]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كرم الحزن علينا

بواسطة: طلال صهيب  |  بتاريخ: 2013-03-06 ، الوقت: 16:39:09
  • تقييم المقالة:

لست أبكي في ورقتي بأحرف من الندم على القريب الذي مضى ، ولكنه بصراحة جعلني أمشي به بعيدا في سنوات عميقة وكثيرة وجدت أن هذا الإحساس قد غاب عن ناظري ، ودفنته في مقبرة النسيان ، لم أجد حقيقة ألم استوقفني كما تستوقف الغيوم نور الشمس أن يظل ساطعا في سمائنا ، ولكنني يقينا اقر بوجودها وأطمئن على نور يومي أن يخفت أو يذهب هباء متناثرا بين قلة الإدراك والأنانية المفرطة في تقدير الذات ومحاسبة غيرنا على سعادتنا التي لولاهم ما وجدناها ولا شعرنا حتى بالحزن إلا بعد غيابهم عنا ، أو حتى بوجود الحزن في ملامحهم .

كنت كثير من المرات عندما يتملكني الحزن العميق أحمل شتات نفسي وما تبعثر منها إلى زاوية مظلمة في غرفتي ، بعيدة لا يصلها غيري .....وكنت أجد راحة كبرى أن أخبئ أسراري في ذاك الركن البعيد الذي ظل وفيا لي بعمر مضى وعمر قادم بعده ، وكنت أجهل لماذا أبقى وحيدا مختبئا ، أخشى أن يرى غيري دموعي تطل على مشارف عالم لم تكن منه ولا تنتمي إليه ولكنه جعلها تخرج كراهية و تصاحب بريق الجمال العميق في الروح الوفية والصادقة ، كنت أخشى أن يرى من أهواه ويحبني دموعي على مقلتي تتعذب فيأسره عذابي  وألزمه بالوفاء للألم الذي زرعته فيه من مجرد أنه كان صاحب المقام الرفيع في كل كياني ولكنه تنازل عنه إرضاء لنا و عملا بخواطر لنا خشية منه أن يكسرها ولكننا لم نشفق على هذا القلب الذي يبعث الوجود من داخله  صفيا ونقيا ، كأنه بركة أو جدول في قرية صغيرة تتماثل للروتين وتبيت على العادة وتصبح على الثبات ، لكنها أصيلة ووفية ، وكذلك هي تلك القلوب التي علقت بمحبة من شاءت ليس لشيء سوى أن تكون وفية .

لم أكن أشعر بالسعادة التي أرى غيري يبحث عنها يصيبون منها القليل والكثير على قدر كدهم  ومراتب جهدهم ، لكنني كنت لا أسعى سعيهم .......بل لا أسعى إليها نهائيا ......وقد تستعجب من قولي هذا ، لأنني ملكتها كلها وبجميع أصنافها ، ما غابت عني شمسها ولا ظلها ولا دفؤها ، سكبت إجمالا في قلبي وكنت أحيا بها تمر في عروقي مجرى الدم ، لأن السعادة بعثت من قلوبهم ، كأنها شمس تشرق في يومها على ربوع العالم بنور ودفئ وخصال ذهبية تداعب العيون من رؤية أحبتها.......لعل كلماتي ليست بالصريحة تماما ، ولكنها جريحة ترجو الطيب من وفاء بسمتكم لتلك الشفاه التي ما عهدناها إلا مبتسمة تزرع ، الفرح والبهجة في أكواب مشاربنا كل لحظة وتعلوها صفة النبل والإخلاص في تقديمه لنا و تصبر على رعونتنا في مجالسها ، لأنها دامت مقامات أصحاب الرقي لها ودامت لنا أخطاء جهلنا في تقدير صفتهم عندنا إلا بعد أن أدركنا حقا أننا لم نكن سوى ظلا لهم أو خيالا زرعه ضوء من أجسامهم على رقعة من البسيطة كنا بها فإن اختفى الأصل بالظل غاب الظل .

فعلمت أنه لزاما عندما أتحدث مجددا معهم كان لزوما أن أتحدث بعمق وأن أتعلم أن أطلب بأدب وأن أمزح بذوق وأن يكون اعتذاري بصدق ....وأتذكر أن أسلوبي هو مكانتي عندهم .

في أيامي التي كانت تعتبر يوما من حياتي وجدت لطفا من رضى نفسي على ذاتي ، وكنت دائما أعتقد أنني صرت مجربا خبيرا ، أعطي الأمور نصابها ، ولكنه وحتما تكرم الحزن علينا بدرس صار من أصول الأدب عندنا الامتثال به ، فكيف ولا وقد حكمت على عمري أن يتوقف عن التنفس .....لأن الحياة بدونك توقف عن الحياة ، فكيف تخلو أيام من شمسها وكيف يغيب قمر عن مسار لياليه.

عندما كنت صغيرا وأمر في البيت وأجد أبوابا مغلقة ، كانت متعتي أن أسترق النظر من ثقب الباب ، وأعلم بمشقة ترجمة كل تلك الموجودات بالغرفة ، ولكنني كنت أحس أنها لحظات ملكي أنا وفقط ، وكانت تشبه أسراري الخاصة التي لا أطلع عليها غيري ، وكنت كلما أجد الشوق إلى أمر في بيت مقفل كررت التجربة دوما ومرارا .....ولكن العجيب أني لو وجدت الباب مفتوحا ما تملكني فضول معرفة ما بها – أي الغرفة - .....لأنها صارت ملك لكل من مر أو يشاء أن ينظر .....لكنني ما رغبت أن يتكرر معي الموقف عند رؤية ذاك الحلم البديع يغيب بخطى متسارعة كأنه يفر من قضاء ، يوشك على أن ينهي تواجده بمعمورة ما ألف لغتها ، جاء يحمل ورودا فغدا يحمل جراحا ، يلملم ما تبقى من كبريائه لا يشتهى أن تتنازل دموعه كأنها شفعاء عند ظالم ما قدره حق تقدير مساره في عمره ، وما أشبهها بنظراتي عبر ثقب الباب في أن تكون ملكي تلك اللحظات وأنا أعلم أن دموعك لم تكن لتتساقط ، لو أنني فتحت بابي على مصراعيه أدعوك للدخول بطمأنينة كلها حياء وخجل ومرح وبهجة  ، وأفرش لك مطارح من حرير وياقوت ولكن هيهات أن ندرك أنك هكذا في حياتنا وقد جهلنا لما كانت بدونكم حياتنا، فالعفو صفة النبلاء ونستجدى كرمهم دوما بجهالتنا ونلزمكم بها كأننا أخذنا عليكم مواثيق الوفاء لنا دوما غير أننا لا نخونكم فحتما نجتهد أن نوفي بحقكم فينا ولكننا بحماقتنا نخطيء ونعتذر والصفح سمتكم.....فيا ذاك الحلم البديع الذي أراه نهرا يمر عبر كل حدودي ، صراحة لا أطيق أن أراك تغيب كشمس كل يوم خلف جبال النسيان وخلف جبال النكران التي وضعناها ونتأملها كل ليلة كأنها تعطينا فرصة للتراجع كل ليلة لنصبح من أجلها أفضل .....وحتما من أجلكم سوف نكون أفضل ......ما دمتم في حياتنا ، لأن كرم الحزن من علينا بقيمتكم في قلوبنا وحياتنا

فأنا اليوم أفضل من أجلك وأتواجد مجددا من أجلك ، و لا أرضى إلا بك


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق