]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عن التشاؤم والعبثية من جديد

بواسطة: عثمان أيت مهدي  |  بتاريخ: 2013-02-27 ، الوقت: 21:00:00
  • تقييم المقالة:

 لست أدري لماذا تنتابني من حين لآخر، هذه المسحة السوداوية، التي تجعل أيامي ثقيلة ومملة، وأفكاري متشائمة وعبثية؟ صحيح، أتذكر أنني كنت في الثانوي، أقرأ وأحفظ الكثير من أشعار أبي العلاء المعري، لا سيما رائعته:

غير مجد في ملّتي واعتقادي     نوح باك ولا ترنم شاد

 

 كما كنت أحفظ لابن الرومي، الطائر الذي غرّد خارج سربه، كما وصفه عباس محمود العقاد، وما أجمل قوله !:

ولقد مُنِعْتُ مِن المَرافق كُلِّها       حَتى مُنعتُ مرافق الأحْلامِ.

 

وأحفظ الكثير لأبي الطيب المتنبي الذي صارع الأيام التي كانت تحول دون أن يحقق أحلامه الكبيرة وأمانيه العظيمة، فخلدّ كلّ ذلك في قصائد ضمّنها حكما خالدة، يندر من يعرف المتنبي ولا يحفظ بعضا منها، أو يعشق المتنبي ولم يتأثر بكثير من آرائه وأفكاره الصائبة. كانت هذه المرحلة الثانوية، مرحلة المراهقة، مرحلة الصراع بين الطفولة والرجولة، مرحلة الصراع بين الواقع المعاش وأحلام الشباب. مرحلة الصراع بين الانتماء إلى عالم متخلف ضعيف والرغبة في ملاحقة الركب الحضاري المتطور. واتسعت مداركي، وتوسعت قراءاتي في سنوات دراستي الجامعية لتشمل الكثير ما جادت به أقلام العبثيين من فرانز كافكا في "المسخ" و "المحاكمة" سنة 1925، وألبير كامو ورائعته "أسطورة سيزيف" التي كتبها سنة 1942، حيث كان يرى أنّ كلّ شيء في الوجود معقول، ولكنه بالمقابل يرى علاقة الأشياء مع بعضها غير معقولة. إلى أرنست همنغواي وقصته الشيّقة "الشيخ والبحر التي كتبها سنة 1951 بكوبا، وكلاهما نال شهادة نوبل للآداب سنتي 1957 و 1954. ولم أكتف بقراءة الأدب اللامعقول أو العبثية، بل كنت أقرأ عن الدادئية والسريالية، المذاهب الأدبية التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية، التي نتجت عن معاناة الإنسان من هذا الواقع المرّ الذي شهدته أوروبا. وكان أثره على العالم العربي أقلّ حدّة، وبأقل عدد ممكن من الكتاب الذين تأثروا بهذه المذاهب المتمردة، المتشائمة، المثبطة للعزائم، الداعية إلى العزلة والضياع.  كنت أقرأ لهؤلاء ولغيرهم، ولم تظهر عليّ علامات التمرد ولا التشاؤم، كنت محبا للحياة، متنقلا من مكتبة لأخرى طالبا المزيد من المعرفة. أحببت الأدب الرومانسي وعشقته، ارتميت في أحضان الأدب الكلاسيكي واغترفت من ينابيعه الأصيلة، عانقت أشعار الجاهليين من أمثال: عنترة بن شداد، وزهير بن أبي سلمى، وعبيد بن الأبرص وغيرهم. أحببت ابن زيدون ولسان الدين بن الخطيب، رددت حكم ابن الوردي وغيره.. كنت كالنحلة أنتقل من زهرة إلى أخرى، ومن بستان لآخر. كلما قرأت لأحدهم أنساني ما قرأته للآخر، أو هكذا كان يخيل لي. كنت أعيش على وهم الثورات العربية، والسعي قدما نحو عصر متقدم زاهر. زعماء يرددون خطبهم الجوفاء على مسامعنا فتقشعر لها أبداننا ونتفاعل معها، زعماء يقودون شعوبهم بشعارات فارغة وعبارات جميلة ومنمقة، فتستكين وتنتظر اليوم الموعود. وكم سفقنا، ورقصنا، ومشينا، وتجمعنا.. وكم كانت تلك الأحلام سعيدة وجميلة؟ لولا أنّ الأيام قد اكتشفت سرّ خداعها، وأبانت عن هشاشة بنيانها، فانهارت وانهار معها الحلم الجميل.. وها أنا ذا أشعر بثقل الأيام ورتابتها من جديد، كلّ شيء يوحي بالملل واللاتجانس، فوضى، ضعف في الأخلاق والقيم. تفرّ الكفاءات العلمية والفكرية فتجد ضالتها بأوروبا، وتحلّ محلها أشباه الكفاءات. يتقلد المناصب أشباه الرجال، فيقودون الأمة إلى الهاوية. كلّ شيء يوحي بالرداءة، وكلّ شيء يوحي بالتخلف. استبداد، قهر، جهل، استهتار، صور سوداوية ولا أبالغ، ومن يرى عكس ما أرى فعليه بالدليل والحجة. وأحنّ ثانية إلى عبثية أدباء الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وأحنّ إلى قراءة شعر أبي العلاء المعري وابن الرومي، وأبي البقاء الرندي. أجد سعادتي في بكائي ونحيبي، وأنام على وقع أنغام المطرب القبائلي معطوب الوناس، ولافتات أحمد مطر، والشاعر الكويتي فهد العسكر الذي يقول:

يا صحابي ويلاه اِستأسد الثعلب         واستنعَجَـــتْ أســــــــــــودُ الغـــــــــابِ

 

والهزبر الهصور أصبـــــــــح كبشا          خاضعا رغم أنفـــــــــــــه للكـــــلابِ

 

وقضـــــــــــــــى نحبــــــــــــــــه هزاريَ لما          أصبح الروض مسرحاً للغرابِ

 

يا صحابي والدهر قد رفع العب         دَ وسامَ الأحرارَ ســـــوء العذابِ

 

بعــــــــــــدما طارد الرؤوس وأقصا           هم وغصَّ الميــــــدان بالأذنابِ

 

هل هي مرحلة نعيشها كما عاشها غيرنا، أم أنها ستمتد إلى سنوات طوال أخرى؟. تمتد من سقوط الأندلس غربا على يد الصلبيين، وسقوط بغداد شرقا على يد التتار، وتستمر بعد ذلك إلى سنوات الانحطاط والاستعمار ثانية، وتصدق بذلك مقولة: "التاريخ يعيد نفسه؟" أم هي ستنتهي باستنهاض الهمم، واستيقاظ الضمائر، وعودة الوعي لمواكبة العصر، إنّنا عنه متأخرون وغافلون؟  

 

عثمان أيت مهدي

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق