]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحركة الجمعوية بالجزائر، تطورها التاريخي وإطارها التشريعي

بواسطة: يمين رحايل  |  بتاريخ: 2013-02-22 ، الوقت: 21:34:09
  • تقييم المقالة:

 

الحركة الجمعوية بالجزائر، تطورها التاريخي وإطارها التشريعي بحث من إنجاز الأستاذ: يمين رحايل- أخصائي علم النفس والأنثروبولوجيا وفاعل جمعوي         يمكن تقسيم تاريخ الحركة الجمعوية في الجزائر إلى عدة مراحل تماشيا مع أهم التحولات الجذرية التي عرفتها الجزائر الحديثة على جميع الأصعدة أو أبعاد الواقع الاجتماعي، الذي يقسم في كليته إلى أبعاد ثلاث؛ اقتصادية، سياسية وثقافية[1] وهي أبعاد تنعكس مباشرة في الفعل الجمعوي بصفته جزء لا يتجزأ من الواقع الاجتماعي. وفي هذا المبحث سنحاول كشف الأساليب المختلفة التي تعاملت بها مختلف السلطات مع الظاهرة انطلاقا من القوانين المنظمة والمسيرة للقطاع، والتي يمكن أن تندرج ضمن ثلاث مراحل كبرى؛ مرحلة السيطرة الاستعمارية من 1830 إلى 1962 وهو تاريخ استقلال الجزائر وبداية مرحلة الدولة الوطنية التي انتهت بأحداث أكتوبر 1988 والإعلان عن مرحلة جديدة في تاريخ الجزائر والموسومة بالانفتاح السياسي والاقتصادي والتي يمكن تقسيمها إلى مرحلتين؛ مرحلة العشرية السوداء والتي عرفت انزلاقات أمنية وسياسية خطيرة أدخلت البلاد في دوامة من العنف، لنسجل بعدها مرحلة ما بعد العشرية السوداء التي تعرفها البلاد حاليا. وقبل التفصيل في وضعية الحركة الجمعوية خلال هذه المراحل سنحاول إلقاء نظرة على البنية التقليدية للمجتمع الجزائري لمعرفة الأسس التي تحكمه وتسيره.  01 - البنية التقليدية للمجتمع الجزائري ومنطق الجماعة: ينتمي المجتمع الجزائري التقليدي تاريخيا إلى المجتمعات المسماة "المجزأة" أي المفتقدة للسلطة المركزية وهو أمر يتجلى من خلال الرفض الذي واجه به السكان المحليين عبر مختلف الحقب التاريخية كل محاولات إخضاعه لبعض الأنظمة المركزية لاسيما الإمبراطورية الرومانية، العثمانية وأخيرا الفرنسيين، وفي المقابل اعتمادها على أشكال تنظيمية أخرى تقوم على أساس الدم والنسب، وهو ما عبر عنه كارل ماركس في النص التالي:  "إن الجزائر تحتفظ بأهم الآثار للشكل العتيق للملكية العقارية، حيث كانت فيها الملكية القبلية والعائلية غير المنقسمة أوسع أشكال الملكية انتشارا، حيث عجزت قرون من السيطرة العربية والتركية وبعد ذلك الفرنسية، عن تحطيم التنظيم المبني عن الدم"[2].   وفضلا عن ملكية الأرض ووسائل الإنتاج فالولاء والانتساب كان في كل مرة يكرس فكرة التصنيف ضمن هذه المجتمعات المسماة "المجزأة" على أساس الدم والنسب وهو ما معناه نفي الدولة حيث أن القبائل كانت تعرف الاستقلال السياسي والاكتفاء الاقتصادي[3]، وهذا النوع من المجتمعات أسهب الأنثروبولوجيون في دراسة الأسس التي تقوم عليها، حيث يرى "م سميث" أنها مجتمعات قائمة على النسب والقرابة، وعلى الإطار الإقليمي أو الأرض كما يرى "راد كليف براون" وما لهما -القرابة والإقليم- من انسجام[4] في تحديد بنية هذه المجتمعات وتحديد العلاقات المنسوجة حول القرابة والانتماء العشيري كما بين ذلك "مالينوفسكي"[5]، ومنه فالعلاقات تسير وفق منطق العرف وهو ما عبر عنه "جاك بيرك" بالقانونية الخاصة التي كان يخضع لها الواقع الاجتماعي الجزائري[6]، والتي كانت توفر للفرد الحماية الاجتماعية والضمان الاقتصادي وتسيطر على جميع الأنشطة الاجتماعية وتسيرها وفقا لمنطق الجماعة.    02 - الحركة الجمعوية خلال المرحلة الاستعمارية (1830-1962): بالرغم من اعتماد المجتمع الجزائري التقليدي على الجماعة في تسيير شؤونه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بصفة عامة اعتمادا على المؤسسات التقليدية التي عرفها قبل التواجد الفرنسي كالزوايا والجماعات الدينية والعشائرية المختلفة التي عكفت السلطات الاستعمارية على دراستها وفهم أنظمتها بغرض تفكيكها وحلها أو السيطرة عليها واستغلالها كوسيلة للتحكم في المجتمع والسيطرة عليه*، فإن حركة تكوين الجمعيات  في الجزائر خلال العشريات الأولى من الاستعمار اقتصرت على النخبة من الأوروبيين كما ظهرت في الميدان الفلاحي وسط المعمرين سنة 1840[7] وإن كانت تفتقر للغطاء القانوني الذي يأطرها، كما ظهر البعض منها تحت إشراف عسكريين ومدنيين أوربيين بدافع السيطرة وانطلاقا من وجهة نظر عنصرية[8]، أما فيما يخص السكان المحليين فلقد كانوا يتحلون بوعي شعبي وروح جماعية عالية لاسيما في الأرياف قبل ثورة 1871 وهو ما يتجلى في تأسيسهم للـ"شرطية" وهو تنظيم سري يشبه في شكله التنظيمي الجمعيات في شكلها الحديث حيث تتكون من عشرة إلى اثني عشرة عضوا ينتخبون من طرف الدواوير ويتمتعون بسلطة مطلقة في تسيير أمور المناطق الريفية[9]، ثم عرفت  الحركة الجمعوية التطورات التالية:  02-01- الجمعية كجهاز موجه لخدمة الأقلية الأوربية ودعم الوجود الاستعماري؛ كانت بداية ظهور الجمعيات حسب المفهوم الحديث لهذه التنظيمات إثر صدور قانون الجمعيات الفرنسي المؤرخ بتاريخ: 05/07/1901 والذي يحدد كيفية إنشاء وتسيير وحل الجمعيات. وبالتالي تم تأسيس العديد من الجمعيات الرياضية، الثقافية والموسيقية، ازدهرت هذه الجمعيات في المدن الجزائرية في ظل أحكام القانون الاستعماري على الجزائر بوصفها مستعمرة فرنسية، أين وجدت تنظيمات تحمل طابع إداري؛ وتخص التجمعات الأوروبية التي تعمل على تنظيم نفسها على شاكلة المجتمع الأوربي، فيما يخص الطوائف والمذاهب الدينية، ومجمل السلوكات الاحتفالية المرتبطة بها أما بقية التنظيمات الأخرى فكانت أنشطتها موجهة كلية إلى الجاليات الوافدة من أجل توفير شروط العمل والسكن والصحة والدراسة والترفيه وربط العلاقات بينها، وإظهار الهدف الذي جاءت من أجله، وتوحيد جهودها للمحافظة على الامتيازات التي وفرتها لها القوانين التمييزية[10].  02-02- السلطات الاستعمارية تسمح بتأسيس بعض الجمعيات وسط الأهالي؛ فيما يخص الأهالي الجزائريين فالتنظيمات المقامة بينهم وعلى قلتها -(8.53٪ من الجمعيات المعتمدة في الفترة الممتدة من 1900-1962)- أغلبها مقامة في المجال الرياضي والفني، كما أن هذه التنظيمات، لم تأسس في بادئ الأمر لرد الفقر والجهل، وترقية المستوى الاقتصادي والاجتماعي والفكري للفئات المحرومة، بل كانت موجهة إلى شرائح اجتماعية خاصة عمل المعمر على استعمالها لخدمة مصالحه[11]، هذا قبل أن تظهر؛  02-03- جمعيات ذات نزعة وطنية موجهة للنضال ضد المستعمر؛ فيما بعد ظهرت الجمعيات الرياضية الإسلامية التي أخذت بعدا رمزيا لأنها كانت عموما الوجه المعاكس للجمعيات الرياضية التي أسسها الأوروبيون ولأنها كذلك واسطة للعمل الوطني الذي كان يتأكد شيئا فشيئا. وفي سياق الدعوة الإصلاحية ظهر نوع جديد من الجمعيات تمثل في الجمعيات الدينية[12]. هذا النوع الأخير من الجمعيات المنعوتة بالإسلامية كان يركز من خلال التسمية والفعل على مسألة الهوية ومحاولة إبراز التمايز عن تلك التي أنشأها الأوربيين وهنا نسجل تعاملت السلطات الاستعمارية معها بشيء من الحيطة والحذر واعتبرتها من المشاكل السياسية التي تعاني منها الجزائر الكولونيالية ويتضح ذلك مثلا من خلال التنظيم الجمعوي "حركة الأخوة الجزائرية" الذي أسسه الأمير خالد في 23 جانفي 1922 والذي كان يحمل روحا إسلامية واضحة في البيان التأسيسي للحركة الذي تطور عن موقف سياسي ذو بعد ديني كان واضحا من خلال الشعار الذي رفعه الأمير خالد في الانتخابات البلدية والذي اعتبره المستعمر خطر ووصفه بخطر التعصب الإسلامي[13]، وفي مناسبة أخرى عبرت عن مثل هذه التنظيمات بالخطر الحقيقي على السلطة الفرنسية بالجزائر وهو ما جاء في التقرير الرسمي الذي أعدته الإدارة الفرنسية في جانفي 1954 في حديثها عن التنظيمات الجمعوية بصفة عامة وعن جمعية العلماء المسلمين بشكل خاص والتي يقدمها التقرير على أنها المدرسة الحقيقية للوطنية بشمال إفريقيا[14]. أما التنظيمات الخاصة المسماة اجتماعية، فلقد تزايد نشاطها وأهميتها وتداخلت مهامها مع المراكز الاجتماعية التي أوجدتها السلطات الاستعمارية لتنفيذ سياستها اتجاه الأهالي كآخر ما بقي لها من وسائل الترغيب[15]، لتتحول إلى مشاركة جزائرية ذات طابع التزامي نضالي وسياسي عند انفصال الجمعيات الجزائرية عن الأوربية لتدعيم وتقوية الحركة التحررية الوطنية[16]، كما كانت تحمل في بعض الأحيان بعدا رمزيا يربط الشعب الجزائري بشعوب المغرب العربي و/أو المشرق كجمعية الأخوة الجزائرية-التونسية التي تأسست سنة 1910 في اسطنبول وكان لها فروع في دول عربية أخرى[17].  وعلى العموم فوضع الحركة الجمعوية في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية وإن كان إطاره القانوني المعروف باللبرالية والحرية المطلقة في تشكيل الجمعيات، إلا أن الوجود الاستعماري هو نفسه كان العقبة الأساسية أمام ممارسة هذه الحريات مما يجعل القوانين المتسمة بالتساهل وحماية الحريات واجهة لحماية الأقليات الأوربية.  03- مرحلة الدولة الوطنية (1962-1988): 03-01- الاحتكار والمراقبة ومحاولة دولنة المجتمع: لم تكن حرية العمل الجمعوي في هذه المرحلة أفضل حالا من المرحلة السابقة لتميز هذه الفترة بسيطرة الدولة، وتأطيرها ومراقبتها عن قرب لجميع فضاءات التنشئة الاجتماعية والجمعوية ودولنة Etatisation المجتمع وتأميمه بشكل عام[18]. ولأن الدولة في هذه الفترة كانت ترى أن مجالات العمل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وغيره مدمجة في طبيعة النظام السياسي نفسه، ورفضها المطلق لأي وساطة بين مؤسساتها والمواطن. ولسد الفراغ الموجود في هذا الميدان فلقد عمل النظام ومنذ البداية على إحداث تنظيمات متشبعة بأفكاره ولو ظاهريا، وكلفها بمهام الشريك المطيع، وأبعد كل منافس أو معارض من ممارسة أي نشاط يقربه من عامة أفراد المجتمع[19]وبشكل خاص مع مكونات الحركات ذات التوجه إسلامي كنتيجة لتحفظات رواد هذا الأخير إزاء التوجهات السياسية التي تبنتها السلطة والمتمثلة في النهج الاشتراكي، ومن أمثلة ذلك حل جمعية العلماء المسلمين سنة 1963 ووضع رئيسها الشيخ البشير الإبراهيمي رهن الإقامة الجبرية[20]، وفي سنة 1967 تعرضت جمعية القيم للحل كنتيجة مباشرة لتعاطفها مع جماعة الإخوان بمصر وموقفها من قضية إعدام السيد قطب، كما نسجل في هذه المرحلة العمل المنظم لمؤسسي جمعية الإرشاد والإصلاح وحركة مجتمع السلم فيما بعد ويتعلق الأمر بالشيخ محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني بتأسيس " جماعة الموحدين الإخوانية " سنة 1964 التي انتهت بالحل وبالحكم 15 سجنا على رمزها الشيخ نحناح بعد محاكمة عسكرية بتهمة العصيان المدني والمساس بأمن الدولة[21].  ومن الناحية التشريعية يمكن تقسيم هذه المرحلة إلى المراحل الفرعية التالية:      03-02- فرض الاعتماد المسبق وإنهاء فترة الشغور القانوني: من الناحية التشريعية فالفترة التي تلت الاستقلال وإلى غاية سنة 1971 تعرف في تاريخ القانون الجزائري بفترة الشغور القانوني هذا الشغور الذي مس القانون المسير للجمعيات التي استمر تنظيمها وتسييرها بموجب القانون الفرنسي لسنة 1901، دون إهمال تعليمة 02 مارس 1964 الصادرة عن وزارة الداخلية والتي تجيز لأعوان الإدارة العمومية والذين لهم علاقة مباشرة مع الجمعيات إلى إجراء تحقيق مدقق عن أهداف ونشاط الجمعيات المصرح بها قاضية بذلك على إجراءات التأسيس المبسط الذي ينص عليه قانون الجمعيات المعمول به بإدخالها إلزامية الحصول على الاعتماد المسبق[22] كإجراء وقائي، وهو ما علقت عليه الشبكة الأورو-متوسطية في تقرير موجز لها تحت عنوان؛ " حرية تكوين الجمعيات في الجزائر " بأن نتيجة هذا الإجراء هو هجر عشرات السنين من حرية الاجتماع وتبني قانون يفرض قيود كثيرة على هذه الحرية[23].  03-03- ترسانة قانونية لتكريس هيمنة العقلية الأحادية: بعد تعليمة 1964 جاء أول تشريع جزائري ذو مسحة اشتراكية منظم للقطاع الجمعوي والماثل في الأمر الصادر عام 1971 برقم 71/79 والذي أفرز بدوره حالة قانونية جديدة ثبتت أكثر بعد صدور الأمر المعدل رقم 72/21 بتاريخ؛ 07/06/1972، الحالة القانونية الجديدة هذه تعبر في حقيقة الأمر عن ذهنية تعامل السلطات العمومية السائدة مع مكونات الحركة الجمعوية فيما بعد. هذان الأمران غذيا وشبعا بجملة من الشروط والتوجيهات التي تعطي الهيمنة للعقلية الأحادية ووسائل المراقبة المركزية محافظة على التوجه السياسي والإيديولوجي المختار مركزيا، الأمر 71/79 يعطي الإدارة صلاحيات عديدة في مراقبة سير عمل الجمعيات وسن العقوبات الردعية والتي تصل إلى حد حل الجمعية إداريا وخارج الإطار القضائي المخول قانونا لذلك[24].   وفي سنة 1987 صدر قانون رقم 85/15 والمتعلق بالتنظيمات غير السياسية، ميزة هذا القانون على المستوى التطبيقي، إلغاء الاعتماد المسبق والرجوع إلى التصريح الإداري الذي كان معمولا به قبل سنة 1971 من حيث الفترة، والأمر رقم 71/79 من الجانب التشريعي لكن وبالرغم من العودة إلى الروح الليبرالية في مسألة تأسيس وتسيير الجمعيات التي جاء بها قانون سنة 1987 فإن المرسوم التطبيقي الصادر بتاريخ 02 فيفري 1988 سحب هذه الروح بإبقائه على صلاحيات الإدارة في عملية مراقبة تأسيس الجمعيات، لذا فإن الانفتاح القانوني على مستوى الحركة الجمعوية في هذه الفترة بالذات بقي ناقصا ولا يتماشى ومجمل التحولات التي حدثت على المستوى الاقتصادي والاجتماعي التي نفذت على حينه. استمرت هذه الوضعية القانونية على حالها إلى غاية صدور القانون رقم: 90/31 المؤرخ في 04 ديسمبر 1990.    04- مرحلة الانفتاح على المجتمع المدني (ما بعد 1988): تكتسي هذه المرحلة مكانة هامة في تاريخ الحركة الجمعوية نظرا لأهمية الأحداث والتغيرات التي عرفتها الجزائر خلالها، ولعل أهم ما ميز هذه المرحلة والذي يصب مباشرة في الموضوع المعالج هنا هو ظهور مصطلح المجتمع المدني كمفهوم وكممارسة بعد مخاض عسير وصراع مرير على استعماله كوسيلة من طرف السلطة للانتقال والخروج من الأزمة الحادة التي كان يعيشها أومن طرف المعارضة للمطالبة بحقها في المشاركة في تسيير شؤون المجتمع[25]، هذا الصراع الذي بلغ أوجه نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.       وفيما يخص أحداث أكتوبر 1988م فتعتبر تتويجا لمجموعة من الحركات الاجتماعية التي عرفتها الجزائر منذ بداية الثمانينات -حركة تيزي وزو 1980، حركة وهران 1982 وحركة قسنطينة 1986- لكنها تميزت بدرجة من الشمولية، وانتهاك لحقوق الإنسان لم تعرفها البلاد منذ استقلالها[26]. دخلت الجزائر أثرها في أزمة حادة زادها عمقا فشل عملية الانتقال السياسي التي حاول النظام السياسي إنجازها بعد 1988 ليس على المستوى الاقتصادي فقط، بتبني اقتصاد السوق، بل سياسيا كذلك بالمناداة بالتعددية السياسية والنقابية[27]، وهو الأمر الذي ترتب عليه انتعاش العمل الجمعوي كتتويج للانفتاح السياسي المفروض من أعلى والقائم على التعددية التي تجسدت تشريعيا في دستور 1989 وقانون التنظيمات ذات الطابع السياسي لذات السنة[28].  4-1- القانون 90/31 المسير للجمعيات وتداعياته: ما يميز الحركة الجمعوية في هذه المرحلة من الناحية القانونية هو صدور القانون رقم:90/31 بتاريخ: 04/12/1990م المنظم والمسير للجمعيات والذي يعتبر خطوة هامة ووثبة كبيرة في مجال الاعتراف بحرية العمل الجمعوي[29]، حيث كرس الحق في حرية إنشاء الجمعيات، رفع العراقيل البيروقراطية والإدارية وتبسيط إجراءات التأسيس... وهو ما ترجم في الواقع بالانتشار الهائل للجمعيات كماً ونوعاً وبشيء من الشمولية من حيث؛ النوع والانتشار الجغرافي بما في ذلك الجمعيات التي نتناولها بالدراسة في بحثنا هذا.  4-2- تسهيل إجراءات تأسيس الجمعيات: ويرجع الفضل في ذلك الانتشار الواسع للجمعيات بالدرجة الأولى إلى التسهيل في إجراءات التأسيس فالمادة 7 من القانون رقم 31-90 لعام 1990 تنص على أن الجمعية من اجل اعتبارها نظامية ما عليها إلا: - إيداع طلب التصريح لدى السلطات المختصة. - الحصول على إيصال بالتسجيل خلال مدة أقصاها 60 يوم من تاريخ الإيداع. - نشر قرار تأسيس الجمعية في جريدة وطنية على الأقل. وعن أسباب رفض التسجيل تنص المادة 4 من نفس القانون على أن طلب التسجيل يمكن رفضه إذا كان الأعضاء: - من جنسية أجنبية. - لا يتمتعون بحقوقهم المدنية. - إذا كان لهم سلوك مخالف لمصالح النضال من اجل التحرر الوطني.  وحتى الإجراءات العقابية التي يمكن أن تتخذ ضد الجمعية أصبحت تحال على الجهات القضائية المختصة فالمادة 23 من نفس القانون تنص على أنه؛ بناء على تحقيق من السلطة العامة المختصة، يمكن للقضاء الحكم بتعليق الجمعية وجميع نشاطاتها و ذلك عندما تمارس الجمعية نشاطات تخالف القوانين النافذة أو الأهداف المحددة لها. كما يمكن لنفس الأسباب حل الجمعية عن طريق القضاء (المادة 35). ولقد تم تأكيد هذه الأحكام بالمادة الخامسة من القانون و التي تنص على أن الجمعية تعتبر باطلة إذا كانت أهدافها مخالفة للنظام أو الأخلاق العامة. وبشكل عام من الناحية التشريعية يعتبر القانون المنظم والمسير للقطاع الجمعوي ميسر ومشجع لازدهار وتطور الحركة الجمعوية.   4-3- مبررات انتعاش الحركة الجمعوية في هذه المرحلة: بصدور القانون رقم: 90/31 المؤرخ في: 04/12/1990 كما سبق الذكر ظهرت جمعيات كثيرة العدد ومختلفة النوع؛ ثقافية، رياضية، بيئية، دينية، اجتماعية، نسائية...الخ. هذا الانفجار في المجال الجمعوي يرجعه البعض إلى قناعة أغلبية الجزائريين بفشل النموذج الاشتراكي (سيطرة القطاع العام على مختلف النشاطات) في تحقيق التنمية، وإلى الوضع الأمني الصعب للبلاد وتأثيره على تغيير نظرة مؤسسات الجمهورية لمفهوم الأمن، بالإضافة إلى التغيرات الجدرية التي اجتاحت المعسكر الاشتراكي والتي كان لديها أثر أكيد في الإسراع بتغيير نموذج تسيير المجتمع الجزائري[30]، كما يمكن إرجاعه إلى سببين رئيسيين؛ سبب اقتصادي وآخر سياسي:  - سبب اقتصادي: الذي تزامن مع أزمة الدولة السخية Etat providence والتي ترجمت بتراجع وتخلي الدولة عن بعض القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.  - سبب سياسي: الذي يعبر عن الطلب الهائل والقوي للتحرر الاجتماعي الذي أجهض من طرف أجهزة الدولة مما أنتج ردود أفعال من طرف المجموعات الاجتماعية خاصة الفئات الوسطى التي عانت من الأزمة الاقتصادية وكذا من العجز الكبير للفضاء الديمقراطي[31].  كما يرجع إلى الفراغ الذي كانت تعاني منه الساحة الوطنية فيما يخص هذه الظاهرة، فمثلا في سنة 1987 عدد الجمعيات الوطنية المعتمدة خلال السنة كان 06 جمعيات، ليرتفع سنة 1990 إلى 152[32]. وهو ما يجعل التفكير في أن عدد الجمعيات يمكن أن يكون مؤشر على ازدهار الحركة الجمعوية وكنتيجة للقوانين اللبرالية وتعامل السلطة مع المجتمع المدني، ويجعل المعرفة الكمية والوضعية الحالية للقطاع أكثر من ضرورية وهو ما سنعمل على البحث فيه في المبحث الموالي؛   [1] - سمير أمين، التمركز الأوربي نحو نظرية للثقافة، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 1992، ص 05. [2] - KARL MARX, les sociétés précapitaliste, ED, C.E.R.M.S.D, p 384  في: علي سموك، مرجع سابق، ص 188. [3] - نفس المرجع، ص 189. [4] - بالانديه جورج، الأنثروبولوجيا السياسية، ترجمة على المصري، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، بيروت، 1990، ص ص 42 -44. [5] - نفس المرجع، ص 180. [6] - JAQUES BERQUE, cent vingt cinq ans de sociologie maghrébine, ANNALES, E.S.C. 1956, p.p 175 في: علي سموك، مرجع سابق، ص 186. * - وهو ما يظهر في تلك الأعمال الإثنولوجية الأولى التي قام بها ضباط الجيش الفرنسي والتي في مقدمتها دراسة Edward de neveu   التي نشرت سنة 1845 ، أنظر: إدوارد دو نوفو، الإخوان –دراسة إثنولوجية حول الجماعات الدينية عند مسلمي الجزائر، ترجمة وتحقيق كمال فيلالي، دار الهدى، الجزائر، 2003. [7] - HACHI Omar, les associations déclarées, in Cahiers du CREAD, n°: 53, 3eme trimestre 2000.p52 [8] - أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي- الجزء السادس 1830-1954، المجلد الثالث 5-6، الطبعة الثانية، دار الغرب الإسلامي، 2005، ص ص 89، 90. [9] - مصطفى الأشرف، الجزائر الأمة والمجتمع، ترجمة: حنفي بن عيسى، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،1983، ص ص 64، 65. [10] - أحمد بوكابوس، " مقاربة سوسيوتاريخية لوضعية التنظيمات الاجتماعية والثقافية "، في؛ الزبير عروس، الحركة الجمعوية بالجزائر الواقع والآفاق، مرجع سابق، ص 70. [11] - نفس المرجع، ص 71. [12] - محمد إبراهيم صالحي، " التحديث وإعادة الأقلدة من خلال الحقلين الجمعوي والسياسي منطقة القبائل نموذجا "، في: إنسانيات، عدد 08، منشورات CRASC، وهران، الجزائر،1999 ،ص27.  [13] - عروس الزبير، الجمعيات ذات التوجهات الإسلامية في الجزائر، ط1، دار الأمين، القاهرة، مصر، 2006، ص32. [14] - أبو القاسم سعد الله، مرجع سابق، ص ص 205-206. [15]- أحمد بوكابوس، مرجع سابق، ص 74. [16] -عمر دراس، مرجع سابق، ص015. [17] - أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي- الجزء الخامس، المجلد الثالث 5-6، الطبعة الثانية، دار الغرب الإسلامي، 2005، ص ص 602، 603. [18] - عمر دراس، مرجع سابق ، ص05. [19]- أحمد بوكابوس، مرجع سابق، ص74. [20] - عبد الحفيظ غرس الله، "الجمعيات الدينية – جمعية الإرشاد والإصلاح الوطنية نموذجا"، في دفاتر CRASC، رقم 14-2005. [21] - عروس الزبير، الجمعيات ذات التوجهات الإسلامية في الجزائر، مرجع سابق، ص ص60-62. [22]- عروس الزبير، التنظيمات الجمعوية بالجزائر- الواقع والآفاق، مرجع سابق، ص19. [23]- الشبكة الأورو-متوسطة، تقرير موجز حول حرية تكوين الجمعيات في الجزائر، في الموقع:               http://www.euromedrights.net/pages/440/page/language/3    Le: 21/02/2008         [24]- عروس الزبير، التنظيمات الجمعوية بالجزائر- الواقع والآفاق، مرجع سابق، ص19.  [25] - عبد الناصر جابي، العلاقة بين البرلمان والمجتمع المدني في الجزائر الواقع والآفاق، مرجع سابق. [26] - عروس الزبير، " الدين والسياسة في الجزائر: انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 1988 نموذجا "، في: عبد الباقي الهرماسي (وآخرون)، الدين في المجتمع العربي، ط2، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت، لبنان2000، ص493.  [27]  - عبد الناصر جابي، " الحركات الاجتماعية في الجزائر-أزمة الدولة الوظيفة وشروخ المجتمع"، مرجع سابق، ص 312. [28] - عروس الزبير، التنظيمات الجمعوية بالجزائر- الواقع والآفاق، مرجع سابق، ص 21. [29] - بوسنة محمود، " الحركة الجمعوية في الجزائر؛ نشأتها وطبيعة تطورها ومدى مساهمتها في تحقيق الأمن والتنمية "، مرجع سابق، ص 135.  [30] - نفس المرجع، ص 138.    [31] - عمر دراس، " الحركة الجمعوية بالمغرب العربي "، في: دفاتر CRASC- رقم 05، منشورات CRASC، وهران2002 ص06. [32] - بوسنة محمود، مرجع سابق، ص 141.    
... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق