]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رجاء فكرى: هكذا فعلت ماليزيا

بواسطة: Ragaa Fikry  |  بتاريخ: 2013-03-07 ، الوقت: 09:22:03
  • تقييم المقالة:

ليس هناك ما يدعو للدهشة أو للحيرة عندما يطرق آذاننا بزوغ شمس التقدم فى ماليزيا.ذلك أن السياسة الماليزية ذات الرؤية المستقبلية الثاقبة القائمة على العلم والتعليم والثقافة والعدالة الإجتماعية ومنازلة الفقر والجهل والمرض كفيلة بأن تخطو بالبلاد نحو النهضة والتقدم والرخاء.لن أحدثكم عن ماليزيا بقدر ما سأحدثكم عن قائد يحمل بين طياته فكر المثقف وإبداع العالم ورؤية المفكر وتأمل الفيلسوف.قائد تتوافر فيه كل هذه العوامل والأركان.فهو بلاشك قائد سوف يقود بلاده نحو المجد والرفاهية والإستقلال الإقتصادى والسياسى والفكرى. إنه مهاتير محمد صاحب التجربة الماليزية الرائدة التى طالما تحدث عنها العالم شرقا وغربا شمالا وجنوبا برا وبحرا أرضا وجوا ووقف عندها كثيرا وعند صاحب هذا العمل الجلل. إنه لم يفعل ما فعله شططا ولا من قبيل الحظ والمصادفة..بل كانت له رؤى وأهداف وأفكار أبى إلا أن يقوم بتطبيقها والعمل بها لتخرج ماليزيا من أوانى الفقر إلى صناعة التاريخ.

ولكن قبل أن أتحدث عن مهاتير محمد وتجربته الباهرة دعونى أسافر بكم إلى عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين وكتابه الشهير مستقبل الثقافة فى مصر وتحت عنوان( تقصير مصر فى الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة) وفيه يتحدث عن التقدم الذى شاهدته شعوب الشرق الأقصى قائلا: ولست أدرى كيف نصور ما نستحقه من اللوم وما نستأهله من المذمة والعيب حين أقارن بين شعبنا المصرى وبين شعوب شرقية أخرى كانت لها حياة تخالف الحياة الأوربية من جميع الوجوه, وعقليات تباين العقلية الأوربية من جميع الأنحاء.,كيف نصور ما نستحقه من اللوم حين نذكر أن الشعب اليابانى (من شعوب الشرق الأقصى) قد كان يخالف فى حياته المادية والعقلية أشد المخالفة وأقواها شعوب أوربا. فما هى إلا أن أحس ألا سبيل له إلى أن يعيش كريما حتى يشبه الأوربيين فى كل شىء, ويزاحمهم فى ميادينهم, ويجاريهم فى سيرتهم, فما هى إلا أن هم حتى فعل, وما هى إلا أن أراد حتى وفق إلى ماأراد. وإذا هو شعب مهيب تشفق منه أوربا أشد الإشفاق, وتصانعه أشد المصانعة وتمنحه ما هو أهل له من الإكبار والإجلال والإحترام. ويتساءل الدكتور العميد قائلا.كيف بنا ولم يكن بيننا وبين الأوربيين من الفروق ما كان بين اليابانيين والأوربيين. وكيف بنا ونحن شركاء الأوربيين فى تراثهم العقلى على إختلاف ألوانه وأشكاله, وفى تراثهم الدينى على إختلاف مذاهبه, وفى تراثهم المادى على إختلاف ضروبه وأنحائه.

كيف بنا ونحن نشارك الأوربيين فى هذا كله, ولم يكن بين اليابانيين وبينهم شركة فى شىء منه قليل أو كثير. فإذا اليابانيون قد زاحموا الأوربيين حتى زحموهم, وإذا نحن ما نزال متخلفين. ومن منا يجادل فى أن من الحق أو الباطل, وفى أن من الخير أو الشر, وفى أن من النفع أو الضر أن نأخذ بحظنا من تراثنا القديم. بل كنا لهم أساتذة فى القرون الوسطى وفى العصر القديم.

ويستطرد الدكتور العميد فى موضع آخر من هذا المقال قائلا: لنفرض هذا المحال ولنقرر أنه صحيح واقع, فإن نظرة يسيرة إلى حياة الشعب اليابانى فى القرن الماضى خليقة أن تقنعنا بأن الله قد خلق النوع الإنسانى كله مستعدا للرقى, قادرا على التقدم, خليقا أن يبلغ من الكمال ما يتاح للناس أن يبلغوه. ولكن بعضنا يبغى على بعض, ولكن النظم التى تدبر أمورنا فى حاجة إلى كثير من الإصلاح. ونحن حين نشرع القوانين وننشىء المدارس وننشر العلم وننظم الإقتصاد ونستعير النظم الديمقراطية من أوربا إنما نسعى إلى شىء واحد وهو تحقيق المساواة التى هى حق طبيعى لأبناء الوطن الواحد جميعا.

أعتقد أن مهاتير محمد لم يذهب بعيدا فى أفكاره عن ما قاله الدكتور طه حسين. كما أعتقد أن كثير من أفكار طه حسين فى العلم والتعليم والثقافة قد قام مهاتير محمد بتطبيقها ونقل هذه الأفكار من دنيا الخيال إلى عالم الواقع. وفعل ذلك عن وعى وإدراك حقيقى لطبيعة المشكلة فى بلاده ونضج فكرى وسياسى وثقافى..ذلك أن القيادى الذى تعوذه هذه الأمور الجوهرية لا يمكن أن يبنى وطنا مجيدا ولا شعبا طيب الأعراق.وتلك حقيقة مؤكدة لا جدال فيها ولا نقاش. وإن النقاش فى مثل هذه الأمور المسلم بها يعد إهدارا للوقت وهبوطا للوطن.

ولعل القارىء يسأل ما هى الأفكار التى قام مهاتير محمد بإخراجها من الظلمات إلى النور.ومن الفناء والعدم إلى الوجود والحضور وذلك فى دولة تعانى كثيرا من الفقر وكثيرا من التخلف كثيرا من العرقيات والأديان.كثيرا من الأوضاع الإقتصادية السيئة؟ والإجابة الشافية الوافية على هذا السؤال ياعزيزى القارىء تبدأ من عام 1981 حينما تولى د.مهاتير محمد رئاسة الوزراء فى ماليزيا.جاء إلى رئاسة الوزراء وهو يحمل بداخله ضميرا يقظا ووعيا وفهما وإدراكا نابها ووطنية صادقة وعزيمة قوية ونية مخلصة فى أن ينأى بشعبه بعيدا عن القحط والبؤس وبعيدا عن الفقر والجهل والتخلف,وأن يرسم له حدودا مستقلة على خريطة العالم ويحفر ذاكرته فى قلب التاريخ وقد كان. جاء حاملا لشعار(لا فساد بعد اليوم)حيث طالب أعضاء حزبه(حزب منظمة الملايو الوطنية المتحدة)الذى يتزعمه بالنأى بأنفسهم عن الفساد معترفا بأن الفساد قد أصبح جزءا من الثقافة السياسية فى ماليزيا. فبات يعمل ليلا ونهارا ساعيا جاهدا للإطاحة بهذه الثقافة السياسية السائدة فى البلاد , مدركا تمام الإدراك إن لم يتم تغيير هذه الثقافة السياسية ودرء الفساد فلا سبيل إلى معالجة مشاكل المجموعات المهمشة والفقراء وأن ذلك سيؤدى حتما إلى تفاقم الظلم وتوحش العنف وتوليد مزيدا من السخط والغضب من قبل المواطن الماليزى.

إذن فقد كان واضحا فى الأفق البعيد أن هناك إرادة سياسية واضحة جلية فى النهوض بهذا الشعب وإتخاذه مسارا غير ذلك المسار الذى يحذوه. ومنذ بداية حكمه وضع خطة أساسية ورؤية شاملة متكاملة لتصبح ماليزيا فى عام 2012 من أولى الدول الصناعية العملاقة.إذن فنحن أمام خطة قوية وإرادة صميمة لقائد يعلم ماالذى ينبغى عليه فعله حتى يرفع المواطن الماليزى رأسه ناظرا إلى المستقبل.هذا ماكان يحتل فكر مهاتير وقلبه قبل عقله وضميره قبل إدراكه . وبالفعل نجح مهاتير فى تحقيق كل هذه العوامل السابقة كافة بدون منازع.

وعندما سئل الدكتور زويل عن التجربة الماليزية أجاب قائلا: أعترف بأنىى أحمل تقديرا كبيرا لتجربة ماليزيا فى الإنتقال من التخلف إلى التقدم.فماليزيا بلد غير متجانس عرقيا ودينيا, فهناك قومية المالايو التى ينتسب إليها إسم ماليزيا وهم يمثلون أكثر من نصف السكان, وهناك أقلية صينية تصل إلى ربع السكان تقريبا فضلا عن أقلية هندية وأقليات أخرى.وعلى صعيد الدين توجد إلى جوار الإسلام الذى يمثل دين الأغلبية الديانتان البوذية والهندوسية.

واستطرد زويل قائلا: قد جاء مهاتير محمد إلى السلطة عام 1981 فى بلد زراعى يعتمد على تصدير القصدير والمطاط ليبدأ تجربة ثرية إمتدت 22 عاما, ترك بعدها السلطة وقد أصبحت ماليزيا بلدا صناعيا متقدما, يشارك القطاع الصناعى والخدمى فى إقتصادها بنسبة 90% وتصنع 80% من السيارات التى تجرى فى شوارعها ولا تزيد البطالة فيها على 3% وأما متوسط دخل الفرد فقد زاد 7 مرات.

ويواصل الدكتور زويل حديثه قائلا:لقد قال لى مهاتير محمد أنه كان لابد من خلق حركة فى هذا البلد, وقد استلزم ذلك تغيير عقلية المواطن الماليزى, وقد فعلت ذلك من خلال أمرين: الأول:تغيير نظام التعليم حتى يعادل التعليم المتقدم فى العالم ويتفاعل مع الثورات العلمية المعاصرة. والثانى:تصحيح الوضع الإجتماعى والإقتصادى للمالايو الذين يشكلون أغلبية السكان لكنهم يحتلون الدرجة الثانية من المجتمع بعد الصينيين الذين يمتلكون ويديرون معظم الأعمال الإقتصادية,فمنحنا لهم القروض والتسهيلات ودفعنا الطبقة الوسطى المالاوية إلى الأمام.وقد مثل هذا التصحيح ركيزة أساسية فى عملية النهوض.

أما على المستوى الشخصى فيقول الدكتور زويل فى كتابه عصر العلم والذى صدر فى عام 2005: إن الدكتور مهاتير محمد يمتلك فكرا سياسيا رفيعا هو ما جعل من سياساته إستراتيجية كاملة..وهو فوق ذلك يمتلك شخصية قوية وبسيطة وأذكر أننى حين زرته فى مكتبه الرسمى فى بوتراجايه لاحظت للوهلة الأولى مدى ثقته وبساطته, وحين جلست معه تأكد لى ما كنت أعرفه عنه من ثقافة واسعة ورؤية ثاقبة.ومن السهل أن تدرك أن الرجل الذى تجلس معه هو قارىء جيد للتاريخ ومخطط جيد للمستقبل.

ويحكى مهاتير محمد عن الحياة البائسة التى عاشها الشعب الماليزى, عن الطعام الذى كان مجرد إناء من الأرز بلا مزيد, وكان الشعب مجرد عمالة رخيصة فى أعمال محدودة القيمة.وقال إننى فكرت مع الآخريين كيف ننقذ هذا البلد مما هو فيه؟ وكيف ننقل الماليزين من أطباق الأرز الفقيرة إلى آفاق الرخاء.

ويمضى مهاتير فى حديثه قائلا: لقد فكرنا فى أن يساعدنا العالم من أجل النهوض, ولكننا رأينا أن الولايات المتحدة ليست الأنسب لذلك, واخترنا النظر إلى الشرق, وذهبنا إلى اليابان.ذلك أن قيم العمل فى اليابان وكوريا هى الأنسب لبلادنا وشعبنا. وقلنا لليابانيين: نحن نريد دعمكم لنا ونريد تحقيق نهضة فى بلادنا بالمشاركة معكم, وقد كان ذلك إتجاها صائبا.واليابان اليوم هى أكبر حلفائنا فى مشروع التنمية والتقدم.

وبذلك تمكن مهاتير من إحداث نهضة فى بلاده خلال سنوات رئاسته للوزراء التى وصلت إلى 22 عاما قبل أن يتقدم بإستقالته وإعلانه إعتزال العمل السياسى فى 2003 . جديرا بالذكر حينما زار مهاتير محمد مصر فى يونيو 2011 وفى كلمة له ألقاها فى مؤتمر(إستثمار..تشغيل..عيش..حرية..عدالة إجتماعية) الذى نظمه إتحاد الصناعات المصرية والذى أكد فيها:أن مصر يمكنها أن تصبح واحدة من الدول المتقدمة بشرط الإهتمام بالتعليم والحد من البطالة وتشجيع الإستثمار وأخيرا وليس آخرا رفض الإقتراض من البنوك.

هذه هى مبادىء وأفكار وسياسات مهاتير محمد التى لم يلق لها بالا أحدا من الساسة فى مصر التى نقلت ماليزيا من الفقر والدين إلى الغنى والإكتفاء إلى الإنتاج وإستغلال الإنتاج ومنها إلى الرخاء. وبذلك تغيرت نظرة العالم إلى ماليزيا حيث الإكبار والإجلال والإحترام.

تحية إلى مهاتير محمد.وتحيا ماليزيا.

marycoriibiochem@yahoo.com

 5-3-2013

 



« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق