]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أصحاب الغاية الثالثة

بواسطة: عثمان أيت مهدي  |  بتاريخ: 2013-02-22 ، الوقت: 22:52:32
  • تقييم المقالة:

 للبشر ـ  حثالة وسادة ـ غايتان في هذه الحياة: إمّا عبادة الله الواحد الأحد والإلتزام بما شرعه له من فرائض وسنن، وهذه الغاية هي الأصل لا يزيغ عنها إلا ضال أو أحمق. وإمّا عبادة الشيطان الرجيم بما يفرشه لأتباعه من ورود وحرير وذهب ثمين، وهذه الغاية قلّ من حمى نفسه منها وأدرك خطورتها في حينها فأعرض عنها وراح يهرول إلى ربّه باكيا تائبا متضرعا بالدعاء طالبا الغفران والصفح المبين.

يتأرجح الإنسان في عمومه بين الغايتين، تارة يحمله تيار الإيمان إلى عوالم الصدق والإخلاص والوفاء فيبدو وكأنه ملاك بين الناس، قميص أبيض ناصع، لحية خفيفة تزين وجهه البشوش، رائحة زكية تشيع من ثيابه، لا يتكلم كثيرا ولا ينافق ولا يبتغي وراء كلّ ذلك إلا وجه الله. وتارة يجرفه تيار الشر إلى عوالم الكذب والنفاق والرذيلة، لا يتوانى عن فعل المعاصي، طالما أنّ الشيطان قد أفتى بجوازها. يجاهر بظلمه وفسقه وقبحه، ولا يخجل إلا مما حرمه عنه إلاهه إبليس اللعين.  من الناس من يقضي شبابه مع الشيطان ويقضي بقية عمره مع الله نادما مستغفرا، وهؤلاء هم الأغلبية. ومنهم من يقضي شبابه مع الله في دور العبادة ثمّ ينقلب على عقبيه ويستغفر للشيطان من تلك الأيام الضائعة التي أبقته وحيدا فقيرا لا يملك شروى نقير، وأحمد الله أنّهم قلّة. البعض يبقى بين الله والشيطان لا يستقر على حال، باختصار الناس على أحوالهم مختلفون أشد الاختلاف. يبدو من خلال هذه المقاربة الذاتية أنّ الغايتين لا ثالث لهما، وما يسميه البعض بالثنائية يريدون بذلك: لا وجود لأكثر من شيئين متناقضين، الخير والشر، الحرب والسلم، الصدق والكذب.. والإنسان قد هداه الله النجدين، إما شاكرا أو كفورا، إما مطيعا أو عاصيا... إلا أصحاب الغاية الثالثة؟! فمن هم هؤلاء؟ وما شأنهم؟ وما علاقتهم بربهم الواحد الأحد وبالشيطان إبليسا لعينا؟ تفطن أصحاب الغاية الثالثة بذكائهم الخارق وحصافتهم المستنيرة أنّ الجمع بين الغايتين ممكن. فما الذي يمنعهم من إرضاء ربهم مع المحافظة على علاقة جيدة بالشيطان. قد يقول قائل أنّ هذا الجمع كان ولا يزال منذ القدم، وطالما استقر الكفر في قلب الإنسان صباحا ثمّ لا يحل المساء إلا وحلّ محله الإيمان، ولا ينام الإنسان مؤمنا إلا واستيقظ في الصباح كافرا، والروايات والقصص في هذا المجال كثيرة ومتعددة. لكن ما أعنيه بالغاية الثالثة، هو المزج بين الكفر والإيمان، بين القبول والرفض، بين الوفاء والغدر.. بمعنى أن يكون الإنسان كافرا مؤمنا، قابلا رافضا، وفيا غادرا. قد يبدو كلامي أغرب من أساطير الأولين ورغم ذلك هو حقيقة معاشة. في الحكم والأمثال نقول: أسقط عصفورين بحجر واحد، يريد أكل الكعكة والمحافظة عليها، يريد الزبدة وثمنها... وما أكثر هذه الأمثال، كنّا نضربها لاستحالة الجمع بين شيئين متناقضين، وإلا كيف يعقل أن تأكل الكعكة وتحافظ عليها في نفس الوقت؟ ولكن يشاء البشر أن يكون الأمر كذلك، سأوضح: كنّا على مشارف العطلة ننتظرها انتظار الغريب رؤية أهله وبلده بعد عام من الكد والتعب. يتصل المدير بفريق المجلة يطلعهم أنّ مسؤولا، بأمر من الوزير يرغب في بعث مجلة جديدة يساهم فيها الجميع. سقط الخبر كالصاعقة سيّما وأنّ الأمر صادر من الأعلى. كانت اجتماعاتنا منفردة وخلسة نثور فيها ثمّ نزمجر كالأسود الجائعة وننعت المسؤول بكل صفات القبح والغدر وبعدها نفترق إلى لقاء آخر نصبّ فيه غضبنا على هذا المسؤول الخائن. بدا لي اقتراح وجيه نقاطع هذه المجلة إلى حين نهاية العطلة ثمّ نبدأ سنة جديدة تحمل معها خيرا جديدا، ردّ البعض أنّ المقاطعة ليست حلا، نحضر الاجتماع ونتعرف على محاور المجلة وأهدافها ثمّ نتصرف وفق ما تمليه علينا ضمائرنا. يدخل المسؤول قاعة الاجتماع، يأخذ مكانه، يفتتح الجلسة بكلمة كان لها صدى وتأثيرا بليغا: كل كلمة تسجل على المحضر، لا داعي للكلام غير المسؤول، سيطلع الوزير على كل نفس من أنفاسكم. سكت الجميع، علت على وجوههم ابتسامة الرضا والقبول واشرأبت إليه الأعناق لتنصت إلى مداخلته. ما أحلى كلامك أيّها المسؤول! ما أروعك! لتكن ذخرا لهذا الوطن المفدى. ترفع الجلسة ويتنافس المتنافسون على التقرب منه والتعرف عليه والحصول على رقم هاتفه: نحن عبيدك، نخدمك دون كلل. يفترق المجتمعون، ونعود ثانية إلى لقاءاتنا الثنائية أو الثلاثية على الأكثر، تبدأ آلة المنشار تفعل فعلتها في جسد المسؤول، وينعت بكل صفات الشتم والسب. وعدت ثانية لطرح فكرة المقاطعة، لا بدّ أن نبرز وجودنا، أن نظهر له عدم رضانا بهذا العمل، في هذا الوقت بالذات. إنّه من العار أن يعاملنا بهذه السخافة المبطنة بالتخويف والإرهاب. لابدّ، لا بدّ أن نفعل شيئا.. نجتمع مرة أخرى بحضور المسؤول، ويفتح الجميع قاموس المفردات الدبلوماسية وألفاظ المجاملة والتزلف، الكلّ يعمل جاهدا لإرضائه والكلّ في خدمته وخدمة الوطن. اكتشفت المعادلة أخيرا، هي أن تكون معارضا شرسا ومنبطحا على بطنك تلحس حذاء من يعرف كيف يروضك، أن تقول "لا" و"نعم" في آن واحد وبالتالي تأكل الكعكة وتحافظ عليها أمر ممكن جدا.. أصحاب الغاية الثالثة يعرفون أنّ الأكل على موائد الأغنياء والسمر معهم في لياليهم القمرية ثمّ الحديث للفقراء عن جرائم وجشع الأغنياء أمر ممكن.. أن تصلي وتزكي وتصوم في الوقت ذاته تظلم وتقذف وترتكب الفواحش والموبقات أمر ممكن كذلك.. ما الذي يمنع دون ارتداء ثوب الإيمان والكفر في آن واحد؟ لا شيء.. إنّه العصر كما يقول عامة الناس.. إنّها الدنيا.. وقد قال الشافعي ـ رحمه الله ـ : نعيـب زماننا والعيـب فينا           وما لزماننا عيـب سـوانا وليس الذئب يأكل لحم ذئب           ويأكـل بعضنا بعضا عيانا
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق