]]>
خواطر :
ظللتنى تحت ظل السيف ترهبنى...حتى استغثتُ بأهل اللهِ والمَدَدِ... ( مقطع من انستنا يا أنيس الروح والجسدِ)...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العنف بمدارسنا أو النار الخامدة

بواسطة: عثمان أيت مهدي  |  بتاريخ: 2013-03-15 ، الوقت: 21:34:54
  • تقييم المقالة:

 تطالعنا بعض الصحف والمجلات الغربية في الآونة الأخيرة بعناوين غريبة ومضحكة، وقد قيل شرّ البليّة ما يضحك، لنقرأ بعضا منها: "شرطة بالمدارس، أمر يثير السخرية!". "كلاب الشرطة بالمدارس في إيطاليا". "الشرطة بالمدارس البريطانية"، وغيرها من العناوين. لقد استفحل الخطب وبلغ السّيل الزّبى، الأمر الذي دفع بالمسؤولين في هذه الدول إلى تطويق المدارس سيّما المتوسطة منها والثانوية برجال الأمن، في فرنسا بلغ عددها ثلاثا وخمسين مؤسسة تربوية، تمّ تعيين شرطي بداخل كل مؤسسة مدججا بسلاحه.

لم تكن ظاهرة العنف بالمدارس وليدة اليوم بل تمتد جذورها إلى سنوات خلت، بالنسبة للمؤرخين هي مرتبطة بعنف الشباب منذ فجر التاريخ، ولا أعتقد أنّ بالغا عاقلا لم يستسلم يوما ما لفكرة أنّ "البقية للأقوى"، أو "قانون الأقوى هو الغالب" ولو إلى حين. لقد أخذ العنف عبر العصور أشكالا جديدة ومختلفة، فما كان سائدا بالأمس يختلف عمّا هو كائن اليوم، إلا أنّ الاعتراف به من طرف الجهات الرسمية في كثير من دول العالم لم يكن إلا في فترة السبيعات، حيث دقّ ناقوس الخطر وجندت لمحاربته كلّ الوسائل المتاحة، التربوية منها والردعية.

إذا كانت أسباب العنف المدرسي متشابهة أو متقاربة في كلّ المؤسسات التربوية في العالم فإنّنا نحن بالجزائر لسنا بمنأى عن العدوى، إنّها أشبه بالنار في الهشيم التي إن لم نتخذ لمدارسنا الحماية اللازمة التي تقي أبناءنا من مصيدة الشارع وتوفر على الدولة عناء تجهيز مؤسساتنا بجحافل من الشرطة فإنّها ستأتي على الأخضر واليابس.

هل تمّ الاعتراف بالعنف المدرسي كظاهرة يجب محاربتها واستئصالها بالجزائر؟ أم أنّ السكوت عنها أنسب لتطويقها وقبرها في مهدها؟ في غياب الإحصائيات والأرقام الدقيقة يبقى العنف كالنار الخامدة التي تتحين الفرصة لتمتدّ ألسنتها إلى جميع المؤسسات، ومن ثمة يطالب الجميع أساتذة وتلاميذ وإداريين بشرطي مدجج بالسلاح ليحمي الحمى ويوطّد الأمن ويحصّن المؤسسة من كلّ شر يتربص بها.

سببان رئيسيان يحولان دون بروز هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة في الجزائر بالرغم من وجودها ونموها بشكل يلفت الانتباه:

    اعتبار العنف المدرسي من الطابوهات التي تجنب غالبية الأساتذة والإداريين الإفصاح عنه، لاعتقادهم أنّ ذلك ينقص من مكانتهم أمام زملائهم، ولهذا أحيط العنف بالكتمان والسر الدفين. إيمان غالبية المجتمع الجزائري بفكرة أنّ المعلم الذي كاد أن يكون رسولا، يحرم شتمه أو التطاول عليه، فهو القدوة الحسنة والمربي الحنون ومن علّمك حرفا كنت له عبدا.

إنّ عدم الإفصاح عن العنف الممارس على الأسرة التربوية لسبب من الأسباب، والضغط الذي تمارسه الأسر على أبنائها بالتخويف والترهيب تارة وبتعداد مناقب المربي وإبرازها تارة أخرى، كفيلان بتحجيم أو كبح جماح العنف لفترة قد تطول أو تقصر ولكنها لا تقوى على القضاء عليه.

لا يمكن القضاء على العنف المدرسي إلا بدراسة الأسباب التي أنشأته، والظروف التي ساعدت على انتشاره. يقول جاك بان Jacques Pain: "بعد 1968لم تعد الأمور كما كانت عليه.. لقد تحررت أخلاق المجتمع المدني.. " أصبحت النماذج التربوية أكثر تحررا وأكثر ديموقراطية في حين لم تواكب السلطة هذا التحول، سواء على مستوى الأولياء، أو الشرطة والمحاكم، وبدرجة أكثر وضوحا على مستوى المعلمين والسياسيين. ويرجع جاك بان الأسباب المؤدية إلى العنف لـ :

    بروز المجتمع الاستهلاكي الذي جعل من تحقيق الرغبات المادية إحدى مكونات الشعور بالسعادة والمساواة. الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي وضعت شريحة كبيرة من المجتمع على الهامش، وأصبح الحصول على وظيفة قارة أمرا ليس سهلا.  

    إذا كانت العائلات المعوزّة هي الأكثر تأثرا بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فإنّ الأطفال هم الضحايا الأوائل لهذه الأزمات، والأكثر عنفا وتمردا على من يعتبرونهم من المحظوظين سواء كانوا من التلاميذ أو حتى من الأساتذة. إلى جانب هذا التفسير لظاهرة العنف المدرسي من خلال التحليل الشامل للمجتمع، يرى باحثون آخرون بأنّ العنف هو نتاج لقاء أو تزاوج بين المشاكل الشخصية لبعض المراهقين والسياقات المحلية الخاصة، وبتعبير آخر، كما يعبر عن ذلك ديبارديو EricDebarbieuxهو "تراكم عوامل الخطر" مشاكل عائلية، حالات نفسية صعبة، مخالطة الأشرار، اكتظاظ المؤسسات والأقسام، المطالب العرقية والدينية..  

إنّه موضوع من الأهمية بمكان، يلتقي حوله الأساتذة والتلاميذ والأولياء والباحثين التربويين، وكلّ من له صلة، ولا أخال وجود شريحة في المجتمع غير معنية، أو ليس لها ما تساهم به.

 

 

الأستاذ: عثمان آيت مهدي
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق