]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هذا ما جنته علينا "قيادتنا"

بواسطة: محمد سالم هاشم  |  بتاريخ: 2011-09-15 ، الوقت: 10:31:17
  • تقييم المقالة:

 

هذا ما جنته علينا "قيادتنا":

محمد سالم هاشم

 

يقول ابن خلدون عالم الاجتماع الشهير: "إن العدل هو أساس الحكم".

فكما أن العدل هو ضامن استقرار وتماسك المجتمعات, فان شيوع الظلم هو السبب الرئيسي في تفككها و انهيار قيمها, الظلم بأنواعه كيفما كان, وخاصة إذا كان رعاة هذا الظلم و ممارسوه هم الحكام, فكلما تورط ولاة الأمور فيه كلما ازدادت و تعمقت تبعاته, و هذا بالضبط ما حصل عندنا في مخيمات اللاجئين الصحراويين, فقد ابتلينا ب"قيادة" تمارس الظلم و ترعاه, "قيادة" أصبحت احرص ما تكون على مصالحها الشخصية, حتى ولو كانت على حساب مصلحة الشعب, و وحدة و تماسك المجتمع.

فبعد أن حبانا الله في سنوات الثورة الأولى بقيادة جعلت من المخيمات مضرب مثل في المساواة و العدالة الاجتماعية, فساد العدل و عم الوئام, و بقائد مثل بحق النموذج/ القدوة, القائد الذي عمل من خلال الجماعة وليس من فوقها, الذي ضحى في سبيل الشعب ولم يعش على تضحياته, فتقدم صفوف المقاتلين في جبهات القتال و عمل بساعديه في ورشات البناء, و ألغى ذاته فقدم روحه على مذبح الحرية, خلف من بعده خلف أضاعوا المبادئ و فرطوا في المنجزات, فانصب كل اهتمامهم على التمسك بالكراسي, وتناسوا مقولة من يدعون انه ملهمهم تشي جيفارا "الجلوس في المكاتب يصيب القائد بالصداع", فأدخلوا في سبيل ذلك الشعب في حقبة من الرعب و الإرهاب, و حولوا أنفسهم إلى آلهة تسن القوانين دون أن تمتثل لها, يمرحون و يرتعون في خيرات الشعب دون حسيب أو رقيب, يوزعون صكوك الوطنية على من طأطأ رأسه و انحنى لهم, و يخونون من أبى إلا أن يقول كلمة الحق في وجوههم, فزج بكل من سولت له نفسه أن ينبس ببنت شفة حول ظلمهم و تجبرهم في زنازين المعتقلات السرية, وبقي الشعب المسكين أسيرا لنزواتهم و رغباتهم, فتقبل الناس منهم جبروتهم و عنجهيتهم على مضض بسبب الغاية الأسمى التي تجند لأجلها الجميع, فكانت الحرب و الظروف الاستثنائية هي الشماعة التي علقت عليها القيادة ظلمها و طغيانها, لكن ازدياد ضغط التجاوزات ولد الانفجار سنة 1988, فخفت القبضة الحديدية للنظام, وبدا أن المقاربة الأمنية أصبحت سياسة متجاوزة.

اهتدى  حكامنا إلى أساليب جديدة تضمن بقاءهم في مناصبهم, تتناسب مع ظروف السلم التي أعقبت توقيع اتفاق استسلامهم مع العدو, فحولوا الدولة من نظام الحزب الواحد على علاته إلى "إمارة" تقدم فيها البيعة إلى "الأخ الرئيس/الأمير", فيهمش و يقصى كل من تشم فيه رائحة المعارضة, ويقرب و يعلى شأن الأكثر نفاقا و تصفيقا, و يتم تدجين الكثيرين إما عن طريق المناصب أو عن طريق المنح و الإتاوات المالية و العينية, وازدادت حالات الإفلات من العقاب, فلم يكتفي النظام بالتستر على المجرمين من مختلسي المال العام و لصوص المساعدات الإنسانية فقط بل أمسى يكرمهم بترقيتهم في السلم الوظيفي و القيادي, و وصل الأمر إلى محاولة الإعلام الرسمي تبييض تاريخ بعض الجلادين الكبار الذين ارتكبوا جرائم لا تغتفر في حق العديد من المعتقلين السابقين.

عين "الأخ الأمير/الرئيس" بعض أبناء عمومته في مناصب هامة في الدولة, و ظهر نظام "الكوطا" القبلية و توريث المناصب, و أصبح لشيوخ القبائل جاه و سلطة و حضور في حركة كانت تتخذ من الفكر الثوري التقدمي مرجعية لها, فتحولت المؤسسات الوطنية إلى شركات خاصة, فلا يوظف إلا الأقارب, أما الأباعد فيطردون أو يتم التضييق عليهم حتى يغادروا بمحض إرادتهم, فأصبح الولاء للقبيلة هو الغالب, ما أدى إلى إحياء النعرات الميتة و إلى حدوث احتكاكات بين شباب بعض القبائل من حين لآخر...

أفرزت الظروف الجديدة مناخا خصبا لتكاثر القطط السمان في مخازن الرابوني (ازدياد أعداد قوافل المساعدات و التوأمات و المشاريع التضامنية...), أما الحيتان الكبيرة فلم يسد رمقها سوى الشيكات المقدمة من طرف العديد من الحكومات و المنظمات المتضامنة و الموقعة على مبالغ مالية كبيرة, فظهرت طبقة اجتماعية _تضم أيضا بعض التجار و المهربين_ لها أسلوبها وأنماط استهلاكها الخاصة  و الغريبة على المخيمات, كاقتناء مختلف أنواع المكيفات, و تجهيز الخيام و البيوت بأثاثات منزلية لا تصلح إلا للقصور, و ارتداء آخر صيحات الموضة من الأطقم العصرية والدراريع و الملاحف الفاخرة في لحمادة, تمتطي السيارات الفارهة, و تحضر لها وجباتها الخاصة من طرف الخدم, و لا تقضي العطل إلا في الخارج (على حساب المال العام طبعا), فكبرت الأشداق و تدلت البطون و ابيضت البشرة التي كانت إلى عهد قريب داكنة اللون, وظهرت أمراض في معظمهم لا تظهر عادة إلا في الميسورين في المجتمعات المستقرة, و وصل الأمر بالبعض إلى التباهي بالفتوحات والتفاخر بعدد العقارات, الماشية أو المشاريع التي يمتلكها في دول الجوار, فأدخلوا المجتمع في دوامة من التنافس المظهري و التفكير المادي.

هذا الشرخ العميق الذي نجم عن ازدياد الهوة بين طبقة القيادة الغنية وبين طبقة المواطنين الفقراء, و تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة لدى الجميع, أديا إلى اتجاه الشباب إلى محاولات الاغتناء السريع, إما عن طريق تجارة المخدرات, التهريب, جرائم السطو المسلح أو سرقة الممتلكات العامة و الخاصة..., فضاقت ارض الحمادة بالكثيرين, فالمحظوظون هاجروا إلى الديار الأوروبية, فيما ركب التعساء موجة الخيانة واسلموا أنفسهم للعدو, و هام آخرون على وجوههم في بلاد الله الواسعة, و بقيت الغالبية مرابطة في جحيم اللجوء, أما موظفو إدارات الرابوني فلم تعد رواتبهم تكفي لمتطلبات الحياة الجديدة, ما اضطر الكثيرين إلى مشاركة أسيادهم في النهب, الاختلاس و اخذ الرشا, أو في أحسن الأحوال التقاعس و التقصير في أداء العمل, بسبب البحث عن مصادر أخرى للدخل, وهو ما انعكس على أداء الإدارات و الخدمات العمومية, فيما لجأ الكثير من المواطنين إلى إرسال أبنائهم إلى جامعات "المراسي" (الأسواق الشعبية) لتعلم التجارة وبعض الحرف وللمساهمة في إعالة الأسرة, وهو ما زاد من نسبة التسرب المدرسي, كما اضطر آخرون إلى السماح لبناتهم بالعمل في بيئات خطرة مليئة بالذئاب البشرية الجائعة التي غالبا ما توقع بالكثير منهن في شباكها, الأمر الذي ساهم الى جانب غلاء المهور في عزوف الشباب عن الزواج, ارتفاع نسبة العنوسة و الطلاق...

انتشرت في مخيمات اللاجئين الصحراويين حالة من الاحتقان الاجتماعي, تجلت في العديد من الظواهر الغريبة على مجتمعنا المحافظ, كحالات الانتحار, امتهان الدعارة و التسول, إدمان الشباب و حتى الأطفال للمخدرات و المشروبات الكحولية..., و مظاهر العنف كالقتل, الاغتصاب, المشاجرات في الأماكن العامة..., و هو ما يدق ناقوس الخطر و ينذر بقرب حدوث انفجار اجتماعي اكبر من سابقه (أحداث 1988), قد يأتي على ما تبقى من منجزات وطنية, و يعيد القضية إلى مربع الصفر, ظهرت بوادره في موجة الهروب الجماعي إلى العدو, أما تجلياته المستقبلية فلا احد يستطيع التنبؤ بطبيعتها.

و إلى أن تبدي الأيام لقيادتنا الرشيدة ما كانت جاهلة, هنيئا لها بسرقاتها و اختلاساتها, و لتنعم بقلة حيائها و بموت ضميرها, فلا حياة لمن تنادي.


http://www.fpjatchahid.org/index.php?act=press&id=297


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق