]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

آخر الكلمات . قصة قصيرة

بواسطة: عبد الله ولد محمد آلويمين | abdallahi mohamed alweimin  |  بتاريخ: 2011-09-15 ، الوقت: 20:23:44
  • تقييم المقالة:

 

لا أعرف ماذا حل بحلمي لكني شعرت به يتناثر كالرماد في وجه الريح، طحنته طواحين السنين بقسوتها ولهيب أيامها، كان حلما جميلا وكنت أراه في الأفق كل صباح حين أستيقظ من نومي ، عشت عليه ودفعني إلي حب الحياة في وطني شنقيط. كنت في الثالثة والعشرين من العمر عندما تجاوزت من الثانوية العامة وحصلت علي الباكالوريا ، بدأت الحياة عندها تبتسم لي وشرع حلمي في النضوج ، لم أكن أجهل واقعي الاجتماعي الذي لا يرحم ولا يعرف العدالة وقد تمكن فيه المفسدون والخونة وأعداء الوطن وخصوم الإنسانية من مقاليد كل شيء _النظام  ومفاتيح الأمل_. كان حلمي أن أصبح غنيا وأن أمسي أستاذا جامعيا وكاتبا كبيرا أطرح أسباب التوحد العربي وتحرير فلسطين. كان ذالك اليوم الذي تبخر فيه حلمي ومات يوم سدت أمامي أبواب العمل والمنحة إلي الخارج لتكملة دراساتي الجامعية العليا غير أن حافزا ظل إلي أخر أيام حلمي الجميل يدفعني إلي أن أكافح وأناضل هو الصبر الذي صار بالنسبة لي يوما بعد يوم روتين لاغني عنه مثل الهواء والنار ، والسكر والنعناع ، كان صديقي يلوم العولمة ويري أنها السبب في وأد أحلام شباب العالم الثالث. ليالي مرت علينا لا نجد قطعة خبز حاف نأكلها ، جعنا كثيرا حتى أحسسنا بألسنة النار تتصاعد نحو جدران بطوننا . كانت أحلام الشباب في بلادي موريتانيا قتيلة فقد أعلن نظام معاوية ولد الطائع إعدامها عندما عين قرابة 100 دكتور علي إدارة حنفيات الماء ، فاجتاحت في ذالك العام بلادي موجة من اليأس هجر بعدها الشباب مقاعد الجامعة والأطفال الدراسة في الصفوف الأولي من الثانوية ن ولم يكن عند الأهل من حجة مقنعة ترجع الأطفال إلي دراستهم . كنت حينها في السادسة عشر من العمر وكنت أول أقراني المتسربين من الثانوية التي كنت أدرس فيها . كانت الحياة عندنا بسيطة جدا والمستقبل منعدم وأحلامنا وردية لكنها لا تنمو ، ليالي قضيناها تحت العمود الكهربائي نلاعب المارة وعمت الحارة موجة شقاوة صبيان زادت علي حدها تداركنا خلالها أن جيلنا بلا مكان ، وأني ورفاقي علي حافة الزقاق. زقاق الانحراف والإجرام. كانت بنت الجيران مريم جميلة وكنت على صلة بها ، كنت صغيرا علي فهم تعابير الهوى ومفردات سأفتقدها فيما بعد مثل الجنس والحب والقبلات، ظلت علاقتي بمريم قوية وكنا رمز الحب في الحارة ، فلازلت أشم عطر رسائلها وأحس أنفاسها الحارة علي خدي الصغيرة آنذاك ، تبادرت إلي محمد فكرة فاتحنا فيها في احدي الليالي التي نجلس فيها علي قارعة الطريق ، كانت جنونية لكنها مقبولة بعض الشيء، مغامرة لصبيان فقدوا الأمل وحرموا من لذة الحاضر ونور المستقبل. كانت الفكرة أن نسافر، نهاجر، نركب في السيارة ونسير علي الطريق المؤدي إلي أنواذيب ثم إلي الصحراء، لا نتوقف إلا إذا توقف العمر أو وصلنا إلي حيث المقدر، لم نكن نعرف جوهر العالم الحقيقي الذي تحكمه المصطلحات السياسية مثل التأشيرة والحدود، عارض أصدقائنا الفكرة ووافقت عليها أنا ومحمد ، بدأت فورا أفكر كيف أحضر حقيبتي التي لم تكن موجودة ، ذهبت إلي مريم عندما خرجت باغتتني وهي تقول : هل رأيت حلقة المسلسل البارحة ، هل رأيت كيف قبل البطل البطلة ، تري كيف يفعلون ذالك تعال نقلدهم. لم أكن حاضرا في تلك اللحظات فقد سافر عقلي ، لم أعد أحس بوجودي في الحارة ولا في العاصمة ، صرت أتخيل أني علي الطريق مسافر بعيدا جدا، استيقظت من شرودي وقلت لها: -         حبيبتي إني مسافر. كانت مريم بريئة وحنونة، كنت دائما أتذكر رائحة عنقها وملمس يديها وأنا آوي إلي فراشي. عندما سمعت قولي جثت علي ركبتيها وقالت لي: -         كيف ولم يحن الخريف بعد؟ كان موسم الخريف يختلف عند الموريتانيين عن غيرهم ، ففيه تهطل الأمطار وتخضر المرابع وتسمن المواشي  فيسافر الناس إلي البوادي ويشربون اللبن ويذبحون النعم طيلة ثلاثة أشهر . أمسكت بيدي مريم ونخت قائلا: -         صغيرتي إني مسافر إلي الخارج إلي وطن يحتويني، صغيرتي لقد أصبح وطني غربة ولابد أن الغربة أحسن لي، سأسافر مع الريح حيث حلت ولن أنساك، سأعود وأجدك قد كبرت وازددت طولا. نفضت يداها من يدي وهرولت إلي بيت أهلها القريب من المكان الذي كنا نلتقي فيه. لم أتأثر من ذالك فقد كان كل حلمي أن أسافر ، كنت أري أبناء الأغنياء إخوة أصدقائي  يسافرون إلي الخارج ويعودون أثرياء ، لم أكن أعرف إلي أين يسافرون لكني كنت مصرا علي المضي قدما. عدت أدراجي من مكاني الذي كنت فيه مع مريم ، فصادفت محمد. وضع كل منا جناحه علي عنق الآخر وسرنا في الشارع نخطط للسفر واتفقنا علي أن نلتقي في الغد ، في طريقنا رددنا السلام علي مسعود الذي يسكن بجوار بيت محمد، وهو شاب في الثلاثينات من عمره كثير الأسفار إلي الشمال، كان كثيرا ما يحكي لنا قصص أسفاره ومغامراته وكيف أنه يسافر إلي صحراء البوليساريو، كان يسرد لنا قصصا عن تجنيده هناك وعن حرب المغرب والصحراء وكيف أن الصحراويين يرسلون من يقاتل معهم وقت الهدنة والسلم إلي كوبا وإسبانيا ، فتعلقت قلوبنا ببلوغ سنه لنسافر دون أن يكون هناك من يمنعنا ودعت صديقي وأمضيت إلي مسكني وتواعدنا أن نلتقي غدا، في طريقي أفكر كيف أحصل علي مصاريف السفر والتذكرة، في طريقي إلي البيت رأيت عود سجائر لم يطفئه راميه وقد بلغ النصف ، أخذته ووضعته في فمي، كنت أدخن منذ صغري ، خطرت لي فكرة فهرولت ثم أسرعت فجريت نحو البيت لتنفيذها. عندما وصلت دخلت كوخ الصفيح الذي نسكنه ، سكبت ماءا في كوب الحديد المركون في الزاوية الأسمنتية المتآكلة بفعل السنين ثم جلست وفتحت التلفاز الغير ملون، وضعت علي المخدة رأسي وشردت ثم جلست لأنفذ الفكرة التي شاح نحوها فكري ، كانت عبارة عن سرقة نوافذ قديمة مركونة في المطبخ وبيعها ، تقدمت إليها وأخذتها إلي مكان آمن ثم رجعت ونمت. في تلك الفترة اجتاحت بلادنا عاصفة من اليأس وأضحي الراشدون أمام خيار واحد وهو أن ينخرطوا في الحزب الحاكم ليعيشوا حياة كريمة  أو مستورة علي الأقل وكان القصٌَر يعون أن نهج الكبار لن يكون لهم مستقبل معهم. استيقظت من شرودي كان كل ما مضي حلم يقظة ذهب بي إليه ضنك الحياة وصعب المعيشة ، كانت خواطر عابرة من زمن الطفولة شرد ذهني إليها وأنا أعدد شهاداتي الجامعية وأوراقي المدنية المصدقة ، حياة لا تختلف عن حياة اليوم وأنا أسلم حلمي للأمل الأخير. أتمعن في الطابور الذي يصطف علي مقاعد الانتظار أمام السفارة الفرنسية والإسبانية . لحظات من الزمن العابر القاسي قارنت بين واقعي اليوم وبين أيام الطفولة الضنكة الصعبة التي فشلت وكذالك أقراني في أن نحقق فيها أو نظفر بألعاب أطفال ، زيارة حديقة حيوان ، شراء بوظة أو حلوي أرستقراطية ، فلا زلت أتذكر عندما بعت النوافذ في اليوم الموالي وتسللت ليلا من المنزل أملا في أن نسافر أنا ومحمد ووصلنا إلي المكان الذي سنرحل منه، لازلت أتذكر الشاب الطويلصاحب السترة الذي كان ينتظرنا عند الزقاق الشمالي من الحارة وهو منتصب أمام أضواء سيارة بيجو 504 يشير إلينا بيده أن نتقدم، تقدمنا بخطوات وكلنا يمسك بيد الآخر، فتح باب السيارة ودخلنا وأعطيته المال الذي بعت به النوافذ لرجل يشتري الأشياء المستعملة ، أدار الشاب المحرك وانطلق بالسيارة. انتشي ذهني وتفكيري وأنا أحس نفسي بعدما انطلقنا ذاهبين أنني طائر حرر من قفص العبودية وتنفس في تلك اللحظات عبق الحرية. كانت الحارة التي أسكن فيها في ضواحي العاصمة نواكشوط وكانت فقيرة، وفيها نسمع عن مقاطعة أخري باذخة جميلة تسمي تفرغ زينة بناها الأثرياء ولصوص المال العام علي مدي 20 عاما ، إنها قطعة من الحياة كل شيء فيها جميل ، الدور والقصور والنساء والعمارات . كانت سيارة بيجو 504 الزرقاء اللون تسير علي الشوارع الواسعة بعدما كانت تسير في الأزقة الضيقة المظلمة عرفت من فوري أننا في المقاطعة التي كنا نسمع عنها "تفرغ زينة" اقتربت من محمد وهمست في أذنيه -         إلي أين نحن ذاهبون ؟ -         لا أعرف . توقفت السيارة وخرج منها الشاب ، توقفت بين حظيرة سيارات أخري شبيهة بالكراج فأتجه الشاب نحو سيارة أخري متوقفة تنتظر، كان يلبس سترة سوداء وسروال جنس وأحذية للجيش، ملثما غامض الملامح، أصابني خوف وارتعاش في تلك اللحظة من مكاننا الذي نحن فيه فهمست إلي محمد وقلت له : -         تعال نخرج ونرجع. -         لا..لا.. أنتظر حتى يرجع الرجل ونعرف ما يحصل. ونحن نتبادل الحديث فتحت السيارة ودخل منها زنجي ورجل أسمر البشرة وكذالك دخل الشاب صاحب السترة السوداء وجلس في المقعد الأمامي وقال: -         ماد فعتم لا يكفي لسفركم الاثنان، الصحراء بعيدة وأنتم قاصران ولابد من تزوير الأوراق المدنية حتى ينسب كل واحد منكم إلي رجل راشد لنتجنب مضايقات الشرطة والدرك ولذالك واحد منكم فقط سيسافر أولا . بادر محمد بالكلام - أنا سأسافر وسيبقي الخليل حتى تعود . -         لا لا لن تسافر لآن ننتظر حتى يعود فنكون قد أتممنا التكاليف ونسافر قال الشاب المال لا يمكن أن يرجع لذالك قرروا طلب مني محمد أن أخرج معه فخرجت فبادر يحدثني محاولا إقناعي بالبقاء وتركه يرحل أولا وفاض في أحلام وأمنيات وبدأ يحدثني عن الغربة وواقعه وأسرته التي لا تحبه وكيف إن رحل سيعمل ثم يرسل لي تكاليف السفر. رأيت في عينيه تمردا لا بقاء بعده خلقته قسوة الحياة الأسرية والسلطة الأبوية الرعناء. بدأ ذهني وتفكيري يتجه نحو شكوك مريعة ، كان محمد صديقي المقرب ولم أكن ساعتها أعرف كيف أثنيه عن السفر وأصبحت أخاف عليه من هذه الجماعة وللحظة صار همي الوحيد الفكاك من أيديهم. قلت لمحمد -         سأوافق بشرط واحد وهو أن تعاهدني بأن لا تنساني -         لن أنساك -         وأن تعود -         سأعود دخل محمد في السيارة وبادل أطراف الحديث مع الرجل ورفاقه ثم خرج إلي وقال سأتركك تبيت لليلة هنا مع مالك المكان  فأنت أأمن وركب في السيارة ثم انطلق وتركني ، خرج رجل من العتمة الحالكة واقتادني، ونحن نسير في الطريق سألته -         أيوجد هنا دكان؟ -         أجل.. أرجع من حيث قدمتم ثم ادخل يسارا، ستري النور ، لكن اترك متاعك هنا . -         هل تريد شيئا -         لا أدخن. أسرعت نحو الطريق التي أرشدني إليها وعندما وصلت إلي الدكان سألت صاحبه: -         أين أنا لآن ؟ -         من أين أنت ؟ ينظر إلي نظرة حيرة وتعجب -         أجبني فصديقي في ورطة علي ما أظن -         تعال اجلس أية ورطة ؟ -         رجاءا ليس عندي وقت -         اذهب مع هذا الطريق وادخل يمينا ثم سر مستقيما فسترى الشارع. أطلقت سيقاني للريح وعدوت .. وعدوا ثم عدوت عندما وقفت علي الشارع تقدمت حتى منتصفه واعترضت لسيارة مرسيدس 200 وأنا ألهث كالكلب توشك أنفاسي أن تنقطع وبالكاد أفقه قولا، فتح الرجل الباب ونهرني في وجهي أأنت مجنون ؟ -         أرجوك صديقي مختطف وأنا مطارد. ما إن أكملتها حتى شعرت بيد غليظة خشنة علي عنقي ، كان الرجل الضخم الذي تركت أمتعتي عنده صرخت بصوت عال -         هذا الذي يختطفني أخذ الرجل بمجامع قميصي ثم شدني نحو السيارة وانطلق مثبتا يده علي الصفارة حتى دخلت من النافذة وبعد وهلة توقف بي أمام مفوضية الشرطة خرجت مسرعا وعندما وقفت علي الباب فاجئني أحد العناصر بصفعة قوية وأدخلني في الحجز وهو يكرر صبي تسرق! تداعي صاحب السيارة إلي الشرطي وأمسك به يتساءل ماذا سرق ؟ -         ألم تأت أنت به؟ -         بلي. -         ألم يسرق عليك؟ -         ياقوم اتقوا الله .الصبي في خطر، وصديقه مختطف. ثم فجأة دخل كبير الشرطة وقص عليه صاحب السيارة قصتي وقصتي والشرطي ، تقدم نحوي وسألني : -         أين تسكن؟ -         تن أسويلم. أركبني السيارة وانطلقنا، كنت في داخلي مرعووووب وخائف ففكرت في أن أوصله إلي أهل محمد وعندها أكون قد فعلت ما في وسعي ، فمحمد تسلل من النافذة ليلا و أهله نيام. كان الفجر قد بدأ يبزغ من الظلام الحالك الذي تعيشه الضواحي في الليل، فالإنارة لا توجد إلا علي الشارع الكبيرة، والماء لا يوجد ومصادر الحياة شبه معدومة هناك. طرقت الشرطة باب أهل محمد ثم خرج والده وعندما رآني فهم أن خطبا ما حدث، قصصت عليه القصة فلم يصدق. دخل إلى غرفة ابنه محمد فلم يجده ، خرج غاضبا صارخا أين ولدي .. أين ولدي ، اخذ بيديه أذني ورفعني كمن يرفع الأثقال -         قل لي أين ذهب محمد يا خليل كررت نفس القصة فخرج والد محمد مسرعا في بيجامته المتسخة ، فضفاضة لا تكاد تستر عورته إلي البيت المجاور وبدأ يقرع الباب قرعا شديدا ففتح الباب وكان ما صدمني أن الذي فتحه مسعود وقد كنت أظنه من يقود السيارة بيجو 504 ، صرخ والد محمد -         اقبضوا عليه، هو الذي يعرف مكان ابني ، هو الذي اختطفه. اقتادت الشرطة مسعود إلي المفوضية ، كنا في سباق مع الوقت فالشمس توشك أن تبزغ وأنا لا أعرف كيف أواجه أهلي ومسعود ينكر معرفته بالقصة. كانت الشرطة عندنا تتبع أساليب في التحقيق يطلق عليها الموريتانيون "جغوار" و "جغوار" عبارة وضع أسلاك كهربائية في مواضع من جسم المتهم وصعقه بأعلى درجة مرات متكررة فيفقد وعيه من شدة الألم فيقر بما فعل وما لم يفعل، كنت أنا في ردهة المفوضية مع والد محمد وأخوه الأكبر، خرج المسئول عن التحقيق مسرعا مستنفرا فرقة من الشرطة وركبوا السيارة ، تبعهم والد محمد ولم يسمحوا له بمرافقتهم، عرفت أن مسعود قد اعترف بشيء ما، حاولت معرفته لكني كنت صغيرا علي الثقة و الاهتمام. دخل شرطي إلي ردهة المفوضية وسألني : -         أأنت الخليل؟ -         نعم. ثم خرج، لحظات ويقف والدي عند الباب رفقة أمي فقد كانوا يريدون معرفة ما إن كانت دورية من دوريات الشرطة التي تنفذ حظر التجول بعد منتصف الليل قد أوقفتني. تقدم أبي نحوي ، كنت أتمني أن تبتلعني الأرض ، عادات مشينة تمكنت من المجتمع الموريتاني، فالضرب المبرح يناله معظم الأطفال تحت حجة ضرع المفاسد والتأديب والتوبيخ، لكنه في تلك اللحظة ضم يديه علي عنقي الصغيرة ثم ضمني إليه ، كانت تلك اللحظة غيرت تفكيري فلم يضمني قط ولم أحس بحنانه ، أحسست بقطرات دموع علي كتفي ساخنة فقد كنت ألبس قميصا رقيقا شفاف، بعد لحظات أرجعني إلي الخلف ورمقني بنظرات حنان لازلت أتذكرها بعد عشرة سنوات من الطفولة،لكن أبي كان صامتا لا يتحدث وأمي  واقفة لا تتحرك، تمنيت أن يكون دهري كله مثل تلك اللحظات. جلبة وأصوات أمام المفوضية، صراخ كبير جعل أبي يلتفت إلي الخلف لمعرفة ما يجري ، كانت الشرطة تقتاد رجلين ضخمين وأطفال صغار وكان والد محمد يصرخ ويكرر: -         ستخرجون أبني ولو من طبائق الأرض. فور إدخال الرجلين هجمت عليهم عناصر الشرطة بالضرب، كنت دائما أحس بظلم الشرطة لكني في تلك اللحظة تمنيت أن أكون راشدا بقدر طولهم لأشاركهم ضربهم، فبعد دقائق اكتشفت الشرطة أن الرجلان يقودان عصابة للمتاجرة بالأطفال وأن مسعود هو من يسهل لهم ذالك من خلال قصصه التي يحكي للصبيان وكيف أنه خاض نفس التجربة، بدأ التحقيق علي قدم وساق لمعرفة أبعاد القضية التي صنفتها الشرطة علي أنها جريمة . تقدم أبي إلي الأطفال الذين أتت بهم الشرطة والذين كانوا برفقة الرجال تحضيرا لتهريبهم، تبين أنهم غير موريتانيين، بل من جنسيات إفريقية أخري. أخذ أبي بيدي وسرنا نحو الباب، أمسكت بيميني جناحه المشعرة: -         أريد أن أنتظر محمد. نظر إلي وهو يضع كفه علي رأسي: -         اجلس هنا ولا تتحرك. جلست وشذرات أفكار تراوح ذهني وتعود عن أيام صداقتي مع محمد وكيف لو أني ذهبت معه ؟ وكيف هي الأقدار تصنع الحياة خلال لعبة متقنة إتقانا، تبرهن أن للعالم ربا كبيرا قديرا علي كل شيء. كنت أضم جناحي علي سيقاني وأضع رأسي بين ركبتي  المكشوفتين من كِيلتٌِي الصغير، لمعت من بين ذراعي وركبتي فضفاضة فرفعت راسي، كان أبي يحمل في يديه كيسا به خبز وحليب ومربي، دخل وتبعته وجلسنا علي حصيرة في ردهة المفوضية النتنة وشرعنا بتناول الفطور، كانت رائحة كريهة تنبعث من بين القضبان ، استرقت النظر من فتحة في الحائط فرأيت أشخاصا ممدين علي البلاط تمعنت أكثر فتبينت شعرا كثيفا مشعثا، دققت النظر وتأملت. كانت ملامح فتاة مسكت جناح أبي فهززته  لأثير انتباهه وأشرت له بسبابتي تجاه الفتحة في الحائط،  انظر .. أنظر فتاة مسجونة مع الرجال ، همس إلي أن أسكت، لحظة أخري سمعنا قرع النعال من السلالم أتضح لنا أنه والد محمد، قام نحوه أبي وقال له: -         بشٌِر.. بشر. -         لقد أجرو اتصالات لدرك الحدود، فالمفوض يعتقد أنه لا يزال في العاصمة -         وكيف سنتأكد من ذالك؟ -         المفوض الآن يجري اتصالات مع النيابة لمداهمة الأماكن التي يعتقد أنها وكر للعصابة. -         أماكن. -         نعم.. لقد اعترفت العصابة بإدارة عشرات بيوت الدعارة وحانات الغمار… -         هل تعتقد أنه سينجح في استصدار الأمر. -         لا أعرف.. لكني سمعت أن وكيل النيابة الجديد لا يجامل في أسباب تأمين الوطن والمواطن. نزل المفوض يصرخ هيا.. هيا، وضع أبي يده علي منكب والد محمد: -         لقد نجح. -         يبتسم. أجل.. أجل خرجت قوة من ستة سيارات لاندكريزر من المفوضية ممتلئة ،قال أبي لوالد محمد تعال نذهب إلي المنزل لتسترح وتشرب الشاي ينما يفرج ربي : -         لا باس. سرنا أربعتنا والد محمد وأبي وأمي وأنا علي قارعة الطريق وذهب أخ محمد الأكبر إلي المنزل، لم تكن الطريق معبدة، بل كانت شوارع العاصمة ضيقة سيئة لزجة الأرضية، معتمة بالليل، كنت خائفا جدا علي محمد. يد علي منكبي مبتلة أيقظتني من شرودي العميق في بحر الذاكرة والسنين، تطلعت فيها من الأصابع إلي الجناح كانت سوداء حالكة السواد ، كان صديقا لي تعرفت عليه في الجامعة قال لي باللغة الفرنسية. -         ألازلت تجلس هنا؟ -         نعم. -         لقد رفضت السفارة ملفي وأشرت علي جوازي بالختم الأحمر. ضربت جبهتي بكفي حسرتا علي ذالك فقد نال جواز سفره بشق الأنفس، خمسة ليالي قضيناها نسري بعتمة الليل حوالي الثانية صباحا علنا نجد مكانا في الطابور، مئات الناس تبيت عند إدارة الأمن فالجوازات في تلك الفترة محدودة لأن الإدارة اتخذت قرارا بترخيص 40 جواز سفر يوميا بين النساء والرجال منا صفتا، ففي تلك الفترة من السنة يكثر المسافرين، الطلاب الممنوحين والحجاج والمرضي وكثير من الناس يبحث عن العطلة والاستجمام في الخارج. كنت خائفا من أن يؤشروا علي جوازي أنا أيضا ، قلت له لا بأس يا"آمادو" لا باس ربما يخفي لك الله في الغد ماهو أفضل وأحسن، كانت الشمس في كبد السماء، وكانت باحة السفارة الفرنسية مشمسة جدا، فقط مقاعد من الخشب نجلس عليها تظلها أغصان شجر متفرقة. حدثتني نفسي أن اذهب فذالك اليوم سيئ للغاية وليس يوم سعدي ، لكن منظم الطابور نادي باسمي فتقدمت وأنا أجمع قماش فضفاضتي وأجفف به عرق جبيني. ترتعد سيقاني ، تتلاحق أفكاري دفعة واحدة حتى الجنون ، وصلت إلي نافذة الاستقبال، تطلع الرجل في أوراقي وتمعن في ملامحي ، رفع رأسه وازداد تأملا في ثم رد نظراته إلي ملفي وأحاله إلي رجل عن يمينه ، أشار إلي بيمينه أن أدخل من الباب الخلفي ففعلت وجلست علي كرسي مقابل كرسيه. بدأ يطرح علي أسئلة عن دوافعي للهجرة إلي فرنسا وأوروبا ، لقد أيقنت أن الحظ لن يكون في صفي لقد تأكدت من أن مواهبي لا يمكن أن تنموا في وطني لأنه لا يحتويني ، لا يسقيني ، لا يكترث لي، رسام وفنان وكاتب ومبدع لكن لا يريد حكامنا من يوقظ المواطنين، من يمهد للثورة، فاجئني الرجل بالقول إن شهاداتك عربية وتلك لا مكان لها في أوروبا ، آسف مضطر إلي رفضك. رجعت منكسرا، محبطا ، خرجت من السفارة أتمشي علي قارعة الطريق، فقدت آخر الآمال ، كنت أنظر إلي الحانات والمراكز التجارية ، مشطتها واحدة  واحدة بحثا عن العمل فلم تشفع لي شهاداتي الجامعية ولم تقربني من عمل ، دخلت المخابز والصيدليات ومحلات الحلويات ، حاولت أن أجد عملا ، أي عمل وبأي أجر، كنت أتصبب عرقا وأكاد أهوي من طولي من شدة التعب ، فالطريق إلي البيت طويلة تزيد علي عشرة أميال، خيم الليل علي الشوارع المنارة بالكهرباء وسط العاصمة ، لكن كل ما اقتربت من حينا الفقير كانت العتمة تشتد ، تذكرت عندما كنت يومها أسير علي الشارع أنا وأبي وأب محمد وأمي استحضرت كيف أن السنين والعقود لم تعد تغير المعالم  ولم تعد تحدث فرقا ، أتذكر عندما كنا نسير علي قارعة الطريق ننتظر أخبارا عن صديقي كنا في طريقنا إلي المنزل ندخل بين أكواخ الصفيح الساخنة من شدة حرارة الشمس وهي ضحي، كل شيئ كان يدل علي الفقر والضعف والظلم  وغياب العدالة، أتذكر غليون أمي الفضي الذي كانت تدخن فيه ولذي لم يكن عاديا، في بلادي كان للنساء قضيب حديدي أو فضي يصنعه الصناع التقليديون ذي رأس معكوف يحشي من التبغ الصافي الغير مصنع و يدخنوهن وكان طوله حوالي 40 سم وكان يرمز في القدم لنبل المرأة وعراقة أصلها، أذكره جيدا عندما دخنته وأنا ابن العاشرة تقريبا وأمي آنذاك نائمة فلم أقوي بعدها علي ترك التدخين. عندما اقتربت من الحي بدأت أنوار الأعمدة الكهربائية المصطفة علي الشارع تتراءى لي ، بدأ رأسي يؤلمني  صداع شديد ألم بي لم يسبق أن انتابني ، تقدمت نحو الحي الذي أسكن فيه، دخلت مسكني مبتلا من العرق واليأس، رميت أوراقي في الزاوية وأسقطت نفسي من طولي ودخلت في نوم عميق ، كنت عادة أتمشي بعد صلاة المغرب إلي أصدقائي نلعب الشطرنج ونتبادل كؤوس الشاي، لكن يومها لم أخرج ، قررت أن أقاطع الحياة، أنتبه إلي خطوات قادمة نحو الكوخ ألتفت إليها بعيني الحمراوات، فدخل محمد قبل أن يسلم علي باغته بقولي: -         لن تصدق. -         معناه أنك حصلت علي التأشيرة. -         بعيد كل البعد. -         ما لذي لن أصدقه إذن؟ -         اليوم في السفارة شردت ذاكرتي نحو الذكريات. -         أية ذكريات؟ -         تجربتنا نحو الهجرة. -         إياك أن تفكر في أخري علي نحوها ، فالمرة الماضية كانت الفكرة فكرتي وتعلم ما كلفتني خمسة عشر يوما من الاحتجاز في حاويات كنت سأباع لمافيا المتاجرة بالأطفال الدولية لولا أن الله أدركني بلطفه، وبالمناسبة اتصلت بي مريم وتلح علي إحضارك ، ثم هل بينكم مشكلة. -         لا.. لكني لا أريد لها أن تتعلق بي أكثر من هذا خصوصا أني شخص لا أمل في مستقبله. -         أنت خير الشباب لكنك تستنقص من قدرك. لم أكن حاضرا أثناء حديث محمد، فساعة خروجي من مبني السفارة الفرنسية قررت أن أسافر، يقاطع محمد شرودي. -         أوه،،، أوووووه، فيما ذا تفكر، هيا -         أنا تعب ، سأمر عليك في الصباح في الصباح ذهبت إلي هاتف عمومي وحادثت "آمادو" -         آمادو أريد أن ألتقي بك الآن. -         أنا محبط -         ماذا تفعل الآن؟ -         أستمع إلي الموسيقى لكن سأحضر إليك -         طيب لا تزال تلك الأجراس التي طرأت علي بعد رفض الملف تزداد طرقا، الفكرة تلح علي لا تفارقني وقد أصبحت الشمس ضحي وأنا أنتظر في الكوخ ، أفكر في الغد، في الحلم الذي يتبخر، في عجز الدولة عن استحداث سلك ثالث في الجامعة أحري الدكتوراه. دخل آمادو وقبل أن يتحدث قلت له -         اسمع أنا سأهاجر.. فماذا عنك؟ -         ستهاجر! كيف ؟ هل حصلت علي التأشيرة؟ -         لا. لكني قررت أن أركب البحر، أن أتذوق الملح، أن أجدف الماء، أن أموت وأنا أكافح وأناضل. -         و…وهل…هل… -         أعرف ما تفكر فيه ، لكن ماذا عنك؟ -         معك -         هيا بنا. كنت علي يقين أن ضنك الحياة سيجعلني أحصل علي الوسائل، فاتجهنا إلي الشاطئ البحري هناك مئات القوارب مصطفة علي حافة البحر في منطقة الصيد التقليدي منها ما مات أصحابها ومنها ما هجره ملاكه ، هناك أصبحت سفن الصيد الصناعي العملاقة وحش كاسر لا يراعي موازنة ولا قانون، فهي مصانع مبحرة تجرف من الأعماق شباك الصيادين وتحطم زوارقهم وكثيرا ما تقتلهم ، هذا جعل الصيد في الزوارق آخر ما يفكر فيه أصحابها. تقدمنا نتمعن في الزوارق ونتفقدها، التحق بنا أحد الصيادين وقد لاحظ تفقدنا للقوارب -         أيمكنني أن أخدمكم ؟ -         هل أنت صياد؟ -         لا. أنا مالك زوارق -         كم يبلغ سعر الزورق؟ -         أتريدون امتهان الصيد وقد هجره أصحابه؟ -         لا. نريدها للإبحار -         إلي أين -         خارج الحدود -         أش.أش.أشششششش لا يسمعنكم أحد، تعالوا ورائي تبعناه وأدخلنا في سفينة بالية منذ سنين مركونة علي الشاطئ _ يقال أن عمرها 400 سنة جاء بها البرتغاليون هنا_ -         هل ستهاجرون -         نعم -         خذوني معكم، أعطيكم الزورق وأجهزه لكم ، ثم إنكم بحاجة إلي من يرشدكم في عرض البحر. -         إذا وافقنا متى تكون جاهزة؟ -         بعد غد. أمسك آمادو يدي واقتادني علي بعد خطوات ثم سألني: -         كيف تثق به؟ -         لأن السفن الصناعية العملاقة لم تترك له خيار، جهز نفسك. رجعت إليه -         نحن موافقون لكن يجب أن نلتقي قبل السفر، فيوم غد سيمر عليك آمادو وتلتحقون بي في المنزل. ذهبت وذهب الصياد و آمادو. تحدثني نفسي : ما هذا الجنون؟ ماذا أفعل؟ كيف أخطو؟ ماذا حل بي؟ أين إرادتي؟  أين صمودي؟ هل يمكن للإنسان أن يرغب في الهجرة إلي هذا الحد؟. عدت إلي حيث كنت يائس بائس، في طريقي مررت بمحمد الذي غيرته السنين بفضل هروبه فقد ملف به أبوه فور عثور الشرطة عليه أخد مديريه لتكوينه لإدارة مؤسسة من مؤسساته ونجح ، لكنه لم يعد صديقي الذي كنت أعرفه بعدما أصبح صاحب سيارات ومنازل وأولاد ، أتساءل كيف للمادة أن تفرق وتجمع، تبني وتهدم؟ . طلبت منه سراويل جنس و جاكت، قايضتهم له بفضافضي وسراويلي الشعبية فرغم فعري كنت أعرف كيف أكون أنيقا. -         الخليل أأنت مسافر؟ -         لا.لا. فقط للعمل -         أرسل أحد يحضر مريم -         الخليل هل أنت مسافر؟ -         الم أقل لك لا -         لماذا تتعجل لقاء مريم إذا؟ -         فقط افعل هذا من أجلي. نادي زوجته فخرجت وجاءت برفقة مريم  صديقتها، عندما دخلت خرج وتركني معها بالبيت، تطلعت في عينيها وتمعنت في جوهرهما وهي تبادلني النظرات، وترسل يدها المنقوشة بالحناء إلي يدي تسألني: -         لماذا أحس أن هذه آخر مرة أراك فيها؟ -         وهم يا عزيزتي..وهم يتملك العاشق عند افتقاد الحبيب. أتدرين لو أني أستطيع لحملتك حيث أكون. (أتلمس وجنتها الناعمة كوجنة الصبيان) لرفرفت بك كالعلم. لو أني لست مضطرا لأوقفت القدر لتكوني سعيدة. (أتأمل شعرها الحريري المنساب نحوي من الهواء الذي يدخل من النافذة) لو لم أكن مضطرا لما كان ما سيكون. (تقبلني قبلة حارة ، ترسل أنفاسها نحو عنقي و تتساءل): -         ما لذي تقوله ؟ لم أعد أفهم كلماتك. -         لا عليك. -         ربما تغيرت تعابير الهوى دون أن ألاحظ . -         لو أني اختفيت أسيلاحظ  أحد يا وردتي، أيكترث لي الذين يروني يوميا في الشارع أسير؟ -         أنا سألاحظ، ألا يكفي؟ -         يوم لا تلاحظين يوم أنتحر. يؤنبني ضميري وأحس بالخيانة داخلي وبالغدر، لكني مكره، فقد أقسمت لها منذ حادثة محمد أن لا أتركها أبد، أن أبقي معها حتى ولو قامت القيامة وبعثنا بعد الموت حفاة عراة، أن أبحث عنها بين الحشود المليارية، تغير الدنيا والأقدار عزائم الرجال، أتذكر قول الشاعر: ماهو ظني ولا ظنكم ولكن                 قضى ربي بنقض العزائم تركتها وخرجت متلهف إلي السفر والرحيل وهل يقاوم المحروم متعة فرحة الفرج والوعد. داخل الكوخ عندما وصلت بدأت أرتب حقيبتي أتحضر لقدري ، كنت في داخلي أعرف أني لا محالة غريق، وأن الوصول إلي الشاطئ الآخر ضرب من الخيال، لكن الموت في الكفاح خير من الخلود في الحرمان. انقضى يومان عددت دقائقهما كصائم ينتظر الفطور، كانت ضربات قلبي عالية  واجتاحني التوتر دون أن أعرف ما يخفي لي الغد، فلم يعودني علي فرحة أو حسن ظن، وقد حانت ساعة الرحيل. عندما سد آمادو بقامته الفرعاء باب الكوخ صحبة الصياد ، دعوتهم للدخول وكان في اعتقادي أن سبب فشل المهاجرين هو كثرة من يركب القارب وعدم اتخاذ الحيطة اللازمة قلت له: -         يجب أن نخرج بعد صلاة المغرب وقت مغادرة العامة للبحر ثم بعد ذالك نحتاط من رادارات الجانب الإسباني، وسنخرج عن القاعدة. خاطبني آمادو: -         أية قاعدة؟ -         أوراقنا المدنية ، شهاداتنا الجامعية سنحضرها معنا. -         موافق. إذن هيا بنا. ارتديت ملابسي وتسللت دون أن أودع أحد .. ركبنا وسيلة نقل واتجهنا إلي البحر. عندما وصلنا كان البحارة والعمال والتجار يغادرون، وكنا الوحيدون الوافدون إليه لأننا نخشى أن يمنعنا الحرس من دخول تلك المنطقة من الشاطئ ، فهي حظيرة للزوارق  والمحركات، واختفينا في مكان هدانا إليه الصياد ، دقائق وساعات تلو الأخرى بدأت أجسادنا يقرصها البرد الشديد وعندما صار القمر بكبد السماء ، خرجنا وسرنا نحو الزورق ، وصلنا إليه وكان خشن قديم ركب عليه محرك أقدم منه . سألنا الصياد فأجابنا أن هذا أفضل ما يمكن العثور عليه في المنطقة. -         لا باس -         هل يمكن أن يوصلنا؟ -         مع برميل البنزين هذا أجل. -         إذن لنقرر الآن: أنا لخليل ماض حتى النهاية -         وأنا. -         وأنا. دحرجنا الزورق داخل المياه وتولي الصياد المحرك وانطلقنا ، كان البحر هائجا والموج مرتفع والبرد قارص جدا وقد أخذنا في الزورق معنا ماء وخبز ووسائل أخرى. في عرض البحر كان هناك عالما آخر، سفن عملاقة تترائي أنوارها في الأفق وكأنها نجوم تساقطت من السماء ، وكانت الزوارق والسفن الصغرى علي سطح البحر منذ أيام بحثا عن الأسماك ، شواطئنا التي كانت في الماضي أكثر شواطئ العالم غنى بالأسماك أصبحت خالية الانعدام الرقابة البحرية وعدم تطبيق القوانين. اهتز زورقنا حتى كاد ينقلب وقد ابتعدنا بأميال كثيرة فتوقفنا ثم وجهنا النور في كل الاتجاهات فلمحنا خيال تقدمنا نحوه واستدرنا حوله، مد الصياد يده إليه وقلبه علي ظهره، -         إنه رجل. أخرجناه من الماء وعندما وضعناه في الزورق بدء الصياد و آمادو بإنعاشه ثم تقيئ الماء وفتح عينيه. -         أين أنا؟ -         أنت في عرض البحر -         لقد قتلوهم.. قتلوهم. -         قتلوا من ومن الذي قُتل؟ -         سفن الصيد العملاقة أبرحوا المراقبين البحريين ضربا ورموهم في الماء، يجب أن أصل لآن إلي الشاطئ ومن ثم السلطات. -         قلت له إن لم تلاحظ فأنت بعيد بأميال عن الشاطئ . -         أجل ولكننا سنعود بعد ما تنهوا صيدكم . -         كلا نحن مهاجرون. -         مهاجرون.. مهاجرون إلي أين؟ .. إسبانيا -         أجل. -         إذن انتظروا حتى يمر زورق أرجع معه. سمعنا صوت محرك من بعيد يقترب منا فأطفأنا الأضواء والمحركات وأخذنا المجاديف وبدأنا التجديف بهدوء ، كان الصوت كلما ابتعدنا اقترب ، تأكدنا أنهم البحرية فتوقفنا، كلما مضت الثواني اقترب الخيال حتى أضاءت الأنوار البحر ، كانت سفينة بحرية للصيد التقليدي ظن أصحابها أننا اصطدمنا بسفينة صيد عملاقة وبدؤوا يحدثوننا. -         أأنتم بخير -         أجل -         لماذا أنتم في هذه المسافة من الشاطئ لم نتحدث إليهم -         أنتم مهاجرون -         معنا مراقب بحري رمته سفينة من السفن العملاقة ظنا أنه ميت بعد ما أبرحوه ضربا نريد من يقله. -         ارفعوه . قطعنا أميالا وربما فراسخ في عرض البحر المظلم المخيف نفد منا خلالها السكر والشاي والخبز ثم  أخيرا البنزين والماء ، وأمست الدقائق ساعات ، والساعات أياما، نلتفت في كل الجهات فلا نري سوي الظلمات وأزيز الموج وصوت ذوبان الزبد ، اشتدت علينا الشقة وتعبت سواعدنا من التجديف وأصيب الصياد بحمي شديدة جراء البرد وقيئ نتيجة شرب ماء البحر، نحلت أجسادنا لأن ليس أمامنا سوي شرب ماء البحر، اجتاحنا الإسهال ، تارتا يغمى علي احدنا فترشه البقية بماء البحر الحارق نهارا البارد ليلا، لكن إغماء الصياد هذه المرة لم يكن كالسابق ، نرشه بالماء فلا يستيقظ  نشك في أنه ميت لكننا ننتظر لنتأكد فبالكاد يمكننا رفع سواعدنا من الإرهاق والتجديف ورفع الماء من القارب. خلال تلك الأيام نسينا مذاق الماء، وطعم الخبز وحلاوة السكر، لم نعد نتذكر خضرة النباتات ولا ملمس الحب أو نكهة الشاي، أو صوت البشر. تسربت المياه إلي قاربنا وأجبرنا علي تمزيق ثيابنا لسد الثغرات، وعندما على الماء منتصف الزورق طفى الصياد فتأكدنا من موته ، أغمضنا عينيه وجردناه من ملابسه إلا الداخلية  حتى نلتحف بها من شدة البرد وحر الشمس، ووضعناه علي سطح البحر. اشتدت نحالة آمادو واشتد علي القيء بعد ما توقف الإسهال لأننا توقفنا عن شرب ماء البحر المالح. أمسك آمادو بيدي واقترح علي أن أنزع المحرك عن الزورق ليطفوا أكثر وفعلت ذالك ، كافحنا حتى صنعنا شراعا بمعطف الصياد ولم  يبق علينا من الثياب إلا الداخلية ، أمسك آمادو بيدي فالتفت إليه وكانت عينيه تدمع : -         آمادو أتبكي يا آمادو -         لم أكن أريد أكثر من مأوى . من عمل. من امرأة غير سوداء تحبني  لا تنظر إلي لوني  أو أصلي . أتزوجها وأعيش معها، لم أكن أريد إلا فضاء حرا يقدر العلم علي أجد فرصة ، خليل عدني -         بماذا -         أن تواصل ، عدني أن تصل ، عدني أن لا تستسلم ، عدني..عدني أن تنجح ، فنجاحك نجاحنا ووصولك انتصار لنا ، عدني بأنك ستذكر للعالم كيف أبحرنا وكيف غدر البحر بنا. -         ما هذا الذي تقوله يا صديقي ، (وأنا أبتسم) سنصل يا آمادو معا وسنعمل معا ، وسندخل الجامعة معا، نحن لسنا مهاجرون يا آمادو . كلا ، نحن عابرون ليس إلا. آمادو.. آمادو. أغمضت عينيه  أغمضها ملك الموت ، كنت وقتها حائرا في وجهه لا أكفكف دموعي . كنت أحس أني الأخير ، وأن القدر أراد ذالك لأمر ما ، كنت أريد أن يعرف شباب وطني قصتنا ، أن يعلم أن ليس للإنسان إلا ما سعى ، لكني قررت  أن لا أخرج جثة آمادو من الزورق ، فتحت شنطتي وبالكاد أحرك جناحي ، أخرجت شهاداتي وأوراقي المدنية  وتفقدتها وعددتها، تأملتها واستحضرت أحلامي يوم نلتها ، قلبتها علي ظهرها ونفثت الغبار عن بياضها ، وكذالك فعلت بشهادات آمادو ثم ثنيت ركبتي وأمسكت القلم  وبدأت أكتب أخر الكلمات: لا أعرف ماذا حل بحلمي لكني شعرت به يتناثر كالرماد في وجه الريح، طحنته طواحين السنين بقسوة صروفها ولهيب أيامها. انتهي
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق