]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سيول الإحتباس (قصة قصيرة)

بواسطة: عبد الله ولد محمد آلويمين | abdallahi mohamed alweimin  |  بتاريخ: 2011-09-14 ، الوقت: 23:24:39
  • تقييم المقالة:

كل يوم تجلس علي الهضبة الجبلية المرتفعة ، تتنفس عبير الأزهار الغارقة تحت المياه المنتشرة في أرجاء السفح ، تتذكر سنوات الماضي ، تجتاحها ذكريات الحب والعشق وأصوات المصانع العسكرية ومصانع إعادة التكرير ، تلتفت يمينها وتلقي نظرة علي البخار المتصاعد من مدخنة الخباز العربي ، ينتابها شعور الأسي علي ماضيها وحاضرها ، فتنساب دموعها كجداول دجلة والفرات ، تتمشي علي حافة الهضبة الجبلية مستحضرتا قول جبران "ليس الواقع إلا لأمس نصنعه بأيدينا ، وليس اليوم إلا المستقبل يلاعبنا لعبة الغميضة ". 

أجراس تنخر ذهنها وندم يجتاح ضميرها لأنها لم تسمع أصوات في الماضي تظاهرت واعتصمت أمام بيتها محذرة من خطر وشيك وقيامة لا تستثني أحد، أعاصير إن بدأت تهيج لا تفرق بين البيت والشجر ، ولا بين الزهرة وعنقود العنب. 
في طريقها وهي تتمشي تصادف شخصا رمقته بنظرات حقد وغضب وبصقت علي الأرض في وجهه ، أمسك ذراعها الخشنة متأملا أقدامها الحافية مبتسما ابتسامة ازدراء قائلا: 
أنت أيضا مسؤولة يا توتو، أنت أيضا كنت تملكين المصانع ولم تتنازلي ، حاربت المناهضين ورشوت الحكومات فلا تتقمصي رداء الملاك. 
تنزع معصمها من قبضته بسرعة وتخطو خطوات ، تشيح بنظرها في ناحية أخري حيث سيدة يتجمع حولها أطفال فتتقدم نحوهم والعشب يغرقها حتى ركبتيها ، تدنو وتجلس ، تستمع إلي السيدة الهرمة بنت السبعين بيدها ألبوم صور ، عمارات زجاجية شاهقة ، حدائق خضراء زاهية ، ملاعب ومستشفيات ، كلها ذكريات طمرتها السيول الجارفة لم تترك لنا شيء بسألها أحد الصبية: 
- كيف اجتاحت السيول العالم؟ كيف ولدنا هنا؟ 
ترفع السيدة رأسها وترمق توتو بنظرات عتاب 
- لم تجرفنا السيول ولم يذب الجليد من تلقاء نفسه يا بني بل انتحر العالم 
- انتحر! كيف؟ 
- قديما كان نحو الأرض غلاف يحميها من أشعة الشمس الحارقة والغازات السامة، وكنا نعيش علي الأرض حيث التربة وأريج الورد ، والثلج أيام الشتاء ، والشمس وفسيفساء الحقول الوردية زمن الربيع نقطف منها ونهدي الحبيب، نتمتع بفناجين القهوة في الصباح الصافي ، 
يقاطعها الصبيان وماذا حدث؟ 
- انتشرت مصانع عملاقة تصنع السلاح والتقنيات الحديثة 
- السيوف والفؤوس 
- لا لا أسلحة مهلكة مدمرة إن سقطت علي أرض مات الحيوان والإنسان ومرضت الأرض ، هذه المصانع كان ينبعث منها الكثير من الدخان والمواد السامة خلقت فتحة في السماء تسربت منها سموم الشمس ، فبدأت الجبال الجليدية تذوب وكلما ذابت زاد منسوب البحار ، وفي ليلة بدأت تثور للانتقام منا فأغرقت قارات كاملة ، ودمرت الأمم وما بنت خلال قرون ولم يبقي إلا القليل من الناس فلم يعد هناك أي سيئ يدل علي الحضارة أو الإنجاز البشري ، ومع مرور السنوات شرعت الأقمار الصناعية والمحطات الفضائية تتساقط علي الأرض . 
- وكيف وصلتم هنا ؟ 
- بعض الحكومات أخذت التحذيرات علي محمل الجد فبنت هذه الملاجئ الحصينة ، لكن المفارقة أن من لم يكن له ضلع في كل هذا أكتوي بنار السيول حتى أوشك علي الانعدام . يشير أحد الصبيان بسبابته إلي صورة دراجة ويسأل ما هذه ؟ 
- هذه.. هذه هي التي يعمل الرجال في اعلي الهضبة علي صناعتها منذ شهور. 
- يمكن أن تحل محل العربات والحمير ؟ 
- أجل 
تقف توتو لا تكاد تنتصب من الحسرة توشك أن تتداعي إلي الخلف ، تردد في صوت خافت : 
لو اتفقنا في كوبنهاجن لكان عندي الآن ماكياجي ولكنت أشرب الشاي في بيتي ، وأشم رائحة الأزهار ، لكنت أراقب وقت فيلم السهرة في ساعتي الرولكس . 
لو اتفقنا في كوبنهاجن لكنت ارتدي حذائي ولما كنت مرغمة علي معاشرة الرجال رغما عني للتكاثر البشري ، ولما كنت أعيش علي الخبز العربي والزيت الحافي .


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق