]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

إياك..إياك أن تفعل (قصة الرجل الذي جاء قبل ثلاثة قرون) مأساة الحداد الموريتاني

بواسطة: عبد الله ولد محمد آلويمين | abdallahi mohamed alweimin  |  بتاريخ: 2013-02-23 ، الوقت: 19:19:57
  • تقييم المقالة:

يحكى أن رجلا وفد لقرية وأقام بها عريشا، ولما انبلج الفجر خرج يؤذن في الناس للصلاة، وبعد أيام قطع شجرة ونحت منها ألواح وجدف قلما وحفر من حجر صخرة دواة، وبدأ يدرس صبيان القرية، فمر به رجل ووقف أمام نصب عينيه قائلا (إياك.. إياك) وخرج مليا.
لم يبالي به الرجل الوافد للقرية، وداوم الرجل على ذالك الحال كل يوم يكرر (إياك.. إياك) حتى صار ظهوره بالنسبة للرجل الوافد أمر عادي كبزوغ الفجر كل يوم.
مرت الأيام تباعا واخذ الرجل يحفر للقرية التي كانت تعيش كالدواب بلا حول محلاب لحلب الأنعام وينحت قواعد حمالات الأمتعة المزخرفة بنقوش ساحرة، ثم بدء يصنع السرج وراحلة ركوب الجمال والمرجل والمرقات وإناء الغذاء والقدح والركيزة والسرج والدلو والرشى، وأباريق الشاي وحمالة الفحم، وأوتاد الخيام وزينة النساء من خلاخل وأقراط ذهب ومع كل يوم يظهر له الرجل قائلا (إياك.. إياك) ويخرج مليا.
أما زوجة الرجل الوافد فهي الأخرى منذ قدومهما بدأت تنسج الحصير لأهل القرية المفترشين للتراب وتجلد بالجلود المصاحف المتآكلة وتفتل ألجمة الخيل وتزين كؤوس الشاي وتزخرف بإبداع وحنة، ايادي النساء وتظفر شعرهن وتجمل وجوههن وأيضا تداوي أمراضهن.
وكان رجال القرية يقضون أيامهم بين النوم والأكل والجنس دون عمل ونسائهم بين التحديق والنوم دون حراك حتى بتن مضرب الأمثال في البدانة.
وفي يوم سمعت القرية أن قرية أخرى كافرة بالله تريد لإغارة عليها، فأخذ الرجل الوافد زبر الحديد يطرقها على سندان ويذيبها في كير، ويخرجها سيوف ورماح، وبنادق وبارود ودروع، فخرج له الرجل مرة أخرى صارخا (إياك.. إياك) وخرج مليا. 
تعجب من ظهوره وأهل القرية في استنفار للحرب، فانتفض نحوه متداركا إياه ومتسائلا: إياي ماذا يا هذا.. فالتفت إليه قائلا إن عالمهم وصغيرهم وكبيرهم وجاهلم سواء فإياك.. إياك ومضى في سبيله مليا مليا.
استمر الرجل في عمله وصلاته ونسكه، ولما توفي والداه وقد أبرهم وأحسن عشرتهم، مات هو الآخر من الحزن وورث ولداه عمله، وجدف الزمن مضيا يطوي قرون الدهر تباعا، وصارت القرية دولة وأصبحت ذرية الرجل شيعة.
عقل الأحفاد على الناس تزدريهم وتميزهم وتكرههم وتصورهم بأبشع التصاوير وتتنكت عليهم وتذلهم وتمارس التمييز ضدهم دون أن يتبنوا سببا لذالك، فقرر كبيرهم مرة أن يزور التاريخ، "والتاريخ" شيخ هرم يسكن جبلا في الدولة، يعرف كل صغيرة و كبيرة في التاريخ ليعرف الذنب الذي صاروا بسببه على هذه الحالة، فربما ارتكب احد أجدادهم جرم يجهلونه، ومكث الرجل شهورا في طريقه إلى التاريخ، ولما وصل وقف نحوه الشيخ الهرم ولم يقف من قبل لإنس ولا لجن من الدولة، وأجلسه على بساط قربه، فتكلم كبيرهم قائلا: 
يا شيخنا إن لي أمرا أريد منك أن تفتني فيه، فقد عاصرت القرية من البدء حتى اليوم، وإن لك عند الله أجرا، فقال إني أعرفك واعرف جدك، فاسأل ولك الجواب، فسأله، لماذا تكرهنا الناس؟ لماذا كبيرهم وعالمهم وشيخهم وحتى أصدقائنا الذين يعيشون معنا، علنا أوفياء، يميزوننا ويذلونا، ماذا ارتكب أجدادنا مما تعرفه ونجهله فإن عرف السبب بطل العجب؟ 
أيها التاريخ هل سرق أحدنا من قبل؟
كلا.
هل خان أمانة؟
كلا.
هل نحن من آل لوط أو عاد أو ثمود؟
كلا.
هل جئنا من قبل بناقصة من أي نوع؟
لا علم لي بذالك.
هل كانت بناتنا فاسقات أو مفرطات؟
كلا والله
هل كنا مملوكين من قبل؟
كلا 
هل جدنا بلا أب؟
أنت تعد إلى أباك الثاني عشر.
ما الأمر إذا أيها التاريخ؟
ما أعرفه أني وأنا شاب لما جاء جدكم الكبير لهذه الأرض واخذ يبنيها بجيده كنت أمر عليه أقول له (إياك.. إياك أن تفعل) ولكنه لم يسمع كلامي، فهذه الأرض بها بقية من جاهلية أو بقية من اللا مفهوم، تسكن العالم الجليل قبل الجاهل، قد تدفعه لأن يتقول على الرسول ما لم يقل، يهوى أهلها استعباد الناس وإذلالهم ليبقى بعضهم متمجدا من ذالك، ففي هذه البلاد بعض الناس من حقهم أن يظلموا ويتكبروا ويتجبروا ويدوسوا كرامة الناس ويخوضوا في أعراضهم ويدنسوا شرفهم وتاريخهم ما شاءوا من الزمن والقرون، وعندما يتأوه أحد كم تعجبا، فعليه أن يسامح وأن يكون مدنيا في نضاله، وينسى ويحافظ على وحدة الوطن وأن يكون غاندي، ولا بأس إن عفا عن ما سلف ففي النهاية هم حاشاهم أكبر من العدالة، ولكن إياك أن تسامح أو تصالح، ولا تبتئسوا بما يفعلون، فيكفي أن أحفادهم سيبقون إلى الأبد وهم اليوم في سياراتهم الفارهة يعرفون في غضاضة أنفسهم أنكم من بنى با لسندان والمطرقة مجدهم وبلدهم ومكارمهم حتى ولو كابروا وأنكروا ذالك.
كم كنت أتمنى لو كانت الحدادة نسبا، لكنت يازائري حفيد نبي الله داوود، مع أنهم كانوا سيزاحمونكم عليها، ولكن حتى وأنتم في العصر الحديث والقرن الحالي يمكن للواحد منكم أن يسير في أكبر الشوارع باعتزاز وهو مثقف آمن من أن سبابة لن تمتد نحوه قائلا صاحبها: ذاك ممن اختلسوا البلاد وبنا من سرقته قصورا وربى أبناءه وزوج بناته، فما بني من حرام فالنار أولى به، أو ذاك سجين سابق بتهمة اغتصاب أو تهريب مخدرات أو بيعها، أو لا يكفيكم هذا ريثما تحين الآخرة، ويتجلى الباري يسعر جهنم ينتقم لعباده؟ 
وقف كبيرهم متأوها ولتفت للتاريخ الهرم قائلا:
أجل يكفينا وهو كذالك ما لم تكن تؤخذ علينا ناقصة، فكل شيء الآن لا شيء، ثم أردف قائلا "ولكن ما لذي كنت تريد أن تقول لجدنا في شبابك لما كنت تناديه إياك إياك"، فأجابه التاريخ الهرم قائلا:
كنت أريده أن يتوقف ويعود من حيث أتى.. 
ولكن لماذا؟
لأن:
(وَمَنْ يَصْنَعِ المَعْرُوفَ معْ غَيرِ أَهْلِهِ ... يُـلاَقَ الَّذي لاَقَى مُجِيرُ امِّ عَامِرِ
أدامَ لها حِينَ استَجَــارَتْ بقُرْبِهِ ... لهـا محْضَ ألبَانِ اللقَــاحِ الدَّرَائِرِ
وَأَسْمَنَهَا حَتَّى إذَا مَـا تَكَـامَلَتْ ... فَــرَتْهُ بأنْيَــابٍ لَهَـــا وَأظَافِرِ
فَقُلْ لِذِوِي المَعْـرُوفِ هَذَا جَزَاءُ مَنْ...بَدَا يَصْنـعُ المَعرُوفَ فِي غَيْرِ شَاكِرِ)


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق