]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

أخلاقيات التدريب وشهادات الزور

بواسطة: نسيم صمادى  |  بتاريخ: 2013-03-18 ، الوقت: 14:22:33
  • تقييم المقالة:
أخلاقيات التدريب وشهادات الزور

صار بإمكان أي إنسان يستطيع أن يقف أمام أي جمهور ويقول ثلاث أو أربع عبارات محفوظات أن يدعي أنه مدرب دولي معتمد، وأنه "سيرتفايد" من المركز العالمي للتدريب الاعتمادي، المعتمد من المؤسسة المعترفة للتدريب الاحترافي، وعنوانها الافتراضي هو (3 دبليو دوت شت).  وفي هذا السياق نسمع أسماء نفس الجهات المعتمدة (بكسر الميم) تتكرر في 90% من الحالات وعلى رأسها: (أكسفورد وكامبردج والكندي والبريطاني والأمريكي). كما نسمع مسميات الشهادات والخبرات ومنها: (دبلوم وممارس ودولي وسيرتفايد و"ميني إم بي إيه" وإبداع ورعاية ومستشار، إلخ....)  وفي إحصائية طريفة لأسماء شركات التدريب والاستشارات العربية تبين أن كلمة "إبداع" تدخل في 20% منها؛ في حين أن الشركات العربية المبدعة لا تتجاوز نسبتها 2% مع التفاؤل المفرط!

عندما يدخل أي مدرب إلى قاعة التدريب أو يعتلي المسرح أمام أي جمهور، يبدأ المتدربون ينادونه: "يا دكتور."  وهو يهز رأسه انتشاءً بهذا اللقب السهل الذي خلع عليه بالوراثة من الدكتور الذي "سرتفه" – أي جعله "سيرتفايد" – مع إن الدكتور الأصلي لم يكن دكتورًا ولا "سيرتفايد" أيضًا، بل وكان يدرب في غير تخصصه.

هذه ظاهرة عربية صرفة تفاقمت عندما بدأ الدكاترة والمدربون السابقون في العالم العربي يفرخون مدربين لم ينالوا من التأهيل أكثر من شهر أو أسبوع وأحيانًا ثلاثة أيام يحصلون بعدها على شهادة مدرب معتمد.  وما إن تغيب الشمس وقبل أن تشرق في اليوم التالي، نفاجأ بأن المدرب المستجد قد أعلن نفسه دكتورًا ومدربًا عالميًا معتمدًا دون أن يطلب العلم لا في "الصين" ولا حتى في جامعة "النيلين" التي نيلت الدنيا، ومنحت شهاداتها لمن هب ولم يدب.

ما أعرفه هو أن العظماء "بيتر دراكر" و"ستيفن كوفي" و"جيم كولنز" و"سبنسر جونسون" و"كن بلانشارد" كلهم يحملون درجة الدكتوراه.  لكني لم أسمع أحدًا منهم يصف نفسه بالدكتور والمدرب العالمي مع إنهم عمالقة وأصحاب نظريات. وقد تعمدت عدم التعريف بهم هنا لأترك حملة "الدكتوروهات" المزيفة على جهلهم وأضطرهم للتعرف على هؤلاء
بأنفسهم. 

لقد قابلت "توم بيترز" مرتين في تسعينيات القرن الماضي وعرفت أنه يحمل دكتوراه في الهندسة وأخرى في الإدارة.  ولم أسمعه يومًا يصف نفسه بالدكتور المغرور، مع أن كتابه "البحث عن التميز" اعتبر أفضل كتاب في ثمانينيات القرن الماضي.  وأعرف أيضًا أن "بل جيتس" و"ستيف جوبز" و"مارك زكربرج" الذين غيروا العالم في العقدين الماضيين لا يحمل أي منهم الشهادة الجامعية الأولى، ناهيك عن شهادة الدكتوراه.

أما في أوساط التدريب العربي فقد صار كل من ركب الطيارة مرتين أو ثلاثًا، وقدم محاضرة أو محاضرتين، يسمي نفسه دكتورًا. وليس هناك من يراجعهم أو يسألهم: متى حصلت على الدكتوراه؟ ومن أين؟ وما هو تخصصك؟ ومن أشرف على دراستك؟ وما هو عنوان رسالتك؟

إن مجرد التميز في مجال ما وممارسة التدريب وإلقاء المحاضرات وكتابة المقالات لا يجيز لك أخلاقيًا وعمليًا أن تسمي نفسك "دكتورًا".  فالدكترة ليست "مسخرة" وليست "فشخرة" يستطيع أن يدعيها كل من مارس مهنة التدريب، وحولها إلى تهليب ثم إلى تخريب.

في محاولة لرصد ظاهرة الدكترة والتدريب العجيب، اشتركت في عشرات المواقع التدريبية لمتابعة ما يحدث في عالمنا "الدكتوري" و الدكتاتوري، فوصلتني عبر إيميل سري - هذا الصباح - الدعوات التالية:
 
- دعوة لحضور مؤتمر المرأة القائدة الذي تنظمه إحدى شركات الإبداع للنساء فقط، وكل المتحدثين فيه من الرجال ما عدا واحدة.

- دعوة للحصول على شهادة الإدارة الاستراتيجية عبر الإنترنت في أسبوع.

- دعوة لحضور مؤتمر في إعداد القادة يقدمه مدرب كأنه خطبة جمعة مع مدير شركة فاشلة، وهي دعوة ستلقى إقبالاً منقطع النظير لأن المدرب دكتور.

ما لا يدركه الدكاترة المزيفون ومديرو التدريب المتواطئون أن أبناءهم وأحفادهم سيدفعون الثمن غاليًا، لأن القرار الذي نتخذه اليوم يؤثر في حياة سبعة أجيال قادمة.  فنحن نعيش في عالم مفتوح لا يمكننا فيه إخفاء الحقيقة أو دفن رؤؤسنا في الرمال.  هناك توازن طبيعي وتلقائي تتطلبه الحياة ولا يمكننا تجاهله وإغفال معناه.  فما يفعله ويدعيه ويعيشه الآخرون يؤثر في حياتنا ويشكل علاقاتنا ويحدد نهاياتنا. ما نعرفه جميعًا ويعرفه أيضًا أصحاب الشهادات المزيفة، أنه يمكن للشهادات أن تفتح بابًا أو نافذة في جدار الفرص، أو تمهد طريقًا ضيقًا أمام بعضنا.  لكن الأبواب لا تبقى مشرعة، والفرص الحقيقية لا تأتي مسرعة، إلا لمن يوظفون قدراتهم قبل شهاداتهم، وشخصياتهم أكثر من علاقاتهم، وأفعالهم قبل أقوالهم.

 

نسيم الصمادي


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق