]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رجاء فكرى:مصر والعلم(2)

بواسطة: Ragaa Fikry  |  بتاريخ: 2013-03-07 ، الوقت: 09:18:09
  • تقييم المقالة:

إذن قد بات لزاما علينا أن ننقب ونفتش ونبحث عن حلول كاسحة وإجابات شافية حول موقفنا الراهن إزاء قضية جفاء العلم والإنتاج والصناعة فى مصر بل وفى الدول العربية أيضا. وأن نعيد النظر والإعتبار من جديد نحو ماجرى فى الماضى ومايجرى فى الحاضر وما سوف نعده فى المستقبل. والخيار لنا إما أن نظل راكضين فى بئر معطنة من الركود والتخلف أو نعدو بسرعة الضوء نحو التقدم والرخاء والرفاهية. ومع الأسف الشديد ما كان يتحدث العلماء عنه فى مصر منذ ثمانين عاما أو يزيد مازلنا نتحدث عنه فى هذه الأونة ومع ذلك لم يتغير شىء ولم نحرك ساكنا.

إذن فما هى الحلول وما هى مظاهر الخروج من هذه الأزمة الراهنة؟ يرى الدكتور زويل فى كتابه عصر العلم الذى صدر فى عام 2005 أن هناك خمس نقاط رئيسية لإجراء التحول المنشود وهى:1-إنشاء نظام تعليمى جديد.هذا يعنى تغيير أساليب التعليم والتركيز على التفكير الناقد والمنطقى.2-إنشاء مراكز تفوق جديدة.ينبغى أن تكون هذه المراكز فى مستوى نظيراتها فى العالم المتقدم.3-إنشاء صناعات جديدة.ينبغى أن تستند هذه الصناعات على العلم والتكنولوجيا المستحدثة والمتطورة محليا لا على التكنولوجيا المستوردة من الخارج.4-إنشاء مؤسسة وطنية للعلوم والتكنولوجيا(وقد حدث بالفعل).فلا بد من إستحداث مؤسسات وطنية لدعم البحث والتطوير فى مجال العلم والتكنولوجيا.5-إنشاء الأكاديمية العربية للعلوم.ينبغى أن تكون هذه الأكاديمية بمثابة بيت خبرة يتولى دراسة المشاكل الوطنية المهمة ويقترح على الحكومات الحلول الملائمة لها على أن تكون مستقلة إستقلالا تاما.

إننى أؤمن تمام الإيمان أنه لا توجد حدودا فاصلة بين السياسة والعلم.ذلك أنه لايمكن أن تشرق شموس الأفكار أو الإخترعات على أمة من الأمم إلا إذا كان هناك ساسة وحكام يؤمنون بالعلم ويخططون له ويضعون السياسات الموافقة لذلك. لا يمكن لأى عالم بأى حال من الأحوال أن يطبق أفكاره ونظرياته وفروضه واختراعاته دون سياسة تتبنى هذا الإختراع وتساهم فى الخروج به إلى دنيا التطبيق وترجمته وبلورته إلى مشروعات وصناعات وخدمات تعم بوافر الخير على الوطن والمواطنين. لا جدال فى ذلك ولعلى سوف أتحدث فيما بعد عن تجارب ناجحة لدول لم تكن تصنف أنها متقدمة ولم يكن لها وجود على الخريطة الدولية ولكن نجحت فى ذلك بفضل سياسات أعدت كل ما تستطيع من عدة من أجل الإستفادة من العلم والعلماء فى خدمة البشرية.وإننى لعلى يقين أيضا أنه لا ينبغى للسلطة أن تهبط بالوطن عن طريق مجافاة العلم والعلماء.

ويوافقنى فى ذلك الرأى الدكتور زويل الذى ختم محاضرة له قد ألقاها فى جامعة الأمم المتحدة طوكيو 15 أبريل 2003 والتى كانت بعنوان (مستقبل عالمنا) قائلا:إذا أردنا أن نحكم من خلال التاريخ فإن المستقبل يصنعه القادة الذين هم قادرون على رؤية التحول إلى عهد من الأمل فى السلام والرخاء وليس التحول إلى صراعات وإضطرابات.ويجب على زعماء العالم أن يستغلوا فوائد المعرفة لصياغة مستقبل براق لأطفالنا وأحفادنا وهذا يمكن الوصول إليه عن طريق تفهم الحاجة للعدالة فى العالم وتعزيز الحوار والتعاون بين الدول والشعوب.

ولكن كيف يكون الإرتباط والتعاون بين العلم والسياسة وبين الساسة والعلماء؟سأعود بكم إلى ثلاثينيات القرن الماضى حيث عميد كلية العلوم العالم الدكتور على مشرفة والذى ضرب مثالا حيا فى كتابه الشهير العلم والحياة وفى مقالة بعنوان العلم والسياسة قائلا:يتجلى ذلك التعاون بين العلم والسياسة فى موقف إنجلترا عام 1940 .لقد كان الموقف رهيبا فالبلاد مهددة بالغزو وفى حاجة إلى السلاح والذخيرة والأمة مهددة بالمجاعة فماذا حدث؟

لقد قام رجال السياسة بتنظيم الجهود وإنهاض الهمم وتقوية الروح المعنوية وضربوا المثل العليا فى الشجاعة والصبر والتضامن المبنى على العدالة الإجتماعية ولكن هل كان هذا يكفى؟كلا فقد إعترف رئيس وزرائهم بأن العلم قد أنقذ إنجلترا من المجاعة وذلك فإن مشكلة التموين لم تترك للصدف بل أدرك رجال السياسة أن عليهم أن يتعاونوا مع رجال العلم..فأحصيت المؤن إحصاء دقيقا وحسبت قيمتها الغذائية ومحتوياتها من الفيتامينات ووزعت بين الصغار والكبار على أساس علمى روعيت فيه صحة الأجسام وقدرتها على العمل فنجت الأمة من الجوع.

وفى موضع آخر من كتاب العلم والحياة ينتقل بنا المؤلف الى عنوان آخر وهو العلم والصناعة وما يجب على الساسة القيام به نحوهما قائلا:يجب على الدولة إنشاء معاهد البحوث العلمية والصناعية لحماية الصناعات القومية وأرجو أن تسترعى هذه العبارة إنتباهكم (لحماية الصناعات القومية) وليس إنشائها بهدف الزينة أوالديكور أو على سبيل التفاخر والإبهار ولا بهدف أن تكون من الداخل خاوية على عروشها خالية تماما من أى أدوات أو أجهزة معملية أو كيماويات أوخلافه .

ليس هذا فحسب بل يرى الدكتور مشرفة أنه يجب على الدولة أن ترسم سياسة إنشائية فى تنمية الثروة الأهلية وأن هذه السياسة لا يمكن أن تبنى على الحدس والتخمين أو على الجدل والخطب السياسية بل إن قوامها دراسة الحقائق وإجراء التجارب والبحوث العلمية.لذلك خصت دول العالم المتقدم بعنايتها أمر التنظيم الصناعى والإقتصادى على أسس علمية فأنشىء فى إنجلترا وأمريكا والهند وزارات لهذه الأغراض.

هذا وقد دعا الدكتور مشرفة إلى إنشاء وزارة تسمى وزارة الإقتصاد العلمى تكون مهمتها إستخدام الطرائق العلمية فى تنمية الثروة الأهلية وإيجاد موارد لها كإستنباط معدن الحديد والمعادن الأخرى من الصحارى المصرية.وكإستخدام القوى الناشئة من مساقط المياه وتطبيق البحوث العلمية فى حل المشكلات الصناعية والعمرانية. ولكن كالعادة ظلت الفكرة حبيسة الأدراج ولم يتنبه لها أحد من الساسة أو الحكام العظام.

لم ينظر أحد إلى علم مشرفة ولا رؤيته الثاقبة التى ترمى إلى المستقبل. وفى الوقت الذى كان يتحدث فيه عن الذرة والقنابل الذرية وكيف يمكن لمصر أن تشارك فى هذا المضمار استهزىء به الملك فاروق ولم يلق بالا لأفكاره .وماتنبىء به مشرفة من إمكانية استخدام دول العالم المتقدم هذا العلم فى الحرب لبسط قوتها ونفوذها على العالم قد تحقق.

وفى هذا السياق أيضايقول الكاتب الكبير مصطفى أمين فى مقدمته لكتاب د.محمد الجوادى والذى بعنوان (مشرفة بين الذرة والذروة) كان الدكتور مشرفة أول من طالب بدراسة مشروع إستنباط الطاقة من حرارة الشمس وعرض إقتراحه على بعض ولاة الأمر فابتسموا ساخرين وبعد أن خرج من المقابلة نظروا إلى بعضهم البعض ثم قالوا:الدكتور مصطفى مشرفة فقد عقله!..إنه يريد أن يستعمل أشعة الشمس مكان البترول!.

هذا بإختصار هو موقف ساساتنا وحكامنا من العلم.أما من الناحية الأخرى ينعى ألبرت أينشتين وهو أعظم علماء عصره فى نظرية النسبية العامة والخاصة حين علم بوفاة مشرفة قائلا:أنا لا أكاد أصدق أن مشرفة قد مات.يالها من خسارة فادحة..لقد كنت متابعا لأبحاثه فى مجال الذرة.إننا بحاجة إلى مواهبه.. إنه لا زال حيا بيننا من خلال أبحاثه..إنه بلا شك يعد واحد من أعظم علماء الفيزياء.

هذا هو موقف الغرب من العلم والعلماء.و هذا هوموقفنا نحن العرب.

رحم الله العالم العظيم الدكتور على مشرفة ورحم الله مصر.

marycoriibiochem@yahoo.com.

1 مارس 2013


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق