]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قبس من نور النبوة: 2.مكارم الأخلاق

بواسطة: محمد ممدوح يوسف  |  بتاريخ: 2013-02-22 ، الوقت: 08:31:11
  • تقييم المقالة:

عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ وَمَعَالِيَ الأَخْلاقِ ، وَيُبْغِضُ سَفْسَافَهَا " رواه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق..

عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ .. " رواه الطبراني في مكارم الأخلاق..

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما ، أن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،كَانَ يُكْثِرُ الدُّعَاءَ ، يَقُولُ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصِّحَّةَ وَالْعِفَّةَ ، وَالأَمَانَةَ وَحُسْنَ الْخُلُقِ ، وَالرِّضَا بِالْقَدَرِ " رواه البيهقي في شعب الإيمان..

كثيرا ما نقرأ عن الأمم السابقة وكيف أنها اندثرت وتلاشت من سماء الواقع ، وقد كتب المتقدمين والمتأخرين عن أسباب انهيار تلك الأمم أمثال المسعودي في كتابه مروج الذهب وقد تكلم عليه غير واحد من أهل العلم ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ، وابن عساكر في تاريخ دمشق ، وابن الأثير في كتابه الماتع الكامل في التاريخ ، وابن كثير في كتابه الرائع البداية والنهاية ، وجاء ابن خلدون في القرن التاسع الهجري ليضع واحد من أهم مصنفات التاريخ الجامعة المانعة وسماه "كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" والذي يعد محاولة عميقة لفهمٍ إسلامي لتاريخ العالم وأممه المختلفة ، وقدم له بمقدمة مذهلة فاعتبرها أهل العلم والفن مصنفا منفصلا وسماه "بمقدمة ابن خلدون"  ، و باتت تلك المصنفات وغيرها بمثابة مراجع علمية للبشرية كلها تصف لنا كيف كان حال تلك الحضارات وكيف انهارت وتلاشت كما نرى اليوم..

ولقد أمرنا القرآن الكريم في غير موضع بالتدبر والنظر في أحوال الأمم السابقة ، وعلة ذلك كما ذكره الدكتور/ أبو اليسر رشيد -أستاذ أصول الدين بجامعة القرويين- في مقال له نشر عن مجلة الداعي الصادرة من الهند قال فيها.:"فالغاية من ذكر أحوال الأمم الغابرة هي أن تترسخ السنة -أي سنة الله- في نفوس المؤمنين، وأن يفهم الناس أن الآخر سيُفعل فيه ما فُعل في الأول حين يسير في طريقه. وكل تلك القصص والأخبار تتلوها تعقيبات تؤكد هذه السنة والقاعدة التي صارت علمًا"..وفي كتاب الله قال تعالى " أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون "..

ولقد عدَّد هؤلاء المؤرخون أسباب انهيار الأمم والحضارات ، واختلفت رؤيتهم وتحليلاتهم لتلك الأسباب ، ولكنّ المتأمل لتلك الأسباب مع كثرتها وتنوع أشكالها ومصادرها ، يجدها تدور كلها في فلك واحد وتتفرع من جدول واحد وهو جدول الأخلاق ، ذلك النبع المائي الجاري المتدفق والذي ينشر مائه فيرتوي منه من أراد دون أن ينفذ أو يكلّ ، إنما مثل مكارم الأخلاق كمثل عين ماء صافي ببلدة ، يأتي إليه الناس من كل حدب وصوب ليرتوون ويشبعون ظمأهم ، ثم تأتي القوافل باختلاف ألوانها وأجناسها ويشرعون في إلقاء النجاسات والقاذورات في تلك العين المتفجرة ، فيسوّد مائه ويأسن بعد أن كان صافيا نقيا ، وتعطن رائحته ، و تتعاقب الأجيال والأزمان والناس لا يزالون يلقون بأوساخهم وأقذارهم في تلك البئر ، حتى اعتادت الأجيال المتعاقبة شكل ولون تلك البئر واعتقدوا أنها كانت كذلك من البداية فشربوا وامتلأت أرواحهم وقلوبهم بذلك السواد وملئت تلك الرائحة حياتهم وواقعهم..

وانقلبت الصور والحقائق أمام أعين تلك الأجيال فباتوا يرون القبح جمالاً والأسود أبيضاً والرزيلة فضيلة والمنكر معروفاً ، وامتلأت القلوب والأرواح والنفوس حقدا وغلا وحسدا وشحا وبخلا وقسوة ، فماذا تنتظر بعد ذلك إلا انهيارا مرعبا لمّا نسوا أوامر الله واجتناب نواهيه وانحرفوا عن مكارم الأخلاق وأبدلوها بالرذائل والنواقص فماتت قلوبهم وأرواحهم فأبدل الله عمرانهم وحضارتهم خرابا وانهياراً ورماداً قال تعالى "وضَربَ اللهُ مثَلا قريةً كانَت آمِنَةً مُطمئِنةً يَأْتِيها رِزقُها رَغَداً مِن كلِّمكانٍ فكَفَرت بأَنْعُم ِاللهِفأذاقَها اللهُ لِباسَالجوعِ والخَوفِ بِما كانوا يَصنَعون "..وقال تعالى"وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا. فذاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا"..

إن هذا الدين العظيم الخالد الذي قد اكتمل بنائه على يد أعظم البشر وسيدهم ، محمد صلى الله عليه وسلم ذلك الإنسان الكامل الذي أذهل العالم بأسره ، قد استطاع أن يبني هذا الصرح الهائل من الأخلاق العالية و التي استقرت في نفوس الجيل الأول استقرارا جعل منهم أمة غاية في التحضر الإنساني في ظل بيئة بدوية صحراوية تخلو من كثير من وسائل الرفاهية والعمران التي نراها في عصرنا الحالي.. 

استطاع عليه الصلاة والسلام في 23 عاما فقط أن يخلف ورائه أمة لم تشهد البشرية كلها في عظمتها وهيبتها وتقدمها ، أمة جعلت الناس كافة يدخلون في دين الله أفواجا غير مجبورين على ذلك بل طوعا منهم لَمَّا رأوا ظل ذلك البناء الأخلاقي الضخم حين يستظلون به من شمس الرذائل المحرقة للقلوب والأرواح ، أمة يعد كل واحد منهم فيها أمة بأسرها ، أمة يقف الواحد منهم أمام جبابرة الأرض وأشدهم تقدما وعمرانا -ظاهريا- فيجعل منه طفلا صغيرا يكاد لا يعرف شيئا من الحياة الدنيا ، وتأمل حال هرقل عظيم الروم حين سأل أبا سفيان عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال أبو سفيان: لايكذبون ولا يغدرون ولايرتدون عن دينهم سخطة فسأله هرقل بماذا يأمركم قال أبو سفيان: أن نعبد الله وحده ولا نشرك به ويأمرنا بالصلاة والصدقة ويأمرنا بالعفاف والصلة حينئذ أدرك هرقل تلك الرسالة العبقرية وقال: يوشك أن يملك موضع قدمي هذا وإنه لنبي ولو كنت عنده لغسلت قدميه.. روى معناه الطبراني في الكبير.. فتأمل..

أمة استحيوا من الله حق الحياء فحفظوا العقل وما وعى والبطن وما حوى ، أمة عبدوا الله كأنهم يرونه ، أمة اكتملت أخلاقهم وارتقت أرواحهم فملئوا العالم بالعلم والمعرفة والأخلاق الكريمة فاتبعهم الناس إلى دين الله أفواجا ، أمة شرّعوا قاعدة اجتماعية لم تستطع أمة في العالم أن تطبقها ولا حتى أن تفكر فيها ، تلك عقيدة المؤاخاة والتي فيها يشطر الرجل ماله شطرين نصف له وعياله ونصف لأخيه وذلك فقط لكونه أخيه في الإسلام لا غير ، أمة اكتملت عقول أفرادها اكتمالا جعلها ترى الله سبحانه في كل أية فقال "ألا كل شئ به آية تدل على أنه واحد" ، أمة تجسدت في مجتمعهم كل معاني الفضائل من الحب والكرامة والشهامة والصدق والأمانة حتى سمي أحدهم بالصديق والآخر بالفاروق رضي الله عنهما وسُمي معلمهم وسيدهم بالصادق الأمين ، أمة عرفت معنى الوفاء بالعهد ولو كان مع مشرك ، أمة أُمروا بالإحسان للجار حتى ظنوا أنه سيرثهم ، أمة أيقنت أن التقدم والتحضر لا ولن يكون إلا ببناء صرح أخلاقي يصل بأفراد الدولة إلى مرتبة قد تعلو عن مرتبة العابد الناسك الذي يزهد في الناس ويعتزلهم قربا لله سبحانه ، أمة علموا الصناعة والزراعة والتجارة وسنوا القوانين الأخلاقية لتضبط تلك الأعمال والصنائع فتخلو من الغش والنفاق والكذب وتطفيف الميزان ، أمة جعلت الأخلاق منهج حياة وليست فقط مجرد معاني منشودة فاتسمت كل أفعالهم بمكارم الأخلاق ، أمة حرم فيها كل ما ينافي الفطر والعقول والنفوس السليمة بل و حرم فيها أيضاً ما ينافي العرف الاجتماعي الصحيح حفاظا على الكيان الأخلاقي الموجود داخل المجتمع ، أمة وقرت الكبير واحترمت الصغير ، أمة متدينة ولكن لم يمنعها الإيمان عن التعايش مع الخلق بشتى أنواعهم وأجناسهم بخلق حسن راقي ، أمة أُمرت بالتوحيد الخالص لله سبحانه والتوحيد هو أسمى صور مكارم الأخلاق فالتوحيد يعني اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه وما كل تلك الأوامر الربانية إلا تجسيدا حقيقيا لمكارم الأخلاق ، كانوا رضوان الله عليهم يمسون ويصبحون ويتقلبون في فرش من مكارم الأخلاق..        

ونحن إن أردنا أن تمتد حضارتنا المشرفة بذلك الجيل ومن تبعهم بإحسان ، فعلينا أن نفهم جيدا أن مكارم الأخلاق هي السبيل الوحيد لذلك الامتداد الحضاري المنشود ، إن مكارم الأخلاق هي الركن الركين الذي تؤسس عليه الأمم والحضارات بنائها الضخم ، هذا البناء الذي يفترض أن يسلم من جيل إلى جيل ليزداد وينمو بل ويبقى أمد الدهر عاليا شامخا ، ولن يحصل ذلك إلا إذا سادت مكارم الأخلاق وتعمقت في نفوس كل  فرد من أفراد الأمة فضلا عن الملوك والأمراء والحكام الذين يملكون مفاتيح السلطة والقوة في الدول و الأمم لينجوا بأممهم ودولهم من الانهيار والخراب إلى أعلى درجات التقدم والتحضر والعمران..   

 

 

 

 

 

 

 

 

  

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق