]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مقالات سابقة

بواسطة: جمال الظاهري  |  بتاريخ: 2011-05-16 ، الوقت: 17:08:00
  • تقييم المقالة:

الدرس التونسي .. رسالة كل عربي

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

لعمري أن ما حدث ويحدث في تونس الشقيق لهو الهاجس الأهم والشغل الشاغل الذي يؤرق مجتمعاتنا العربية شعوباً وحكاماً .. حكاماً عبر ما يمثله مثل هذا الحدث من قلق في إمكانية وقوعه لبلدانهم وشعوباً نتيجة للأوضاع السائدة في بلادهم التي لا تختلف كثيراً عن ما كان حاصلاً في تونس من تردٍ للأوضاع المعيشية، وتوقف التنمية، وسيطرة المحسوبين على هذه الأنظمة على مقدرات بلدانهم، ورغبتهم في إحداث تغيير في الواجهة السياسية للبلاد نظراً لطول فترة بقائها في السلطة.

 

رغم أن هذه الانتفاضة ووفقاً للمعطيات المصاحبة لها والتي سبقتها يمكن اعتبارها ثورة أهلية محلية بامتياز ومن غير اللائق تسميتها بغير ذلك، أو تجييرها عن طريق تقزيمها بأطروحات تنسبها إلى عوامل خارجية ساعدت أو ساهمت في قيامها، كما أنه لا يمكن قراءة ما حدث على أنه سبب أدى إلى استغلاله من أطراف من خارج التراب الوطني التونسي لإحداث إنقلاب على النظام، ومن غير اللائق توظيف ما أعقبه من أحداث مؤسفة للانتقاص من أهميته، كون هذه الثورة جاءت نتيجة لما كان قائم.

 

هذه الثورة وما ترافق معها من هبة شعبية شملت كافة قرى ومدن تونس كانت بحق مفاجأة من العيار الثقيل التي لم تخطر على بال أحد فاجأت العالم قبل أن تفاجئ أصحاب القرار التونسي، لتترجم مقولة شاعرها الكبير - أبو القاسم الشابي) الذي قال في إحدى قصائده: إذا الشعب يوماً أراد الحياة       <<<<    فلابد أن يستجيب القدر .. الخ.

 

من كان يصدق أن حادثاِ بسيطاً لأحد الباعة يؤدي إلى انتفاضة بهذا الشكل ما لبثت أن تحولت إلى ثورة للمقهورين ، بائع مسكين ونتيجة لإنغلاق سبل العيش الكريم أمامه نتيجة لممارسة التعسف ضده من قبل بعض عناصر الدولة يقدم على إحراق نفسه في الشارع تعبيراً عن رفضه للواقع الذي وصل إليه حاله رافضاً للجور والقهر والاذلال ومنتصراً لنفسه من هذا الواقع ومقدماً في سبيل ذلك أغلى ما يملكه مفضلاً الموت الأبدي دفعة واحدة على الموت ذلاً وقهراً الذي يتجرعه بالتقسيط يومياً  من قبل بني جلدته.

 

(البوعزيزي) وبهذا العمل الجريء يفجر ثورة شعبية ويحدث الفارق الذي عجزت عن تحقيقه الأحزاب والمنظمات الحقوقية لعقود من الزمن، ثورة تلتهم تلك الذئاب البشرية التي سمنت على كتفه والكثير من أمثاله، ثورة تخلص  تونس أرضاً وإنساناً من طفيليات أدمنت قهره واستساغت دمه وعرقه. وأفسدت حياته عبر الممارسات التي لم ترع له حق أو حرمة في وطنه وبين أهله ليسطر بفعله هذا وجرأته التي كبرت مع كل لحظة إذلال يتعرض  لها ملحمة للحرية والكرامة تمثلها شباب وشيوخ ونساء وأطفال بلده.

 

إمعان السلطات التونسية ورموزها في إلحاق الأذى بأبناء تونس هي ما قادة هذا الشاب إلى الإقدام على إحراق نفسه غير آبه بالآلام أو نادمٍ على فراق الأهل والأحبة، وغير طامع في وسام أو شهرة، وإنما شوق جارف للتعبير عن الرفض لما يلاقيه، ليطلق بذلك الشرارة الأولى التي جعلت من أبناء تونس وعلى مدى شهر  مشاعل للحرية وشهب تنير دروب الرافضين للقهر والتهميش المتطلعين لحياة مفعمة بالانسانية والعدالة الاجتماعية.

 

بمبادرة شخصية لم تستغرق غير دقائق وبجرأة وحزم ينجح (البوعزيزي) في توحيد شعب تونس حول قضيته التي لطالما استجدى حكامه في أن يمنوا عليه ولو ببعض من حقوقه التي لا تتعدى الحرية والعدالة في توزيع الثروة وفي تساوي الفرص والعدالة في الحصول على الحقوق الإنسانية التي تقابل ما يتحمله من واجبات تجاهها.

 

(البوعزيزي) وحادثة المصادرة للعربة التي يقتات من ورائها، وما أعقبها من رفض لهذه الممارسة عبر الإقدام على إحراق نفسه في رمزيتها ودلالاتها لا يمكن إعتبارها حادث عرضي فردي أهوس بمعزل عن الحالة العامة المحتقنة لدى شعوب المنطقة التي هللت لهذه الثورة الانسانية الشعبية التونسية وباركت شجاعة الشعب التونسي، واعتبرت ذلك نقطة مضيئة في شخصية الانسان العربي الأبي، ولسان حالها يقول على ما حدث في تونس يلفت إنتباه حكامنا لما نعانيه، ويغنينا  عن تقديم المزيد من شبابنا على مذابح العدالة والحرية.

 

 

 

 

 

 

 

التعالي .. عواقب ودروس

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

ما أعظمها من لحظة، وكم هو مهيب ذلك المشهد الذي رأيناه وتابعناه على جميع القنوات الفضائية وعبر المواقع الالكترونية من ميدان التحرير، كيف لا وقد التقت الروح بالجسد، وانسجم المكان مع ساكنيه على رؤية واحدة وهدف واحد وهتاف امتزج بشوق اللحظة التي أعلنت عن نفسها بكل وضوح لتعلن للعالم عن قدومها المدوي الذي لا يستطيع أي سجان حجبها أو إسكاتها، لأنها بما تحمله من رؤية لزمانها لا تقبل أن يكون لها ضرة أو شريك من الزمن الماضي الذي توقف ولم يستطع أن يواكبها في التطلعات والمعطيات التي تحملها.

 

إنها ثلاثية الانتصار التي ما إن تتوفر مقوماتها لا يمكن لأي قوة أن تثنيها أو تحتال عليها ( الأيمان بالقضية، ووضوح الهدف، والاستعداد للتضحية)، فبعد فشل كل المحاولات للإصلاح والتقويم، التي قوبلت بالرفض والقمع وتجاهل الوضع الإنساني المتراجع يوماً بعد يوم، في زمن شهدت فيه العديد من شعوب العالم انتقالات جبارة في مستوى التقدم الحضاري، بكل مجالاته التكنولوجية الصناعية، والاقتصادية، والسياسية.

 

هذه الثورة المباركة التي يعلق عليها الكثير من أبناء المنطقة العربية، وشعوب العالم الثالث الكثير من الآمال لم تكن وليدة الصدفة أو نتيجة لظرف زمني أو عمل عشوائي .. بل كانت تتويجاً لنضالات وصبر ومحاولات عديدة، ومخاضات عسيرة عاشها أبناء النيل لعقود من الزمن، بإيمان راسخ حتى وصلوا إلى قناعة  بحتمية الرفض لهذا الواقع الذي لم يستجب لطموحات الجماهير التي كانت في ما مضى تعتبر نفسها الرائدة في مجالات عدة في منطقتها، ومركزاً محورياً يقود عجلة النهوض والتحرر،.

 

لم يكن من السهل على شعب هذا تاريخه أن يقبل بأن يحصل على حقوقه، وفرصته في الحياة الكريمة بالتقسيط فكانت الانتفاضة الثورية الرافضة لما كان قائماً، هي الحل للتخلص مما أيقنت  الجماهير، بعدم جدوى المطالبة بالتصحيح للمسار، الذي خرج عن ما يعرف بثوابت العقد الاجتماعي، التي تعارفت عليها جميع الأنظمة السياسية الحاكمة، في ماضيها وحاضرها، وتمثل ذلك بجلاء حين سمح بالتزاوج بين المال والسلطة الذي حذرت وتحذر منه كل نظريات الحكم لما ينتج عنه من انعدام دور الدولة في توفير العدالة، والمساواة في الفرص، والحقوق والواجبات.

 

 ولأن هذه الجزئية بالذات (المزاوجة بين السلطة والمال)، تسلب الدولة حق المحاسبة للمستغل والفاسد، وتعطي لصاحب المال الحصانة في ممارسة أبشع أنواع الاستغلال، والتحكم بأرزاق المواطنين الذين يفقدون المعين في هذه الحالة والذي يتمثل في سلطة النظام لأنه أصبح شريكاً بعد أن كان حاكماً، وحكماً، ما عزز القناعات لدى الشعب بأن نظام هذا حاله لا يمكن تقويمه أو تصحيح مساره، وأنه صار  فاقداً لمشروعيته بعد أن صار دوره مرهونا لأصحاب النفوذ من أصحاب المال، وأن بقاءه يشكل سبباً رئيسياً لتخلفهم، وفقدان وتراجع دور بلدهم.

 

وحين لم يجد النصح من القريب والبعيد لهذا النظام تجاوباً أو فهماً ولأن هذا الشعب قد أعطى الفرصة تلو الفرصة للنظام الذي لم يدرك ولم يستجب لهذه التطلعات المشروعة معتمداً على مجموعته النفعية التي تمادت في قهر الناس وإذلالهم، هذه النصائح كان يمكن لهذا النظام لو أحسن الاستماع إليها، وعمل على تطهير نفسه من رجسها وسلوكها المشين تجاه أبناء وطنه، أقول لو، لجنبته هذه النهاية المذلة، التي ستظل تلاحقه كوصمة عار وخزي وستلازم رموزه وأزلامه، وأعوانه في ما بقي لهم من ساعات وأيام وشهور وسنين حياتهم، لماذا لأنهم تكبروا على شعبهم، ونسوا لقاء ربهم، وأخذتهم العزة بالإثم، فانعدم الضمير، ونسوا الواجب، وأنكروا على الناس حق التعبير عما يلاقونه من ظلم، وقابلوا النصح بالتعالي، مفضلين العيش في ابراجهم العالية، مستأنسين إلى ما حققوه من مكاسب شخصية، ومغدقين على أنفسهم بصفات ليسوا أهلاً لها، وإعلامهم يقرع آذان الناس بإنجازات ومكاسب، وبطولات ليس لها مكان سوى في عقولهم.

 

نسوا واجباتهم تجاه الملايين التي ساندتهم لسنوات، وتحملت في سبيل ذلك كل أخطائهم، وبعد هذا كله يقابلون هذا الصبر بالعجرفة التي وصلت حد أن يمنوا على شعبهم بما ليس لهم فيه حق، معتبرين انفسهم اصحاب منة وفضل عليه، هذا الاسلوب في التعالي كان لا بد أن يسحب من هذا النظام مشروعيته التي اعطاه إياها شعبه، لكي يعمل على تلبية متطلبات هذا الشعب، فكانت النتيجة ما شهدناه من ثورة انتصرت للانسان والوطن والتاريخ قبل أن تنتصر للمواطن الذي أهدرت حقوقه ونهبت لقمة عيشه.

 

انها  فعلاً ملحمة لا تخوضها غير الشعوب العريقة في التاريخ والحضارة والريادة، ملحمة تصنعها شعوب امنت بقدراتها، وبما تزخر به أرضها من مقومات الرقي من ثروات الأرض وعقول وجهد الملايين من شعبها التي لم تجد الفرصة في وجود مثل هذا النظام الذي سلخ نفسه عن شعبه، واحتكر ثروة أرضه لنفسه وأعوانه الذين لم يعرفوا حق لأحد في ما تجود به الأرض المصرية، فجعلوا من هذه الثروة أمتيازاً لهم وحدهم، وحرْمُوها على أبناء وطنهم، الذين أضطر الكثير منهم للبحث عن فرصهم في العيش الكريم، وفي تفجير طاقاتهم خارج حدود وطنهم الذي حرمهم منه وحرم نفسه من ما يمكن أن يقدموه له من ابداعاتهم، بسبب قلة استأثرت بالبلاد أرضاً وإنساناً.

 

 

 

 

 

 

 

«المشهد اليمني»

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

 

 

من نافل القول التنبيه إلى حالة الانفصام التي اصابت إعلامنا الرسمي الذي يعاني من غربة، بينه وبين جمهوره المستهدف الذي لم يجد فيه ولفترة زمنية طويلة ما يعبر عنه، وكأن القائمين عليه يعيشون في كوكب غير الكوكب الذي يعيش فيه المواطن اليمني، إلا أن هذه الغربة التي عاشها جهازنا الاعلامي، وبالأخص الفضائيات اليمنية قد بدأت تستعيد توازنها وبدى ذلك واضحاً في بعض البرامج، التي تبثها في الايام الآخيرة، 

 

ولأن الشيء بالشيء يذكر، أسجل‮ في‮ ‬هذه المقالة، هذا الاعتراف، فأقول أنني‮ ‬كنت قد هجرت الإعلام الرسمي‮ ‬المرئي‮ ‬لفترة طويلة إلا من عبور خاطف أثناء تنقلي‮ ‬بين الفضائيات المختلفة لماذا؟ لأني‮ ‬كنت لا أجد فيه ما‮ ‬يمثلني‮ ‬كيمني‮.‬

 

وفي‮ ‬ليلة ثمانية من مارس وأثناء تنقلي بين القنوات استوقفني‮ ‬برنامج (المشهد اليمني‮) ‬الذي‮ ‬أداره محمد الردمي،  وحضره الدكتور حمود العودي‮ ‬والدكتور محمد صالح قرعة والأستاذة بلقيس اللهبي والدكتور‮ عادل غنيمة..  شدني موضوع الساعة الذي استحوذ على كل شيء من حياة الشعب اليمني، والمتمثل في الاعتصامات والمطالبات بضرورة اصلاح النظام كما يطرح البعض، وتغيير النظام كما يطالب به البعض الآخر،.

 

 ‬المهم أني‮ ‬أحست وأنا أتابع الحوار أن المتحاورين‮ ‬يمنيون وأن القناة تمثل اليمن،‮ ‬كما أن مستوى النقاش كان لافتاً‮ ‬ويرقى إلى مستوى الحدث، ومثْل المتحاورون جميع فئات الشعب اليمني‮ ‬سلطة ومعارظة‮.‬

 

كما أن الحوار لم تأخذه كغيره من الحوارات النزعة الاملائية أو التلقينية، فكان متميزاً‮ ‬على الأقل من قبل المشاركين في‮ ‬الاستديو،‮ ‬بحيث أبرز الوجه الحقيقي للشخصية اليمنية المثقفة، والتي تهتم بسلامة الوطن وتراعي مصالح الشعب اليمني‮ ‬بواقعية وتجرد عن الانتماء، أو الحسابات الشخصية من مكاسب وخسارة.

 

 كان الطرح موضوعياً، ومحسوباً بناءً على ما يمكن أن يتحقق لليمن من نتائج من واقع النشاط الاجتماعي والسياسي الحاصل، على مستوى الوطن بكامله، دون اسفاف أو تجاهل للحالة اليمنية، وما يميزها من مراكز نفوذ يتداخل فيها الماضي بالحاضر القبلي بالسياسي، العرف بالقانون، الديني بالوضعي، الحديث بالقديم، الاقليمي بالمحلي ... إلخ، بواقعية لا تغفل عن ما قد يخسره الوطن إن حصل وتمترس  كل طرف وراء إطروحاته وتعصب لها وأغفل ما يطالب به شريكه في المواطنة والوطن.

 

أطراف ثلاثة كانت حاضرة مثلت السلطة والمعارضة، والشباب المطالب بالتغيير، ولأن الضيوف كانوا عند المستوى، فقد كان الحوار بناء وشاملاً وعميقاً لم يغفل الحقائق وتعامل معها بواقعية تنم عن إدراك ووعي، فكان النقاش في إطاره العلمي - تشخيصاً للحالة وتحديد العوامل المسببة، واقتراحاً للحلول، فكان على غير العادة ( حوار لمجرد الحوار)، وأبعد ما يكون عما عشناه خلال السنوات الأخيرة  فلم‮ ‬يكن حوار طرشان ولم‮ ‬يكن بدون هدف، وكان الجميع حريصاً على أن‮ ‬يكون حواراً بناء.

 

خلاصة القول وبصدق أن الجانب المظلم الذي‮ ‬كان قد سيطر على قناعاتي، وجعل اليأس يعشعش في مخيلتي وبأنه «ما فيش فايده» في إمكانية أن يكون إعلامنا عاملاً مساعداً في تقريب وجهات النظر وطرح المواضيع الجادة التي تهم كل أبناء الوطن قد تقلصت بعد أن سمحت الفضائية اليمنية لمثل هؤلاء المتحاورين بأن‮ ‬يطلّوا علينا عبر شاشتها الفضية، وشعرت نفسي بفسحة الأمل والتفاؤل في‮ ‬إمكانية اليمنيين‮ ‬أن‮ ‬يناقشوا ما يهمهم ويعالجوا مشاكلهم، ويعبروا عن رؤاهم بنزاهة، دون أن يخشوا في الحق لومة لائم، وبما يمكنهم من  العبور إلى المستقبل الأكثر إشراقاً‮، الذي ينشده الجميع.

 

في الأخير تبادر إلى ذهني سؤال ملح عن قادة العمل السياسي، يقول : هل هؤلاء القادة يعطون من وقتهم ولو القليل لمشاهدة مثل هذه البرامج الحوارية التي تهتم بما يراه المواطن اليمني لواقعه وكيف يرى مستقبله؟  وتمنيت أن‮ ‬يكون قادة العمل السياسي‮ ‬سلطة ومعارضة، وعلى رأسهم فخامة الرئيس قد شاهدوا ذلك الحوار، لما‮ ‬تضمنه من أطروحات وأفكار تلخص الحالة اليمنية وتقترح الحلول‮.‬

 

 

 

 

 

أحرار لا أتباع

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

 

 

سلمت يا شباب اليمن من كل مكروه، فأنت الأمل الذي ولد لحياة أفضل ومستقبل أروع لأجيالنا القادمة، سلمت هذه الروح الوثابة للمجد، والحريصة على سلامة الناس، سلمت هذه الروح الشجاعة في التعاطي، مع مريدي الفتنة والتناحر.

 

على مدى شهر وبضعة أيام أثبتّ للجميع في الداخل أنك جدير بتبني التجديد، وأنك الحريص على المكتسبات، وأن دماءك نقية خالصة للشعب والوطن، ووحدته، فحق لكل شاب يمني أن يفخر ويعتز بأن يقول أنا شاب يمني، وحق لكل يمني في بلد المهجر أن يرفع رأسه بعد نكسه في أكثر من دولة بسبب ما كان يروج له عن هذا الشعب، ووصمه بالتخلف والضعف، وبأنه توأم لمسمى التبعية والانقياد.

 

اليوم وبعد هذه الملحمة حق لكل مغترب يمني ولكل مواطن في أرض اليمن أن يرفع رأسه ويعلنها مدوية ويصرخ بأعلى صوته (أنا يمني)، كان العديد من المتابعين والمراقبين للشأن اليمني ولثورته قد ترسخت في أذهانهم بأن شعبنا لا يستطيع أن يصمد في سبيل قضيته لأيام، وأن اليمني إنسان ما زال يعيش في القرون الوسطى، وأن إمتلاكة للسلاح يمثل كل ثقافته، التي تعبر عن وحشية الشخصية اليمنية التي ترفض العيش خارج فترة القرون الوسطى وأنه يلزمه عقود وعقود كي ينضج ويعي، أن المدنية والحضارة العصرية لا تناسبه، ولا يمكن له أن يعيشها.

 

 لماذا؟ لأنه متمترس وراء بندقيته، وأن التعايش السلمي مع وجود السلاح لا يلتقيان، حتى جاء كوكبة الشباب الذي كسر قواعد المتشائمين، وقلب المعطيات التي يبنون عليها استنتاجاتهم، ويثبت عكس ما توقعه البعض، وما تمناه البعض الآخر، ليثبتوا للعالم أن الانسان اليمني وإن كان بحوزته السلاح أرقى وأعمق إدراكاً لخطورة التحاور بالسلاح، وأن سلاحه، ليس موجهاً ضد بعضهم البعض، واقتناءه لا يتعارض مع مستوى رقيه الفكري، المستند إلى ثقافة العزة لديه التي نبتت مع حضارته العظيمة التي لا يغفل عنها أحد.

 

إلى شباب الساحات في الميادين العامة والشوارع، أقول: شعب هذه حضارته وتاريخه، وهذه مطالبه التي أقر بمشروعيتها الموالي والخصم، لا يمكن أن يخدعه أو يضحك  عليه ويسخر منه من تلوثت أفكاره برجس الانتهازية أو هواة التضليل، والمكايدة، الذين يظهرون غير ما يبطنون، ليجعلوا منهم قرباناً في ظاهره المناصرة لهم، وفي باطنه، الاستخفاف بوعي وإدراك الشباب المستنير ألذي عرف أهدافه واختط لنفسه الطريقة التي تعبر عنه وتوصله لتحقيق هذه الأهداف.

 

ما تناقلته وسائل الاعلام وما يتناقله الناس، وما يدعو إليه البعض تحت مسمى (جمعة الزحف) لا يعبر عن كونه أمنيات لمن ألف تسخير الآخرين واستخدامهم لتحقيق أمنيات لهم لا يجرؤون هم على تقديم ثمنها، ومثل هذه الدعوات، في هذه الفترة، تعتبر أكبر دليل وأبلغ تعبير عن مدى انتهازية هؤلاء، واستغلالهم للحالة التي يعيشها الشعب، بأبشع صورها، ومحاولة من التورابوريين لتفجير الوضع والذهاب بالبلاد إلى المجهول الذي تمرسوا على العيش فيه.

 

ويخطأ من يحاول الاستخفاف بعقول هذه الطلائع، ومحاولة الزج بهم بعيداً عن الخط الذي رسموه لثورتهم، ليس إلا أمنيات أبليس وعشمه في الجنة، فشبابنا أعقل من أن ينجروا لمثل هذه الدعوات، ويدركوا، أن مثل هذه الدعوات لا تخدم مشروعهم الحضاري (السلمي)، وأن انقيادهم، لمثل هكذا عمل إنما يحكم على مطالبهم بالفناء قبل أن يروها على الواقع، والواجب على هؤلاء الشباب الحالم بيمن لكل اليمنيين، وبالذات بعد انضمام شخصيات من العيار الثقيل، تؤيد ما يطرحونه من مطالب، فعليهم وفي مثل هذه الظروف القاسية أن يكونوا حريصين على ما حققوه من إنجازات انتزعواها، تحت وطأة الضغوط القاسية، وبإرادة وعزيمة صلبة، عبر نهج سلمي فاجأ الغريب قبل البعيد، ومن حقهم أن يدافعوا عنها، وأن يخافوا على ما تحقق وعلى مصير هذا الحلم، الذي عبر عن كل يمني شريف، تعب من الفلتان والعشوائية، وتسلق الانتهازيين لمراكز القيادة على حساب آلام الشعوب.

 

ولأن هؤلاء الشباب الصامد يؤمن بالعدالة والحرية والعيش الكريم واقعاً لا نظريات، فلا أظنهم غير مدركين وواعين لمن قد يستغلهم، كما أن الوقت قد حان أن يحدد الشباب المتنور خطهم بمعزل عن قيادات العمل الحزبي المعتقة، التي فشلت على مدى عقود في تحقيق أي انجاز يحسب لها، وبعيداً عن الرموز الاجتماعية التي خدمة نفسها، ولم تقدم للوطن شيءاً، رغم تبوئها للعديد من مراكز القرار لعقود.

 

واجزم أن قادة الشباب يدركون أن الوقت قد حان لأن يعبروا عن أنفسهم بأنفسهم، وأنهم صاروا مطالبين بأن يعلنوا عن تصوراتهم لليمن الجديد الذي يناضلون من أجله، وأن يكون لهم برنامجهم الخاص الذي يترجم هذه التطلعات التي يريدونها لليمن على كل المستويات - الاقتصادية - السياسية - والاجتماعية- وكي لا يتهموا بأنهم لا يعرفون ما يريدونه لمستقبلهم وأنهم غير قادرين على قيادة البلاد، واصدقهم القول بإن الناس فعلاً وعلى وقع الاحداث، والتساؤلات، في الشارع اليمني، والتشكيك في النوايا الذي تطرحه بعض الاجهزة الاعلامية، بدأوا يتساءلون عن المستقبل الذي يريده المعتصمون، في جميع الساحات اليمنية.

 

 فالغياب الذي يكتنف الرؤية المستقبلية للخطوات القادمة، وموقف الشباب المعتصم من الاطروحات والمبادرات، التي يجيئ الرد عليها عن طريق أحزاب المشترك، وغيابهم عن المشهد الذي يمثلهم والهلامية التي يعيشونها ستفقدهم التأثير، وتتيح المجال لأطراف آخرى قد لا تتفق مطالبها مع ما يسعون إليه، وبقاء الوضع على هذا الحال قد يفقدهم التعاطف والتشجيع والتأييد الشعبي مالم يتداركوا هذه الحالة ويمتلكون الإجابة على مثل هذه الأسئلة التي يطرحها الناس والتي أعتبرها مشروعة في مثل هذه الأوضاع، فمن حق كل شخص أن يسأل عن القادم ما دام هذا القادم يمس حياته ومستقبله، ويتحكم بمصير وطنه.

 

 

 

 

 

 

 

كي لا يضيع الحصان في عرس الأموات

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

مع ما يمر به الوطن من احتقان فإن اليمن غني بتاريخه وتجاربه وحكمة أهله، وموروثنا الحضاري زاخر بما تركه لنا من حكم وحكايات وأمثلة لو تمعنا فيها بغرض الاستفادة لأدركنا أن واقعنا اليوم وما تشهده الساحة الوطنية من متغيرات لا تبتعد كثيراً عما عايشه أسلافنا من أحداث كبيرة وصغيرة، وكيف أنهم لم يتركوها تذهب سدى.. بل وظفوا تلك الأحداث واختزلوها في حكايات وروايات يستفيد منها من يأتي بعدهم وحتى لا يقعوا في نفس الأخطاء التي حدثت لهم، ولأن العبرة والعظة تتدفق من هذا الموروث الشعبي الزاخر بكل أنواع المعرفة، والمتمثل في أحداث الحياة اليومية للأشخاص، والجماعات، والدول بأحداثها الكثيرة والمتعددة سواء كانت صغيرة أو كبيرة، معبرين عنها بعبارات وأمثال ونكات وقصص لا تفتقر إلى البلاغة، والاسلوب، والرؤية الثاقبة، دون أن يغفلوا عن الجوهر في صورته الدالة بموضوعية واحتراف، بصورة جادة أحياناً وبأسلوب هزلي ساخر أحايين كثيرة.

 

 أنا هنا اليوم لا أدعي اكتشاف ما غفل عنه غيري أو أقلل من حجم المشاكل التي يمر بها الوطن الكبير الذي يحتوينا جميعاً بكل مشاربنا وثقافتنا، وتوجهاتنا ومناهجنا المتنوعة إلا أن هناك قاسماً مشتركاً بيننا جميعاً لا يتجاهله إلا مقامر، أو طامع نهم لا يرى أبعد من أنفه، وعلى هذا الأساس سأورد هنا هذه الحكاية أو القصة التي تلخص الجزء الأكبر مما يدور في بلادنا عَلْ الإخوة وأبناء الوطن الواحد يتعظون من عاقبة ادعاء الكمال والقدرة على ما لا يستطيعه غيرهم. 

 

هذه القصة شهيرة ويعرفها أهل صنعاء على الأقل بأدق تفاصيلها، ويعرفها الوطن ولو عبر جزئيات بعينها ويستخدمون شخوصها وأحداثها في أكثر من مناسبة على سبيل التندر، أو السخرية من نتائج افعال قد تعرض لأحدهم بين الحين والآخر، وللتقريع والتنبيه لمن يستكفي بنفسه، ويعتد بما يمتلكه من مقومات المعرفة، والقدرة، وللتنبيه والنصح لأي شخص أو مجموعة لا تعطي للآخرين الفرصة للمشاركة في أمور الناس جميعاً.

 

ولن أضيف أكثر وأعتمد على مخيلة القارئ الكريم في عملية المقاربة لما يدور اليوم من نشاط وفعاليات جماهيرية في أكثر من ساحة على الأرض اليمنية، وأهدف من وراء سرد الحكاية أن يعيد المعنيون بهذه التجمهرات الشعبوية حساباتهم في ما يطرحونه من مواقف وما يرفعونه من شعارات ومطالب، ويقدروا العواقب بشكل سليم، وفي نفس الوقت لا يدفعهم الحماس فيفقدون الحصان، وأما شباب الميادين أرجو أن يكونوا مدركين لما يقومون به، وأن لا يخدعهم الدجالون بالنصائح الخادعة فيجدون أنفسهم وقد فقدوا القدرة على المبادرة وخسروا التأييد، فلا يجدون أمامهم غير الجدران التي يكسرون رؤوسهم عليها.

 

فالتوازن في كل الأمور هو الاسلم والأضمن للفوز، فلا يخدعنكم من يدعون بأنهم وحدهم يمتلكون مفاتيح الحل لما يمر به الوطن من أزمات، كما أن النشاطات الحضارية يجب ان تمارس في إطار الذوق الراقي، وما نسمعه من البعض من ألفاظ وصلت حد التسفيه والشتم لبعضهم البعض، ليس من الاخلاق في شيء، ومن المعيب أن تسقطوا ما يجلل المجتمع اليمني من حكمة، واعتزاز بما يميزهم من حسن الأخلاق، وترفع عن الشتائم، والقذف بالأباطيل والصفات التي لا تليق.

 

 

 

القصة:

 

يحكى أنه كان هناك امرأة صنعانية مغفلة ، وقد توفي والداها منذ فترة ، وفي يوم من الأيام كان زوجها في عمله ، وهي جالسة في البيت ، فدق عليها باب البيت ، رجل دجال ،ففتحت له ،فقال أنت فلانة ، وأبوك فلان ، وأمك فلانة قالت : نعــم ، فقال :أبوك وأمك اليوم يتعرسوا في الجنة (أي يعمل لهما عرس في الجنة) وهما يحتاجان إلى ملابس لزوم العرس ، والزفة ، فقالت : صدق ؟ لابد أن أحضر لهما أحسن الملابس .. لكن من أنت ؟ قال الدجال : مزين البلى) والمزين هو الحلاق .. والقاعدة في اليمن أن المزين أو الحلاق كالخادم يوم العرس فيسعى في تحصيل ما يحتاجه العروسان .. وأهل البلى أي الموتى (فقالت مرحبا ً أعطني خمس دقائق لأجمع لك خير الملابس ( راعي لي شوية ثم جمعت له صرتين كبيرتين واحدة فيها ملابس رجال لأبيها ، و الأخرى ملابس نساء لأمها ، فأخذها الدجال مسرعا ً وبعد قليل جاء زوجها من عمله متعباً ، فلما فتحت له الباب قالت: قول لي جنة (جنة وهي عبارة صنعانية معناها هنئني .. وهي من أمثال نساء صنعاء جنة لش) فقال : لماذا ؟ قالت : قول لي جنة ، قال : جنة لش ، قالت : أبي وأمي عيتعرسوا ( سوف يتعرسون ) في الجنة ، فقال كيف ؟ فحكت له الحكاية كلها .، فصاح بها وقال : أنت غبية بلهاء ، هيا جهزي لي الحصان حتى ألحق هذا الدجال اللص بسرعة ، فجهزت له الحصان فركب عليه وأغذ السير ( أي : أسرع ) حتى رأى من بعد الدجال وفي يديه الصرتان والتفت الدجال فرآه ، فأدرك انه زوج المرأة التي خدعها ، وفكر بسرعة في كيفية الخروج من هذا المأزق، وفي أثناء تفكيره رأى رجلاً أصلع يحرث في قطعة أرض بجوار جبل وبجواره كومة قش كبيرة ، فأسرع الدجال ناحية الرجل الأصلع ، وخبأ الصرتين في كومة القصب ، ثم قال الدجال للرجل الأصلع : أترى الرجل القادم على الحصان هناك ، إنه مرسل من قبل السلطان ليصنع من رؤوس الصلع بطاطا ً( لا يقصد به هنا البطاط المعروف وإنما إناء من الجلد ، يوضع فيه الصليط أي الزيت) ، وكان الرجل الأصلع غبيا مغفلاً فصدقه وقال له : وما العمل قال الدجال: أرى أن تهرب منه فتصعد على الجبل فلا يصل إليك فنفذ الرجال الأصلع ما أشار عليه الدجال ، وعندما وصل زوج المرأة إلى الدجال سأله : ألم تر رجلاً يحمل في يده صرتين ؟ فقال الدجال نعم ، هذا الذي صعد فوق الجبل فقال زوج المرأة : ولكني لا أستطيع أن أطارده وأنا على الحصان ، فقال الدجال : دع عندي الحصان أحفظه لك حتى تصعد على الجبل وتمسك بالرجل ، فقال زوج المرأة : شكرا ً لك ، ولكن حافظ على الحصان ، فقال الدجال: نعــم ، نعم ، طبعا ً ثم صعد زوج المرأة على الجبل ليطارد الأصلع ، فلما أبصره الأصلع يطارده ، تأكد أنه يريد أن يصنع من صلعته بطاطا ً ، فلما اقترب زوج المرأة من الأصلع ، كان يقول له وهو يطارده : خذ واحدة ودع واحدة ( وهو يريد بقصده الصرتين ) والرجل الأصلع يضرب على رأسه ويقول : والله ما معي إلا هذه ( وهو يريد صلعته) وفي النهاية أخذ الرجل الأصلع حجرا ً مدببا ً ، وتوقف عن الجري وأخذ يضرب رأسه بالحجر ليشجها ، ويقول : لا لي ولا لك ولا للبطاط ( وهذا مثل صنعاني، يقال في الشيء الذي يعمد إلى إتلافه فلا تستفيد منه لا أنت ولا غيرك ) ، فلما رآه زوج المرأة يفعل هذا استفسر عن السبب ، فحكى له ، وعرف انه ليس هو اللص الذي خدع زوجته ، وتبين له أن اللص هو الذي ترك عنده الحصان، فنزل مسرعاً ليجد اللص وقد ابتعد، ولا يمكن الوصول إليه، ركباً الفرس وواضعاً الصرتين على جانبي ظهر الفرس، فأدرك أن حصانه قد ضاع، كما ضاعت الصرتان، وانه خُدع كما خدعت زوجته، فعاد إلى بيته متعبا ً متحسرا ً خازيا ً لا يدري ما يقول لامرأته، بعد ما كان منه من توبيخ لها وشتم على صرتين، فماذا ستقول له وقد أضاع الحصان ؟! فلما وصل وفتحت له قالت : ما فعلتم ؟ فقال بسرعة : وجدناه صدقا ً وزفتهم يوم الخميس ، ولم يكن لديهم حصان ، ( فاديت لهم الحصان ) (هذا المثل يقال في من غُلب مرتين) أو بلغة أهل صنعاء : زادوا عليه مرتين …

 

 

 

 

 

 

 

الحلقة المفقودة .. وحمى السياسة

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

 

 

الحلقة الضائعة في ما يشهده الوطن اليوم هي الأهم في الحياة اليومية التي يعاني منها المواطن وبالذات أصحاب الدخل المحدود، فمع ارتفاع سقف المطالبات التي يرفعها المحتجون على طول اليمن وعرضه. يقودهم في ذلك عبر استغلال جوانب القصور الظاهرة في أداء الحزب الحاكم، وعجز السلطة عن أيجاد حلول ومخارج لهذه المشاكل المرحلة التي زادت من الضغوط على الشارع الذي لا يجد له مناصاً من التعامل معها بشكل يومي، والتي لامست حياته المعيشية ومستقبله ومستقبل ابناءه والوطن بشكل عام.

 

هذه التراكمات اعتبرها المعارضون فرصة ذهبية للانقضاض على الحزب الحاكم مستغلين ترهل السلطة وزيادة التذمر لدى الشعب الذي ما عاد  قادراً على تحمل المزيد من الضغوط، وباسم هؤلاء انبرت قيادة المعارضة لتتبنى مطالبهم مستفيدة من الاحداث الآخيرة التي تعصف بالمنطقة العربية، التي أعادت للعمل الجماهيري زخمه وقوته خاصة بعد أن أدركت أن اسلوب العمل السياسي التقليدي ما عاد يجدي وبعد أن ثبت لها (المعارضة) نجاعة وقوة الشعوب في إحداث فرق في موازين القوى، فسخرت من امكانياتها كوادر تهتم بالبحت عن هفوات النظام، واخفاقاته، و اظهارها للرأي العام و خاصة المجتمع المدني الذي صار جاهزاً للرد المناسب ( احتجاجات ؛ بيانات، اعتصامات، اضرابات، مطالب، مقالات صحفية تنتقد السلطة أشخاصاً، وأداء عملي).

 

ولأن الحكومات المتعاقبة قد اسرفت في تعويلها على قدرة الشعب وتسامحه في تحمل مثل هذه الاوضاع إلتي لامست حاجاته الأساسية، وقوة ابنائه (رغيف الخبز) والقدرة الشرائية للأسرة اليمنية، التي يعتبرها الجميع، النقطة الفاصلة، في قبول الاعتذار، والتغاضي عن التقصير، فاعتبرت ذلك خط أحمر لا يجوز التسامح أو التهاون فيه، وكان ذلك المحك الرئيسي لقبول هذه الحكومة أو رفضها،  معتبرين أنفسهم في حل من أي التزام دستوري، لماذا؟ لأن الناس اعتبروا تهاون السلطة في أمورهم الحياتية، وتقصيرها في الخدمات الأساسية مقياس على إخلاص ووطنية هذا النظام من عدمه، كما أن تجاهل حاجاتهم الاساسية ليس له ما يبرره إذا ما نظرنا إلى الهوة الكبيرة بين الأغنياء والآخرين وهذا في حد ذاته يعتبر سبباً رئيسياً لخروج الناس للشارع، ومبعثاً للسخط الذي يتزايد ويتسع يوماً بعد يوم.

 

يأتي بعد ما ذكر سيادة القانون التي تآكلت ساعة بعد ساعة، وعلى أيدي من هم معنيين بصيانتها، عبر الممارسات الخارجة عن القانون، والاخلاق، والقيم عرفها شعبنا، من قبل من يمثلون، الاجهزة الحكومية، وبالأخص الذين يحتكون مع المواطنين صباحاً ومساءً، وما تفشي الرشوة والابتزاز وعدم الاستجابة من قبل هذه العناصر لاستغاثة المعدم الذي لا يمتلك ما يقدمه لهم لكي يقوموا بعملهم، فصارت هذه الأجهزة تسخر مقدراتها لخدمة أصحاب النفوذ،  وتأتمر بتوجيهات من يمتلكون المال، لتصبح هذه الاجهزة، والقائمين عليها أُجراء وفي خدمة من يدفع أكثر، فسقطت هيبتها وتحول الاحترام إلى سخط وكره لكل ما تمثله.

 

تخلي الأجهزة الرقابية عن أدوارها في ما يخص المحافظة على مستوى مقبول من المساواة في تقديم الخدمة، فالتاجر لا يتورع عن رفع أسعار السلع أضعافاً مضاعفة والأجهزة الرسمية لا تحرك ساكناً.

 

مثل هذه الأوضاع حين تلتقي مع جمود وتدهور الجانب الإنمائي الذي يمكن من خلالها تحسين مستوى الدخل، يقنع المواطن بأن القادم أسوأ، ويفقده الأمل في استعادة التوازن الذي افتقده ويصيبه بالاحباط، لأنه يرى أن مستقبله ومستقبل أبنائه صار مهدداً فلا تعليم ولا فرص لأصحاب الشهادات، ولا منشآت جديدة توفر فرص العمل .. الخ.

 

مثل هذه الأوضاع المتردية لا يمكن تجاهلها خاصة مع ما يشاهد على الأرض من مستوى الترف، والغناء الفاحش لدى البعض ممن هم محسوبين على الحزب الحاكم الذين حصلوا على ثروات لم يشهد لها اليمن مثيلاً من قبل، وفي الوقت نفسه تتعرض المرافق الحكومية للتدمير والنهب من قبل القائمين عليها وتسخيرها لخدمتهم، وشلة المنتفعين من ورائهم دونما حساب أو أمل في إصلاح ما أعوج.

 

حلقة المصالح هذه افتقدها المواطن اليوم، مع أنها المحرك الأساسي للشارع، وهي رافعه سقف المطالب، وإن غابت في هتافات المحتجين في زحمة الحمى السياسية التي تستغل هذه المطالب، ولأن صوت المواطن قد بح وهو يشكي هذه الأوضاع دون مجيب، فما عاد مقتنعاً بما يهمه ويؤرق نومه، وصار يتطلع إلى ما هو أكثر من ذلك.

 

 

 

 

 

 

 

قذافيات أم ثقافة مجتمع

 

 

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

 

 

‮<‬،،‮ ‬حين سمعت خطابات القذافي‮ ‬في‮ ‬الأيام الماضية لم استغرب أو تأخذني‮ ‬الدهشة من مثل هذه الخطابات من صفات وألقاب وتمجيد‮ ‬يضفيها على نفسه‮ - ‬أنا الوطن أنا القائد،‮ ‬أنا الزعيم‮ - ‬أنا التاريخ، انا المجد ...... الخ‮.. ‬هذه الألقاب والصفات لطالما سمعناها في‮ ‬كل مناسبة‮ ‬يطل بها علينا رؤساء وملوك العرب في‮ ‬المناسبات الكثيرة وتصبح بها صحفنا القومية والرسمية والحزبية والمستقلة،‮ ‬لتشكل في‮ ‬النهاية ثقافة لمجتع بأكمله‮.‬

 

الفرق بين ما وصف به القذافي‮ ‬نفسه وبين الآخرين هو أن هذه الألقاب نسمعها من حاشية ومتزلقي‮ ‬الرؤساء الآخرين، أما القذافي‮ ‬فهو‮ ‬يطلقها على نفسه جهاراً نهاراً، وفي‮ ‬العلن، وعبر القنوات الفضائية، ‬ربما لأن الظرف الذي‮ ‬يعيشه هو ما أطلقها من حنجرته،‮ ‬وربما لأنه في‮ ‬هذه اللحظة افتقد إلى سماعها ممن‮ ‬يحيطون به، وأراد أن‮ ‬يذكر من امتدحوه بها، ولسان حاله‮ ‬يقول لمن ضلله ألستم من اوصلتموني إلى ما أنا عليه؟، فلا تلوموني‮ ‬على ما اقترفته بحقكم، ولا تنتظروا مني تنازلاً أو مراعاة لمطالبكم اليوم وما دامت بندقيتي بيدي سأقاتلكم ولن أرعى فيكم إلاً ولا ذمة حتى آخر قطرة من دمي، وما تلاقونه اليوم، هو زرعكم تحصدونه، فلوموا أنفسكم الفاسدة وتجرعوا مرارة نفاقكم وزيفكم وغشكم وسكوتكم كل هذه السنين،‮ ‬فلا‮ ‬يحق لكم اليوم أن تنتزعوا مني‮ ‬ما‮ ‬غرستموه وداومتم على نمائه في‮ ‬داخلي‮ ‬على مدى‮ ‬42‮ ‬عاماً‮، ‬حتى صار جزءاً‮ ‬مني،‮ ‬وجزءاً من شخصيتي، فدونكم وما تريدون‮ ‬اليوم‮ الويل والثبور، وعظائم الأمور، وأنهار وبحور، ونيران ودماء تغرق الصالح قبل الطالح.

 

هذه هي العاقبة والنهاية المنطقية لمثل هكذا سلوك، وهنا يتبادر إلى ذهني قول المصلح الامريكي مارتن لوثر كنق: «ليس سبب الظلم قوة الظالم وإنما سكوت الصالحين».

 

هكذا تكون النتيجة، حين تزيف الحقائق، وتحجب الحقائق على ولي الأمر، ويحل بدلاً‮ ‬عنها الزيف والتمجيد المضلل للحكام عبر ابتداع الألقاب والصفات الفخرية والرسمية التي‮ ‬تتزاحم مفرداتها وتتكاثر بتكاثر النفعيين الذين‮ ‬يحيطون بأي‮ ‬حاكم‮، ولأن الصالحين افتقدوا للشجاعة فلم يتكلموا من قبل.ولأنهم للأسف تناسوا كل هذه الأمور، فليس هو المذنب الوحيد فهم، شركاء في تحمل كل الأخطاء التي اقترفت، والعواقب التي يواجهونها اليوم.

 

‬عندها‮ وبفعل الزمن الذي يقضيه الحاكم في سدة الحكم ‬يصدق الحاكم بأنه ليس له مثيل ولا‮ ‬يدانيه شبيه في‮ ‬القوم ويظن بنفسه الظنون حد الوصول إلى الاعتقاد بما‮ ‬ليس له، بعد أن أقنعته شلة المنتفعين بأن ما‮ ‬يقوله هو الحكمة ذاتها وأن توجيهاته انما هي‮ ‬دساتير لا‮ ‬يعلو عليها قول فيلسوف أو مصلح، أو خبير، وأن أفعاله أياً كانت إنما هي‮ ‬غيث‮ ‬يجود به على الآخرين،‮ ‬وأن ممارسته لمهامه  تمثل رباط المجاهدين في‮ ‬الثغور، وأن منطقه الهام انفرد به دون العالمين،‮ ‬وإن حدث وانكشف في‮ ‬أمر ما أو أخطأ في‮ ‬تقدير عواقبه فإن مرد ذلك ليس هو وانما قصور الآخرين وجهلهم في‮ ‬فهم ما أراد أن‮ ‬يكون عليه العمل لأن الكمال سمة تلازمه والعياذ بالله، والصواب ما تنطقه شفتاه،‮ ‬وما دون ذلك جهل وضلال‮، ومن يقول غير ذلك فما عليه إلا أن يستغفر الله ويتوب، ويعتذر، وإلا فالسجن مكانه ودون ذلك الهروب ومغادرة البلاد لأنه خائن أو عميل أو مشعوذ، أو أو ... الخ الصفات التي تجود بها مفردات اللغة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القيم الغربية تبتلعها الرمال الليبية

 

 

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

أحداث ليبيا، وما صاحبها من اعمال عنف تمثل وصمة عار في جبين الانسانية وفي جبين العرب والمسلمين في الدرجة الأولى، لما تمثله من تشويه لمبادئنا وقيمنا وديننا الاسلامي وأخلاقيات شعوبنا التي شوهتها مثل هذه الممارسات غير الاخلاقية وغير الحضارية من قبل البعض من قادتنا، وبعض من يسمون أنفسهم جماعات جهادية تسعى لنشر قيم الاسلام التي هي منهم براء - براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

 

أن التعامل الغربي مع ما يجري على الأرض الليبية يسقط اخلاقيات الغرب التي يراهن عليها دعاة الحرية في العديد من بلدان العالم الثالث في سعيهم لتبني النموذ الديمقراطي الغربي، ولأن الحضارة الغربية من خلال المبادء التي تتبناها مغرية للكثير من الاحرار، وصارت محفزاً للكثير من الشعوب التي تحاول تغيير أنظمتها القائمة، معتمدة على مساندة الغرب الذي‮ ‬يعتبر نفسه حامي‮ ‬الديمقراطية، ونصير الحقوق المدنية والإنسانة. إلا أن الممارسات تكشف زيف ما يدعون، وتكشف عن الوجه القبيح لهذه الحضارة التي تتعامل مع الآخرين عبر الكيل بمكيالين، والدليل على ذلك تعاطيها القوي في الشأن الأسرائيلي العربي، واختلاف هذا التعاطي مع الشعوب العربية، والافريقية.

 

 ‬ونظرة واعية للكيفية التي تعاملوا بها مع الوضع الانساني في ليبيا يكشف لنا زيف هذا الادعاء، اذ أنه ليس لهم مبرر في ضعف الموقف الذي أبدوه تجاه الشعب الليبي، فمن الناحية الجغرافية والموقع القريب لدولة ليبيا من القارة الأوروبية، ولأنهم يمتلكون القدرة في وضع حد لممارسات النظام القمعي في ليبيا، ولأن الانتهاكات لحقوق الانسان وفداحة الأجرام‮، الذي مورس تجاه الثوار والشعب الليبي يعطيهم الحق في التدخل لوقف هذه الممارسات التي شاهدها وسمع بها القريب والبعيد.‬

 

مع استفحال الوضع الانساني ودخول المواجهات في ليبيا‮ ‬يومها العاشر من الثورة الشعبية ضد نظام القذافي‮ ‬الذي‮ ‬اعطى لنفسه الحق في‮ ‬قتل الشعب الليبي‮ ‬مبرراً‮ ‬ذلك بحقه في‮ ‬فرض الأمن بالقوة واعتبار من خرج على نظامه خارجاً‮ ‬عن القانون، والشريعة الاسلامية، ويعاقب بالقتل،‮ ‬بل وأكثر من ذلك اعطى لنفسه الحق باستخدام المرتزقة ‬لقمع الثورة وقتل المحتجين وصولاً‮ ‬لاستخدام الأسلحة الثقيلة من رشاشات ودبابات وطيران داخل المدن الليبية‮.‬

 

حيث تحدث مثل هذه الأعمال في‮ ‬دولة قريبية من الغرب معقل حقوق الإنسان كما‮ ‬يحبون أن‮ ‬يسموا أنفسهم ويجدهم لا‮ ‬يتفاعلون ولو بالحد الأدنى مع ما‮ ‬يلاقيه الشعب الليبي‮ ‬فلا بد لكل ذا عقل أن يفكر كثيراً‮ ‬ويقف مطولاً‮ ‬أمام العديد من الأسئلة المحيرة، خاصة إذا ما عرفنا أن ما‮ ‬يحدث في‮ ‬ليبيا لن‮ ‬يقتصر أثره على جغرافية هذا البلد فقط.

 

وبالعودة إلى ما بدأت به هذا الموضوع عن الموقف الغربي‮ من ‬ما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬ليبيا الذي كان له مع نظام القذافي‮ العديد من الجولات الأمنية والسياسية التي‮ ‬تحمل تبعاتها الشعب اليبي‮ ‬بحيث دفع ثمن طيش القذافي‮ ‬من ثروة الشعب اليبي كثمن لغض الطرف والسكوت على ما يقترفه من انتهاكات، وتعذيب وظلم لمن يختلف معه، لماذا، لأن ليبيا بلداً كبيراً‮ ‬تحوى أرضه ثروة نفطية هائلة،‮ ‬ولأن النظام الحاكم الذي‮ ‬يمثله القذافي‮ ‬له نفوذ كبير ويرتبط بالعديد من الحركات والمنظمات العالمية التي‮ ‬لها تأثير على العديد من بلدان العالم وعلى مستوى قارات العالم القديم والجديد‮، وفي نفس الوقت تربطه بالغرب العديد من المصالح، التي هي في الغالب تتناقض مع ما يدعون من المبادء الانسانية، ولأن هذه العلاقة غير شرعية وغير إنسانية، لأنها تقوم على حساب الحقوق الانسانية والاقتصادية للشعب الليبي.

 

العالم الغربي‮ ‬ومن خلال ما يتفاخر به وما يدعيه من حضارة انسانية لم يكن موقفه منسجماً مع ما ينادي به، ويتهم غيره بالدونية والتخلف وانتاك حقوق الانسان، وما صدر منه مواقف هي أقرب إلى تأييد الظالم تجعله أقرب إلى المشاركة في هذه الجرائم التي ارتكبت وترتكب في حق أبناء ليبيا، وينزع منه الحق في اتهام غيره بانتهاك حقوق الانسان، لأن ما صدر عن هذه الحضارة (الغربية) كان بعيداً كل البعد عن ما كان العالم  يأمله من موقف إنساني في ‬مثل هذه الأحداث ولإعتبارات عديدة ذكر بعضها أنفاً.

 

هذا التواطء والصمت الذي صدم العالم ما كان ليحدث لو أن من يتعرض لهذه الممارسات دولة آخرى غير عربية، ومواقف الغرب تجاه القضية الفلسطينية شاهد حي على ذلك، ولأن بعض دول الغرب القريبة من ليبيا تمتلك من الأمكانيات ما يؤهلها للعب هذا الدور، ونظراً لقربها من ليبيا فأن أي عذر لهذا التقصير لن يجد من يستصيغه أو يتفهمه،‮ ‬كما أن المبررات لمثل هذا التدخل متوافرة في‮ ‬شقها الإنساني‮.‬

 

النتيجة التي نخلص إليها في مراجعة الموقف الأوروبي‮ ‬والأمريكي‮ ‬بدت للجميع وكأنهم حريصون على ابقاء نظام القذافي،‮ ‬بل ومشجعين له على ارتكاب المزيد من المجازر ضد شعبه،‮ ‬وما صمتهم المريب تجاه ما‮ ‬يجري‮ ‬إلا دليل على تواطؤهم،‮ ‬مع المجرم الذي‮ ‬فقد صوابه ولم‮ ‬يعد‮ ‬يدري‮ ‬ما الذي‮ ‬يرتكبه في‮ ‬حق شعبه‮.‬

 

هذا الصمت الذي‮ ‬صدم الإنسانية، ووجه لها طعنة غادرة بخنجر مشبع بسم العنصرية والحقد على كل ما هو عربي وإسلامي، مثل هذا الفعل غير الاخلاقي سيكون له عواقبه العالمية وعلى الأوروبيين والأمريكيين بالدرجة الأولى،‮ الذين ما فتأوا يتسائلون عن سبب كرهنا لهم، فعليهم أن يعيدوا قراءة تاريخهم المشوه بكل شوائب المغالطات، المنقوع في برك النفعية والانتهازية والأنانية التي يتعامون عن رؤيتها في شتى ممارساتهم اليومية، ‬وأن يدركوا أنه من غير المعقول ‬أن‮ ‬يتبجحوا بعد اليوم بمثل الحرية والإنسانية، ومن‮ ‬غير الائق‮ ‬أن‮ ‬يتهموا‮ ‬غيرهم بانتهاك حقوق الإنسان في‮ ‬أي‮ ‬بلد من بلدان العالم‮.‬

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(سِيْرِيْ وَعَيْنُ الله تَرْعَاكِ)

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

 

 

إلى متى سنظل «رجع صدى للآخرين»؟،  وأين نقف من تاريخنا وإرثنا الثقافي والحضاري؟ ولماذا هذا الإرث العريق لا يسعفنا في إبداع ما يوافق ويتناسب مع واقعنا وخصوصيتنا التي لا يجوز تجاهلها، والقفز على تفاصيلها مهما بدت في لحظة النشوة، المتأثرة بالحدث غير مهمة، لنضمن النجاح والتلاحم الشعبي الذي بدوره يؤمننا من استغلال بعض هواة التفرقة لمثل هذه الأحداث الجماهيرية الكبيرة، ولضمان النجاح لما نريده من واقع جديد؟

 

علينا أولاً وقبل كل شيء أن ننتصر على أنفسنا، وأن نعترف بهويتنا التي تميزنا عن الآخرين مهما بدا هذا الاختلاف بسيطاً، لأن معظم الحرائق تبدأ من مستصغر الشرر، علينا أن نفاجأ انفسنا، عبر تحدينا للصعاب والمعوقات التي تعترض طريقنا وأن نمهد الطريق لقطار التغيير، كما فعل من سبقونا لننطلق من فكرة محلية تناسبنا، ولابأس من الاستفادة من تجارب الآخرين التي لا تتعارض مع حقيقة واقعنا وخصوصية تفاصيله التي قد لا تنسجم مع تجارب الآخرين، ولكي نخفض الكلفة التي سندفعها، ثمنا لهذا التغيير، وعلينا أن نستفيد في تخفيف هذه الكلفة عن طريق استلهام العبرة والحكمة إذا ما توفرت في ما وقع فيه الآخرون من أخطاء في معالجاتهم لقضاياهم التي تتشابه مع قضايانا التي نحن بصدد معالجتها.

 

صحيح أن ما حصل في تونس ألهم الشعب المصري، وعزز قناعاته بوجوب التكاتف بين الطامحين للتغيير، ودفعه لتناسي الأيديولوجيات والمعتقدات التي أعاقت العمل الجماهيري الموحد، لأن كل طرف كان لا يؤمن إلا بما يراه هو دون غيره، حتى جاءت الحركة الشبابية التي رأت أن ما تطرحه أحزاب المعارضة لا يلبي حاجاتها، لتقلب الطاولة على الجميع في السلطة والمعارضة، ولتعيد خلط الأوراق، وتقضي على الأجندات الحزبية التي ثبت فشلها في إقناع الناس، ولترسم رؤية جديدة للعمل السلمي من أجل الحصول على مطالبها التي لم تغفل  المطالب الشعبية، فتكاتف الجميع حول الهدف الرئيسي المتمثل في المطالب الشعبية، فما كان من جميع الأحزاب في المعارضة إلا مساندة حركة الشباب التي رأت فيها فرصة قد لا تعوض لإحداث التغيير.

 

من ناحية أخرى وفي قراءة موجزة لطبيعة النظامين القائمين في تونس ومصر وعلى خلفية الأحداث الأخيرة، فإنهما يتشابهان إلى حد كبير قد يصل إلى التطابق، إلا أنهما في جانب الممارسة يختلفان إلى حد ما، فهما يتطابقان في انتهاج القبضة الحديدية على المجتمع في الجانب الأمني، وفي نوعية المتنفذين، القريبين من مصدر القرار، وفي مصادرة الحرية في التعبير على الاحزاب، وعدم السماح لمن يعارضهما في إمكانية الوصول إلى السلطة مع مراعاة أن النظام التونسي كان وقعه أشد على الشارع التونسي، بحيث أنه منع وصادر الحق في امتلاك أي وسائل للتعبير، أما في مصر فهناك مساحة من الحرية في هذا الجانب ما أعطى مساحة لا بأس بها للتعبير والتنفيس عن النفس.

 

وممّا سبق نستطيع القول أن الحدث المصري لا يتطابق كلياً مع ما جرى في تونس ويختلف معه في الأدوات التي استخدمت لتحريك الشارع، وإلى حد ما في سقف الشعارات التي رفعت في المسيرات والمظاهرات، ما يدل على رؤية سليمة لواقعهم، وقراءة واعية لما يمكن أن يطالبوا به، من واقع إدراكهم أن مصر بمساحتها وأهميتها العالمية من واقع الأدوار التي تمثلها للسياسة العالمية، ومن حقيقة العدد الضخم للشعب المصري، وما يمثله من عبء كبير على أي نظام جديد يريد أن يهد كل ما كان قائماً والبدء من الصفر، فكان الشارع واعياً لهذه الحقائق ولم تجره الأوهام للمطالبة بالقضاء على كل ما يرمز للنظام القائم، بالرغم من ظهور بعض الشعارات التي ترددت على أفواه القلة من المتظاهرين، لكنها لم تَلْقَ الاستجابة من الغالبية التي تعي تماماً خطورة وعواقب مطالب عواقبها وخيمة على أمن وسلامة الوطن وتهدد الحالة السلمية للشعب المصري الذي ترسخت لديه لعقود طويلة حالة التعايش بين مكونات الشعب المصري المتنوع في المعتقد والفكر والثقافات.

 

وبالعودة إلى مقدمة هذا الموضوع في مشهده السياسي المحلي أؤكد على أن من يسوقون لفكرة تبني النموذجين (التونسي والمصري)، فحين يغيبون خصوصية الحالة اليمنية، وما تعانيه اليمن من تحديات جوهرية، ويروجون لإمكانية اعادة إنتاج الانتفاضتين المصرية والتونسية، وإن كانت حالتها تتشابه مع واقعنا دون اعطاء الشأن اليمني أهمية إنما يغامرون بمستقبلهم قبل غيرهم، وعليهم أن يراجعوا حساباتهم، ويسألوا أنفسهم على أي أساس اقتنعوا بإمكانية تطبيق هذين الأنموذجين على واقعنا اليمني الذي يختلف في الكثير من تفاصيله الجوهرية والتفصيلية؟

 

فإذا ما سلّمنا بعدم صوابية الطرح القائل بإمكانية استنساخ الثورات الشعبية، نظراً لخصوصية كل شعب، هذه الخصوصية التي تتداخل فيها العديد من العوامل التي تميز بين مجتمع وآخر، إلاَّ أنه يمكن الاستفادة إلى حد كبير من المعالجات التي تتوصل إليها أنظمة حكم أو حكومات تعرضت لمثل هذه الثورات، خاصة إذا ما توافقت بواعث هذه الثورات مع ما تعانيه أي نظم حكم أو حكومات أخرى، لأن الأداء الحكومي لأي نظام، والإجراءات التي تتخذ من قبل أي نظام أو حكومة لا تختلف في أدائها أو وسائلها أو مسمياتها وأهدافها عن ما يمكن أن تتخذه أي حكومة آخرى تعاني من نفس المشاكل، والعامل الوحيد الذي يمكن أن يشكل فارقاً في مثل هذه المعالجات هو القناعات الشخصية بضرورة إجراء هذا الأصلاح من عدمه، ومستوى التصلب في المواقف بين أطراف اللعبة السياسية (حكام ومعارضين)، والمستوى المهني والعناصر التي تنفذ هذه الإصلاحات.

 

وبناء على ما هو حاصل في بلدنا اليوم فإن هذه دعوة لحكومتنا  للاستفادة من ما نتج عن أحداث تونس ومصر عبر تمثل جملة من الأجراءات والقرارات التي تصحح الأداء وتعالج القصور، كما أنه من الواجب أن تستجيب للمطالب الشعبية في صورتها المجتمعية والسياسية، وتتخلص من بعض كوادرها التي ثبت أنها تعيق أداءها أو تسببت في أذية شعبها، مثل هذه الإجراءات كفيلة بتهدئة الناس وبعث روح الأمل في إمكانية تصحيح الأخطاء، ما قد يجنبنا الامتحان الصعب الذي تعرض له غيرنا، ويوفر علينا ما قد نخسره إذا ما تعرضنا لمثل هذا الامتحان القاسي، فالوقت يسعفنا وما زال في صالحنا، فهلا استغللناه؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفرصة الأخيرة

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

المبادرة الأخيرة التي تقدم بها الأخ/ رئيس الجمهورية عبر دعوته للحوار في القضايا الأساسية والتي كانت أهم بواعث الخلاف بين السلطة والمعارضة، عمل وطني بامتياز، وتقدير للوضع الذي تعيشه اليمن ينم عن حرص كبير منه على سلامة الوطن والمكتسبات من ما قد يصيبها في حال الانفلات، كما أن الاعلان عنها عبر الوسائل الاعلامية يعد تأكيداً على الجدية في ما طرحه، ويعد إحدى الضمانات التي قد تتعزز من قبل اللجنة المشتركة التي تمثل الأطياف السياسية في اليمن.

 

 هذه البداية لا‮ ‬يجب أن تترك للمستجدات وما‮ ‬يطفو على السطح‮.. ‬بل‮ ‬يجب أن‮ ‬يبنى عليها بمد جسور التواصل وفتح قنوات للالتقاء على مبدأ حسن النية،‮ والحرص على الوطن الذي ننتمى إليه، ومن اجل الخير للجميع، ‬ولا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يقرأ هذا التوجه في‮ ‬إطاره العملي‮ ‬على أنه عبارة عن ضرورة مرحلية،‮ ‬أو بهدف تحقيق أهداف انية اقتضتها ظروف المرحلة، ومن ثم‮ ‬نعود إلى المربع الأول في‮ ‬صورته التخوينية المتشككة من بعضنا البعض‮.‬

 

ليس خافِ على أحد أن بلادنا اليوم‮ ‬تمر بمرحلة صعبة في‮ ‬الجانب الاقتصادي،‮ ‬والاجتماعي‮ ‬والسياسي‮ ‬الذي‮ ‬يتفاقم كل‮ ‬يوم هذا أولاً،‮ ‬وثانياً‮ ‬وبنظرة موضوعية أرى أن ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يبنى عليه من نقاط تساعد على الالتقاء أكثر من نقاط الاختلاف،‮ ‬وثالثاً‮ ‬يمكننا أن نستغل هذه الفرصة من أجل تغيير وتصحيح مفاهيمنا في‮ ‬أسس الاختلاف ومبادئ الحوار المنتج من أجل السير نحو الأفضل للجميع،‮ ‬فإذا ما كان هناك وعي‮ ‬بمخاطر الفرقة، ووجدت الإرادة السياسية القوية، والثقة لدى الجميع فيمكننا أن نسير معاً‮ ‬دون أن‮ ‬يُلْغى هذا الطرف أو ذاك‮.‬

 

إن تمثل الحاجة لمثل هذا النهج في مثل هذه الظروف الصعبة لا يعيب أحداً أو يوسمه بالجبن أو التخاذل بقدر ما سيكون شهادة وفاء وإخلاص للشعب والوطن..  كما أنه من الرائع الوصول إلى مستوى جديد من العلاقات بين الفرقاء في وقت المحن من أجل فتح المسارات المتعثرة وتعدي حالة الاختناق الحاصلة في العديد من القضايا المختلف عليها أياً كان طبيعتها القانونية‮ ‬والدستورية والسياسية لأننا بحاجة ماسة لفتح طريق إلى المستقبل القريب ومن أجل إرساء أسس سليمة للعمل السياسي‮ ‬على المدى الطويل‮.‬

 

ليس من الحكمة في‮ ‬شيء أن نظل مختلفين في‮ ‬فهمنا وتفسيرنا للنهج الديمقراطي‮ ‬في‮ ‬صورته النظرية الفلسفية في‮ ‬حين اننا لم نتقدم خطوة واحدة في‮ ‬شقه العملي‮ ‬الإنتاجي‮ ‬الذي‮ ‬على أساسه اخترناه أسلوب حياة من أجل الارتقاء بمستوى حياتنا في‮ ‬شقها الاقتصادي‮ ‬والتنموي‮ ‬وأن لا نجعل من بعض ما شاب الممارسة الديمقراطية سبباً لاختلافنا وشماعة نعلق عليها تأخرنا وتراجعنا عن باقي‮ ‬شعوب المنطقة‮.‬

 

عشرون عاماً مرت ونحن نمارس العمل الديمقراطي،‮ ‬وهذه الفترة أكثر من كافية لترسيخ القيم الديمقراطية‮ ‬الحقيقية،‮ ‬لو أننا استغليناها بشكل صحيح،‮ ‬وأن الوقت قد حان للتنازل عن أنانيتنا وتناسي أحقادنا والقبول ببعضنا البعض في‮ ‬ميدان العمل السياسي‮ ‬والاقتصادي‮ ‬والاجتماعي،‮ ‬عشرون عاماً لو حسبناها من المنظور العملي‮ ‬لعمر الإنسان تمثل ثلثي‮ ‬فترة الخدمة العملية للشخص العامل، أنفقناها في‮ ‬الشق التجريبي‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬ينتج قناعات أو مبادئ التداول السليم للأدوار بصورته الديمقراطية‮.. 

 

ما يحدث على ساحتنا الوطنية اليوم يمثل العكس من ذلك .. بل أن ما نلمسه يمثل عكس ما كان مأمولاً،  والمحصلة أننا صرنا جميعاً‮ ‬مجتمعاً‮ ‬يعتمد على الدولة ويستنزف مواردها الضئيلة أصلاً‮ ‬فأرهقناها حتى صارت عاجزة عن القيام بواجبها، بسبب سوء التقدير احياناً،‮ ‬وبسبب الجهل والتسلط في‮ ‬أحيان أخرى‮, كل ذلك بسبب جهلنا وأنانيتنا وعدم الاعتراف بحقيقة أن اليد الواحدة لا تصفق، وأن إدعاء الكمال لا يورث سوى الانتكاسة تلو الأخرى زد على ذلك أن هذه الممارسات خلقت بيئة مثالية لنمو العدائية، التي أنتجها الحس الناقم على كل شيء، وبلسان حال يقول: لا لي ولا لك ولا للبطاط - .

 

وخلاصة القول إن هذه الدعوة التي طرحت في هذا الوقت الدقيق والمصيري لغرض نزع فتيل التصعيد قد تكون الفرصة الأخيرة للملمة ما تبعثر، ولسماع صوت العقل، وحتى لا نصير إجراء للغير مسلوبي الإرادة والقرار، فعالم اليوم لا‮ ‬يعترف سوى بالأقوياء ولا مكان فيه للضعفاء، كما أنه لا‮ ‬يمكن للديمقراطية أن تعيش في‮ ‬وضع اقتصادي‮ ‬متردِ،‮ ‬فالديمقراطية ترتبط وتزدهر بالوضع الاقتصادي‮ ‬المزدهر وبتدهور الاقتصاد تذبل وتموت،‮ ‬واعتمادنا الكلي‮ ‬على النفط لا‮ ‬يؤمن لها الاستمرارية ومالم‮ ‬يكُن هناك قاعدة صناعية وتكنولوجية وكوادر فنية ماهرة، وإستثمارات محلية وأجنبية، فلن‮ تعمر ‬طويلاً،‮ ‬فالنفط وإن كان مهماً‮ ، وعاملاً مساعداً لإحداث تنمية فهو ثروة زائلة لا‮ ‬يمكن الاعتماد عليها‮.‬

 

ناهيك عن أن هذا المورد الضئيل‮ - ‬النفط‮ - ‬رغم محدوديته قد‮ ‬يكون عاملاً رئيسياً لعدم الاستقرار وباعثاً للأزمات والحروب والصراعات الداخلية والخارجية،‮ ‬إذا ما استمرت الحالة المتأزمة بين أبناء الوطن الواحد، ولا أظن أحداً لا يدرك هذه الحقائق، وإن كنا كذلك فما الذي‮ ‬عملناه لتجاوز هذه الصعاب؟ وهل استمرارنا في‮ ‬هذا الخلاف‮ ‬يستحق أن نرهن من أجله‮حاضرنا ومستقبل أجيالنا القادمة؟ وهل سنعتبر من الأحداث الأخيرة ونعي‮ ‬أن الطوفان اليمني‮ ‬متى ما حل بديارنا ستكون نتائجه كارثية قياساً‮ ‬بما‮ ‬يحصل حولنا؟!‮.. ‬آمل أن تكون هذه الأحداث قد دقت ناقوس الخطر لدى من‮ ‬يمتهن العمل السياسي‮ ‬وأنه قد وعى الدرس وعزم على عدم الوصول إلى مثل ما وصل إليه بعض اشقاؤنا في الأيام القليلة الماضية.

 

 

 

 

 

 

 

لا لتكديس البارود في حوش البيت اليمني

 

 

 

 

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

راجت في الأيام الأخيرة وعلى وقع بعض الأحداث بعض المصطلحات والألفاظ التي لا تنبئ بخير، مثل هذه العبارات لا تخدم صاحبها بقدر ما تضره وتدفع الآخر إلى عدم الإصغاء وإلى المبادلة بالمثل، ومن قبيل ذلك بعض ما يستخدمه المعارضون في المشترك من عبارات مثل (ارحلوا، العسكر، والاقصائيين ، انقلابيين)، وألفاظ أخرى لا يجدر بحريص أن يرددها.. مثل هذه العبارات لا تخدم الأحزاب في المعارضة، ولا تؤسس لقاعدة وطنية واجتماعية سليمة من أجل انتشال البلاد من بعض ما تعانيه، بقدر ما تدفع إلى شحن الأجواء وزيادة الطين بلة.

 

صحيح أننا قادمون على انتخابات برلمانية قريباً وأن مثل هذه التصرفات تندرج ضمن التحضير ليوم الانتخابات، وأنه وعلى غير العادة فإن الحملات الإعلامية قد بدأت قبل أوانها، بغرض الاستفادة من بعض المعطيات الاقليمية التي حدثت في الآونة الأخيرة، التي كان من نتائجها أنها أعطت للمعارضين للأنظمة العربية والقائمين عليها فرصة للنيل من تاريخهم وما حققوه في فترات توليهم لمقاليد الأمور في بلدانهم.

 

تبني خطاب ورؤى مخالفة لما هو قائم لا غبار عليه في ما يخص العمل الحزبي، ولا يجب أن يفسد للود قضية، بين السلطة والمعارضة، إلى أن يتحول هذا الخطاب للنيل من الشخوص والرموز الاجتماعية والحكومية والأهلية بشكل شخصي سواء بالتعريض أو صراحة هو ما يؤسف له وينتقص من موضوعية أصحابه. لأن هؤلاء هم من نعيش معهم أفراحنا وأحزاننا وطموحاتنا وآمالنا، خاصة وأن هؤلاء هم من وضعنا أيدينا بأيديهم في الماضي القريب، ولأنهم منا ونحن منهم نشاركهم المصير والتطلعات.

 

حري بنا بل ومن الأجدى لنا جميعاً كشعب يمني وفي مثل هذه المراحل الصعبة التي تشهد تقلبات واضطرابات في منطقتنا العربية التي نحن أحد زواياها الهامة التي استبشر بها مجموع الشعوب العربية والإسلامية واعتبرتها النقطة المضيئة في زمن الانكسارات، عندما استطعنا إعادة تحقيق الوحدة الوطنية أن نكون القدوة في التسامح ومد الأيدي لبعضنا البعض، وأن نتمثل روح الإخاء والتعالي على ما يصيب البعض منا من هفوات أو إخفاقات، ولنا في ما جاء به ديننا الحنيف من دعوات للتسامح والإخاء ونبذ الفرقة والحث على تحريم كل ما من شأنه أن يباعد بيننا ويزرع الشقاق دليل ومنهاج للعمل السوي، وأن نجعل هذا التنافس في إطاره الموضوعي، والأخلاقي، الذي يعزز وحدتنا وتجانسنا، ولنا في تجارب من سبقونا، من حكم ومثل عليا أسوة وقدوة حسنة، وأن نعي أن المثل القائل: (ما أصاب جارك أصبح في دارك)، إنما هو تلخيص لتجارب عاشها اسلافنا لكي نستفيد منها.

 

ما يرجوه الناس هذه الأيام القاسية، ويأملونه من قادتهم، (معارضة أو حكاماً) هو أن يتناسوا الخلافات ما دامت الفرصة سانحة وقبل أن لا يكون هناك مجال للملمة الأوضاع، وما دام هناك قبول للتفاوض واستعداد لتقديم التنازلات بالتي هي أحسن فلِمَ لا تتشابك الأيدي مع بعضها من أجل صون الحرمات والأرزاق والبلاد، لماذا لا نتوقف جميعاً عن هدر الوقت، لماذا لا نسير إلى الغاية ما دامت واحدة، وهي إنقاذ البلاد من مصارع السوء.

 

المقامرة وتكسير أواني البيت اليمني وما يترتب عليه من تكلفة لن يحملها طرف دون آخر، وأظن الجميع يعرف ذلك، أليس من الأولى وما دمنا نعيش تحت سقف واحد ونحمل نفس الهموم والتطلعات أن نعطي للتسامح فرصة حقيقية، أو على الأقل أن لا نزيد الوضع تأزيماً ما دمنا على أبواب انتخابات قريبة، فلماذا لا نترك للصندوق الحكم النهائي في ما نختلف فيه، ونبادر إلى إيقاف كل ما من شأنه زيادة الأجواء توتيراً ليأتي هذا اليوم المرتقب في أجواء سليمة وصحية، أما الاستمرار في ما هو حاصل فليس أكثر من تكديس للبارود في حوش البيت اليمني، ولا أظن أحداً يجهل عاقبته. 

 

 

 

 

 

 

 

العمل الحزبي .. مكاسب الماضي ..  ومعطيات الحاضر 

 

 

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

بادئ ذي بدء وقبل الخوض في هذه القراءة المتواضعة لمستجدات المشهد الحزبي في البلاد، أقر بأحقية من سيخالفني في هذا الطرح، فكل شخص له رؤيته وتحليله واستنتاجاته حسب ما يتوفر لديه من مصادر يستقي منها معلوماته .. المهم ان يكون هذا الطرح موضوعياً وبعيداً عن المكابرة، ونزيهاً من الأهواء، وبعيداً عن الانتماء، بمعنى آخر أن لا يجافي المنطق ولا يستخف بعقول الآخرين. 

 

المشهد السياسي وبعد ثلاث دورات انتخابية يبدو أنه أخذ منحاً آخر اختلطت فيه الأوراق والحسابات ودخلت اللعبة السياسية في كل شيء، وصار استخدام الاسلحة المحرمة أخلاقيا في النيل من الخصوم، وتجميع الاوراق على انقاض الانقسامات المذهبية والطائفية والقبلية والمناطقية، ولو على حساب القانون من الأمور المسلم بها، .. كل هذه الأمور مجتمعة أو منفردة ستؤدي الى إنفراط عقد العمل الديمقراطي وتسوق البلد إلى المجهول الذي لا نريده وإلى لغة اخرى للتعامل بين الناس، ولا علاقة له باالدولة والقانون، ولا بالعادات والقيم التي عرفها أبناء اليمن. 

 

الواقع الحزبي في بلادنا يختلف عن غيره في بقية دول منطقتنا العربية والعالم، حيث إن المتتبع الأجنبي لمجريات احداثه والباحث عن حقيقة هذا الواقع قد يصاب بالحيرة وربما الإحباط إذا ما اعتمد الأساليب المعتمدة وخطوات البحث العلمية، ولكونه لا يعرف واقعنا اليمني وخصوصيتنا في التعاطي مع مثل هذه النشاطات الفريدة من نوعها النادرة في معطياتها والمعقدة في جزئياتها المتداخلة التي تجعل من المستحيل ممكنا ومن الممكن مستحيلاً.

 

احزاب كثيرة ونشاطات نادرة غياب كبير عن الساحة العملية، وحضور إعلامي صاخب يهيء لك حين تسمعه وتقرأه أنك في الولايات المتحدة، وفي خضم الحملات الاعلامية التي تسبق الانتخابات، إلا أن طبيعة واساليب هذه الحملات تختلف عن تلك التي تحدث في بقية شعوب الأرض، لهذا نجد أنه من النادر أن نقرأ تحليلاً سياسياً أو مقالاً توصيفياً أو ندوة تليفزيونية في صحف وقنوات الآخرين تلامس هذا الواقع الفسيفسائي الذي لا يفهم مفرداته غير ابن البلد .

 

الحالة اليمنية من التعقيد بحيث لا يستطيع المرء أن يميزها وحتى الخطاب الاعلامي ليس من ذلك النوع الفلسفي أو المؤدلج الذي يعتمد على التنظير والأطروحات المشبعة بالدراسات التي تعتمد على القراءة للمعطيات وما تنتجه من أرقام وإحصائيات، فلا استطلاعات للرأي العام، ولا مهرجانات بالمعنى المفهوم الذي تعارف عليه الناس، ولا تصورات مستقبلية تميز هذا الطرف عن ذاك وحتى الأهداف ليست واضحة وهي أقرب إلى تسميتها بأطياف هلامية متماهية مع بعضها البعض فلا لون يميزها ولا طبيعة تحكمها ولا صورة ثابتة يمكن الاعتماد عليها، أقرب ما يمكنك أن تستحضره لهذا المشهد أنها جميعاً تعتمد الضبابية وتميل إلى اللون الرمادي الذي يقبل أن يستوعب كل ما يضاف إليه من جميع المشارب والألوان.

 

مع ذلك فإن المشهد السياسي في جانبه الإعلامي على الأقل هو الأكثر حضوراً بمناسبة وبدون مناسبة، ورغم أن ذلك الحضور يمثل ظاهرة صحية إلا أن أثره ليس بذاك المستوى الذي يعول عليه في إمكانية التأثير على جمهور الناخبين من أجل حصد أصواتهم، سيما وأن هذا المستهدف لا تصله تلك الرسائل أو أنه منشغل بما يراه أهم منها أو أن إمكانيته لا تمكنه من إقتناء هذه الوسائل الاعلامية، إضافة إلى أنه ومن واقع التجربة لم يعد بذلك الايمان بجدوى العمل الحزبي وصار يشك في كل الأطروحات الحزبية، كما أن الشرائح المؤثرة في النتيجة النهائية ليست تلك المؤطرة  والمنتمية لهذه الاحزاب، أو من تربطه معهم المصالح. بما يعني أن الفئة المستهدفة هم (المستقلون) بكل شرائحهم، وطبقاتهم، وبالأخص الطبقتين العريضتين الوسطى والفقيرة.

 

ولأن الحملات الاعلامية الحزبية وعبر وسائلها الإعلامية قد أخذت الحيز الأكبر من اهتمامات ونشاطات قادة العمل الحزبي، ولأنها المرآة الأقرب لمعرفة توجهات وأهداف احزابهم، ورغم ما ينقصها من الامكانيات الكبيرة والكوادر المؤهلة وتدنٍ في المستوى المهني إلاَّ أنها قد حققت في السنوات الأخيرة تطوراً لا بأس به على مستوى التجهيزات والتنوع في الوسائل، فبعد أن كان يقتصر على الجانب الصحافي صار هنالك اليوم وعن طريق التقنية الرقمية إمكانية أكبر للتواصل عبر القنوات الفضائية، والمواقع الإلكترونية التي أضافت بعداً جديداً لخدمة هذه الأحزاب، وهو ما يعطي للحملات الاعلامية والدعائية لهذه الاحزاب زخماً وتأثيراً كانت تفتقده في الدورات الانتخابية السابقة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من «عِلْقة» لا «عِلْقة» يأتي الفرج!

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

مع تطور الانسان المعرفي وتعدد نشاطاته وميوله نتيجة لتعدد المناهل والثقافات التي يستقي منها افكاره في عصرنا الراهن ازدادت الحاجة الى وجود دساتير تضبط ايقاعات الافراد والجماعات والمنظمات والاحزاب وتحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتوضح الحقوق والواجبات التي يجب مراعاتها حتى لا تتصادم المصالح مع بعضها وحتى تضمن عدم حصول الفوضى والاقتتال حين تتعارض المصالح مع النصوص الدستورية.

 

بلادنا اليوم تشهد العديد من التجاذبات والاخذ والرد وصلت حد القاء التهم الجزافية المتبادلة بين المعارضة والحزب الحاكم، فبعد أن فشلت لجان الحوار التي تشكلت من أجل الاتفاق على صيغة تراضٍ بين المتحاورين من أجل العملية الانتخابية والتي من ضمنها إعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، ولكن بسبب عدم الثقة والتشكيك في النوايا، ذهب الجميع بعيداً وازداد كل واحد منهم تمسكاً بأجندته السياسية الخاصة به.. بل وأكثر من ذلك فقد نتج عن هذا الفشل أن ساد التطرف في الطرح والممارسات، وإنتاج قضايا خلافية أكثر نزوعاً إلى استخدام وممارسة ما يستطيعه كل طرف ووفق ما يمتلكه من أدوات الضغط على الطرف الآخر.

 

التعديلات الدستورية ومع تسليم الجميع بأنها حق دستوري وقانوني مشروع استدعته ظروف المرحلة إلا أنه - مثل كل ما هو يمني - لا يمكن أن يمر دون أن يأخذ نصيبه من الاثارة الاعلامية والضجيج السياسي الحزبي، ففي حين أن المعارضة كانت قد طالبت بضرورة إجراء بعض التعديلات الدستورية في فترات سابقة، إلا أنها وبعد أن تعثرت هذه اللجان وفشل الاتفاقيات التي وقعتها مع الحزب الحاكم عادت وتنصلت عن طلباتها وجعلت من تبني المؤتمر الشعبي لها قضية وطنية، وتجاوزاً للدستور والقوانين، لتدخل بذلك مرحلة من الصراع القانوني والسياسي ليس باقل أهمية من القضايا الخلافية التي خاضتها سابقاً.

 

الخطاب السياسي الحاد وكيل الاتهامات بين المعارضة والحزب الحاكم ازداد حدة وغلب عليه التشنجات التي تفتقد إلى الموضوعية والاتزان وابعد ما يكون عن الممارسة الصحية للعمل الديمقراطي السياسي، الذي يتسم بالحصافة والاتزان والطرح البناء المستند إلى التشريعات الدستوريه والقانونية، وإلا فما معنى أن تتحول المنابر الاعلامية إلى منابر تجيز وتحرم هذا العمل أو ذاك!؟

 

إن تجاهل المؤسسات القانونية بقصد أو بدون قصد يفقد المتنافسين على الساحة الوطنية المصداقية، لدى كل من يهتم وعنده دراية بأدوات العمل السياسي، ويستنتج من ذلك أن مثل هؤلاء لا يؤمنون إلا بأنفسهم، وأن ما يطرحون لا يعدو كونه مادة للاستهلاك الاعلامي يستخدمونه في سعيهم لتحقيق مكاسب بعيدة عن ما يجيزه الدستور والقوانين النافذة، وبالنتيجة فإن هذه المكاسب التي يسعون لتحقيقها هي مكاسب نفعية انتهازية لا تخص المواطن ولا تعبأ بالوطن بقدر ما هي مكرسة لخدمة شخصية أو حزبية.

 

هذه الممارسات تجعل من الواجب على كل مهتم ومتابع يؤمن بالتشريعات والقوانين ويريد لليمن الخير يتساءل عن جدوى مثل هذه القوانين وعن الحكمة من وراء إيجاد المؤسسات القانونية ومتى سيتم تفعيلها، وأين ذهبت المرجعية القضائية الممثلة بالمحكمة الدستورية العليا التي تعتبر صمام الأمان وصاحبة القول الفصل الذي يضبط ايقاع الاعمال التي تخرج عن الأطر القانونية؟، لماذا يتم تجاهلها وتحييدها عن ما يحدث على الساحة السياسية من صراعات حول القضايا الخلافية التي يعتبر الكثير منها ولو بالظاهر خلافاً تشريعياً قانونياً؟، ولماذا لا يلجأ إليها من يتهم خصومه بممارسة أعمال غير دستورية؟ ومتى سيتم الاحتكام اليها للبت في مثل هذه القضايا الخلافية؟ أسئلة يجب على جميع الاحزاب أن يطرحوها على أنفسهم بدلاً من إطلاق التهم والتخوين لبعضهم البعض، وتحريم إجراءات وأعمال هذا الفريق أو ذاك.

 

هذه الممارسات من قبل المعنيين بتثبيت العمل القانوني الحزبي والمعنيين أيضاً بحماية الدستور لا ينم عن حس مسؤول يراعي حاجة البلاد للاستقرار والتنمية ويوصل للعامة رسائل سلبية أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها دعوة لعدم احترام القانون والدستور، ويشجع هواة الفوضى على تفسير القانون كل حسب هواه ومصلحته وبما يخدم مشروعه الشخصي الذي قد لا يراعي أو يعطي لليمن وأهله اعتباراً .

 

ممارسات من هذا النوع ستقود البلاد والعباد إلى طريق الفوضى والمزاجية، التي ستجرنا جميعاً وفي نهاية المطاف  إلى الانزلاق إلى هاوية الفوضى والتشظي والتناحر، بسبب قفزنا على القوانين والاعراف والاخلاق التي تمثل روح الدستور، والضابط الاجتماعي الذي يضمن لنا الحياة الكريمة ويحمي أموالنا وأعراضنا.

 

حين نغيب الدستور والقوانين التي تفسره، فاننا نستدعي البدائل التي تجد لها المجال واسعاً في غيابه، حينها نستدعي ما عملنا على تجاوزه لعقود، ونهدم ما بنيناه من روح وطنية وثقافة متحضرة تقودنا للنهوض باليمن ليواكب بقية الدول المجاورة وغيرها من الدول التي رسخت قيم احترام دساتيرها وقوانينها، لنستدعي مفاهيم العصبية والقبلية والاسرية، والمناطقية.

 

ما رأي الاخوة قادة ومنظري الاحزاب السياسية أن يتوقفوا قليلاً مع انفسهم كي يلتقطوا انفاسهم وليراجعوا حساباتهم في ما يخص مسيرتهم في العمل الحزبي للأعوام القليلة الماضية ليعرفوا اين اصابوا وأين اخطأوا، لماذا لا يعملون لأنفسهم جرد حساب نهاية كل عام؟، لماذا لا يقفون مع انفسهم ولو للحظات لمراجعة مواقفهم من مجمل هموم الشعب، وما قدموه للوطن ولأنفسهم في مسيرتهم الحزبية، لماذا لا يسألون انفسهم، عن موقفهم الحالي من قضية التعديلات الدستورية، وعن حاجة الوطن لها من عدمه.

 

لماذا لا يسألون انفسهم هل طبقوا الدستور واحتكموا إلى نصوصه خلال الاعوام الماضية؟ ثم هل الدستور الحالي يحتاج إلى التعديل ؟ أسئلة كثيرة يجب الاجابة عليها .. حيث أن المسئولية التي يحملونها، بحكم نشاطاتهم كقادة فكر وأصحاب مشاريع تحمل راية التنوير والتقدم والتغيير والاصلاح، أفكار من هذا القبيل بحجم الوطن وهمومه، وتلامس حياة كل فرد فيه في حاضره ومستقبله، تحتم عليهم أن يقيسوا ويدرسوا كل خطوة أو مشروع يطرحونه، أما ما هو حاصل اليوم فإنه ليس في صالحهم ولا يخدم الوطن وابناءه بقدر ما يجعلهم تائهين في فك رموز المعادلات التي يبتدعونها ليجدوا أنفسهم وقد غرقوا في (حيص بيص) وأسئلة فلسفية من قبيل (هل البيضة قبل الدجاجة أم الدجاجة قبل البيضة).

 

أخيراً وبعيداً عن الخطاب الفلسفي المنمق وبحس المواطن العادي الذي آمن باليمن وتشرب حبه، الحريص على كل ما تحقق، والمستعد للتضحية في سبيله بالروح والولد، أنقل إلى سعادة الاخوة الساسة اليمنيين بعضاً من تساؤلات الشارع اليمني دون زيف أو مواربة علَّ هذه الاسئلة تجد لها مكاناً في زحمة انشغالاتهم ومن أجل تقريب الهوة التي تزداد اتساعاً بينهم وبين الجماهير التي نسوها، وما عادوا يعرفون الطريق إليها.

 

أولاً: الدستور هو نصوص البشر هم من خطوها من أجل تسيير حياتهم وهي قابلة للتغيير حسب ما تقتضيه مصالحهم والمصلحة الوطنية للبلد، فلماذا هذه الثورة ضد التعديلات من قبل المعارضة، بعد أن كانت ضمن طلباتها، وتحتل أولوية في اجندتها السياسية؟

 

 

 

ثانياً: بحكم أن الفترة النيابية الحالية للبرلمان قد انتهت وأن فترة السنتين التي مددت له جاءت بناءً على اتفاق بين الحزب الحاكم واحزاب المعارضة، وأن هذه الفترة قد شارفت على نهايتها .. فثمة سؤال يطرح نفسه، هل يجوز دستورياً  لهذا البرلمان اقرار هذه التعديلات؟، وعلى ماذا يستند لممارسة هذا الحق؟ - سيما وأنها تعديلات مفصلية تمس العملية الديمقراطية وجوهر وروح الدستور والقوانين المستمدة منه - ثم ماهي الأولوية والمسوغات التي استدعت طرحها في هذه الأيام وفي ظل هذه الظروف التي يمر بها الوطن؟

 

 

 

ثالثاً: لماذا لا يكون هناك دور للسلطة القضائية في حل المسائل الخلافية التي تنشأ بين الفرقاء في الساحة السياسية؟

 

 

 

رابعاً: هل فعلاً تريد المعارضة إيقاف هذه التعديلات، لأن الجميع يعرف أنها كانت أول من طالب بإجراء التعديلات؟ أم أن الحكاية عندها كما يقول المثل: (من «عِِلْقه» لا «عِلْقة» يأتي الفرج)؟

 

خامساً: متى سيرى الشعب أن الحكومة أو المعارضة تلجأ إلى القضاء في المسائل الخلافية بدلاً عن الصحف؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

استحضار الهوية الوطنية أولوية للوفاق

 

 

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

الهوية الوطنية لا تمثل أي تناقض عن الهويتين الدينية و القومية وبالنتيجة فهي لا تلغي إمكانية التكامل معهما، وهويتنا الوطنية اليمنية هي الوحيدة التي يجتمع اليمنيون تحتها. أما الصفات الأخرى السياسية و المذهبية فهي جزئيات تنضوي تحت هذه الهوية الجامعة ولا ترقى إلى مستوى الهوية مطلقا ً. بمعنى آخر فإنها لا يمكن أن تكون هويات بديلة ولا تقبل حتى بأن تكون هويات رديفة،وفي أحسن الأحوال يمكن اعتبارها من مقومات الهوية الوطنية اليمنية. وخصوصيات تحظى بالتقدير والاحترام ما دامت لا تتناقض مع الهوية الوطنية اليمنية.

 

إذا اتفقنا على هذه الأسس الواقعية وابتعدنا عن الفراغات النظرية المستندة إلى بعض الرغبات و الأمنيات، فإنه في هذه الحالة يمكن أن ’ نناقش مشكلة الهوية الحقيقية في إطار النظام الموحد‘ الذي لا يختزلها إلى ماهو اقليمي محلي يمثل شريحة أو فئة أو جماعة بعينها .

 

ما تشهده بلادنا اليوم من منغصات تعكر صفو الوحدة الوطنية وتدخلها في دوامات من الصراعات والاقتتال نتيجة جلية لقصور في فهم معنى الانتماء وضحالة في إدراك المغزى الحقيقي للعمل السياسي الذي يفترض به أن يكون الأكثر إدراكاً لعواقب العمل السياسي الذي لا يجعل الهوية الوطنية عرضة للتجاذبات، فإقحام انفسهم في ممارسات تهدد المصلحة الوطنية يعتبر تهديداً للهوية الوطنية التي تمثل الدرع الأول الذي يحمي مصالح وحقوق الشعب داخليا وخارجياً.

 

ومع أنه من المنطقي أن تتضمن الهوية الوطنية اليمنية كذلك كل ما يميز اليمنيين عن غيرهم، من شعوب الأرض. و أن تتضمن أيضا ً كل ما يشكل أساسا ً راسخا ً لوحدتهم من مقومات إيجابية يمكن إجمالها في ذكر اهمها:

 

أولاً النظام السياسي الموحد ضمن دولة واحدة و على أرض واحدة. وإن اختلفنا في طبيعة هذا النظام. الذي يمثل من يعيش على الأرض اليمنية التي تستمد وحدتها ومنعتها وأسباب رقيها من وحدة الإرادة السياسية المتمثلة في جميع الاطر الحزبية التي تمثل مكونات الشعب اليمني كافة.

 

إن ترسخ مثل هذه القناعات يقودنا إلى القول بأن المفاضلة بين أن تكون طبيعة النظام السياسي في اليمن الجديد رئاسياً أو برلمانياًً، على أهميتها، لا ينبغي أن تحول دون الأخذ بالاعتبار ذلك التنوع الكبير في مكونات الشعب اليمني، و كذلك ذكريات الماضي القريب و ما خلفه من مخاوف و شكوك. بين أبناء الشعب اليمني الواحد فهذه أمور تدفعنا أكثر إلى التماسك والحفاظ على الوحدة واختيار النظام الاتحادي الذي لا يمنع من قبول التنوع الذي يثري الساحة الوطنية عبر ميادين التنافس في ما يخدم البلاد والعباد، والتنوع صفة وميزة إيجابية إذا ما أحسن التخطيط لـها في السياسة والاقتصاد، الخ.

 

فالتسامح السياسي، والمذهبي، والمناطقي سمة جوهرية من سمات الهوية اليمنية حين لا يكون هناك مجال لأية نزعة استعلائية من أية جهة كانت إزاء المجموعات الأخرى الفاعلة في الساحة الوطنية.

 

 ثانياً: الإقرار بالتنوع الثقافي والخصوصية الجغرافية بما يخلق قاعدة أساسية من الشعور و الممارسة للحرية التي تعكس السمات الثقافية الخاصة بكل جماعة وكل المكونات دون تناقض أو انتقاص من ما يمثل صفة يمتاز بها الآخرون.

 

ثالثاً: الإقرار بالتنوع الفكري و السياسي الذي يسمح لكل الأفكار و الآراء أن تزدهر بحرية و دونما وصاية أو منة من أحد، ويشترط لذلك أن لا ينطوي التنوع والنشاط السياسي على أي تحريض، أو انتقاص للآخر بالتصريح أو التلميح حرصاً على كل المكتسبات من باب القول الفقهي القائل: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

 

لعل هذه المقومات التي سردت وغيرها تكون نقطة للالتقاء على اساس الجائز في العمل السياسي الذي يجنب الوطن ويلات النزاعات والمناكفات والكيد ويمنعنا من الانزلاق إلى متاهات الاحتراب الداخلي على اعتبار  أن من أهم وظائف الهوية الوطنية أن تحمي الكيان السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي من أية محاولة لتدميره، وتعزز تماسك النسيج الوطني، و حتى لا يتناقض هذا المقوم مع حرية الرأي إذ قد يغلق الباب أمام أي اجتهاد أو تغيير  يراه الساسة والمفكرون ضروريا ً.

 

 ولأن الحرية مقترنة بالمسؤولية، فإن بالإمكان أن يكون شرط التعبير عن أية آراء غير مناقض لما ورد أعلاه دعوة

 

 

 

 

 

الحس الجمعي يعزز الهوية والانتماء 

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

 

 

االعمل السياسي، يعتمد على مرتكز التواصل والتوافق وتقريب وجهات النظر، ولغته الدبلوماسية الحصيفة التي لا تصادر الآراء وتتقبل طرح الآخرين، وتخضع تصوراتهم ورؤاهم، للنقاش المتزن، الذي لا يبتعد عن الحرص، على الثوابت التي توافق الجميع عليها، عندما ارتضوا بالعمل الديمقراطي، وقبلوا بالعقد الاجتماعي « الدستور» الذي يحكم علاقاتهم ببعضهم البعض، وعلاقتهم بشعوبهم.

 

المجتمع هو من نتعامل معه في الصغيرة والكبيرة، وعدم الاهتمام بما يتداوله الناس حول مستقبلهم يعد إنتقاصاً بشرط الثقة التي على أساسها أعطونا شرعية الممارسة لإنشطتنا، والمجتمع هو صاحب المصلحة الإولى، وهو الرديف المتين الذي يستند عليه الجميع، وبه يتشكل الحس الجمعي الذي يقولب ويصنع الهوية والانتماء اللذين لا غنى للفرد والدولة والتنظيمات السياسية عنهما، فبهما نصل إلى ما نريد وبدونهما نكون غير مرئيين وغير فاعلين.

 

إن عواقب التفرد والنزعة الأنانية، لا يورث سوى النكبات، والانتكاسات تلو الانتكاسات، من باب المماحكة والكيد ليس إلا، فما يصلح لهذا الشخص لا يستقيم لغيره، ويتجلى ذلك عندما يبتعد الحكام أو القادة وينفردون باتخاذ القرارات، ورسم السياسات، وعندما تلبس الجماعات المعارضة، رداء الحملان، وتبتعد عن الواقعية، التي تعتمد في الطرح على إمكانية البلد في توفير مثل هذه الطلبات، وما هي غير قادرة عليه.

 

وما نكبات الشعوب المتعثرة إلا نتائج للشطحات، والمبالغات في قدراتها على تحقيق الانجازات التي لا تتسق أو تستقيم مع ما تمتلكه من مؤهلات تنموية - علمية - مالية، ومواد أولية وثروات طبيعية.

 

فما استعان به هذا الحزب أو التنظيم أو الجماعة من أجل حصد أصوات الناخبين، يصبح بعد فترة من الزمن سبباً في ظهور المشاكل والعراقيل والأزمات،  التي تجد لها ارضية مواتية لعدم اكتراث الناس لما يتهدد هذا الكيان أو ذاك، وكأن ذلك لا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد، رغم أنهم أول من سيكتوون بنيرانها، فهم يعتبرون ذلك ترجمة لسخطهم وتذمرهم لعدم الوفاء بما وعدوا به وعدم الاهتمام بمشاكلهم.

 

إن الحكمة في مثل هذه الظروف تقتضي البعد عن عدم الاكتراث للآخرين ولكلامهم، وتلزمنا بالجلوس معهم، ومصارحتهم بحقيقة ما يجري، وتوضيح سبب الإخفاق، وطلب المشورة منهم والدعم، وإشراكهم في المسئولية والقرار، من أجل الخلوص إلى نتائج توفر المناخات المناسبة لإنجاز ما يمكن وعدم الهروب من المسئوليات عبر التحجج بالظروف التي تعيق التقدم.. 

 

هذا النهج يكسبنا المصداقية والجدية لدى الآخر الذي قد يختلف معنا في الرؤية، وبه نستعيد الثقة لدى الناس ونوفر لطرحنا رديفاً ومسانداً يُعيننا على مواجهة ما يطرأ من أزمات قد يفتعلها الحاقدون، الذين لا يهمهم أمن وسلامة وتقدم البلد، ونحصل على الانسجام والتلاحم الجماهيري، ونجعل من ممارساتنا تجربة ناجحة ولو نسبياً.

 

حين نعرف أن طبيعة الإنسان جبلت على تقديس فكرتها ورؤيتها بغض النظر عن قرب هذه الرؤية أو بعدها عن السلبية أو الصوابية، فمشاركة الآخر في مناقشتها وعدم التعصب لها توصلنا إلى استنتاج ما كان صائباً فيها وتجنب ما هو سلبي.

 

كل هذا لا يعني عدم الاحتفاظ بخصوصيتك ككيان أو تنظيم مستقل، له رؤيته وأسلوبه في التعاطي مع العمل السياسي، وليس هناك تعارض في الأمرين .. - فحين أختار طعامي الذي قد لا يروق غيري لا يعني هذا أني لا أهتم لرأيهم، وحين اختار ملابسي وفقاً لرأي غيري لا يعني ذلك انتقاصاً من خصوصيتي.

 

المهم هنا أن نعرف كيف نفرق بين ما نتقبله ونستفيد منه في ممارسة نشاطنا، وبين ما نرفضه دون أن نستفز أو نستعدي الغير. فالهدف الأخير للتواصل من عدمه أن ينعم الفرد أو التنظيم بخصوصيته ضمن الجماعة، وأن يتاح له المجال لإعلان وممارسة خياراته التي لا تضر بالوطن وبالسلم والسكينة العامة للشعب،

 

ولأن الفرد يمثل نواة المجتمع فمن غير غير المعقول أن نطالبه بالتنازل عن حقه في الاختيار لما يريد، مالم تقتضِ المصلحة العامة غير ذلك، ويجب أن يحصل على هامشه الخاص من الحرية، من حيث اختياره لعمله وحريته في التنقل وممارسة شعائره الدينية، وحقه في الانتماء الحزبي، ونوع التعليم الذي يريده، وجميع حقوق المواطنة التي كفلتها الشرائع والمواثيق الدولية والمبادئ الإنسانية.

 

وما إصرار البعض على إسقاط ما كان من الماضي على حاضرنا اليوم نتاج لفهم قاصر، وضحالة في إدراك أن الحياة قد تغيرت وما عاد لمثل هذه الافكار مجال للتطبيق، والسبب هو أن في عقلهم الباطن مخزوناً سلبياً من الذاتية، وأن هذا  (المخزون السلبي) هو الذي يوجههم لمثل هذه الممارسات، التي عفا عليها الزمن، والتي لا تصلح لحاضرنا المعاصر. بل إن الواجب علينا أن نحاول تصحيح مفاهيمهم، وإقناعهم بعدم صوابية أرائهم، وعواقب العمل بها.

 

نحن بحاجة الى الإيمان بقدراتنا وعلينا أن نُخْرِجَ المارد الذي بداخلنا لنرتقي بمستوى عيش وحياة شعوبنا وأن نجعل من التنوع والاختلاف سبباً للنجاح والتميز، ولكلٍ رؤيته وتقييمه، فالتنوع والاختلاف سنة جُبِلتَ عليها المخلوقات ولا أقول البشر.. قال رسولنا الكريم: «خير الناس أنفعهم للناس».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قاعدة اليمن بين التهويل والكيد

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

هؤلاء هم الدهماء التي زاد غيها وندر خيرها، مثلهم كذكر الدجاج الذي يمد عنقه إلى الأعلى للصياح ورجلاه غارقتان في القذارة، ومنقاره ملطخ بدماء الفراخ المسكينة التي تبعته معتقدة أنه يمثل لها الأمان، 

 

ثلة اختطت لنفسها طريقاً ومنهجاً، لا يتسق ولا يستقيم مع الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، وفي غفلة منا، وعبر دغدغة مشاعر البسطاء ومحدودي الفهم، وجدوا لهم مرتعاً يهيمون فيه ويصطادون  البسطاء والنشء البريء ليوظفوهم لخدمة أفكارهم الظلامية، التي نجني ثمارها اليوم.

 

إنهم أعداء الحياة الذين مسخوا وشوهوا كل ما هو جميل في الحياة، ليصل تشويههم هذا الى معتقدنا الروحي (عقيدتنا الاسلامية السمحأ،)، ألى هذا الحد وصل بهم الزيغ والغلو، إنه الجهل بعينه.

 

انهم يحاولون القضاء على كل ما هو جميل ويبعث على الأمل في الانتقال من وضع السكون الذي ساد البلاد في الفترة الاخيرة، لاستشراف المستقبل المنشود للجميع، ورغم أن هذه المحاولات تقابل، بالمكافحة الجادة من قبل المثقفين ورجال الدين المتنورين وعبر أجهزة الدولة الأمنية التي اثبتت كفاءة عالية في مقارعتهم واحباط محاولاتهم، إلا أن خطهم ما زال قائماً لأن الكثير منهم يتخفون في أوساطنا متخذين من البعض ستاراً لتمرير مخططاتهم.

 

فهم وإن استغلوا النهج الديمقراطي وسيلة لممارسة نشاطهم إلا أنهم لا يؤمنون بها ويعتبرونها عدواً يجب القضاء عليه، وما تمثله بعض حركات التمرد، والخروج على مبادئ وقيم الشعب اليمني، وعلى الدولة، ومؤسساتها الشرعية، التي ارتضت الديمقراطية منهجاً واسلوب حياة في ممارسة العمل السياسي، عن طريق الوسائل السلمية التي اتفق عليها المشرعون والقادة السياسيون عند قيام الوحدة المباركة، ووافقهم عليها العلماء، للتعبير عن الرأي، واختيار من يمثلهم (صناديق الاقتراع) باعتبارها الوسيلة الاسلم والانجع، في هذا الزمن.

 

هذه الوساوس، يستخدمونها اليوم في محاولة منهم للاجهاز على اركان الدولة والحقوق الانسانية التي اكتسبها الشعب، كل هذه الاعمال تمارس باسم الغيرة على الدين، والانتصار للعقيدة،

 

 وما يؤسف له ويبعث على الاستغراب، هو أن تجد البعض من من اعتبرته في يوم ما من «العلماء» يساندهم أو يغض الطرف عن تصرفاتهم، أو يماليهم ويسايرهم، فتشعر بأن هؤلاء قد استغلوك في الوصول ألى مراكز القرار، ويمثلونك، في المجلس التشريعي، الذي يفترض به أن يكون الحصن الحصين أمام أي تطرف أو عمل مخل بحقوقك أو بمكتسبات الشعب، لتكتشف فيما بعد أنه من زمرة أعداء الحياة الذين يرفضون التطور، والعلم، والعيش خارج حدود القرن الاول للهجرة، ويستميتون، في معركة لا تقبلها الفطرة، ولا الدين، انتصاراً لبضع كلمات حفظوها ويرفضون التزحزح عنها، قيد انملة.

 

التقاء مثل هؤلاء مع من يختلفون معهم في الفكر والهدف فقط على قاعدة التدمير لكل ما هو مشرق في الحياة اليمنية، يقودنا إلى نتيجة واحدة مؤداها أنهم قد التقوا على قاعدة وفكر التدمير والتشظي وأنهم لا يمتلكون مشروعاً بنيوياً أو رؤية يقدمونها للناس كمشروع حضاري يحسن من مستوى عيش المواطنين، فهم بأفكارهم هذه يسعون جاهدين لتعكير صفو التعايش السلمي، عبر بعث الروح الطائفية والمذهبية والمناطقية.

 

لمثل هؤلاء نقول ما قاله برناردشو حين قال له كاتب مغرور: 

 

«انا أفضل منك، فإنك تكتب بحثا عن المال وانا أكتب بحثا عن الشرف .. فرد عليه برناردشو على الفور: صدقت، كل منا يبحث عما ينقصه» .

 

وللمتبع لما يحاك ضد اليمن من مؤامرات ودس عبر افتعال حدث هنا وآخر هناك، كان أخرها حادثة الطرود المفخخة وما أثير حولها من زوبعة اعلامية عبر تضخيمها وجعلها قضية القضايا وكأن العالم صار ينعم بالسلم والأمان من أقصاه إلى أقصاه، وأن اليمن هو الدابة العرجاء التي يجب أن تقام لها المشانق وتسل الخناجر، متناسين ما بذله ويبذله اليمن على طريق تحقيق الأمن له ولجيرانه ومن أجل الشراكة الأمنية مع محيطه العربي والاقليمي والعالمي، وإنه قد نجح في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه دول عظمى رغم افتقاره للوسائل التي تملكها مثل هذه الدول

 

لكن اليمن الذي كبر مقامه وعلا دوره الاقليمي لم يعجبهم، فساؤهم أن تكون هناك بادرة أمل تعيد للأمة العربية والأسلامية أملاً في إمكانية التقارب ولم الشمل بين أقطارها عبر تمثل النموذج اليمني، المتمثل في إعادة اللحمة والوحدة اليمنية، نقولها وبصوت عالِ: الوحدة قامت لتبقى، فهي قوتنا، اليومي وزادنا للمستقبل، والتاج الذي نفاخر ونعتز به، في الوقت الذي عز فيه الخطب وثقل الحمل، وعز الصديق، وندر المحب في أمتنا العربية والإسلامية.

 

 

 

 

 

 

 

وحده الجمهور يستحق أن نرفع له القبعات

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

بعد النجاح الباهر في الإنجاز على مستوى المنشآت الرياضية والمرافق الايوائية التي أخذت حصتها من المتابعة واللغط الاعلامي قبل أن تحسم النتيجة التي أكدت الجاهزية في هذا الشأن بصورة جيدة كان المأمول والمتوقع أن يظهر حفل الافتتاح بمستوى مشرف يعكس حضارة وتاريخ اليمن ويجسد التنوع الزاخر الذي يمتلكه بصورة تعكس الوجه المشرف على مستوى الإعداد والتنظيم.

 

حفل باهت وعروض تفتقر إلى التنظيم والتناسق وبعيداً عما كان متوقعاً بالاجمال بتقدير تحت المقبول، هذا ليس رأيي وحدي بل هو رأي كل من سألته عن رأيه بعد أن تابع فقرات الحفل، صغاراً وكباراً رجالاً ونساء، فمعظم الناس كانت آراؤهم سلبية.

 

أحد هؤلاء الذين سألتهم صور طريقة دخول المشاركين في فقرات حفل الافتتاح والكيفية التي تم بها دخول حملة الاعلام والراقصين من الشباب والشابات الذين ساروا تحت منصة الضيوف ورئيس الجمهورية وكذلك المشاركين في تشكيل الحفلات بالآتي:

 

كان دخول المشاركين في الاستعراض أشبه ما يكون بشوال كبير يحول كم من الأغراض المتنوعة تم فتحها ومن ثم نثرها في أروقة الملعب وفراغاته، لا زي يوحدها ولا خطوة تنظمها ولا روح نابضة تسيرها فمن أزياء عشوائية إلى خطوات فاترة تتهادى في مضمار الملعب بروح منهكة ورؤوس منكسة وأعلام لا هي محمولة على الرؤوس ولا هي مسحوبة على تربة المضمار.

 

كما أن الهرج والمرج الذي بدا واضحاً بين صفوف العناصر المشرفة على فقرات الاستعراض، ففي حين ان مسئولي الوزارات المنظمة يلقون خطاباتهم كانت فقرات العرض قد بدأت والصرخات تعلو أرجاء الملعب فلا سمعنا الخطابات ولا استمتعنا بفقرات العرض، وكأن العامل الزمني لم يؤخذ في الاعتبار فاختلط الحابل بالنابل.

 

عرض ناقص وغير منظم لا يحمل غير رؤية واحدة مفادها العشوائية والفوضى، وحشد يوحي بأنه جمع قبل ساعات وطلب منه المشاركة في الحفل دون بروفات أو إعداد وتدريب .. ليس تحاملاً أو نكراناً منا إن انتقدنا وأبدينا ملاحظاتنا حول الكيفية التي سارت عليها فعاليات الاحتفال، وليس خطيئة أن نتحدث عن أي تقصير وبالذات إن كان في فعاليات بهذا المستوى، فحين نعرف أن المبالغ التي صرفت على حفل الافتتاح ليست هينة يحق لنا بل ومن حقنا أن نتساءل فيما وظفت ليظهر الحفل بهذه الصورة التي أخجلت المواطن العادي قبل القائمين على إعداده وإخراجه إن كانوا يخجلون.

 

وجوه الاطفال وحركاتهم في أرضية الملعب والجمهور الوفي كانت مشرقة ومفعمة بالحيوية والروح المعبرة عن البهجة بالحدث والتفاعل معه بصورة إيجابية، وتستحق أن نرفع لها القبعات.

 

 

 

 

 

 

 

العرس الخليجي تتويج كويتي بصك يمني

 

 

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

 في ظرف استثنائي حمل معه هدية رائعة في صندوق المستديرة  التي شغفت بحبها قلوب المحبين والعاشقين لمفاجآتها والهاربين من ضغوط الحياة اليومية والعاشقين لسحرها الذي لا يقاوم حين تبدأ المستديرة في ممارسة هوايتها في تقبيل الرؤوس والاقدام متنقلة على بساطها الاخضر ذهاباً وإياباً ليرتفع مع زيادة نشاطها في الملعب زيادة الولع والإمتاع للجمهور الذي تتحجر عيونه وتنسى اشارات دماغه العصبية مهامها فتنسى الجفون أن تطرف.

 

 ما اسعدها من مناسبة وما أروعه من حدث كروي حين يجمع الأحبة وتُكسر القواعد وحسابات الساسة، ليخرج بنتيجة ورؤية أخوية تجمع الإخوان وأبناء العم على قلب واحد ملؤه الود والصفاء والتعاون .. هذه الصور هي ما عبر عنها الشعب اليمني عبر سفرائه الذين ملأوا المدرجات الكروية في ملعبي الوحدة و22 مايو في عدن وأبين، ليقدموا أروع صور الود والدعوة إلى المحبة وليعبروا عن مدى اعتزازهم بعروبتهم وإنتمائهم إلى هذه الأمة التي لطالما ظلمها التاريخ وأجحف في حقها، لأن ساستها عجزوا عن القيام بأدوارهم وفي إبراز تطلعاتهم للتلاقي على طاولة التآزر والتلاحم التي لطالما حلموا به.

 

هذا الشعب ومن على دكات المدرجات الكروية وفي شوارع المدن ومقاهيها وأسواقها، كان على الموعد في التجمع الكروي لبطولة خليجي عشرين، يحمل في صدره ولعاً وتوقاً ليسمع العالم وإخوانه في الجزيرة والخليج على وجه الخصوص، توقه للتلاقي وتصحيح ما أفسدته السياسة ودعاة الفرقة والاختلاف.

 

ولأن الشعب اليمني لبيب ويتمتع بحس مرهف ويعي أن الفرصة لا تأتي إلا مرة واحد فقد كان على الموعد وكله إصرار وعزيمة بأن يكسر القاعدة ليوصل رسالته بنفسه دون مواربة أو تملق، معتداً بصدق مشاعره وبقناعته المترسخة والمتجذرة في أنه أصل العرب والمنبت الأساس لكل إخوانه العرب وفي مقدمتهم أبناء الجزيرة والخليج، فكانت تلك الفرحة العارمة والترحيب بالابن والأخ والحفيد الذين أبعدتهم عنه الأحداث والمواقف غير المسئولة لبعض أبنائه الذين أغوتهم بعض النظريات القومية المبهرجة بحلم الوحدة العربية فنسوا أن هذه الوحدة لا تأتي عبر قهر الآخر وفرضها عليه، وإنما عبر تقوية أواصر التلاحم والإخاء وفي أجواء المحبة والاقتناع.

 

من هذا المنطلق كان ذلك الترحيب وكانت الفرحة التي لا توصف حين التقى الوجه بالوجه وتصافحت الأيدي وتلاحمت الاعناق والخدود، مرسلة سيلاً من القبل ومشعلة الحناجر التي لطالما غُيبت عن واقعها حتى واتتها الفرصة في حدث كروي استثنائي لم يقتصر دوره على النشاط الرياضي بل شمل كل ما يحمله العقل والفؤاد من هواجس وأمنيات ومشاعر.

 

هذه الصورة هي ما شاهده ولمسه كل من تابع أيام وساعات ودقائق بطولة خليجي عشرين التي أحتضنتها مدينتا عدن وأبين بصورة مباشرة أو عبر البث الفضائي للقنوات الفضائية التي نقلت أحداث البطولة وما رافقها من نشاط فرائحي أخوي لطالما تمنيناه وانتظرناه.

 

وتأتي رياح خليجي 20  من أوسع بوابات اليمن وعبر منفذه إلى العالم حاملة رسالتها إلى كل أبناء اليمن لتقول لهم: يكفيكم تأنيباً لأنفسكم، توقفوا عن جلد ذواتكم لذنب لم تقترفوه، ارفعوا رؤوسكم وارموا خجلكم .. هذه فرصتكم لتعبروا وتظهروا للعالم أجمع ولأبناء جلدتكم الخليجيين، وقادة وشعب الكويت بشكل خاص، عن ما تشعرون به تجاههم، وما شهدته المدرجات من هتاف ومؤازرة لمنتخب الكويت الشقيق بوجه خاص إلا بعض من توق ورغبة كل يمني في استعادة الصورة المشرقة عن الانسان اليمني الأصيل الذي لا يجحد الجميل، والمعترف بسمو وشهامة ونبل كل مواطن كويتي، التي عبر عنها سمو الشيخ أحمد الفهد وشقيقه الشيخ طلال الفهد في تصريحاتهما لوسائل الإعلام قبل وأثناء بطولة خليجي عشرين، تلك التصريحات التي زادت من حمل كل مواطن يمني تجاه قادة وشعب الكويت العزيز، فكان أن زاد من ولعنا وعشقنا لكل ما هو كويتي لتكون المحصلة دعوة لأنفسنا بالتوجه للمؤازرة والتشجيع لمنتخب الكويت، مشفوعين بأمنيات أن يكون التتويج كويتياً تحت خيمة العرس الخليجي وبصك ممهور بالختم اليمني، دون تنسيق أو اتفاق، وإنما عبر الحس والخاطرة اليمنية اللماحة لبعضنا بأن ارسموا لوحتكم التي لطالما أخفيتموها، أصدحوا بأهازيجكم: طاب اللقاء، ولنا السكينه وعلى أرض الكويت ترسو المحبة والسلام.

 

 

 

 

 

 

 

ليس من يحبو كمن هو راكب على صهوة جواد

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

مفهوم السلطة والمعارضة في بلادنا كما هو في عالمنا العربي ما زال قاصراً وغير واضح عند طرفي الحكم - السلطة والمعارضة - وعند العامة ففي حين أن العالم المتحضر الذي تجذرت فيه مبادئ وأسس الدولة الديمقراطية .. بحيث اصبحت العملية الانتخابية تمثل الوسيلة لمعرفة مزاج الناخب وأولوياته بناءً على ماتطرحة الأحزاب المتنافسة في برامجها الانتخابية .

 

هذا المفهوم لم يترسخ بعد في ديمقراطياتنا ففي حين ان دول العالم الثالث التي نحن من ضمنها ما زالت الاحزاب تعتبر الانتخابات ميداناً للصراع السياسي بين ما يمثل احزاب المعارضة والحزب الحاكم وأن معنى الفوز لديها مبني على قهر الآخر والفوز عليه وليس فوز برنامجها السياسي، بهذا المفهوم فهي مازالت ترى  الممارسة الانتخابات  وسيلة للوصول إلى السلطة ليس إلا، فتأتي برامجها الانتخابية خالية الوفاض من أي مشروع حضاري أو رؤية مستقبلية تلبي حاجات الناس ومليئةً بالنظريات التي لا تتماهى مع واقع ومقدرات البلاد.

 

فبالنسبة لأحزاب المعارضة فإنها  تعتمد على التركيز على الاخفاقات والإنكار لأي نجاح يحققه الحزب الحاكم، سعياً منها للتأثير على خيارات الناخب دون أن تقدم البدائل الواقعية والعملية من أجل التغيير، الذي اقتصر مفهومه لديها على محاولات الكيد والتشكيك في من هو في السلطة متناسية أن ميدانها أو سع من ذلك وأنه أي - المجتمع- ما زال يفتقر إلى الكثير من النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التي يمكن لها أن تبرع في تلبيتها كي تحوز على ثقته وتأييده لها وأنها لن تعدم  الوسائل والمنابر التي يمكنها أن تسخرها لإيصال رسالتها إلى الناخب - منظمات أهلية وجمعيات خيرية وصحافة ونشاطات اجتماعية وثقافية واقتصادية، تبرز فيها قدرتها على تقديم الافضل للمجتمع الخ.

 

إن البروز في مثل هذه الميادين والنشاطات تعتبر ركيزة أساسية للتدريب على القيادة كما أنها تمثل محك عملي لإختبار قدراتها والتحضير لعناصرها لتولي السلطة وممارسة عملية من أجل تلافي أي قصور لديها، وأن الانتخابات ماهي إلى إحدى الوسائل للفوز.

 

بهذا المفهوم القاصر صار معنى النجاح لدينا مخالفاً للمفهوم الذي وعته الدول الديمقراطية الغربية، فالفوز لدينا يدل على أن اغلب الناخبين صوتوا ضد أحدهم فيما المفهوم الغربي أن أغلب الناخبين صوتوا من أجل أحدهم، من هذا المفهوم نستطيع أن نعرف لماذا الانتخابات عندنا تُولِّد الأزمات والمشاكل فيما لديهم تمثل مناسبة للتصحيح والالتقاء من أجل مستقبل افضل.

 

وفي حين أن معارضتنا مازالت مطالبة ببذل جهد اكثر في ترسيخ الديمقراطية وأمامها مجالات أوسع للابداع والابتكار، بسبب التركة الثقيلة التي يجب عليها ان تتخلص منها ومن أجل إرساء اسس نظام الحكم السليم منها الاتفاق على ما هية الدولة ومحاربة الطائفية والعرقية والمذهبية من أجل الوصول إلى هوية جامعة تمثل المجتمع وإرساء مرجعية قانونية دستورية تمثل جميع الاطياف في المجتمع الواحد وتثبيت معنى ومفهوم المواطنة المتساوية التي يتحدد بموجبها علاقة المجتمع بالدولة وتحديد ما يجوز ممارسته في العمل الحزبي وما لا يجوز ، وإرساء مفهوم هذه العلاقات التي تحكم الممارسة الديمقراطية لدى الاحزاب الحاكمة واحزاب المعارضة وبصورة أشمل توعية العامة بهذه الأسس، كي نصل إلى وعي بمفهوم الحقوق والواجبات التي تحمي الجميع سلطة ومعارضة وشعباً وتدوين ذلك في صورة عقد اجتماعي ملزم للجميع، واعتباره الترس الرئيسي الذي تتشابك حوله بقية التروس الاجتماعية التي تُسيِّر عجلة الحياة.

 

نتيجة لهذه الثقافة التي اعتمدتها الدول الديمقراطية الغربية اصبحت المعارضة لديها تُعرفَ بالمعارضة الموالية فاختفت المناكفات والمزايدات، واصبحت الانتخابات عبارة عن وسيلة اتفق عليها لتبادل السلطة من أجل احداث تطور اجتماعي، كما أن من نتائج الممارسة السليمة للنشاط الحزبي أن اصبحت المعارضة الرديف المساند للسلطة وهي التي تضمن بقاءها لهذا اصبحت المعارضة لديهم تسمى بالوجه الآخر للسلطة.

 

ولأن بداياتنا في ممارسة العمل الديمقراطي قد شابها الكثير من الأخطاء أبرزها تجاوزنا للبدايات التي تبني وترسخ مقومات العمل الديمقراطي ففي الوقت الذي كان يجب فيه أن نتكاتف من أجل التأسيس للدولة القوية   التي لا تعاني من ضبابية في معرفة هويتها، نتيجة للصراعات المذهبية والمناطقية والثقافية، كي نصل في النهاية إلى الديمقراطية الحقة ديمقراطية البرامج والتنافس من أجل أحدهم لا ضد أحدهم.

 

هذه ليست دعوة للتخلي عن مكتسباتنا الديمقراطية التي تحققت بقدر ماهي دعوة لمعرفة الأرض التي نقف عليها وتصحيح ممارساتنا التي تسيئ الى الديمقراطية وللتأكد من مدى رسوخ أقدامنا في العمل السياسي الديمقراطي، وكي لا ننجر ف بعيداً عن واقعنا وحقيقة أننا ما زلنا في مرحلة الحبو على الركب إن لم يكن الزحف على البطون،، وكي نتحسس ما يعترض طريقنا بأصابع تبحث عن الممكن وليس القفز إلى المستحيل، فالطريق ما زال وعراً ويحتاج إلى المزيد من التمهيد وأن علينا الاحتراز في ما نطرحه.. فليس من يحبو كمن هو راكب على صهوة الجواد.

 

 

 

فلتر ثلاثي:

 

 

 

في الأخير هذه دعوة للجميع لاختبار أنفسهم عن مدى ما يمكن للمعارضة أن تقدمه من حلول لواقعنا اليمني:

 

هل احزاب المعارضة وبناءاً على ما تبديه من تذمر لديها القدرة على اخراج البلاد من الواقع الذي تعيشه؟

 

هل فعلاً  أن السلطة هي المتسبب الوحيد في ما وصلت إليه الأوضاع؟

 

هل تغيير النظام الحاكم كفيل بحل جميع مشاكلنا؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليم .. هموم واشجان

 

 

 

جمال الظاهري

 

 

 

واحدة من أهم المعضلات التي تواجه بلادنا في العملية التنموية هي تلك التي تتعلق بالجانب التعليمي التربوي الذي يعتبر الحجر الاساس في عملية التنمية المستندة الى مستوى الفهم والادراك لما نريده.

 

رغم أنما نشر من الكتابات حول هذا الموضوع التربوي وما يعتريه من خلل صار واضحاً لعدة اسباب، لكن اللامبالاة وعدم الاكتراث لما اصابه من ترهل وتدني الفاعلية وانعدام جدواه .

 

دعونا هنا نعيد ربط هذا الموضوع ونتفحصه في كثير من تفاصيله .. يبدأ اليوم الدراسي بخروج الطلاب من منازلهم في الساعات الأولى لصباح كل يوم حاملين حقائبهم بما تحويه من دفاتر وأقلام وسندويتشات ومتبوعين بدعاء الأمهات وآمال الآباء في أن يكون يومهم مثمراً وأن يتمكنوا من إضافة شيء جديد إلى ما تحويه عقولهم من معرفة تُعينهم على فهم الحياة وإدراك ما يتوجب عليهم عمله لمستقبلهم ومتفائلين بالكثير من الحظ في أن يفهم أبناؤهم ما الذي يريدونه لمستقبلهم وأن يستطيعوا قراءة واقعهم بشكل صحيح كي يتجنبوا عثرات الحياة.

 

حين يصلون إلى المدرسة يتوجهون الى الساحات لأداء طابور الصباح بغية الإحماء والاستعداد ليومهم الدراسي الجديد ولكي يعدوا أجسادهم الطرية لتحمل صقيع الشتاء القارس، هذا الطابور الذي يعلن عن بداية اليوم الدراسي الذي أرمي هنا إلى تتبعه من أول ساعاته وحتى إعلان جرس اليوم الدراسي (الفيطوس) انتهاء اليوم الدراسي.

 

ففي أيامنا أي في الثمانينات وحتى أواخر التسعينيات كان يعتبره التربويون المؤشر الأول الذي ينبئ عن جدية هذا الطالب في التحصيل العلمي أو إهماله، كما أنه كان يعتبر أحد مقاييس الانضباط الوظيفي للمعلم ومدى إخلاصه في أداء رسالته.

 

في أيامنا كان يتم التحضير للطلاب الذين حضروا الطابور وللمدرسين، وفي اليوم الذي يليه يتم إعلان أسماء المتغيبين لكي ينالوا العقاب لتأخرهم عن الطابور، كان يمثل (الطابور) منبراً للتنافس وإظهار القدرات والمواهب، والجدية والتميز لأنه كان يعلن فيه أسماء  المتفوقين ويحصلون على الإشادة والتقدير وكذلك يعلن  اسماء الفاشلين، المتغيبين، هذه اللفتة وإن كانت لدى البعض لا تعني الكثير إلا أنها كانت وسيلة لحث الطلاب على التميز كي يتجنبوا الإحراج أمام زملائهم.

 

قبل ذلك كان هناك عدد من التمارين الإحمائية التي يؤديها الطلاب والمدرسون وتليها فقرات يؤديها عدد من الطلاب ما بين شعر وفكاهة، وعظة، وتلاوة لبعض الآيات القرآنية، والأناشيد الوطنية الحماسية التي تحث على الولاء للأرض اليمنية، كما توجد فرقة موسيقية معدة بشكل رائع من بعض الطلاب الذين برزوا في النشاط الموسيقي.

 

طابور الصباح لم يكن نشاطاً عبثياً كما هو حاصل اليوم فقد كان له دورٌ كبيرٌ ومهمة إنسانية جليلة تتمثل في غرس قيم التنظيم والانضباط والتعاون وتحبيب النشاطات الجماعية، وتعليم الطلاب مهارات القيادة عن طريق ممارسة النشاطات الكشفية للطلاب وإشراكهم في المهام التنظيمية والادارية للمدرسة وحثهم على ممارسة النشاطات الرياضية التي كانت لا تقل شأناً عن باقي النشاطات، الشيء الذي ساعد على إبراز أصحاب هذه المواهب ورفد الحركة الرياضية بالعديد من المتميزين في عدد من النشاطات الرياضية.

 

 النشاط الموسيقي هو الآخر كان بارزاً ورافدا قوياً لإبراز التراث الموسيقي اليمني، كما أن المساهمات  الشعرية كانت مؤشراً لبروز العديد من شعرائنا الكبار كل ما سرد كان يمثله طابور الصباح المرآة الجماعية الأولى للتميز والإبداع كما أن النشاطات العلمية كان لها حيزها المتمثل في الابتكارات التي كان يقدمها الطلاب ويتم الاعلان عنها في الطابور.

 

بعد انتهاء طابور الصباح يتوجه جميع الطلاب الى فصولهم في طابور منتظم وبخطوات متناغمة على الايقاعات الموسيقية تحت أنظار إدارة المدرسة وهيئة التدريس، يليهم المدرسون الذين كانت تجللهم الهيبة التي تستحق أن يقف لها الطلاب احتراماً لأنهم أدركوا ما يمثلونه من قدوة ومثلٍ أعلى لطلابهم، فهيئته تنم عن احترام وتقديس لمهمته الانسانية، فثيابه نظيفة ومهندمة بما يليق به كمربٍ يحتذى به وقدوة لأجيال المستقبل كما يقول إخواننا المصريون : (على سنجة عشرة).

 

حين يدخل هذا المربي (القدوة) إلى الفصل يحيي الطلاب فيردوا التحية بأحسن منها ويقفون إجلالاً واحتراماً لا خوفاً أو تقليداً ساروا عليه.. يأخذ طبشوره ويبدأ بتحديد عناصر الدرس ثم يلتفت إلى الطلاب طالباً منهم تسليم دفاتر الواجب، بعدها يبدأ الشرح للدرس الجديد لهذا اليوم وينهي حصته بالسؤال عن أي استفسار من طلابه كي يعيد شرحه لهم ثم يعطي الطلاب بعض الدقائق للمناقشة التي افتقدها طلاب اليوم الذين صاروا يمثلون للكثير من ممتهني التدريس عبارة عن أوعية يتم تعبئتها بالمنهج ومن ثم إفراغها في كراسات الاختبارات.

 

إدارة المدرسة كانت هي الأخرى متواجدة منذ ساعات الصباح الباكر وحتى دقائق اليوم الدراسي الأخيرة تتنقل بين الفصول للإشراف والمتابعة وللتقصي عن أي احتياجات للمدرسين والطلاب وللإجابة عن أي استفسار، ونتيجة لإدراك الأهمية لدورها في الانضباط  لدى المدرسين والطلاب.

 

 هكذا عرفنا التعليم قبل بضع سنوات وهكذا كان احترام العاملين لهيئة التدريس وهكذا كانت النشاطات التي تبرز القدرات، وتعطي مساحة من الحرية للابتكار والابداع وهكذا كانت تعطى الفسحة للتعبير والمشاركة وتكوين الشخصية لدى الطالب، وهكذا كانت تقمع الممارسات السلبية في مهدها.

 

 وبهذا الجهد الجماعي كانت تلفظ الشخصيات النشاز خارج أسوار القلاع التعليمية، ولا تجد لها فسحة للعبث والتخريب لا على مستوى السلوك ولا في مقدرات ومنشآت المدارس، فأين نحن اليوم من كل هذا؟ ولماذا تخلت الجهات المسئولة عن مهامها؟

 

 أين ذاك الموجه الذي كان إذا حضر إلى المدرسة يقف له المدير والمدرس والغفير بكل احترام وتوقير حد الارتعاش من إمكانية أن يكتشف قصوراً ما في الأداء، ولماذا مدراء مدارس اليوم لا أقول كلهم وإنما أغلبهم ليسوا بكفاءة أقرانهم ممن سبقهم؟ .. تساؤلات كثيرة تحيرنا وتستحق الوقوف عندها للدراسة بغية إيجاد الحلول، سلبيات كثيرة وممارسات تستحق حلقات وحلقات للأهمية التي تمثلها لمستقبل أبنائنا وأجيال المستقبل القريب.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق