]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الموريتانيون وازدواجية المعيير

بواسطة: Cheikh Mahjaub  |  بتاريخ: 2013-03-08 ، الوقت: 18:54:32
  • تقييم المقالة:

 

     عندما نتحدث عن القيم الاجتماعية فإننا نكون أمام مفاهيم لا تحد بحدود ؛ لأنها وبكل بساطة ليست إلا جملة من القوانين الثقافية المشكلة للمنظومة القيمية الكلية والتي تختلف باختلاف الحضارات والمجتمعات ، حتى أنها لتختلف عند المجتمع الواحد بفعل عوامل داخلية وخارجية ظرفية وتاريخية عبر امتداد الزمان وتموقع المكان ؛ وهو ما يجعلها مفاهيم معنوية لا يمكن التعامل معها إلا من خلال تجسداتها الواقعية.

    إن المنظومة القيمية لا تخرج في إطارها العام عن النسق الديني إذ أنه هو الروح الدافعة للممارسة الفعلية للتفاعل الاجتماعي ، ومع ذلك فإن الموروث الثقافي والخبرة المكتسبة والتي نسميهما العادة لهما إسهام كبير في صياغة هذا التفاعل الذي من خلاله تتم عملية بناء المنظومة القيمية لأي مجتمع . وهو ما نلمسه بوضوح في المجتمع الموريتاني باعتباره المثال النموذجي لما ذهبنا إليه.

    إن المجتمع الموريتاني مجتمع إسلامي ولا غرابة أن تكون منظومته القيمية مستمدة من دينه وعقيدته؛غير أنه من الملفت للنظر الحضور البارز لدور العادة في تشكيل منظومته القيمية ، خصوصا إذا ما تأكد لنا أن هذه العادة تعود بجذورها إلى حقب مختلفة من تاريخ هذه الأرض والحضارات التي قامت عليها منذ فجر التاريخ ، إننا ونحن نحاول رسم خارطة تبين خطوط التماس بين قيم هذا المجتمع الإسلامية وعاداته المورثة قديما والمكتسبة حديثا- والتي تشكل المنظار المزدوج الذي من خلاله ينظر المجتمع إلى العالم – لنقف مشدوهين أمام الحقيقة المذهلة المتمثلة في الالتباس الكبيرالحاصل بين المنظومتين لتشكلان في الذهنية الاجتماعية مبادئ متناسقة من هذا الثنائي المتناقض وذلك جراء ما يمكن تسميته بعوامل التعرية والنزوح الأخلاقي المتمثلة في الإسقاط ؛ والإضافة ؛ والتحريف ؛ والإهمال ؛ والخلط بين الأمور.

     لقداعتادت الذائقة الاجتماعية على ازدواجية المعايير بفعلتأثير تيارات النسق الأخلاقي للمجتمع حتى أصبح لكل ظرف مبادئه في التصرف الاجتماعي. وإذا ما ذهبنا إلى ما هو أثبت نسبيا كطبيعة العلاقات الاجتماعية داخل أي خلية اجتماعية أوعلى مستوى الكيان الاجتماعي ككل وماهية العقلية التي تحكم وتسير هذه العلاقة نكون أمام هاتان المنظومتان وبأيهما أخذنا فقد أصبنا السنة ولكن العادة أولا لأنها مشهور المذهب ومن خرج عليها يناله العقاب المادي أو المعنوي المهين ، هذا ما يخبرنا به الواقع وتشف عنه الحياة اليومية دون أن نحتاج إلي مناهج البحث العلمي وأدوات الدراسة ؛ فيتحدث الواقع عن خلط واهتزاز وانحطاط في المنظومة الأخلاقية لتشف الحياة اليومية عن سلسلة من الواقايع التي يإن المجتمع تحت وطأتها لأن سلاحا سحريا اسمه الضبط الاجتماعي لا يزال يحكم قبضته على مراكز تفكير البشر.

      ومع ضرورة وأهمية تغيير أساليب العمل والتفكير كبوابة إلى تغيير الواقع ومع ما يبذله المصلحون من جهود في هذا المجال إلا أنه من الملاحظ أن الأمر لا يزال مستعصيا إن لم نقل باستحالة التغيير ، وهذا ما يعكسه مدى تشبث المصلحين أنفسهم بأبسط تفاصيل إملاءات الواقع المزمعين على تغييره وهو ما يعني أن الرقيب الاجتماعي لم يسمح لهم بما فوق التنديد ولأن مجرد الاعتراض على القوانين الاجتماعية مجازفة قد لا ينجو من خاطر بارتكابها . أما المجتمع فهو طاقة أقرب إلى تأزيم الوضع منه إلى المشاركة في حله.

     وإذا علمنا أنه من الضروري العودة إلى الأصول والمبادئ الكلية لقيم المجتمع والمستمدة من الدين الإسلامي واستحضرنا في نفس الوقت القاعدة الفقهية المشهورة "العادة كالشرع ما لم تخالف الشرع" فإن هذا يعني بالضرورة التخلص من أي عادة لا تخضع لهذه الأصول والمبادئ الكلية . ولكن كيف وبأي وسيلة يمكن استلال هذه الخيوط المتشابكة في صميم المنظومة القيمية للمجتمع ما دمنا ندرك مدى التماهي بين المنظومتين ؟ ومن هو المؤهل لخوض هذه المعركة الحاسمة ؟

      إن وجود ثغرة كبيرة داخل وسائل الضبط الاجتماعي تتمثل في أنها مجرد عقلية يعتقد من خلالها المجتمع أنه من الضروري التمسك بسلوك معين وما يعتري السلوك البشري من تبدل في المواقف كل هذا يجعل من السهل اختراق أقوي تحصينات وسائل الضبط الاجتماعي وتوجيه المجتمع إلى الوجهة الصحيحة ، ومع ذلك فإنه لا يزال هو التحدي الأكبر في طريق الإصلاح الاجتماعي ؛ ومما يزيد الوضع تعقيدا هو السلوك البشري نفسه فإذا ما تم التدخل فيه فما من ضامن لأن نحصل على نفس النتيجة المتوقعة سلفا ومع ذلك فليس الحل أن نلقي للمجتمع الحبل على القارب فليست مجابهة الواقع بأخطر من انهيار أخلاقي يمكن أن يدمر مجتمعا بأكمله.

     إن وضع تصور منطقي لحل مشكلة معينة قد لا يبدو إجراءا عمليا ما لم نقدم خطة متكاملة تثبت التجربة جدوائتها وهذا مانسعى إليه تماما . فإذا ما قلنا إن تنقية المنظومة القيمية تبدأ أولا ببناء أرضية صلبة لمواجهة الأمر الواقع فإن هذا قد يبدو سهلا ولكنه ليس كذلك لأن مسح أدمغة أي مجتمع وزرع مبادئ بديلة قد يستغرق من الوقت ما لم نحسب له حسابا .

    وإذا كنا نعيش في مجتمع تسوده ازدواجية المعايير ــ كمجتمعنا الموريتاني مثلاــ فليس من الغريب أن يربكنا هذا كثيرا وخاصة إذاوصل التماهي حد محو الفوارق أحيانا ، ومن المعلوم أن المنظومة القيمية الصحيحة لهذا المجتمع ليست إلا ذلك الوحي السماوي الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[1] كما أنها ليست إلا خلق المصطفي صلى الله عليه وسلم والذي كان خلقه القرءان وهاهو يعلنها  {إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.}[2]  {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[3] وهذا مؤشر قوي على أن ما ألحقه الزمن بجوهرة القيم الإنسانية لا يعدو صدءا تزيله الأبحاث العلمية الرصينة من طرف يد أمينة عالمة تقية .

       إن هذه اليد الأمينة هي ما نبحث عنه تماما  وفي اعتقادنا أن الاستثمار في العقل البشري لن يكون إلا السبيل الأمثل إلى ذلك ؛ فمن خلاله يمكننا بناء ترسانة من الأدمغة المشبعة بالقيم والمسلحة بالإرادة  ، ومن الأكيد وإن كان المجتمع قوي المراس لقوله تعالى : "إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ "[4] لن يكون عقبة إن وضع في قلب الحدث. فعندمايستشعر الجميع ما قد مرت به أمتنا عند نشأتها من أطوار التربية حتى آخر لحظة تتنزل فيها الآية الكريمة " االْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً"[5] سيهون كل شيء بإذن الله ولهذا نقول إنه آن الأوان أن يكون إصلاحنا إصلاحا نبويا في المقام الأول " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ"[6] .

       قد يقول قائل إن هذا غير متاح لأن الوضع مختلف فأيامهم ليست كأيامنا والمعجزة النبوية لن تتكرر أبدا، فلن نقول إلا أن هذا صحيح ولكن ألم يقل عليه الصلاة والسلام {يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله، وسنة نبيه}[7] .وهو ما يعني أن الخطة هي نفسها وليس علينا كبشر عاديين إلا أن نكيفها مع واقعنا ونستفيد منها إلى أقصى حد ممكن ، إن مانحتاجه إذن هو علم وفهم وتدبير وإرادة إصلاح " وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ"[8] .

 سورة فصلت الآية (42) [1]

. الإصدار الثالث ، صحيح البخاري الحديث  8949www.ilamSprit.comموسوعة الحديث النبوي الشريف إعداد موقع روح الإسلام م[2]

 سورة القلم الآية (4)[3]

 سورة الرعد (11)[4]

سورة المائدة الآية (3)[5]

 سورة  الأحزاب الآية  (21)  [6]

 موسوعة الحديث النبوي الشريف المصدر السابق .مسند الإمام أحمد[7]

 سورة النساء الآية (83)[8]


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق