]]>
خواطر :
خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . 

"الانتفاضة الصحراوية": ما بين ضرورة التصعيد, و عرقلة "الحمائم".

بواسطة: محمد سالم هاشم  |  بتاريخ: 2011-09-15 ، الوقت: 10:38:30
  • تقييم المقالة:

 

تحاول "قيادتنا الرشيدة" بعد أن أضحت عاجزة عن التعامل مع مستجدات المرحلة من تعنت مغربي, تنكر للمعاهدات و قفز على الشرعية الدولية, خاصة بعد الخطابات الملكية النارية, و تقرير الأمين العام ألأممي الأخير, أن تروج في الأوساط النضالية الصحراوية لطرح سياسي يدعو إلى الاقتصار على الأساليب النضالية السلمية دون غيرها, والى المراهنة على تأييد المجتمع الدولي, و محاولة حشده عن طريق: النشاط الحقوقي _و هو ما يضطلع به المناضلون في المدن المحتلة_, تفعيل العمل الدبلوماسي, تكثيف الاتصالات بالفاعلين الدوليين من حكومات, برلمانات, منظمات..., دون اللجوء إلى الكفاح المسلح, وما ساهم في هذا التوجه وجود جناح كبير ومؤثر داخل القيادة الصحراوية يزداد قوة يوما بعد يوم, يؤيد و بشكل قوي التشبث بوقف إطلاق النار و استغلال المساعي السلمية الأممية الداعية إلى التفاوض الغير مشروط, على اعتبار أن الظروف الجيوسياسية المحلية، الإقليمية والدولية لم تعد ملائمة للعودة إلى الحرب.

قوام هذا الجناح في الغالب مجموعة من الوصوليين و المتسلقين بالإضافة إلى عناصر مشبوهة تورطت في العديد من ملفات النهب و الاختلاس, يفتقرون إلى الماضي النضالي, سطع نجم معظمهم بعد توقيع وقف إطلاق النار, و استطاعوا أن يتغلغلوا بسرعة و يبسطوا نفوذهم بل و يسيطروا على دوائر صنع القرار الضيقة داخل البوليساريو في مدة وجيزة, عن طريق التملق و التزلف لرأس الهرم القيادي, و نسج شبكة من المتمصلحين و المستفيدين من بقاء الحال على ما هو عليه, و اللعب على وتر القبلية, بالإضافة إلى رفع شعارات رنانة من مثل "تحديث أجهزة الدولة" و "فصلها عن التنظيم السياسي", "ازاحة الحرس القديم"..., كما استطاعوا أن يوجهوا ويتحكموا في العديد من الإطارات الحقوقية الصحراوية في المدن المحتلة, عن طريق مؤسسات البوليساريو الرسمية الوصية.

انعكس هذا الطرح الجديد على أدبيات و خطاب البوليساريو الرسمي الركيك, فظهرت في لغته الخشبية مفردات من قبيل: الانتفاضة السلمية, المقاومة المدنية, النضال السلمي...,و من بحث في معاني هذه المصطلحات (الانتفاضة, المقاومة, النضال...), سيجد أن نزع صبغة العنف عنها سيفرغها من مضمونها و يجردها من مقوماتها.  

فالانتفاضة لغة هي الحركة القوية التي تأتي بعد هدوء و سكون, فانتفض الثوب أي تعرض لضرب أو نحوه فأزال ما علق به من الغبار, وانتفضت الشجرة أي تحركت بسبب الريح أو غيرها فسقط ما عليها من الثمار أو الورق. أما اصطلاحا فيطلق على تلك التحركات الشعبية الاحتجاجية العارمة التي غالبا ما تكون عفوية و ذات مطالب سياسية أو اجتماعية..., فتنجم عنها في بعض الأحيان ثورات تطيح بالزعماء و تقلب الأنظمة السياسية, أو تكون السبب الرئيس في حصول الشعوب المستعمرة على استقلالها إن وجدت من القادة من يستغلها سياسيا و يحسن توظيفها, ولطالما لجأت هذه الحركات الاحتجاجية إلى أعمال العنف و التخريب كاستهداف العناصر و المقار الأمنية, المؤسسات الرسمية, مباني و مقار الجهات المتعاونة مع الأنظمة الجائرة..., و فعل بهذه المعاني اللغوية و الاصطلاحية لا يمكن إلا أن يكون عنيفا.

و لست هنا أفاضل بين الجناحين (النسور و الحمائم) فكما يقول المثل الشعبي "ما فالخير خير, و لا ف الشطاح بركة", و لكن بصدد إبراز بعض نقاط الضعف الكثيرة التي تعتري هذا الطرح, ذلك انه يتناقض أول ما يتناقض مع فكر و روح "البوليساريو", و المتمثلين أساسا في المبادئ التي سطرها منظرو الحركة, و على رأسهم "الشهيد الولي" رحمة الله عليه, واجتمع عليها الصحراويون من مختلف التوجهات, فتضمنتها مقررات المؤتمر التأسيسي, و البيانات الصادرة عن المؤتمرات اللاحقة و حول المحطات الرئيسية من تاريخ الصراع (إعلان الكفاح المسلح, مؤتمر الوحدة الوطنية, إعلان الدولة...), و المتخذة من العنف الثوري نهجا, ومن الكفاح المسلح أسلوبا.

كما لا يتماشى مع المعطيات الدولية, فنحن نعيش في عالم أشبه ما يكون بالغابة, العلاقة فيه مبنية على المصلحة, لا يعترف إلا بالأقوياء, الأقوياء بعزيمتهم و بتصميمهم على انتزاع حقوقهم, فمتى انتصر المنتظم الدولي للقضايا العادلة؟ و أين الأمم المتحدة من الظلم الواقع في العديد من بقاع العالم؟ زد على ذلك انه لم يسبق لأي من الشعوب المقهورة عبر التاريخ أن نال حقوقه بالاقتصار على الأساليب النضالية السلمية, و من تمعن في تجارب الدول التي استقلت دون اللجوء إلى المقاومة المسلحة, سيجد أنها دول منقوصة السيادة, منها من لا تزال تابعة لمستعمريها, تغير فيها شكل الاحتلال دون أن يتغير جوهره, في حين نرى كيف استطاعت العديد من حركات المقاومة المعاصرة, وفي ظروف أصعب من ظروفنا, أن تدحر جيوشا و دولا بل تحالفات لها من القوة العسكرية و الاقتصادية و السياسية ما يفوق عدونا بكثير, دون استجداء النصرة من المجتمع الدولي.

وتكمن خطورة هذا الجناح/الطرح في كونه يساهم إلى جانب عوامل أخرى في القضاء على مقومات المؤسسة العسكرية الصحراوية المادية و المعنوية, كما تتمثل في مصادرة حق الإنسان الصحراوي الغير قابل للتصرف في المقاومة و الدفاع عن نفسه بكل الوسائل المتاحة, وهو ما تكفله الشريعة الإسلامية السمحاء و يقره القانون الدولي.

وصل تأثير هذا الطرح إلى الساحة النضالية في المدن المحتلة, فعملت قيادتنا الرشيدة على تهميش كافة المناضلين ذوي التوجه الراديكالي من حقوقيين, نقابيين و نشطاء الانتفاضة..., فيحرمون من الدعم الشحيح أصلا, كما يحرمون من التغطية الإعلامية لنضالاتهم, ومن إدراجهم ضمن الوفود المشاركة في المؤتمرات والندوات الدولية, أو ضمن وفود التحدي التي تزور المخيمات و الأراضي المحررة, و قد يصل الأمر إلى تنظيم حملات تشويه ضد بعضهم و تأليب الإطارات الحقوقية ضدهم..., ويتم تجاهل الكثير من العمليات البطولية بسبب طبيعتها التصعيدية, و هو ما أدى إلى حدوث انقسامات بين المناضلين الصحراويين, كما أدى إلى تراجع كبير في وتيرة الانتفاضة, فقد حدثني احد النشطاء المعروفين عن تجاهل الإعلام الرسمي للمضايقات الكثيرة التي يتعرض لها داخل السجن و خارجه, من قبيل السجن الانفرادي, التعرض للتعذيب..., و للاعتقالات التعسفية, و التحقيقات العديدة التي تعرض لها بعد خروجه من السجن..., في حين يتم نقل كل كبيرة و صغيرة عن آخرين معروفين بنزعتهم السلمية. و لم يعد خافيا ضلوع قيادتنا الرشيدة في تفكيك و إنهاء العديد من الخلايا التي تبنت أساليب العنف, من مثل اللجوء في دفاعها عن نفسها إلى الرمي بالحجارة, استعمال السلاح الأبيض, قنابل المولوتوف (الزجاجات الحارقة)..., و كان من الممكن أن تطور أساليبها القتالية, لكن قيادتنا الرشيدة _التي لا تزال تحظى بتقدير و احترام الكثيرين في تلك الأوساط_ كان لها رأي آخر, فهي تخاف أن يسحب البساط من تحتها, ولذا تعمد إلى القضاء على كل التجارب التي قد تنجح في حشد الجماهير الصحراوية حولها.

لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن الانتفاضة في الحقيقة ليست إلا مكملة للمواجهات العسكرية, و رافدا من روافد الكفاح المسلح, إذ أن السماح بتعدد الأساليب النضالية لا يعني أن يلغي أحدها الآخر. و إذا كان العديد من العناصر الحيوية في المدن المحتلة يضطرون إلى إبداء آراء مخالفة لقناعاتهم حول سلمية الانتفاضة و ضرورة التصعيد, بسبب تبنيهم النشاط الحقوقي, و بسبب طبيعة الإطارات التي ينضوون تحتها, فانه من غير المنطقي أن تقوم قيادة تدعي احتكارها لتمثيل الشعب الصحراوي و لتاريخه المرصع بأروع البطولات القتالية, بمصادرة حقه في اللجوء إلى الأشكال النضالية التي يراها كفيلة بتحقيق أهدافه المشروعة في الحرية و الاستقلال. 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق