعيش بين فكي كماشة، التلميذ المراهق بخبله واستهتاره من جهة والإدارة بضعفها وتهاونها من جهة أخرى. الوصاية التي من شأنها صنع التعليمات والقرارات، مهتمة بنسب النجاح نهاية الامتحان، ورغم ذلك فإنّ بعض مسؤوليها يطلون على المؤسسات إطلالة خفيفة، يطمئنون من خلالها على السير الحسن للعملية..

 إنّنا أمام وضعية مشينة لمنظومتنا التربوية، تحتاج إلى تظافر جهود الجميع لتسويتها. هل يمكن إقناع التلميذ بأنّ الغش سلوك يحرمه القانون الوضعي كما حرّمه القانون السماوي؟ تبدو الفكرة جميلة إلا أنّ تطبيقها أصعب من شقّ الأنفاق في الجبال الصخرية. هل تضع الوصاية تعليمة أخرى تمنع الخروج من القاعة تحت أيّ مبرر كان، ولا يكون الخروج إلا بأمر من رئيس المركز الذي يتفقد أحوال التلميذ ومن خلال ذلك يسمح له بالخروج أو يمنع؟ الفكرة جديرة بالاهتمام والدراسة، بالرغم من أنّ أوزارها يتحملها رؤساء المراكز بمفردهم، ولذلك لا أعتقد أنهم يحضنون هذه الفكرة أو يقبلونها. هل توظف الوصاية شبابا لفترة محددة في إطار تشغيل الشباب ومحاربة البطالة، يكلفون بمرافقة الطلبة من القاعة إلى دورة المياه طيلة فترة الامتحان، وتبقي على هذه التعليمة المشئومة؟ إنها حلول من ضمن حلول أخرى يمكن لمسؤولينا تصورها. أمّا أن نترك الحابل على الغارب، ويصبح الأستاذ الذي كاد أن يكون رسولا بوّالا لا يرجع من دورة المياه حتى يعود إليها ثانية، فالأمر عجيب وغريب ولا يشرف مدرستنا !!

 

عثمان آيت مهدي

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق