]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(( طبائع الخلائق .. بين الإكتساب والتوارث ))

بواسطة: أحمد عبد النبي فرغل الدعباسي  |  بتاريخ: 2013-03-03 ، الوقت: 11:22:16
  • تقييم المقالة:

 

(( طبائع الخلائق .. بين الإكتساب والتوارث ))  

بقلم/ أحمد عبد النبي فرغل الدعباسي .

======================  

عن أبي موسى الأشعري: عبد الله بن قيس رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (  إنَّ اللَّهَ تعالى خلقَ آدمَ من قبضَةٍ قبضَها منَ أديمِ الأرضِ فجاءَ منهمُ الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ من ذلِك والسَّهلُ والحَزْنُ والخبيثُ والطِّيبُ ) رواه أبو النعيم في حلية الأولياء, والبزار في الأحكام الشرعية الكبرى . فالخلق متباينون في الخَلق والخُلق, منهم الأبيض والأصفر والأحمر والأسود, ومنهم الحسن الطباع, والشرس, والأخرق والأحمق, وغيرهم. فهكذا خلقهم ربهم, وهو ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) الأنبياء: 23 .  

 

يرث الإنسان من أبيه وأمه النسب والشكل والصفات, فقد يرث الإنسان كامل صفات أبيه, وربما ورث من أمه أيضا صفات كثيرة, فلقد روت أم المؤمنين عائشة عن رسول الله أنه قال: (اطلُبوا مَواضِعَ الأكْفاءِ لِنُطَفِكمْ فَإنَّ الرَّجُلَ رُبَّما أشبَهَ أخوالَهُ) رواه السخاوي في المقاصد الحسنة. وإن الوراثة والتربية من أبرز العوامل التي تشكل أخلاق الإنسان, فالطيب لا يخرج إلا طيبا, والأفعى لا تلد إلا أفاعي, ولا ينبت الشوك من العنب, وهذا مصداق لقول الله عز وجل في القرآن الكريم: ( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) الأعراف: 58 .  

لقد اختص الله تعالى بعض الخلائق بمزايا, مثلما اختص بني آدم بالعقل وبحمل الأمانة, واختص كل أمة من بني آدم بصفة. فلقد اختص الله أهل البادية والأعراب بصفة الخشونة في الطبع, وأهل الحضر والأريف برقة في الطباع, ولهذه الصفات تأثير على عقيدة الإنسان, مثلما قال الله تعالى عن الأعراب: ( الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  ) التوبة: 97 , ولقد رغّب الحق تعالى في السكنى في الحضر بعيدا عن حياة البداوة لما لها من آثر سئ على الطباع, وان كانت لها فوائد آخرى لا تخفى, ولكن ضررها أشد من نفعها, فذكر الله على لسان نبيه يوسف عليه السلام: ( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ) يوسف:100 , فكانت منة الله تعالى على بني إسرائيل كبيرة, ومن  أعظم المنن أن أخرجهم من حياة البداوة لحياة الحضارة .  

 

سُئل الشيخ العالم "محمد أبيض الوجه البكري الصديقي" ذات مرة: لما كان في أهل مكة قسوة القلب, وفي أهل المدينة لينها ؟, فقال: لأن أهل مكة جاوروا الحجر, وأهل المدينة جاوروا البشر. ويعني بالحجر: الكعبة, والبشر: رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فنجد أنه  لليوم أهل المدينة هم أرق قلوبها من أهل مكة, رغم تغير التركيبة السكانية لكلاهما, فتقريبا لم يتبق بمكة والمدينة من أهلها الأصليين القدماء الا أقل القليل, وأكثر ساكنيها اليوم من أعراق شتى, ولكن نجد من سكن المدينة غلب عليه اللين والرقة في الطبع, بخلاف أهل مكة, وخلاف أهل الطائف.  

 

سجل المؤرخون والإخباريون القدماء صفات بعض الأمم في كتبهم, ومنها ما لخصه "كبريت" - المتوفى 1070 هـ - في كتابه "رحلة الشتاء والصيف", فقال: ( حكى الصفدي في تذكرته عن الشيخ تاج الدين الفزاري أنه كان يقول: إن الحكماء وأهل التجارب يزعمون أن من أقام ببغداد سنة وجد في عمله زيادة، ومن أقام بالموصل سنة وجد في عقله زيادة، ومن أقام بحلب سنة وجد في نفسه شحاً، ومن أقام في دمشق سنة وجد في طباعه غلظاً، ومن أقام بمصر سنة وجد في أخلاقه رقة. والذي يظهر أن ذلك بحسب الخلطة مع مساعدة البقعة والاستعداد، فقد رأيت من أقام بمصر فظهر بالتجبّر وآخر بالمذلة.

رُويَ أنّ الله تعالى لما خلق الأشياء، قال القتل: أنا لاحق بالشام، فقالت الفتنة وأنا معك. وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة: وأنا معك. وقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال الحياء: وأنا معك. وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك.

ورُويَ أن الله تعالى جعل البركة عشرة أجزاء تسعة منها في قريش وواحد في سائر الناس، وجعل المكر عشرة أجزاء فتسعة منها في القبط وواحد في سائر الناس، وجعل النجابة عشرة أجزاء تسعة منها في الروم وواحد في سائر الناس.

وحُكيَ أن الحجاج سأل ابن القرية عن طباع أهل الأرض فقال: أهل الحجاز أسرع الناس إلى الفتنة وأعجزهم عنها، رجالها حفاة، ونساؤها عراة، وأهل اليمن أهل سمع وطاعة، ولزوم جماعة، وأهل البحرين قبط استعربوا، وأهل اليمامة أهل حق وائتلاف، وأهل فارس أهل بأس شديد، وعزٍّ عتيد، وأهل العراق أبحث الناس عن الصغيرة وأضيعهم للكبيرة، وأهل الشام أطوع الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق، وأهل مصر عبيد لمن غلب.

دع الأتراك والعربا ... وكن في حزب من غلبا

قال الجاحظ في كتاب الأمصار: الصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والحسن بهراة، والمروءة ببلخ، والبخل بمرو، والعجائب بمصر، قلت: وكلّ ذلك في كلّ أحد غاية ما في الباب، أن ذلك في هند أظهر منه في دعد، ومن أكثر من شيء نسب إليه. ) اهـ.  

 

وخلاصة ما نستنتجه: أن المكان والأرض هي التي يكتسب منها الإنسان طبائعه بشكل رئيس, بالاضافة الي التوارث الجيني من الأباء والأخوال, فنجد أنه يغلب على أهل البادية القسوة والغلظة مع فصاحة وحسن بيان, ونجد أن الرجل تتغير طباعه بتغير موطنه, وكذلك نجد أن إقليم أو مدينة ما تغلب عليها طبائع معينة, حتى وإن كانت تحوي مزيج من صنوف البشر من شتى الأعراق والقبائل .

فهناك من يقول أن أهم سبب في تكوين طباع الإنسان هو التوارث الجيني من الأباء والأجداد والأخوال, ولكني أرى أن الأصل هو المجتمع والبيئة التي يعيش فيها الفرد فهي من تكسبه الطبع, وهذا لا يمنع أن يكون للتوارث الجيني نصيب كبير من التأثير على طبع الإنسان . والله أعلم.  

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق