]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المعجزة اللغوية بالقرآن الكريم معجزة عقلية بوجهها الأول

بواسطة: محمود جمعة  |  بتاريخ: 2013-03-14 ، الوقت: 00:07:01
  • تقييم المقالة:
الاستخدام اللغوي لمعنى كلمة عقل، وكذلك الاستخدام لكلمة عقل بوجه العموم وبجميع نواحي الحياة بجميع لغات العالم يكون به جهل جسيم وتداخل ساذج لمتناقضات مشينة، فتناول معنى كلمة عقل باللغة الأساسية الأولى وهى الإنجليزية بأكثر ومعظم دول الكفر بالعالم كله هو كلمة (mind) وهى تعنى للأسماء: (ذاكرة، عقل، نية، رغبة، وجهة نظر، رأى، مزاج، طبع) بينما تعنى للأفعال بالجملة الفعلية (يذكر، يتذكر، ينصرف ألى، ينكب على، يطيع، يكره، يجد مانعاً، يلاحظ).!!!.  لنلاحظ  نحن تداخل جاهل ومشين بين مفهومهم للمخ والعقل، وبين الفكر والتعقل، وبين الغريزة والنور، وبين الصفة والاسم والفعل والمفعول به والمفعول المطلق، وبين الحال والزمان والمكان، بل نجد تداخل باطل ومشين بين الحق والباطل لكلمة عقل عند الكفرة، وبما لا نتخيله  بلغة بهيم أو حشرة، لنجد بلغة النحل مثلاً أنها تفوق تلك اللغة العالمية الأولى بالتعبير والتحديد والتفاهم، ويكفى جنس العرب مكانة عالية رفيعة، ومقام سامي، وأفضلية عن سائر أجناس الأرض، أنهم يتكلمون بلغة القرآن الكريم، والله رافع السماء بلا عمد فأنه شرف وتشريف للجنس العربى، لا يدنوه شرف ومقام بكل الدنيا وكنوزها، ومما حذا بقول أبن خلدون بمقدمته أن العرب أفضل وأكرم أجناس الأرض بدينهم.  ولذلك كان انكباب الأب أنستاس مارى الكرملى بدراسة القرآن أكبر مدة بحياته، ليستقى منها اللغة العربية الخالصة النقاء: وبما سجله المطران أرمان دوشيلا، وبما قال عنه د. إبراهيم بيومى مدكور أيام رئاسته لمجمع اللغة العربية بالقاهرة: لقد كان حظ مجمع اللغة العربية بالقاهرة من شيوخ وعلماء العراق عظيماَ، تواردوا عليه فاضلاً بعد فاضل، وقد أشترك برعيله الأول الأب أنستاس الكرملى، وهو دون نزاع من دعائم النهضة اللغوية المعاصرة بالعراق، وإذا تناولت ما باللغة العربية من ارتباط وتناسب وتوافق مع التعقل الإنساني ودين الله الحق والأعجاز اللغوى بكتاب القرآن الكريم لن يكفيه كتاب كامل، فالعلاقة بين العقل والكفر علاقة عكسية متنافرة، فلا الكافر يعقل ولا عقل يؤدى لكفر، والعلاقة بين العقل واللغة العربية علاقة ترابطية وطيدة، فاللغة العربية هي الوحيدة من بين كل لغات العالم التي توضح مفهوم العقل، بل هي لغة العقل، وبدونها تسقط الشهادة وهى الركن الأول من أركان الدين الحق، وبها تكون الشهادة توجه عقلي، وليست شهادة لرؤية عينية أو مرئية، وألخص ذلك الأعجاز العقلي للغة العربية بالنقاط الآتية:ـ 1ـ  يوجد باللغة العربية أصول وأوزان للكلمات ذات الأصل العربى، وكذلك معنى لغوى وتشريعي وعام، ينطبق جميعه على الكلمة وموقعها بالآيات الكريمة، مثل كلمة كَفر فمعناها اللغوي والعام والتشريعي ينطبق على كل الجان، وكلمة جَن لفلان تعنى غياب العقل لفلان، ونجد الأصل لها جِن بكسر الجيم والخالي تماماً من العقل بكل عالمه، فيكون لكل كلمة بالقرآن إعجاز غير متناهي لنظير، ويتوافق مع قواعد وأصول وأوزان اللغة العربية، ويقول تعالى بالآيات 192ـ195من سورة الشعراء (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ*بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ).. وكذلك فأنه لا معنى لكثير من صفات القلب المسلم بكل لغات العالم، كالقلب الوجل، والقلب المنيب، والقلب السليم، وذكر القلوب، ويقول تعالى بالآية2 بسورة الأنفال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)    2ـ لا توجد لغة بالعالم سوى العربية يكون بها مخاطبة العقل والفكر الإنساني من خلال الاتصال الوجداني بإحساس به قوة ورقة وانسجام وتقارب بالمعاني الإنسانية السامية، والتعبير بوضوح مطلق، لأشرف وأنبل وأعظم صفات نور، وهى صفات العقل، فنجد الإعجاز العقلي واللغوي والذهني والعلمى والزمني والوصفي والمعنوي والبلاغي، وكل أعجاز باللغة العربية لآيات الذكر الحكيم. 3 ـ من نواحي الأعجاز العقلى بالآية الكريمة117من سورة البقرة بقول الله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) نجد أنها تبدأ بثلاث أسماء وهى صفات بنفس الوقت، وتشمل كل زمان ومكان لقول الله الذي ليس كمثله شيء، ثم يليها جميع الأفعال من ماضي وحاضر ومستقبل وأمر دون خطأ لغوى، بل بأسلوب بسيط، وترنيم موسيقى متصاعد، وكأنه سيمفونية سماوية عظيمة تضطرب الوجدان الإنساني بإحساس يقين ملزم بتعقل وتميز كل ما بها لإطلاق يقيني من الحق، والصدق والإعجاز، ويقول سبحانه وتعالى بالآية 28 من سورة الزمر (قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ). 4ـ لا نجد لغة بالعالم أجمع بها توضيح للدلالات العقلية بوضوح مطلق سوى العربية، ولدرجة أنه تم ترجمة أكثر من مائة وخمسون نسخة مختلفة للقرآن للغة الإنجليزية، ولم تقترب ترجمة واحدة للمعاني الاعجازية للدلالات العقلية بالقرآن الكريم، ويقول تعالى بالآية 37 سورة الرعد (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ). 5ـ  لا يوجد لغة بشرية تناسب العقل وصفاته كما باللغة العربية، بل الكثير مما بصفات اللغة العربية تقارب صفات العقل من قوة التعبير والإقناع والوقار السلاسة والوضوح، وكل تلك الصفات من العقل، وتحكم بالعقل لمن به تلك الصفات، كما لا توجد لغة بالكون يعرفها الإنسان ويكون بها الآلفة والانسجام والبساطة للنطق ومدلول معنى كلمة عقل كما بالعربية، ويقول الله بالآية2سورة يوسف: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، ويقول تعالى بالاية3سورة الزخرف: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). 6ـ الاستخدام اللغوي لمعظم كلمات العربية عند ترجمتها للأجنبية يكون به أخطاء علمية وعقلية بكل لغات العالم، مثل كلمة التقوى لها معنى الحذر، كما أن كثير من كلمات الترجمة للعربية من الأجنبية يكون بها مغالطات لا تتوافق لما بمعناها العلمى وما به من دقة، وقوة التعبير عند ترجمتها الصحيحة، مثل كلمة (secularism) فيطلق عليها باللغة العربية عند ترجمتها (العلمانية)، وترجمة ذلك اللفظ الذي يعمل عليه الكفرة بعصر العولمة هو ترجمة بها مغالطة جسيمة، وغير صحيحة بمعناها, والمقصود به " لا دينية أو لا غيبية أو الدنيوية أو لا مقدس، ومما يبين كونها لغات لا تناسب العقل، ويقول تعالى بالآية 3 من سورة فصلت (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). 7ـ الله الواجد لكل موجود، والواجد على وزن فاعل، بينما موجود على وزن مفعول، فيكون الله تعالى الفاعل لكل مفعول، فالله تعالى ليس بموجود ولا بمخلوق وليس كمثله شيء، فهل بالعالم كله مكنون لغة بها ذلك الأعجاز والارتباط العقلي والعلمى المقنن المعجز. 8ـ ترتبط صفات الله وأسمائه وأفعاله بالمعرفة العقلية، بلا مثال وقياس وتخمين لكل ما يختص بذات الله تعالى فوهب العقل للإنسان لمعرفته عز وجل بما ليس كمثله شيء، رغم أننا لا نراه ولا نسمعه ولا نكلمه، كما أنه لا توجد لغة سوى العربية بها ذلك التجنب من النسبية والقياس والتوافق للتمييز لوجه الله تعالى، بما ليس كمثله شيء، أيضاً فكل حرف من حروف اللغة العربية يتضمنه كتاب القرآن به حكمة تصب بمعجزة الشفرة القرآنية الرقمية، بحيث من الاستحالة تغير حرف واحد بكتاب القرآن كله لمنظومة تلك الشفرة، وبما أشير له بالباب الثالث بأذن الله. 9ـ يوجد باللغة لعربية كلمات باستخدامها تشير لغير العاقل فبقول الله تعالى بالآية17سورة الفرقان(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) نجد كلمة (وما) تبين وجه العدل المطلق لله بما ليس كمثله شيء، فباليابان يعبدوا زاهد صوفي أسمه بوذا، وكفرة أمة النصارى يعبدوا عيسى عليه السلام، فجاءت كلمة وَمَا يَعْبُدُونَ لغير البشر. 10ـ شاء الخالق عز وجل أن يكون العقل أفضل وأكرم نعمة من عظيم جلاله للإنسان، فجعل الكثير من أسماء وصفات ذاته سبحانه وتعالى نور بقلوب عباده، لنجد من صفات القلب العقلانية: الرحمة، التراحم، الود، المغفرة، العدل، التوبة، الحلم، الحب، التسامح.. الخ من صفات القلوب المؤمنة، وقلوب من بلغوا درجة الإحسان، وقد جعل الله تعالى أسم كل شيء بكل الأكوان بالعربية، وعلم آدم الأسماء كلها بالعربية، فنجد الصفة والاسم والعلة يتفق مع أصل الكلمة، فسماء وسمو وتسامى أصلها سما، من الرفعة والعلو. وكلمة الدنيا ودنيء ودنو ودينونة وأدنى أصلها دنا من انخفاض وقرب، وقد شاء الله تعالى أن يضم قوله كل موجود بالدنيا حتى يوم الدين، فكل زمن مر وجدنا به كشوف من موجودات وعلوم نافعة قد ذكرها القرآن الكريم بتقنية علمية مثيرة، مثل الوزن الذرى، وعلوم الفيروس والعلوم الكونية بأعجاز قرآنى جليل، وبما سأوضحه بالباب الثالث بأذن الله. 11ـ تم ترجمة أكثر من مائة وخمسون نسخة للقرآن الكريم للغة الإنجليزية وحدها، ولم تستوفى ترجمة وحيدة منها إيضاح مفهوم صفات القلب النورانية العقلية، مثل صفة القلب الوجل أو وجل القلوب، فبقول الله تعالى بالآية 60 من سورة المؤمنون: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) وكانت أحدث ترجمة هي: 60(And those who give what they give while their hearts are full of fear that to their Lord they will return. بينما لفظ وجلت قلوبهم بالآية 35من سورة الأنفال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وكانت الترجمة كالأتي: ـ (35)Whose hearts are filled with awe when the name of ALLAH is mentioned, and who patiently endure whatever befalls them, and who observe Prayer and spend out of what WE have Bestowed Upon them .        12ـإضافة حرفالواوباللغة العربيةيكونبه تغير المعنى والمفهوم، فإذا قلت حضر طه والأكبر منه،تختلف بالمعنى والمفهوم عن حضر طهالأكبر منه، فواو العطف بالعربية ليس للإضافة فقطكما هو بكل بلغات العالم، وبسبق حرف الواو للاسم يكون قسم بذلك الاسم، ولذلك فلا يسبق حرف الواو آي أسم سوى للفظ الجلال الله وأسمائه الحسنى، وألا يدخل القاسم بغير الله بدائرة الشرك. 13ـ العلامات المختلفة كالفتح والضم والتنوين وقطع ووصل وترنيم وإدغام..الخ، يدل بتفخيم وإعجاز أو إهمال أو للوقف والتحذير والعظة بمحاكاة للعقل ويقول الله بالآية7سورة الشورى(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) ويقول الله بالاية103سورة النحل:(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)وبالاية44سورة فصلت(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ). 14ـ عند تفسير البناء الكونى وأبعاده، لا يمكن الاستيعاب العقلي والذهنى لكل الأبعاد الكونية ومستويات بناء الكون إلا بربطها باللغة العربية، كالبعد الوترى الموحد للأبعاد الأربعة الأساسية ببعد مفرد،  والبعد الطبقى، وبما أبينه بالباب الثالث بأذن الله.   الوجه الثانى: الفكر والعقل بكتاب القرآن أخبر الله تعالى بكتاب القرآن عن الفكر والعقل بحقهم المطلق، بتقدير رباني جليل لخالق مهيمن عظيم، أبين الكثير منه فيما يلي: المسألة الأولى: الفكر غريزة  الغريزة كلمة مستحدثة على العربية وهى بلغة العقل مقصود بها الفطرة المسلمة لله  بكل مخلوق، حيث ما من مخلوق إلا ويخضع بما خلق منه بسلمه لله تعالى، ويختلف الفكر عن كل الجوارح كغريزة بأنه لا يتمثل بمادة، وأن أميز الكائنات فكرا هى شياطين الجان، ويقول تعالى: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ويتبين من الآية الكريمة أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قال للكفار أنه توجه لوجه الله حنيفاً بما فطر عليه السماوات والأرض، ويقول تعالى بالآية30من سورة الروم:  (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).  و جاء معنى الفطرة عند أجماع علماء الإسلام أنها الإسلام، أما الفكر بالإنسان فهو ينشأ مثل كل الجوارح كالنظر والتذوق نتيجة سيطرة مخية باندفاع كميات زائدة للدم بها نسبة عالية من السكريات للمخ، فتحترق منتجة طاقة تعمل على حث إفراز هرمون سمى كورنيكوإسترويدز، المتسبب الأول بعمليات التفكير والإبداع بالإنسان والحيوان، ولأن المعرفة هي طرح للفكر بالمخلوقات الراقية كوجه من أوجه معرفة الخالق سبحانه وتعالى، لذلك فالفكر المجرد غريزة، وكمثل باقي الجوارح بالمخلوقات الراقية الدابة على الأرض، وأعظم رتب الترقى من بين دواب الأرض تكون لمن له عقل، نعمة الله بفضل وكرم من ذات جلاله على الإنسان، مع حرية استخدامه للتميز بين كل حق وباطله، وجعل الله تعالى كل المخلوقات مسخرة للإنسان وبخدمته بفطرة سالمة مسلمة بالله تعالى.  ويكون التوجه الغريزى نتيجة تأثير ناتج بفعل مادة عضوية أو هرمونية أو عضلية أو عصبية تحت سيطرة المخ الذي يقع غالبا برأس الكائن الحي والمتحرك، أو داخل التكوين الناموس الرباني الذي جعل الله تعالى عليه الموجود بما قدره الله عز وجل، ومنه الفكر الذي به كل مخلوق يعرف الله تعالى، ومن هنا يمكننا الدخول لمعرفة الغريزة وكيف تعمل بكل الكائنات، فأدم وحواء قبل أن ينصتا لوسوسة الشيطان ويتبعا دلالته كناصح لهما بمعصية أمر الله لهما، كان نور عقل قلوبهما يخفى بالجسد وجود الغريزة، فقبل معصيتهما كان يغطى سوأتهما هالات نور، وكان الطعام به متعة التذوق بلا هضم وإخراج، وذلك من قوله تعالى بالآيات (20-22) من سورة الأعراف  بقوله تعالى: ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ)، ومما يتبين منه أن الفكر النارى المتقد، والشهوة الجنسية البهيمية، يتعارضا مع العقل ونوره، وكان فضل ورحمة من الله أن يكون النكاح علاقة عقلية وحيدة بين الأزواج من البشر الخاضعة لصفات العقل من السكينة والود والحب والتراحم مباشرة بلا أدنى خلط فكرى أو شهوة غريزية، لتكتمل باقي صفات العقل كلها بترابط مع الأفكار والغرائز بذلك الزواج عند البشر ولكن بلا انفكاك بكونه توجه لعلاقة خاضعة مباشرة للعقل الإنساني، فكل توجه ناشئ عن فعل غريزي  بالمخلوق كالسباحة بفلك مهيب، مثل الذرة وكل جماد والشمس والقمر ..الخ من موجدات ربانية، كذلك كل فعل من سيطرة المخ بالكائنات الراقية والحية والمتحركة، يكونوا عمل غريزي يسبح لله بما لا يفقهه الإنسان، كالإحساس والحركة والتكلم والشم والتعبير والخوف والطعام والجوع والشبع والنظر والأمومة..الخ لغرائز سالمة مسلمة لله بالإنسان، وتسبح باسمه بما لا نفقهه، وكعمل القلب والحجاب الحاجز والمعدة، فما من موجود ربانى إلا ويسبح لذات جلاله، وينحصر بثلاث من الموجدات الربانية هي: 1ـ موجدات تختص بذات الله بما ليس كمثله شيئ، كصفات الله وأسمائه وقوله وأرادته ومشيئته، وأمره للروح، وخلقه للنفس. 2ـ موجدات مادية وهى إما تتمثل بالذرة كأصغر وحدة بناء مادى للجماد بالكون، وكل ذرة تدور بفلك لها مسبحة لله، أما أحدى مكونات الذرة الناشئة عن تفتيتها أو انفجارها فهو من صنع الإنسان، وهو ليس بمادة، كما الفيروس الأصغر من الذرة والشحنة المكونة للذرة، وبما سأوافيه بسياق كتابى، وإما تتمثل بالخلية النباتية أو الحيوانية أو البشرية، وعند إصباغها باستنساخ والتدخل الوراثي لتغير صبغة الله الحسنة يكون صناعة الإنسان، بينما بأعلى رتب ترقى المخلوقات تكون الخلية الآدمية اصغر بناء مادى. 3ـ موجدات معنوية ونوريه ونارية: وهى لا تتمثل ببناء مادى وكلها تسبح الله، سوى موجود الفجور لمعنى وفعل يكون من نفس الإنسان والشيطان، بينما من موجودات النور صفات العقل النورانية بقلب الإنسان والملائكة، ومن النار كل عالم الجان الكافر بشطريه المسلم والقاسط، فكل توجه إنسانى به شر أو ضرر أو معصية يكون من النفس لبهيمية أو شيطانية، فلنفس كل إنسان مطلق حريتها لفجور بفكر شيطانى أوشهوة بهيمية فيضلها الله، أو تتوجه بتقوى الله لما بها من كرامة وفضل العقل فيهديها الله، حيث توجه كل مخلوقات الله بالأرض غريزى فقط، فإدراك الحيوان يرجع لمعرفة غريزية من خلال الجوارح، كالرائحة وقدرة الشم والتذوق، إضافة لدوافع وظواهر غريزية ناجمة عن تلك الغرائز، كالتلون والفرار والقنص والوثب، بينما يتميز عالم الجان كله بمغالبة فكره عن كل جوارحه، والجمادات بفطرة سالمة مسلمة لله ومسخرة بطواعية لخدمة كل إنسان باستخدام عقله وغرائزه.  فداخل نواة كل إنسان وبخلاياه سواء كان تلك الخلايا جسدية أم جنسية تناسلية ما هو أصغر من الخلية لبنائه، كالشفرة الوراثية والجينات المحددة بصبغة حسنة أصبغها الله عليها، ولا لمخلوق إضفاء تحسين عليها أو يستنسخها، وتلك الصبغة بكل ما يتصل بأدائها المقدر من الله تعالى ليس بها أدنى ضرر إلا بامتناع كلى بعملها أو استخدامها بإسراف يفوق مقدرتها، أو إضفاء إصباغ دخيل عليها بسموم أو فيروس، وبما سأوافيه بأذن الله بالباب الثالث، ويقول تعالى بالآية138سورة البقرة (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)، فمنظومة العمل الغريزي بصبغة الله تكون مسلمة سالمة لله بما قدره لها، ولا تخضع لعقل سوى بالإنسان، بينما بالحيوان فتتم من خلال سيطرة مخية لتوجهاته، فمثلا برؤية الفأر لقط ، تعمل غدة الفأر النخامية لتوجيه أشارة للغدة فوق كلوية لإفراز هرمون الأدرنالين المسبب للخوف والجبن، وبنفس الوقت توجه تلك الغدة بالقط إشارات للغدة فوق كلوية بإفراز هرون النور أدرنالين، المسبب للشجاعة والأقدام فيهرب الفأر ويفر بسرعة محاولا الاختفاء عن عين القط .  ومن جهة أخرى يكتسب القط سرعة ومهارة أعلى، لافتراس ذلك الجبان واقتناصه، وكلا الفكريين يخلوا كليا من العقل، فلا مراعاة لحق كما الإنسان، ولا خوف من الله ولا قناعة ولا نظافة ولا تراحم، بل قتل للشبع، وخوف للهرب، فتلك الفطرة الغريزية المسيطرة لتوجهات الحيوان لا تخضع لعقل يميز أى حق، فتضل بتوجه مضاد لتلك لفطرة السالمة المسلمة لله به، بينما صفة الخوف من الله بالمسلم يحدث تحكم عقلي منها بالقلب على المخ، فترسل الغدة النخامية أشارة للغدة فوق كلوية بإفراز هرمون النور أدرنالين المسبب للشجاعة. وتلك الطواعية للسلم لله موجودة بكل مخلوق، فكان الأمر الآلهى للسماء والأرض بعد خلقهما باختيار الاستجابة لذات جلاله سالمين لكريم وجهه فقالتا أتينا طائعين ويقول تعالى بالآية11من سورة فصلت ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ويقول تعالى بالآية84من سورة آل عمران (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) ويقول تعالى بالآية15من سورة الرعد(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ) ويقول تعالى بالآية41من سورة النور: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)، وقد يسأل قارئ كيف يترك الحيوان فطرته السالمة المسلمة لله تعالى ليتوحش ويفترس؟ فأجيب وكيف بهمل كفرة اليهود والنصارى عقولهم، ويتلاواطوا ويشركون ويقتلون، ثم يدعوا أنهم موحدين بالله، وكيف يسلم لجلال الله شطري عالم الجان رغم كفر كل عالمه بمعصية التكبر والغرور؟ وكيف لا يشرك الشياطين بالله الحق رغم لعنتهم وكفرهم؟ فرغم عقيدة الكفر بالكافر وعمل الكفر بالمسلم المنافق والمشرك، يعمل القلب والمعدة والحجاب الحاجز بهم، وبكل حيوان بتلك الفطرة المسلمة لله بمنظومة غريزية نموذجية لتنفس وتغذية ودورة دم، دون أي سيطرة من حاملهم.  بينما بتوجهات الجان والحيوان الغريزية بمعيشتهم نجد ضلال الغريزة بكل جوارحهم، فعند تناولهم لطعامهم مثلاً، لا نجد قناعة ولا حشمة ولا عفاف ولا سماح ولا نظافة ولا أمانة ولا حقوق، ولا كل صفات العقل لأنهم بلا عقل، أيضاً لا نجد مقارنة وتناسب وقياس وتحديد لزمان ومكان وحقوق ومعاملات مادية وأخلاقية حسنة، وذو القربى وصلة الرحم والجار، والوسطية بكل الأمور، فكلها مكتسبات عقلانية يكتسبها المسلم بحمل أمانة الرب سبحانه وتعالى من تكاليف السلم لذات جلاله، والمقرنة بوجود العقل. ومن الفطرة المسلمة السالمة لله بالحيوان تكون ظاهرة الإشتاء التي تحدث بكثير من أنواع الحشرات والحيوانات، تعمل أجهزة القلب والمعدة والحجاب الحاجز، بنموذج لا يمكن تنفيذه وتحقيقه بأي مخلوق وهى ما يعرف بالبيات الشتوي، حيث تعمل تلك الأجهزة الثلاث بتقدير ربانى مقنن لما يبقى ذلك الحيوان فترة زمنية كبيرة، بحالة سكون كامل خلال الظروف البيئية الغير مناسبة لنواحى الغذاء ودرجات الحرارة..الخ، وخارج تلك الفطرة، تكمن كل حياة الحيوان بغرائزه فقط،  كالشهوة والطعام والافتراس وهروب..الخ، أما بالإنسان فيخضع غرائزه لسيطرة العقل، حتى غرائز البقاء والجنس تخضع بالمسلم للعقل، فيستكن الأزواج لبعضهما ويستظلان بالسكينة، لما بينهم من مودة ورحمة جعلها الله بينهم، بجانب معرفتهم الفطرية السالمة المسلمة لله.  فكل مخلوق قد جعله الخالق يعرفه، ويسبح بحمده، ويقول الله سبحانه وتعالى بالآية 44سورة الإسراء (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا).، وقد أوضح الله بالقرآن أطاعه النار لأمره بأن تكون بردا وسلاما على سيدنا إبراهيم وذلك يدل على أن النار تعرف خالقها بما لا نفقهه ويقول تعالى بالآية69 لسورة الأنبياء (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) ويقول تعالى بالآية44من سورة هود (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ويقول تعالى بالآية22من سورة النمل (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) ويقول تعالى بالآية18 سورة النمل (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) والإنسان لا يفقه كيف استجابت النار لخالقها، ولا غيض الماء بأمر الرب العظيم، ولا نعرف كيف علم طير الهدهد بنبأ اليقين أو معرفة نملة لسيدنا سليمان وجنوده، ولكننا نعقل كل ذلك لأنه قول الله سبحانه وتعالى الخالق القادر المصور، فنسلم لعظيم وجهه بعقولنا، كما يسلم كل مخلوقاته بعظيم جلاله بما لا نفقهه، ولكننا نعقل سلم كل المخلوقات لخالقها الواحد الأحد، فقدرة الله ليس كمثلها شيء.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق