]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المحاكمة العسكرية... الادانة مع سبق الاصرار

بواسطة: Badr Souhail  |  بتاريخ: 2013-03-15 ، الوقت: 02:49:05
  • تقييم المقالة:

 

المحاكمة العسكرية.. الإدانة مع سبق الإصرار

                                                                            بقلم: محمد علي ندور

                                                                             باحث في العلوم السياسية

        بعد أزيد من سنتين و نيف، أخيرا أصدرت المحكمة العسكرية حكمها المتوقع من هكذا نوع من المحاكم في حق معتقلي أحداث أكديم ازيك، تراوحت بين السجن المؤبد و20 سنة سجنا نافذا، واثنين بما قضيا من فترة سجن رهن الاعتقال الاحتياطي، وبقدر ما أرعبتني قسوة العقوبات، بقدر ما استفزت وحفزت بداخلي فكرة الكتابة والتي كانت والى حدود اليوم حبيسة البحوث الأكاديمية من جهة والخواطر التي احتفظ بها لنفسي من جهة ثانية، وبالتالي منحها القدرة على النشر والتعميم، لتكون هي موضوعها الأول، من خلال تأصيل للنص القانوني، وقراءة في الفعل السياسي، داخليا، وان كان التحليل ينبغي أن ينصب على مدى أحقية _ والتي ستكون موضوع كتابة لاحقة إن شاء الله _ المغرب في الولاية القضائية على مواطني الصحراء الغربية، وفق القانون الدولي.

        دامت المحاكمة 10 أيام، منها 9 متواصلة، شهدت حضورا إعلاميا كان في أغلبه غير محايد، و متحيز، خاصة منه الرسمي لدولة الضيافة، ولجهتها هي نفسها، باعتبار أن من هم ضحايا في هذه القضية، لم يكونوا سوى في مهمة تنفيذ تعليماتها يوم 08 نوفمبر 2010 وفي مدة زمنية لا تتجاوز الساعة، وموجهة من كبار مسؤوليها الأمنيين والعسكريين، بتفكيك مخيم بمنطقة اكديم ازيك، توطن قرابة الشهر. 

        لا أحد يتفق على الإطلاق مع القتل سواء كان في حق المدنيين أو العسكريين، إلا إذا كان الأمر يتعلق بالدفاع عن نفس الإنسان و حرماته، ولكن أيضا لا يمكن بأي شكل من الأشكال الإتفاق والتبرير تحت أي طائلة، ومهما كانت الأسباب والظروف، شن حملة واسعة للاختطافات والتوقيف والاعتقال أقل ما يقال عنها أنها مسعورة وبدون أدنى سند مقبول ومداهمات المنازل وتعريض العشرات من المواطنات والمواطنين، العزل، بمختلف الأعمار، لشتى صنوف وأنواع التعذيب والعنف البدني واللفظي، والزج بالعديد في مراكز الاحتجاز والسجون في ظل سوء المعاملة، وغياب الشروط للاعتقال.

        لقد أتيحت للمسؤولين المغاربة فرصة قل ما تعوض في جعل محاكمة معتقلي أحداث اكديم ازيك التاريخية، نموذجا في احترام حقوق الإنسان، وخطوة في طريق الديمقراطية التي دأب هؤلاء على التبجح بها ومن غير خجل، وهم بتعنتهم وباستمرارهم في ممارسة وهم _الطرشان أصلا_ عملية سد الآذان، وإصرارهم على الإقدام الرجعي في مسار المحاكمة العسكرية. لقد فوت هؤلاء فرصة مع التاريخ بتوفير شروط وضمانات المحاكمة العادلة لزيادة الترويج لمسار بناء دولة المؤسسات، في الوقت الذي يصرح فيه، وفي كل حين، ومع وبدون مناسبة، أولئك أن الربيع العربي الذي انطلقت شرارته من مخيم اكديم ازيك قد إجتازه المغرب بطريقته الخاصة و "بسلام".

        لقد أثبت هؤلاء المسئولون، _ وهم هنا شركاء _ و إن اختلفت أجهزتهم، ومناصبهم ومراكز قربهم أو بعدهم من صنع واتخاذ القرار، حنينهم إلى ماضي انتهاكات حقوق الإنسان، ورغبتهم الأكيدة _العدمية طبعا_ في مسايرة القيم والحقوق والحريات العالمية، والتحولات الجذرية والتغييرات البنيوية والهيكلية التي يشهدها العالم العربي، والتي عصفت بأنظمة تمادت في تشبثها بالاستبداد والدكتاتورية، حمل القائمون عليها مختلف المناصب الأمنية والعسكرية مرصعين بنياشين زادت عن حدود صدورهم، ورغم ذلك، لم تقم في تلك البلدان أية محاكمة عسكرية لمحاسبة هؤلاء المتورطين في قتل المتظاهرين، ولم تكن لمن جاءوا من بعدهم روح انتقامية، بل أرادوا الاختلاف والقطع مع الماضي، وفتح صفحة جديدة عنوانها الأبرز "الكرامة للجميع"، والأزيد من ذلك أن بعض الأحكام التي صدرت ابتدائيا على بعضهم، ثم وهو ما ليس متاحا لمعتقلينا والحالة هاته استئنافها، فأفرج عن بعضهم، وواقعة ابني الرئيس المصري السابق ليست عنا ببعيد.
        كان من المفترض إن كان النظام في المغرب يود فعلا السير وفق إرادة حقيقية نحو البناء الديمقراطي، أن يعمل في الحد الأدنى إلى التنزيل السليم للدستور الذي وضعه يوليو 2011، بعد أن قضى المعتقلين في السجن ومر على أحداث اكديم ازيك أزيد من عشرة أشهر، ومن تاريخ ذلك "الوضع" إلى حين محاكمتهم التي انطلقت في الفاتح من فبراير 2013، كان قد مر على نشر الدستور 19 شهرا، وهي المدة الكفيلة بهذا التنزيل وبشكل كامل على الأقل، للحقوق والحريات التي جاء بها، وبالتالي بإصدار ونشر القانون التنظيمي الذي يحدد شروط وإجراءات تطبيق الفصل 133 منه، والذي يخول للمحكمة الدستورية التي يمارس اختصاصاتها حاليا المجلس الدستوري، بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع احد الأطراف بان القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور، وحيث أن قانون العدل العسكري والقانون المنشئ للمحكمة الدائمة للقوات المسلحة الملكية بالرباط، قد انتهكا الحق في المحاكمة العادلة، والحق في حكم يصدر داخل اجل معقول كما ينص على ذلك هذا الدستور (الفصل 120)، كان لزاما على المتهمين أو من نصب نفسه للدفاع عنهم، إثارة الفصل 133 السابق ذكره، ولا يمكن عندها لأية جهة قضائية كانت أو إدارية، الاعتراض على اختصاص المجلس الدستوري، الذي له وحده النظر في هكذا دفع، وتقدير مدى دستورية القوانين التي جاء بها، بناء على مبدأ القانون الأصلح للمتهم، أو انتظار حتى إصدار القانون التنظيمي السابق ذكره، حينها وجب وعلى "الفور" إيقاف المحاكمة العسكرية إلى حين الإصدار المذكور مع الإسراع به، عندها فقط يمكن الحديث عن دولة تحترم دستورها ومؤسساتها، وتنتهج الممارسة الديمقراطية، منهجا في تعاطيها مع هكذا نوع من القضايا. ولكن يبدو أن توظيف تلك الممارسة في المغرب لا يتم إلا وفق الاعتبارات الشخصية وليس الموضوعية، فقد سبق وان مارس الوزير الأول السابق السيد عباس الفاسي اختصاصات مؤسسة رئيس الحكومة التي جاء بها الدستور الجديد، وبمجرد نشره بالجريدة الرسمية، وقبل أي انتخابات برلمانية لاختيار رئيس الحكومة، بحجة الممارسة الديمقراطية، والتي لا يروق للمسؤولين المغاربة اليوم إعمالها على قضية المعتقلين على خلفية أحداث اقتحام وتفكيك مخيم اكديم ازيك للنازحين الصحراويين.

        وتجدر الإشارة إلى انه من حق العسكريين استئناف أحكام المحكمة العسكرية والاستفادة من شروط العدالة بها، ويجب على الجميع أن يترافع من اجل ضمان حقهم هذا، لان الغالب الأعم يظن أن محاكمة العسكر أمام هكذا نوع من المحاكم هو أمر عادي، بل وعلى العكس تماما من ذلك، فالتمتع بحقوق وضمانات المحاكمة العدالة، هو لكل متهم هكذا مجردا، وليس مرتبطا بصفته المدنية.

        وبعيدا عن البحث في مدى توافر أو غياب شروط وضمانات المحاكمة العادلة، يبقى الأساسي هو ما عبرت عنه العديد من هيئات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الإنسان التي أعدت تقارير بحث وتقصي حول الأحداث التي نتجت عن تفكيك مخيم اكديم ازيك، حيث أجمعت على أن المسؤولية تقع في وفاة عناصر "القوات العمومية" على عاتق، من ترك هؤلاء بدون أن يوفر لهم أسباب الحماية والوقاية، أثناء تكليفهم وتنفيذهم لتعليمات التفكيك.

        وفي المقابل فان من حق الجميع اليوم معرفة المسؤول المباشر عن اتخاذ قرار إزالة مخيم يضم أكثر من 6500 خيمة، وما يناهز 20000 من المواطنين في مدة زمنية حطمت الأرقام القياسية على الإطلاق، لم تتجاوز الساعة الواحدة، أي بمعدل إزالة 110 خيام، وطرد 334 شخص في الدقيقة، ويبقى من حقنا تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين في مقتل قاصر قرب المخيم وقبل أية أحداث لم يتجاوز ربيعه 14 وهو الطفل الناجم الكارحي رميا بالرصاص، وبدم بارد، والأمر ينطبق على كل من الشابين بابي الكركار وابراهيم الداودي.

                                                     محمد علي ندور

باحث في العلوم السياسية  
... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق