]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مصباح الحرية السحري

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2013-03-18 ، الوقت: 12:13:08
  • تقييم المقالة:

 

 

مِصباح الحرية السحري

 

محمد الحداد / العراق

(كيف تُضيعُ في وضح النهار ما عثرتَ عليهِ وسطَ ظلام الليل؟) سؤالٌ ربما يبدو لكم أشبهَ بحكمةٍ مأثورةٍ من تلك التي تتداولها الأجيالُ للعِظةِ والعِبرة.. لكنهُ يُمثلُ بالنسبة لي سؤالا حقيقياً يكتسي شكلَ استفهامٍ إنكاري سألني إياهُ بعتبٍ شفيفٍ بائعٌ عجوز في دُكانهِ الصغير حينما كنتُ طفلاً صغيراً في يومٍ ما من ماضٍ بعيد..

وتفاصيلُ الحكايةِ أنني عثرتُ ذاتَ ليلةٍ وأنا أمشي في شارعنا المُظلم على قطعةِ نقدٍ معدنيةٍ من فئةِ الخمسين فلساً كانتْ تُسمى دِرهَماً أيام كانَ مصروفنا اليومي الذي يُعطيه لنا أهلنا لا يتجاوز عشرة فلوس..عملة ذوَّبَ تضخمُ السوق قيمتها الشرائية لاحقاً وانتهى للأسفِ تداولها منذ سنواتٍ طويلة..لذا لكم أنْ تتخيلوا تلك الفرحةِ المجانيةِ التي وَهَبَتْها لي ظلمة تلك الليلة..وضعتُ القطعة المعدنية في جيبي ودخلتُ بيتنا على أملِ أنْ أشتريَ بها في الغد..بقيتُ أنتظرُ بشغفٍ كبير صباحاً طالَ عليَّ انتظارهُ حتى يئستُ أن أرى نورَهُ..لكنَّ الصباحَ لم يخذلني فقد بزغ بالفعل وخرجتُ من بيتنا مثلَ سهمِ يعرفُ طريقهُ إلى الهدفِ لأشتري من دُكانِ ذلك الرجل العجوز وما أنْ وقفتُ أمامَهُ حتى فوجئتُ بفقدانِ ذلكَ الدرهم من جيبي وعبثاً ذهبتْ محاولاتي بالعثورِ عليه..وحينما فقدتُ الأملَ من ذلك تماماً شرعتُ بالبكاء..استفسرَ الرجلُ مني عن سببِ بكائي فأخبرتهُ بما حصلَ فقالَ لي جملتهُ التي فاضت الحكمة من بين جوانبها : كيف تضيعُ في وضحِ النهار ما عثرتَ عليهِ وسط ظلام الليل؟ لكنَّ الرجلَ رقَّ لحالي وأعطاني قطعة حلوى أنستني بعضاً من حُزني وخيبتي بما فقدته..

حكايتي الطريفة هذهِ رأيتها تطفحُ هذهِ الأيام من قعرِ بئرِ ذاكرتي العتيدة وتخرجُ لي هكذا دونَ أنْ أدلوَ لها بِدَلوي..تذكرتها وأنا أتابعُما يحصلُ من تصاعدِ أحداثِ الفوضى والتخبطفي البلدانِ التي تمكنتْ شعوبها من إسقاطِ عروشِ طغاتهاوقطفتْ بأيديها ثمارَ صبرها المرير بعد كلِّ ما قدمتهُ من تضحياتٍ نفيسة..

شعوبٌ عثرتْ فجأةً وسطَ ظلام ليلها الطويل على مِصباح الحريةِ السحريّ الذي أوشكَ أنْ يُحوِّلَ كلَّ أحلامهم المستحيلة إلى حقيقةٍ تتلمسها أياديهم.. لكن يبدو أنهم أضاعوهُ مثلي عند حلولِ الصباح.. كأنَّ ماردَ ذلك المِصباح اختفى هكذا فجأةً وسط الزحام دونَ أنْ يعثرَ عليهِ أحد..أو سحقتهُ حشودُ المحتفلين والغاضبين على السواء فتفرّقَ دمُهُ بين أقدامهم..أو لعلهُ فَضَّلَ الفرارَ بجلدهِ بملءِ إرادتهِ إلى جهةٍ مجهولة بعد أنْ أفقدَ صوابهُ حجمَ مطالبهم التي يستحيلُ على ألفِ ماردٍ أنْ يُحققها لهم..وكأني بهِ يعدو بعيداً عن حشودهم مولولاً يُسابقُ ظلهُ وهو يعَضُّ أصابعهُ ندَماً ويلعنُ يوماً قررَ أنْ يخرجَ فيهِ من قمقمهِ المُظلم بعد سُباتٍ ويأسٍ طويلين..وهو الذي لم يكن لِيبصرَ هو الآخر شمسَ حريتهِ لولا أنَّ أياديَهم ظلتْ تتوسلُ طويلاً مصباحهُ القديم قِدَم الظلم نفسه بألفِ دعكةٍ ودعكة..

اليوم وأنا أنظرُ بعينِ يأسي إلى تلك الجماهير المحتشدة وسط الميادين والغاضبة على الدوام..وما آلتْ إليهِ الأحداث في بلدانهم أجدُني أتساءلُ بعجبٍ وذهول : ما بالُ هؤلاءِ الناس؟ما الذي أصابهم؟ وماذا يُريدونَ بَعد؟

أمرٌ مُحيّرٌ حقاً..فإذا كانت الحرية إحدى أهم ثمراتِ ربيعنا الموعود أنتجتْ لنا كلَّ تلك الغِلال اليابسة من الأشواكِ المُلطخة بالمزيدِ والمزيدِ من دمائنا فما الذي يمكنُ أنْ نحصدَهُ لو هبَّتْ علينا عواصفُ الخريف إذن؟ وهل علينا لاحقاً توقعقطفِ المزيد من تلكَ الثمار في ربيعٍ كهذا أمعنَ طويلاً في تظليلنا؟

مَنْ يُصدِّقُ أنَّ شعوباً كانتْ غارقة في ظلامِ الظلم عقوداً طويلة تبتسمُ الأقدارُ أخيراً في وجوهها فتفلحُ بالكادِ في أنْ تتبينَ خيطَها الأبيض من الأسود ثمَّ تتيهُ فجأةً من جديدٍ في نفقِ تخبطٍ واقتتالٍ مُظلمٍ لا تعرفُ كيفَ تجدُ منهُ مَخرجاً لها..

إذا كان العثورُ على مكسبٍ نفيسٍ وسط ظروفٍ قاهرة يُعدُّ تصرفاً فيهِ الكثير من الذكاءِ والبراعةِ فانَّ إضاعتهُ أو التفريط بهِ بسهولةٍ سيُمثلُ قطعاً أعلى درجاتِ الغباءِ والتهور..كما أنَّ الشعورَ بالحزنِ عند خسارةٍ غير متوقعةٍ لمكسبٍ كهذا سيغدو حينئذٍ مُضاعفاً إلى الحدِّ الذي يبعث في النفوسِ إحساساً مُضاعفاً بتذوقِ طعمها المُر..إما لصعوبةِ الحصول على ذلك المكسب ابتداءً أو بسببِ التفريط بهِ لاحقاً دون الشعور بمسؤوليةِ الحِفاظِ عليهِ أو لِكلا السببينِ معاً..

بالنسبةِ لي ربما تكونُ قطعة الحلوى التي أعطاني إياها ذلك البائع العجوز قد أطفأتْ في نفسيبعضاً من نيران حُزني على ضياعي لقطعتي النقدية.. لكنَّ الأهمَّ من ذلك وقبلهُ أيضاً أنَّ حرقة بُكائي منحت الرجلَ على الأقل دليلاً عملياً مُقنِعاً على إدراكي العالي لمعنى الميزتينِ معاً بما تحملانهِ من دلالاتٍ معنوية..دلالة الفرحِ وقيمتهُ بما وجدتُ بظرفٍ لا يتوقع أحدٌ أنْ يعثرَ فيهِ على أيَّ شيء ودلالة وقيمة الحزنِ الذي اغتالَ ذلك بما أضعتُ بظرفٍ لا يتوقع أحدٌ أنْ يُضيعَ فيهِ أيَّ شيء..وهو الذي فهمهُ الرجلُ مني فوراً أو هذا ما بدا لي لحظتها على الأقل..لكنَّ الغرابة أننا لم نلمسْ اليومَ مَنْ يفعلُ هذا أو ذاك وسط الحشودِ الغاضبةِ هذهِ..وبعيداً عما رافقها من مزايداتٍ وطنية وتسقيطاتٍ سياسية نضحَتْ بها أواني مرحلة ما بعد الثورة في حربِ وجودٍ متبادلة بدا لي وكأنَّ أصحابَها معنيونَ بتمريرِ رسائلهم باتجاهِ أضدادهم أكثر من عنايتهم بتوجيهها إلى أنصارهم..تبدو الغرابة في أننا (إزاء تلك الثورات) لم نُبصرْ مَنْ يستشعرُ بصدقٍ قيمة ما وجدَ أساساً كي يعرفَ لاحقاً قيمة ما أضاعَ وكأنَّ المكسبَ ذاتهُ أصبحَ يُمثلُ لهم الوجهَ الآخر للخسارةِ ..لم نُبصرْ مَنْ يحرصُ على إعطائنا درساً في الوطنيةِ يكفي كدليلٍ لإقناعنا بمدى حزنهِ وأسفهِ على ضياعِ أهدافِ ثورتهِ وهي تكادُ تتفلتُ تِباعاً من بين يديهِ بقدرِ ما رأينا حُزناً مُغلفاً برداءِ ندمٍ قاتمٍ من قيامِ تلك الثوراتوليسَ على ضياعها...

دِرهَمي الذي عثرتُ عليهِ ليلاً وأنا طفلٌ صغير ضاعَ مني صباحاً..عادَ ثانية إلى أحضانِ شارعنا المظلم الذي ولدَ فيه..ضاعَ كأنهُ لم يكن..تماماً مثلَ مِصباحِ حريتنا السحري الذي عثرنا عليهِ وسط الظلام ثم أضعناهُ هو الآخر بعد فجرٍ قصيرٍ ظننا أنَّ لا ظلمة ستجرأ أنْ تطويه بين أجنحتها بَعد ذلك..ضياعٌ أدمنّاهُ كما أدمنّا ضياعَ كلَّ ما يُمكنُ أنْ تمتاحَ بهِ الحياةُ علينا من هِبات أو ما يُمكنُ أنْ ننتزعَهُ منها انتزاعاً..ومادمنا لا نحسنُ شيئاً بقدرِ إضاعتنا لكلِّ ذلكَ تباعاً ..لذا لا غرابة ولا عجبَ أننا سنظلُّهكذا دائماً مثل طفلٍ صغير أضاعَ في وضحِ النهار ما عثرَ عليهِ يوماً ...وسطَ ظلام الليل!


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق