]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مُسامرةُ قلمٍ . ( أهداف وآداب الملتقى الإبداعي )

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-03-04 ، الوقت: 09:56:57
  • تقييم المقالة:

 

ظلَّ (القلمُ) ساهراً ، الليلَ كلَّه ، فقد ألحَّ عليه أرقٌ شديدٌ ، وباتَ يُفكِّر في كثيرٍ من الأمور ، والقضايا ، ولمْ يهْتدِ إلى صراطِ واحدةٍ منها ، وكان يودُّ أنْ يُسامرَ إحداها ، يَسْتنطِقها ، ويُجادلها ، ويُحاورها ، إلاَّ أنها عزَّت كلُّها ، واستعْصَت ، وأغلقت دونه أبْوابَها ، ونوافذَها ، وشُرفاتِها ، وتركته وحيداً ، يلْتفتُ من حينٍ إلى حينٍ إلى زوجته (الورقة) ، الرَّاقدةِ جنْبه في الفراشِ ، يهزُّها تارةً ، ويضْغطُ عليها تارةً أخرى ، ويُقَلِّبُها ظهْراً لِبَطْنٍ ، ويتوسَّل إليها ، ويستعْطفها طوْراً ثالثاً  .. غير أنَّ (الورقة) بدت هادئةً ، مُستسلمةً ، ترْنو إليه في حيرةٍ وترقُّبٍ ، وفي لَحْظَةٍ عقدتْ حَواجبَها قليلاً ، ونشرتْها ، وبسطَتْ أطْرافَها ، وراحتْ في غَفْوَةٍ تَحْلُمُ ...

اغتاظَ (القلمُ) ، وتكَدَّرَ لعجْزِه ، وقامَ من الفراشِ ، يذْرعُ البيْتَ جيئةً وذهاباً ، ينْتقلُ من حُجرةٍ إلى حجرةٍ ، يُشْعلُ مصباحاً ، ويُطفئُ آخرَ ، ثمَّ توجَّهَ إلى المطْبخِ ، وشربَ ماءً بارداً من الثَّلاجةِ ، ثم أَعدَّ فنْجانَ قهوةٍ سوداءَ ، وقصدَ حُجرةَ مَكتبته ، وشرعَ يتفرَّسُ في الرُّفوف ، ويقرأُ العناوينَ المُختلفةَ ، ويقول بينه وبين نفسه :

ـ يا لسعادةِ (الأقلامِ) التي خَطَّت هذه الآثارَ ، وتركتْ أزْواجَها (الأوراقَ) تفْخَرُ بهذا الميراثِ الخالدِ !!

وإذْ هو يُفكِّر ، ويتأَملُ ، أضاءتِ الحجرةُ بنورٍ مُضاعفٍ ، ولاحت دائرتان من الضَّوءِ الباهِرِ ، كانت إحداها مُغَطَّاةً بلباسٍ أبيضَ ، والأخرى موشَّاةً بلباسٍ ملوَّنٍ بالأحَمر والأخضر .

فأمَّا الأولى فكانت (القراءةُ) ، وقد بدتِ منْبسطةَ الأسارير ، عظيمةَ الصَّدْرِ ، وطويلةَ الشَّعْرِ ، يُغَطِّي كتفيْها العريضتيْن ، ويسترسلُ بلمَعانٍ حتى القدمين ، كما هبَّتْ منها نسائمٌ عطرَةٌ ، انتثرتْ في الأثيرِ نثْراً طاغياً ، وكأَنَّها قادمَةٌ من رَوْضَةِ الخُلْدِ !!

وأما الثانية فكان (النَّقْدُ) ، وقد بانَ سيِّداً وَقوراً ، اشْتعلَ رأْسُه شيْباً ، لا تَدلُّ ملامحُه على غِبْطَةٍ أو تجَهُّمٍ ، ولا تُنْبئُ هيئتُه عن قُوَّةٍ أو ضُعفٍ ، ولا شيءَ يُسْفِرُ عن نِيَّتِه أو عزْمهِ ، بدا غامِضاً وساحراً ، في قامَةٍ ممْدودَةٍ ، وكأَنَّهُ شجرَةٌ من عالمِ الأساطيرِ ... وكان مضيئاً قليلاً عن (القراءة) .

فقالت (القراءةُ) لِ (القلم) بمودَّةٍ خالصَةٍ :

ـ ما بكَ أيها (القلم) حائراً ، وساهراً ، هذه الليلةَ ، ولِمَ لمْ تَبِتْ في أحضانِ زوْجتك ؟

فردَّ (القلم) بحياءٍ ، وخجلٍ :

ـ لستُ أدْري ما حصلَ لي اليومَ ، ولكنِّي شعرتُ بعجْزٍ طارئٍ ، وكأنَّ كلَّ قوايَ هَمدَتْ ، ومَهاراتي انْقَضتْ ... !!

فقالت (القراءةُ) وهي تبتسمُ في حنانٍ :

ـ لعلَّ ذاكرتَك خانتك اليوم ، أوْ أنَّ مخْزونك مِنِّي قد نَفذَ أو نَقُصَ ؟!

فقال (القلم) وهو يزُمُّ شفتيْه :

ـ رُبَّما ... !!

وإذْ ذاك انْبرى (النقدُ) بالكلامِ ، وقال بصوتٍ واثقٍ :

ـ أو لعلَّ خشيتَ أن أُحاسبَك على ما تصْنعُ ، وأَزِنَ أعْمالَك بموازيني ، فأَحْكُمَ عليك بما لا يَسُرُّكَ ؟

فقال (القلم) ، وهو ينْظرُ إلى (النقد) نظراتٍ جامدةً :

ـ بلْ أَخْشى أنْ لا ترْفقَ بي ، وتسْخرَ منِّي ، وتجْعلَني أُضْحوكةً لزُملائي ورِفاقي ...

فتعالتْ في الحجرةِ قَهْقهةُ (النقد) ، وقال :

ـ إذن ما عليك إلاَّ أنْ تتحلَّى بالمعْرفةِ ، والموْهبةِ ، والحكْمةِ ، وأنْ لا تنْدَفِعَ في ميادينِ الإبْداعِ بغُرورٍ ، وطيْشٍ ؛ فتحْتَ عرْشِ الإبداعِ كُنوزٌ وجواهرٌ ، لا يكتشفها إلاَّ منْ أوتيَ الخبْرةَ ، والذَّكاءَ ، والذوقَ ، وانْشرحَ صدْرُهُ بالفَنِّ ، والإلْهامِ .

وهنا تدخلت (القراءة) ، وأمَّنَتْ على كلامِ (النقد) ، وأضافت :

ـ وهذا لنْ تجدَه إلاَّ عندي ، فكُلَّما أخلصْتَ لي ، وخَصَّصْتَ لي وَقْتاً من جُهْدِكَ وصَبْرِكَ ، ومشَيْتَ في أراضي القريبةِ والبعيدةِ ، وانتقلْتَ في عوالمي الجديدةِ والقديمةِ ، وسافرتَ في بُلْداني الحاضرةِ والغابرةِ ، واتَّصلْتَ بأبْنائي المعلومين والمجْهولين ، إلاَّ وأَفَضتُ عليك منْ عَطائي وكرَمي ، وكشفتُ لك أسْراراً ، وزوَّدْتُك أخْباراً ، وأوْحيْتُ لك أفكاراً ، وسخَّرتُ لك الوجودَ كلَّه .

فلمْ ينْبسْ (القلم) ببنتِ شفةٍ ، وأطرقَ برأْسهِ نحو الأرض .

فقال (النقد) ، وكأنَّه يُوصيه :

ـ لا تثْريبَ عليكَ يا صديقي ، فما لمْ تستطعْ عليه اليومَ صبْراً ، قد يأتيك غداً بيُسْرٍ ، ما عليكَ إلاَّ قراءةَ سُوَرٍ من الذِّكر الحكيم ، وأحاديثَ منْ جوامعِ الكَلِم ، وبعضِ قصائدَ من الشِّعْرِ القَديمِ أو الحديث ، عَسى أَنْ يُزوِّدُوكَ بالطَّاقةِ ، والخَلْقِ ، والإبْداعِ ...

وقالت (القراءة) وهي تُبادلُ النظراتِ بين (القلم) و(النقد) :

ـ نعمْ هو كذلك يا صاحبيْ . ثم بعدْها يقرأُ كلَّ ما جادتْ به قرائحُ الأوَّلين والآخرين .ويُحاولُ أن يكونَ مثْلهم في الإبداعِ ، وليسَ في الإتِّباعِ .

وأضافت وهي تُوجِّه الخطابَ إلى (القلم) :

ـ اقرأْ أيها (القلم) ، واقرأ كثيراً ، ثم يرْزُقكَ الله نشْراً كثيراً من حيْث لا تحْتسبْ .

وتناول (القلمُ) مُصْحفاَ بين يديه ، وفتح دفَّتيْه ، وكان أوَّلُ ما طالَعهُ الآياتَ الأولى من سورة القلم : « نون والقلم وما يسطرون » ، وشرعَ يتَهجَّدَ بها بخشوعٍ ، والحُجْرةُ يغْمرُها نورٌ ساطعٌ .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2013-03-06
    اخي النقي الخضر
    اعتذر لانني لم اكمل وذاك لظرف ما
    كنت أريد اعلام الجميع اننا سوف نتاخر في افتتاح الملتقى  الى بداية شهر أربعه وسنحدده بيوم الاثنين ان شاء الله وذلك كي تسنح لنا فرصة مراجعة ما يمكن مراجعته
    من حيث الخطط , الاهداف , ثم وضع آلية للحوار , ولا انسى موعد ولادة المقال وتهيئته لصفحة الملتقى(قد يام تغير اليوم حسبما يراه الاكثرية , والأعلان قبل كل مقال , ومتابعة القرارات مع المتواجدين حاليا , لنقوم بوضع منسق , ومراقبون
    ارجو من جميع الاعضاء ان يقوموا بعرض افكارهم في مقالة جديده , تحت عنوان
    ملتقى مقالاتي للابداع _ آراء وأفكار _
    دمتم بخير وسلامة لكل الاعضاء والقرّاء
    ارجو من الاستاذ احمد عكاش توضيح فكرة النقد للجميع
    بارك الله بكم وبكل ما تقدموه من معرفة لمصلحة الجميع
    طيف بتقدير

  • طيف امرأه | 2013-03-06
    كانت تلك رؤية ومنظور لما نرتأيه في طريقة كتابة النص
    وان الابداع لا يكون الا من خلال القراءة , ومتابعة كل ما كان وما يجد من كتابات ونصوص أدبيه وثقافية
    واول تلك الكتب التي تزيد الكنوز اللغوية لانه اساس اللغة .. هو الذكر الحكيم
    فهو الذي يجعل للغة سلاسة , وبيان ,وبلاغة
      قال ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله : « وإنّما يعرِفُ فضْلَ القرآن مَنْ عرف كلام العرب ، فعرف علم اللغة وعلم العربية ، وعلم البيان ، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها ، ورسائلها ...
    و قال الألماني كارل بروكلمان :بلغت العربية بفضل القرأن من الإتساع ، مدىً لاتكاد تعرفه أي لغة أخرى من لغات الدنيا .
    قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله : « ما ذلَّت لغةُ شعبٍ إلاّ ذلَّ ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ ، ومن هذا يفرض الأجنبيُّ المستعمرُ لغته فرضاً على الأمّة المستعمَرة ، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً في عملٍ واحدٍ : أمّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجناً مؤبّداً، وأمّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً ، وأمّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم من بعدها لأمره تَبَعٌ »

    هذا من حيث القراءة ومتابعة المؤلفات التي تثير غريزة الفكر والخيال والعشق للغتنا الحبيبه
    اما من حيث النقد
    فالنقد باب واسع فيه ما يخص النقد كنص , وايضا ما يتبع ويخص الناقد ذاته
    فالنقد هو : تمييز الجيد من السيء ولكن باسلوب بعيد عن التجريح والتشهير , وهذا اسلوب النقد الادبي البناء
    سيكون لنا نظرة في موضوع النقد بكل تصانيفه والبنّاءهو اهم ما نريد هنا  , احببت اظهار بعض الامور التي اردت(أخي  ) ايضاحها  في نصك الراقي
    والذي كان بمثابة قصة خياليه جاءت على لسان تلك العناصر التي تساهم في كتابة النصوص مهما كانت نوعها ومصنفاتها
    اخي الراقي
    كان مقالك غاية في الروعة وباسلوب ممتع بهيج , كانما هو محاورة تضيف للخيال بعدا آخر ورؤية جميلة واضحة المعالم
    هنا سأطرح على الجميع ان يجهزوا أسئلتهم في سبيل المسير في انشاء الملتقى باسلوب يرضي الكثير , وحتى نبقى على اتفاق
    في الملتقى يجب ان يشارك الجميع بارائه كي نتجاوز عن الاخطاء التي تحدث دوما في كل ملتقى
    لا بد من الاختلاف بالرأي ولكن كما يقولون دوما لا يفسد الود , ولا الالفة
    فجميل ان نبقى أصدقاء رغم اختلاف اراءنا فالاختلاف تراحم لا تخاصم  ونشاز
    بارك الله بكم اخي الفاضل خضر وزينكم بالعلم والمعرفة تاجا وصولجان
    طيف بخالص التقدير


» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق