]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مذكرات د/محمد حبيب (1) تفاصيل الحياة اليومية للإخوان داخل المعتقل

بواسطة: د صديق الحكيم  |  بتاريخ: 2013-02-24 ، الوقت: 07:00:47
  • تقييم المقالة:

 

تفاصيل الحياة اليومية للإخوان داخل المعتقل يرويها د/محمد حبيب النائب الأول السابق للمرشد العام


طول فترة السجن سمح لنا بتكوين فِرق رياضية وتنظيم «دورى» بيننا فى كثير من الألعاب التى نتنافس فيها
بعد ستة أشهر تقريبا فُتح باب العنبر وسمح لنا بالتريُّض فى الملعب الكبير بالملحق لمدة ساعة. أحسسنا أن الإخوان كانوا كما الأسود المحبوسة التى نالت حريتها، وانطلقت فى الغابة على طبيعتها فى الحركة والزئير. وبعد عام تقريبا زادت الساعة إلى ساعتين، ثم إلى ثلاث، إلى أن صار باب العنبر مفتوحا من الصباح حتى المساء. كانت فرصة لأن تكون هناك فرق رياضية فى كرة القدم والطائرة وتنس الطاولة، وأن يكون هناك دورى، وتوزيع جوائز فى النهاية للفرق الفائزة. لاحظنا أن الإخوان فى ممارستهم الرياضة شأنهم شأن بقية الناس يفرحون حين يفوزون ويحزنون ويتألمون حين ينهزمون. رأينا بعض الإخوان يمارسون الخشونة فى اللعب بشكل غير مقبول، ولا بأس فى أن نجد مشاحنات داخل الملعب، الأمر الذى جعلنا نقوم بعمل توجيهات وتعليمات للفت أنظار الإخوان إلى الهدف الحقيقى من ممارسة الرياضة.

بالطبع كان هناك إخوة متميزون للغاية فى ممارسة رياضة كرة القدم أو الكرة الطائرة أو تنس الطاولة، أو فى اثنتين منها، أو فيها جميعا. وكان رؤساء الفرق يتنافسون على ضم هؤلاء الإخوان إلى الفرق التابعة لهم، طمعا فى الفوز. وكان هناك أيضا إخوان ليس لديهم أى مهارة فى أى من هذه اللعبات.

وهؤلاء كانوا يعانون -للأسف- التجاهل التام من رؤساء الفرق فى أثناء عملية الاختيار. وقد يظل بعضهم طوال الوقت متفرجا. وكان أخونا م.خيرت الشاطر من هؤلاء، ففكر أن يجمع كل المتجاهلين فى فريق واحد أطلق عليه «فريق السعادة»، على اعتبار أن هذا الفريق ذو إمكانات محدودة ومتواضعة، وهو لا بد سينهزم أمام كل الفرق، الأمر الذى يجعله يُدخل السعادة والسرور على قلوب إخوانه من الفرق الأخرى. المهم أننا فوجئنا بهذا الفريق يستأسد فى إحدى المرات ويتفوق على الفريق المنافس، ويتحول بذلك من فريق السعادة إلى فريق الحزن والأسى!

كان هناك تنافس شديد فى لعبة تنس الطاولة بين الإخوة الدكتور محمود العرينى والأستاذ محمد بدوى، والدكتور مصطفى الغنيمى. وكان الأول والثالث يتعاونان على هزيمة الثانى، ويفرحان إذا هزماه. وفى يوم رأيت الأستاذ محمد بدوى يدخل العنبر وهو فرح للغاية، فسألته عن أخويه ولماذا لا نسمع لهما صوتا، فقال: ولما سقط فى أيديهم ورأوا أنهم قد غلبوا. إشارة إلى الآية الكريمة من سورة الأعراف عن قوم موسى بعد أن تركهم وذهب إلى ميقات ربه:

{وَلَمَّا سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 149].

فى يوم دعيت إلى تحكيم مباراة كرة قدم، وقد تصور الإخوان أنه بسبب مهاراتى فى كرة القدم فهذا يستلزم أن أكون عالما بقوانين التحكيم، ولما كانت الحقيقة غير ذلك فقد أصدرت قرارا لخطأ وقع فى منطقة الجزاء على أنه خطأ عادى، ومن ثَمَّ أضعت فرصة ضربة جزاء على الفريق الآخر. وقد نبهنى أحد الإخوان إلى ذلك. دخلت العنبر فالتقيت الأخ المهندس عبد الوهاب شرف فأخبرته بخطئى فى القرار المذكور، فكان رده! لا عليك. هؤلاء ليسوا «لعيبة» أيضا!

من الطرف اللطيفة أن الأخ الدكتور أنور شحاتة -رحمه الله- حين تم اختياره مسؤولا، جلس أمام إخوانه ليلقى كلمة بهذه المناسبة، ليعرض فيها برنامجه الثقافى والرياضى والفنى والاجتماعى. فى النهاية قال: لن نبلغ الكمال، فالكمال لله تعالى وحده، وستكون أخطاء وثغرات، فأرجو من إخوانى أن لا يدخروا وسعا فى تنبيهنا وإرشادنا، ولن يكون هناك حرج لدينا أو حساسية فى الاستماع إلى ما يوجه إلينا، فلا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها. كنت جالسا وبجوارى الأخ العزيز، الشاعر والأديب، الشيخ على متولى نستمع مع الإخوان إلى هذه الكلمات، وإذ بالشيخ على يميل علىّ ويقول لى همسا: ما شاء الله. ما شاء الله. خلافة راشدة على منهاج النبوة!

من الطرف اللطيفة أيضا أن الأخ الدكتور السيد عبد الستار المليجى كان دائم الشجار مع بعض إخوانه، خصوصا الأخ الأستاذ سيد نزيلى، فطبيعة الأخوين كانت مختلفة تماما. وفى يوم فوجئت بالأخ السيد عبد الستار يطلب منى أن أعطيه كلمة بعد الفراغ من صلاة العصر. قلت: ليس هذا دورك، وإن شئت أن نستأذن لك من صاحب الدور. وفعلا تم ذلك. وإذ بالدكتور السيد عبد الستار بعد أن حمد الله وأثنى عليه يقول: الحقيقة يا أخوان. أن أمى -رحمها الله- جاءتنى فى المنام بعد صلاة فجر هذا اليوم، وقالت لى: يا سيد أوقف كل مشاحناتك مع إخوانك. وأنا إن شاء الله تعالى، واستجابة إلى توجيهاتها لن أشاكس إخوانى بعد اليوم. قلنا: على الله يا سيد تسمع كلام أمك على طول. وإذا حدث أن عدت للمشاكسة فسوف نستدعيها لتحضر إليك فى المنام!

كان لنا برنامجنا الثقافى اليومى. والحقيقة أننا استفدنا من الإخوان استفادة هائلة، لم تكن لتتوافر فى غير هذا الظرف أو الحال.

كان هناك درس يومى فى اللغة العربية على يد أستاذنا الشيخ على متولى. درّس لنا قواعد النحو والصرف، وكان يأتى بآيات من القرآن الكريم لنقوم بإعرابها، وقد جمعت هذا فى كتيب أسأل الله تعالى أن ييسر لى الوقت كى أقوم بنشره، لتعميم الفائدة منه. كما درّس لنا البلاغة. كان الشيخ على -منحه الله الصحة والعافية وجزاه عنا خير الجزاء- قمة فى ذلك كله، وقد أفادنا إفادات عظيمة فى هذه المجالات، وما زلنا نذكر فضله علينا إلى الآن.

وقد كلفت أيضا من قبل بعض إخوانى بتدريس كتاب: «مدخل إلى علم السياسة» للإخوان من ذوى الاهتمام بهذا المجال المهم. وقد استمر التدريس لأشهر، وأشهد أنى كنت من أكثر المستفيدين منه، كما كانت لى قراءاتى الخاصة فى ما له صلة بهذا العلم، أقصد الاجتماع السياسى وغيره.

وقد درّس لنا الدكتور عصام العريان مبادئ فى علم القانون، وكانت ذات فائدة كبرى، كما ألقى الدكتور عبد الحميد الغزالى علينا عدة محاضرات قيمة فى الاقتصاد، وكذا الأخ المهندس خيرت الشاطر فى الإدارة والتخطيط.

كان هناك أيضا عرض وتلخيص لبعض الكتب من أمثال المؤلف القيم «شخصية مصر. عبقرية المكان» للمفكر والأديب والفيلسوف الراحل د.جمال حمدان، والتلخيص للمؤلف الأول كاتب هذه السطور، والكتاب الثانى كان من نصيب الدكتور على عمران.

وقد قام الأخ أحمد محمود بتدريس بعض العلوم المرتبطة بالكمبيوتر والشبكة العنكبوتية وما إلى ذلك. كما تناولنا تاريخ الإخوان، خصوصا فى الفترة الحرجة التى تولى فيها السيد المستشار حسن الهضيبى موقع المرشدية، وقد قام بهذا الأخ محمد فرج بتكليف منى، وذلك من كتاب «الإخوان المسلمون. أحداث صنعت التاريخ» للأستاذ محمود عبد الحليم، يرحمه الله.

وقد أتحفنا الحاج حسن الجمل -رحمه الله- بسرد تجربته الجهادية على أرض
فلسطين. كما قام أيضا الحاج محمود أبو ريا بالحديث عن ذكرياته عبر المراحل المختلفة من الدعوة، خصوصا مع الإمام البنا. وكذلك تحدث الأستاذ عيسى عبد العليم عن تجربته وحياته.

ولا شك فى أن عرض هذا التاريخ من أفواه أناس عاشوه، وكان منهم من شارك فى صنعه، مثّل بالنسبة إلينا رصيدا هائلا، مفيدا ونافعا، ليس لحاضرنا فقط، لكن لمستقبلنا أيضا. فالتاريخ هو ذاكرة الأمة ووعيها ومخزونها العلمى والمعرفى، وكما هو معلوم أن الأمة التى تغيب أو تغيّب ذاكرتها مقصود بها أن تفقد أصلها وتنبت عن جذورها، حتى لا يكون لها حاضر أو مستقبل.

كانت هناك أيضا فرصة كبيرة فى أن يتحدث كل أخ منا عن مهنته، فقد كان منا الأطباء والمهندسون والعلميون والزراعيون والتجاريون والاجتماعيون والمعلمون والجغرافيون. إلخ. وقد أفادنا ذلك أيما فائدة، وأعطانا ثقافة موسوعية لا يمكن أن تتوافر لنا فى أى ظرف آخر.

كانت هناك كذلك فرصة كبيرة فى أن يتحدث كل أخ منا عن حياته ونشأته، تجربته، وطبيعته النفسية والعاطفية والوجدانية، وقد أثر هذا فى قوة الرابطة بين الإخوان، فليس هناك أفضل من أن يعرف الإخوان بعضهم بعضا.

إن السجن مدرسة تربوية عالية المستوى. فيها يتهذب السلوك، وتتشذب الأخلاق، وتترقى الروح. الكثير منا حفظ القرآن كله وصار له فيه ورده اليومى الثابت. البعض كان ورده سبعة أجزاء ونصف الجزء يوميا، بحيث يختم القرآن كل أربعة أيام، والبعض الآخر يختم كل سبعة أيام أو كل عشرة أيام. كانت أصوات الإخوان تتصاعد بالقرآن كدوى النحل، تماما كما صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكانت هناك حلقات تعقد لتفسير القرآن من «الظلال» للشهيد سيد قطب، و«القرآن العظيم» لابن كثير، و«صفوة التفاسير» لمحمد على الصابونى. كانت هناك أيضا حلقات لدراسة علوم القرآن، والفقه، وعلم أصول الفقه، والسيرة، والحديث.

كان هناك قيام الليل، مدرسة الأوابين، حيث صفاء الروح والذهن والقلب والوجدان. حيث الحياة مع الملأ الأعلى، مع الملائكة، بعيدا عن المادة وجواذب الأرض. لا انشغال بأى شىء سوى العبادة. لا انشغال بأهل أو ولد، أو بمال أو جاه أو سلطان. لقد أتى الله تعالى بنا إلى هذا المكان ليعلمنا كيف تصفو النفوس وترقّ القلوب، ويتعمق لدينا الشعور بأن الله وحده هو صاحب الأمر كله. فى تلك اللحظات لا أدرى لماذا كانت تلح علىّ دائما تلك الآية وهى آخر آية من سورة هود:

{وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

كأن الله تعالى يريد أن يقول لنا: إن جهدكم مطلوب، والتضحية مطلوبة، والسعى بكل الوسائل لتبليغ هذه الدعوة مطلوب، لكن تبقى الحقيقة الكبرى ساطعة وواضحة، وهى أن بلوغ الهدف والوصول إلى الغاية هو من عند الله تعالى، حتى لا يغتر أحدنا يوما ما بعدد أو جهد، فهو وحده سبحانه صاحب التوفيق وواهب النصر، وهو ما كان يعتقده بيقين الأنبياء والرسل الكرام، وفى مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتأمل حاله وهو يدخل
مكة فاتحا فى عشرة آلاف مقاتل، وقد أحنى هامته تواضعا لله حتى إن طرف لحيته ليمس ظهر ناقته اعترافا منه صلى الله عليه وسلم بأن النصر من عنده. الشىء نفسه فقهه صحابة النبى صلى الله عليه وسلم، وانظر إلى ما رواه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت وهو يتحدث عن سبب نزول سورة الأنفال. يقول رضى الله عنه: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم الله العدو» الحديث... أقول: استخدم عبادة ألفاظ: خرجنا، شهدت، التقى الناس. لكنه حينما يتحدث عن النصر نسبه إلى الله عز وجل


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق