]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قمرية الخضراء – من هي؟

بواسطة: نزار سرطاوي  |  بتاريخ: 2011-09-14 ، الوقت: 14:43:38
  • تقييم المقالة:

قمرية الخضراء – من هي؟

 

(تعقيباً على مقالة الدكتور محمد البدوي "زبيدة بشير شاعرة خالدة... كيف ننساها؟")

 

بقلم: نزار سرطاوي – الأردن

 

لو أنك قمت قبل شهر بالبحث عن "قمرية الخضراء" (هكذا بين مزدوجين) في محرك جوجل لقدم إليك جوجل ما يقارب الـ 200 إدخال، تؤكد جميعها أن هذا هو عنوان قصيدة نثر لنزار سرطاوي، كاتب هذه السطور. وأن قمرية الخضراء هي الشاعرة التونسية هدى الحاجي، التي صدرت لها مؤخراً مجموعة شعرية بعنوان "أبنوس الغياب". 

 

لكنك لو تعيد البحث الآن عن نفس المادة فسوف يقدم لك السيد جوجل إدخالاً جديداً يخبرك أن "قمرية الخضراء" عنوان لقصيدة مطوّلة للراحلة زبيدة البشير، الشاعرة التونسية الكبيرة التي انتقلت إلى جوار ربها في الثالث والعشرين من آب/ أغسطس المنصرم. وفي التفاصيل تجد مقالة للدكتور محمّد البـدوي رئيس اتحاد الكتّاب التونسيين منشورة في الصحيفة اليومية التونسية "الصحافة" تحت عنوان "زبيدة بشير شاعرة خالدة... كيف ننساها؟" المقالة موجودة على الرابط التالي: http://www.essahafa.info.tn/index.php?id=59&tx_ttnews%5Btt_news%5D=20594&tx_ttnews%5BbackPid%5D=5&cHash=86e43745a5.

 

قصتي مع قمرية الخضراء بدأت قبل عام تقريباُ. فقد تعرفت إلى هدى الحاجي من خلال الفيسبوك، وقرأت لها بعض قصائد النثر. ورغم أنني من شعراء قصيدة التفعيلة، وأحياناً أكتب الشعر العمودي، فقد شدتني نصوصها بحضورها الوجداني اللافت وصورها الحسية المدهشة وحراكها الدرامي الدافق وبانوراميتها الممتدة عبر التاريخ والجغرافية. ولشدة إعجابي بما قرأت ترجمت لها ثلاث قصائد إلى اللغة الإنجليزية. وقد ظهرت الترجمات في الصفحات الأخيرة من"الأبنوس" إلى جانب ترجمات أخرى.

 

واحدة من تلك القصائد الثلاث، بعنوان "حين غمست ولّادة قدميها في لازورد نافورة قصر الحمراء" (http://salqincity.wordpress.com/2010/05/) جعلت عينيّ تدمعان وإثر قراءتها كتبت قصيدتي النثرية "قمرية الخضراء" وأهديتها إلى هدى. ثمّ ترجمتها بنفسي إلى الانجليزية ونشرتها للمرة الأولى على الفيسبوك بتاريخ 27 أيلول/ سبتمبر، 2010 (htp://www.facebook.com/note.php?note_id=286518704949) كما نشرتها على صفحات موقع فوبيا في 3 تشرين الأول 2010 (http://www.fobyaa.com/?p=6918) وفي مواقع وصحف ومجلات إلكترونية غيرها.

 

المقطع الأول من "القمرية" يجري هكذا:

 

 

 

أيتها الساحرة

 

يا سيدة مروج السنابل الذهبية

 

وحقول الزيتون الداكن

 

على سـفوح اطلـس

 

كيف تدهشين بِطانة الـسـماء اللازوردية

 

بألق الأرض

 

حين يتحول عشبها المترهل

 

تحت لهب الشمس

 

بين أناملك الصغيرة

 

الى جدائلَ

 

من أقواسِ قزح

 

وقلائدَ من زمرد وياقوت وجمان

 

 

 

ثم يأتي في المقطع الثاني اسم، أو لقب "قمرية الخضراء". والإشارة هنا إلى هدى الحاجي:

 

  

 

آه يا قُمْرية الخضراء

 

أرى الحروف تترقرق عبر أوردتَك

 

جدوالَ هامسةً

 

من رضابِ العشق

 

تنسكب في بحركِ الكبير

 

ذلك الجبّار الذي أمواجه

 

تفور في أعماقك

 

ورذاذه المضمخ بالمسك

 

يصعد مع أنفاسـك

 

ليطفئ ظمأ الورود.

 

  

هذه ببساطة هي حكايتي مع قمرية الخضراء. فما هي حكاية الشاعرة الراحلة زبيدة البشير معها؟

 

ليس بين يدي سوى رواية الدكتور البدوي كما وردت مقالته التي طالعتها منذ يومين في "الصحافة" الغرّاء. وقد جاءت المقالة تعبيراً عن الوفاء للشاعرة الكبيرة. وهو وفاء يستحق عليه الثناء. يقول د. البدوي حرفياً:

 

 

وقبل ثلاثة أشهر فاجأني الشاعر نور الدين صمود بهاتف مضمونه أن زبيدة بشير ترغب في المشاركة في «ديوان الثورة « الذي يعتزم اتحاد الكتاب التونسيين إصداره ، وقد قرأت خبره في الصحف، وسرّني الأمر وخصوصا أمر مشاركتها في الكتاب.

 

 

 

ويضيف أن الشاعرة حدثته عن قصيدة جديدة  لها بعنوان "كيف أنساها" وأنها "حرصتْ على أن تكون  حاضرة  في هذا الكتاب الجماعي".  كما يؤكد أنه قد تم تسجيل القصيدة بصوتها في "إذاعة المنستير"، وأنها قدمّت جزءاً من القصيدة في مساء ذلك اليوم في «دنيا الكتاب». وفي اليوم التالي وصلته في مقرّ اتحاد الكتاب "نسخة من القصيدة بخط يدها مع قرص يحتوي تسجيلا لقصيدة مطوّلة «قمرية الخضراء»".

بعد هذا يقتطف د. البدوي أبياتاً ستة من قصيدتها:


قفوا لتونــس ... إنّ الفـجـر لبّاهــا 
فأشرقت شمسها والمجد جاباها
وكنــت أعلــم أنّ اليــوم مـرتـقَـب ٌ 
إذ يمّمتْ فيه مجـراها ومرســـاهـا

شكرا لتونسَ... لا خوفا ولا طمــعا

بل دولة الحبّ فينا قد أقـمنــــاهــا  
من «الحنين»  إلى «الآلاء» رحلتنا
ما انتابها الضعفُ أو قلّـت عـطـاياها  
أنا هدى الشعر والخضـراءُ مُلهمتي

حسبي إذا صغتُ بعضا من سجاياها  
عادت لقُمـريـة الخـضـراء عـزّتُـها 
إذا ما صدى الشدوِ في الخضراء إلاّها   

 

إلى هنا ينتهى ما يخص "قمرية الخضراء" من مقالة د. البدوي.

 

إذا ما تفحصنا الأبيات الستة الرائعة للشاعرة الراحلة في سياق ما ذكره د. بدوي فسنجد أننا أمام أكثر من سؤال. فقد أتى د. بدوي في مقالته على ذكر قصيدتين: الأولى هي "كيف أنساها" والثانية هي مطولة "قمرية الخضراء". وقد ورد لقب "قمرية الخضراء" في البيت السادس، مما يوحي بأن الأبيات الستة مجتزأة منها. ومع أن عبارة "كيف أنساها" لم ترد في الأبيات الستة، فإن هنالك احتمالاً بأن تكون قد وردت في مكان آخر من القصيدة، خصوصاً أنها تنسجم مع قافية الأبيات الستة ومع البحر الشعري الذي نُظمت عليه – بحر البسيط. فهل القصديتان هما في واقع الأمر قصيدة واحدة؟

 

ما يؤكد قولي هو ما ذكره الأستاذ احمد العموري في مقالة له في صحيفة "الشروق" التونسية تحت عنوان "في رثاء زبيدة بشير". (http://www.alchourouk.com/Ar/print.php?code=506790)

 العموري يشير في مقالته إلى قصيدة "كيف أنساها" على أنها آخر عمل للشاعرة. وينوه إلى أن القصيدة كانت "تحية منها لثورة 14 جانفي ثورة العزّة والحرية والكرامة". ثم يذكر أن مطلعها (أو طالعها) هو:


قفوا لتونس إن الفجر لبّاها
فأشرقت شمسها والمجد وافاها

 

إذن هو نفس البيت الأول من الأبيات الستة التي أوردها د. البدوي، باستثناء الكلمة الأخيرة "وافاها"، التي جاءت "جاباها" في مقالة د. البدوي، سهواً على الأغلب. وهذا يرجّح القول بأن الحديث يدور حول قصيدة واحدة لا قصيدتين.

 

ثم إن الشاعرة تقول في البيت الخامس: "أنا هدى الشعر"، فماذا تعني بهذه العبارة التي تحمل الاسم الأول للشاعرة هدى الحاجي؟ هل تشير فقيدة الشعر والأدب إلى نفسها أم إلى الشاعرة هدى؟ أم أنها عبارة عادية لا تحمل أي مدلول خاص؟

 

السؤال الآخر هو: هل اطلعت الشاعرة زبيدة على قصيدة "قمرية الخضراء" الأصلية قبل وفاتها؟ وإذا كان ذلك قد حدث حقاً، فهل انتقل مسمّى "قمرية الخضراء" إلى منطقة اللاوعي عندها، ثم استدعته ذاكرتها لاحقاً بصورة عفوية؟ أم لعلها رأت أن الاسم وارد في قصيدة نثر، وربما لم تكن تعترف بقصيدة النثر، فلم تجد حرجاً من استعارته؟ هذه مجرد اسئلة ترتبط زمنياً بالأسابيع الأخيرة من حياة الشاعرة. وقد تلاحقت الأحداث في تلك الفترة، كما نلاحظ من مقالة د. البدوي، وانتهت فجأة بوفاتها. ولعل الإجابة عن هذه الأسئلة تكمن، ولو بصورة جزئية، في النص الكامل للقصيدة (أو القصيدتين، لو كانتا كذلك).

 

لن يضيف لقب "قمرية الخضراء" شيئاً إلى الشاعرة هدى. ما يضيف لها حقاً هو أعمالها الأدبية بما تطرح من قيم جمالية وفكرية وإنسانية. والمقياس نفسه ينطبق على الشاعرة الراحلة زبيدة، التي هي شاعرة معروفة، تحتل مكانة أدبية راسخة. وقد "قدّمت الكثير لتونس وللأدب العربي"، كما يؤكد د. البدوي. فلن يرفع من شأنها عنوان قصيدة ولن ينقص من قدرها عدم نسبته إليها.

 

رغم كل ذلك، لا بد أن نتفق على ضرورة التزام الأديب بالمسؤولية الأدبية. وهذه المسؤولية تحتم عليه أن يتوخى الصدق فيما يكتب. كما لا بد أن نتفق على أن عدم الالتزام بهذه المسؤولية يلاحق الأديب في حياته وبعد مماته، مهما علا شأنه. 

 

 حين أصدرت هدى الحاجي ديوانها "أبنوس الغياب"، أكرمتني بإهدائي نسخة منه أرسلتها إليّ بالبريد. ولفرط سروري، وجدتني أكتب عن الديوان مقالة وصفها الأديب والناقد الجزائري خالد الصلعي بالانطباعية. وكان مصيباً في وصفه. فلم أكن أقصد أن أكتب دراسة نقدية عن الديوان، بل أن أسجل انطباعاتي الأولية عن القصائد التي ضمتها دفتاه. وقد تمّ نشر المقالة في أواخر أيار / مايو المنصرم، تحت عنوان: "هدى الحاجي وأبنوس الغياب" (http://www.alnoor.se/article.asp?id=115948). اليوم أجد بي رغبةً عارمة لأن أعود إلى تلك المقالة لأستعير بضع كلمات من فقرة الختام التي وجهتُها إلى الشاعرة التونسية العربية الشامخة هدى الحاجي: "نعم أنت الشاعرة، أنت قمرية الخضراء. لك كل هذه السماء وهذا الغناء وهذا البهاء."

 

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق